من حديث: (لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب أهدت له أم سليم حيسا في تور من حجارة..)

(1428) وحدثني محمد بن رافعٍ: حدثنا عبدالرزاق: حدثنا معمرٌ، عن أبي عثمان، عن أنسٍ قال: لما تزوج النبي ﷺ زينب أهدتْ له أم سُلَيمٍ حَيْسًا في تَوْرٍ من حجارةٍ، فقال أنسٌ: فقال النبي ﷺ: اذهب، فَادْعُ لي مَن لقيتَ من المسلمين، فدعوتُ له مَن لقيتُ، فجعلوا يدخلون عليه فيأكلون ويخرجون، ووضع النبي ﷺ يده على الطعام فدعا فيه، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ولم أَدَعْ أحدًا لقيتُه إلا دعوتُه، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، وبقي طائفةٌ منهم، فأطالوا عليه الحديث، فجعل النبي ﷺ يستحيي منهم أن يقول لهم شيئًا، فخرج وتركهم في البيت، فأنزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ قال قتادة: غير مُتَحَيِّنِينَ طعامًا، وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا حتى بلغ: ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53].

الشيخ: وهذه الوليمة، ادعُ لي مَن لقيتَ، دعا الناس لهذه الوليمة، مَن يعرف، ومَن لا يعرف، أمر أنسًا أن يدعو لهذه الوليمة، وهذا فيه جواز الدعوة العامة في وليمة زينب، وهذا من علامات النبوة، ومن دلائل أنه رسول الله حقًّا: حَيْسٌ أهدتْه أم سُلَيمٍ في تَوْرٍ، ثم دعا إليه الأمم الكثيرة ومَن لقي، وأنزل الله فيه البركة حتى أكلوا وشبعوا وخرجوا، يأتي فوجٌ، ويخرج فوجٌ، يأكلون، وهذا الطعام يزيد ولا ينقص، هذا من آيات الله، مثلما جرى في أوقاتٍ كثيرةٍ: في غزوة تبوك، وفي دعواته في المدينة للصحابة، عند أبي طلحة وغيره وقعتْ هذه البركات العظيمة.

وهكذا في الماء، نبوع الماء من بين أصابعه حتى استقى الناس، وقصة ..... المَزَادَتين، وغير ذلك من الآيات العظيمات والدلائل القاطعات على أنه رسول الله حقًّا، عليه من ربِّه أفضل الصلاة والتَّسليم.

س: .......؟

ج: أَوْلِمْ ولو بشاةٍ، الأمر واسعٌ، لا ينبغي التَّكلف الذي يشق عليه، على قدر حاله، كلٌّ يُولِمُ على قدر حاله، فإذا كان له أقارب كثيرون وجيران كثيرون وزاد في الوليمة ودعاهم لا بأس.

س: .......؟

ج: إناء، التَّور: إناء من حَجَرٍ.

س: والحَيْس؟

ج: والحَيْس: تمرٌ وسمنٌ وأَقِطٌ، هذا الحَيْس.

يقول الشاعر:

التَّمر والسَّمن جميعًا والأَقِط الحَيْس إلا أنه لم يَخْتَلِط

إذا خُلِطَ صار حَيْسًا، وإذا صار كل واحدٍ لحاله فما هو بِحَيْسٍ، حطَّ تمرًا وسَمْنًا لحاله، ويغمسه فيه، هذا ما يُسمى: حَيْسًا، لكن إذا اختلطتْ صار حَيْسًا، التمر والسمن والأَقِط إذا اختلطتْ.

(1429) حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأتُ على مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: إذا دُعِيَ أحدكم إلى الوليمة فَلْيَأْتِهَا.

الشيخ: سواء كانت عُرْسًا أو غير عُرْسٍ: إذا دُعِيَ أحدكم إلى وليمةٍ فَلْيَأْتِهَا، وفي بعض الروايات: عُرْسًا كان أو نحوه يعني: ما هو بشرطٍ أن تكون عُرْسًا، ولو وليمة قدومٍ من سفرٍ، أو وليمة ختانٍ، أو وليمة غير ذلك، إذا دعاه أخوه المسلم لوليمةٍ فَلْيُجِبْ؛ لأن هذا من باب التَّحابِّ والتَّزاور والتَّعارف، وإزالة ما قد يقع من خُشونةٍ أو شحناء.

(1429) وحدثنا محمد بن المُثَنَّى: حدثنا خالد بن الحارث، عن عبيدالله، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: إذا دُعِيَ أحدكم إلى الوليمة فَلْيُجِبْ.

(1429) حدثنا ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبي: حدثنا عبيدالله، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: إذا دُعِيَ أحدكم إلى وليمة عُرْسٍ فَلْيُجِبْ، قال خالدٌ: فإذا عبيدالله يُنزله على العُرْس.

الشيخ: في بعض الروايات: عُرْسًا كان أو نحوه، الأحاديث عامةٌ؛ ولهذا في الحديث الآتي: مَن لم يُجِب الدعوة فقد عصى الله ورسوله.

(1429) حدثني أبو الربيع، وأبو كامل، قالا: حدثنا حماد: حدثنا أيوب. ح، وحدثنا قتيبة: حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: ائتوا الدعوة إذا دُعِيتُم.

(1429) وحدثني محمد بن رافعٍ: حدثنا عبدالرزاق: أخبرنا معمرٌ، عن أيوب، عن نافعٍ: أن ابن عمر كان يقول: عن النبي ﷺ: إذا دعا أحدكم أخاه فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كان أو نحوه.

الشيخ: وهذا يُبين أنه لا يُخَصُّ بالعُرْس، قوله: أو نحوه كسائر الولائم الأخرى المُباحة، لا يختص ذلك بالعُرْس.

س: .......؟

ج: هذا هو الأصل، الأصل الوجوب، ويأتي في الحديث -حديث أبي هريرة-: مَن لم يُجِب الدعوة فقد عصى الله ورسوله صريحٌ في الوجوب، ما لم يكن مانعٌ من مرضٍ أو مُنكرٍ.

س: ......؟

ج: بعض أهل العلم يستثني الدعوة العامة التي ما عُيِّن فيها، ما تجب إلا إذا عُيِّنَ؛ عيَّنه الرسول أو البطاقة المُرسلة إليه، أما الدعوة العامة فالأمر فيها أوسع، يعني: الدعوة التي تقول: فلانٌ يدعوكم إلى العشاء، أو يدعوكم إلى الغداء. وليس فيها تعيين أحدٍ.

(1429) وحدثني إسحاق بن منصور: حدثني عيسى بن المنذر: حدثنا بقية: حدثنا الزبيدي، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: مَن دُعِيَ إلى عُرْسٍ أو نحوه فَلْيُجِبْ.

(1429) حدثني حُميد بن مَسْعَدَة الباهلي: حدثنا بشر بن المُفضل: حدثنا إسماعيل بن أُمية، عن نافعٍ، عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: ائتوا الدعوة إذا دُعِيتُم.

(1429) وحدثني هارون بن عبدالله: حدثنا حجاج بن محمدٍ، عن ابن جُريجٍ قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافعٍ قال: سمعتُ عبدالله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: أجيبوا هذه الدعوة إذا دُعِيتُم لها، قال: وكان عبدالله بن عمر يأتي الدعوة في العُرْس وغير العُرْس، ويأتيها وهو صائمٌ.

الشيخ: نعم، ولو صائمًا، النبي ﷺ قال: فإن كان صائمًا فَلْيَدْعُ، وإن كان مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، إذا كان صائمًا يقول: سامحوني، أنا صائمٌ، سامحوني. ويدعو لهم وينصرف، وإن أكل؛ لأن صومه نافلةٌ، وأحبَّ أن يُفطر فلا بأس.

والحكمة في ذلك -والله أعلم- كما هو معروفٌ، الحكمة في هذا: أن هذه الدعوة يحصل بها التَّعارف والتَّآخي والمحبة والتعاون، فإن الوحشة تجلب الفُرقة والعداوة، والزيارة المتكررة للدعوة تُسبب المحبة والأُلْفَة والتعاون على الخير.

(1429) وحدثني حَرْمَلَة بن يحيى: أخبرنا ابن وهبٍ: حدثني عمر بن محمد، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: إذا دُعيتُم إلى كُرَاعٍ فأجيبوا.

الشيخ: الله أكبر، يعني: إلى شيءٍ يسيرٍ، يعني: ولو دُعِيتُم إلى شيءٍ يسيرٍ، الله أكبر، كما قال ﷺ: لو دُعِيتُ إلى كُرَاعٍ أو ذراعٍ لَأَجَبْتُ، اللهم صلِّ عليه وسلم، ولو أُهْدِيَ إليَّ ذراعٌ أو كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ، هذا من حُسن الخُلُق، ومن التواضع، والله المستعان.

الفقير قد يكون ما عنده طعامٌ جيدٌ، فإذا دعاك أخوك ولو كان فقيرًا فَأَجِبْ؛ تواضعًا وتَحَبُّبًا وتأليفًا للقلوب.

س: إذا قدَّم الاعتذار هل يسقط الوجوب عنه؟

ج: لعله، لعله، الله أعلم، لعله إذا قدَّم الاعتذار وسمح -إن شاء الله- أنه عذرٌ، لعله، لكن ما ينبغي أن يُقدم الاعتذار إلا إذا كان له وجهٌ، العذر له وجهٌ؛ لأن كل واحدٍ يستطيع أن يتعذر، لكن ينبغي ألا يُقدم الاعتذار إلا إذا كان شيئًا بَيِّنًا مثل: مرضٍ، مثل: موعدٍ سابقٍ، مثل: قُرب سفرٍ، مثل: أشياء لها أهميةٌ يتعذر بها، ما هو مجرد التهاون بالدعوة، أو احتقاره للداعي، أو التَّكبر، لا، لا بد أن يكون عذرًا له وجهٌ، له أهميةٌ، وإلا فمعناه: عدم المُبالاة بهذه الدعوة، وعدم المُبالاة بأمر النبي ﷺ.

(1430) وحدثنا محمد بن المثنى: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي. ح، وحدثنا محمد بن عبدالله بن نُمَيرٍ: حدثنا أبي، قالا: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابرٍ قال: قال رسول الله ﷺ: إذا دُعِيَ أحدكم إلى طعامٍ فَلْيُجِبْ، فإن شاء طَعِمَ، وإن شاء ترك، ولم يذكر ابن المثنى: إلى طعامٍ.

الشيخ: يعني: بعد وصوله، إذا وصل وأجاب الدعوة إن شاء طعم، وإن شاء اعتذر، قال: سامحوني. قد يكون ما هو مُشْتَهٍ، قد يكون وراءه مشاغل، قد يكون صائمًا، لكن كونه يأكل أفضل؛ ولهذا في الحديث الآخر: إن كان صائمًا فَلْيَدْعُ، وإن كان مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ؛ لأن كونه يأكل جبرًا للداعي ومُراعاةً لخاطره؛ لأن كونه يجيء ويأكل أكمل، لكن إذا كان له عذرٌ، أو عليه مشقةٌ وحضر، وقال: سامحوني، أنا حضرتُ، ولكن سامحوني من الأكل. فلا بأس.

(1430) وحدثنا ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جُريجٍ، عن أبي الزبير .. بهذا الإسناد بمثله.

(1431) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غِيَاثٍ، عن هشامٍ، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا دُعِيَ أحدكم فَلْيُجِبْ، فإن كان صائمًا فَلْيُصَلِّ، وإن كان مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ.

الشيخ: ومعنى فَلْيُصَلِّ يعني: فَلْيَدْعُ، إن كان صائمًا فَلْيُصَلِّ يعني: فَلْيَدْعُ لأهل الوليمة: كثَّر الله خيركم، شكر الله سعيكم، أنعم الله عليكم، وما أشبه ذلك، جعله الله زواجًا -إن كان زواجًا- مُباركًا، بارك الله لك وعليك، وينصرف، وإن كان مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وكونه يَطْعَم أفضل، وهو المقصود من الإجابة.

س: .......؟

ج: بعدما يحضر، يحضر ثم يعتذر، يحضر ثم يقول: سامحوني من الطعام.

س: ذكر بعض الفقهاء: أن القاضي ما يُجيب الدعوة.

ج: ما عليه دليلٌ.

أقول: الرسول ﷺ سيد الحُكَّام وإمامهم، وكان يُجيب الدعوة عليه الصلاة والسلام: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

س: أحسن الله إليكم، يقول الشارح في كلامٍ عن إجابة الداعي للدعوة: "ويحصل المقصود بحضوره وإن لم يأكل، فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون"، فهل في قوله: فقد يتبرك به أهل الطعام ..؟

ج: هذا من أغلاط النووي، من أغلاطه: التَّبرك بالصالحين، بثيابهم، مثلما كان الصحابة يتبركون بعرق النبي ﷺ، والنووي وأشباهه يغلطون في هذا، والصواب أن هذا غلطٌ، لا يجوز؛ لأنه وسيلةٌ إلى الشرك، إنما كان هذا مع النبي خاصةً ﷺ، كان الصحابة يتبركون بعرقه ووضوئه وملابسه، أما غيره فلا، ما كان الصحابة يفعلون هذا مع الصديق، ولا مع عمر، ولا مع عثمان، ولا مع عليٍّ، ولا مع بقية العشرة، إنما هذا مع النبي ﷺ خاصةً، فقول النووي هذا غلطٌ، والله المستعان، والنووي له أغلاطٌ في هذا، وفي تأويل بعض الصفات، نسأل الله أن يعفو عنا وعنه.

(1432) حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأتُ على مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنه كان يقول: بئس الطعام طعام الوليمة؛ يُدْعَى إليه الأغنياء، ويُترك المساكين، فمَن لم يأتِ الدعوة فقد عصى الله ورسوله.

(1432) وحدثنا ابن أبي عمر: حدثنا سفيان قال: قلتُ للزهري: يا أبا بكر، كيف هذا الحديث: شَرُّ الطعام طعام الأغنياء؟ فضحك، فقال: ليس هو: شَرُّ الطعام طعام الأغنياء. قال سفيان: وكان أبي غنيًّا، فأفزعني هذا الحديث حين سمعتُ به، فسألتُ عنه الزهري، فقال: حدثني عبدالرحمن الأعرج: أنه سمع أبا هريرة يقول: شَرُّ الطعام طعام الوليمة .. ثم ذكر بمثل حديث مالكٍ.

الشيخ: هذا موقوفٌ، ولكن جاء مرفوعًا كما يأتي: أن النبي عليه السلام قال: شَرُّ الطعام طعام الوليمة؛ يُدْعَى إليها الأغنياء، ويُترك الفقراء، ومَن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله يعني: بالنسبة لبعض الناس.

بعض الناس يدعو الأغنياء، ويترك الفقراء، فهذا شرُّ الطعام طعام مثل هذا، ومع هذا يُجاب، تُجاب الدعوة، لكن ينبغي للداعي ألا يخصَّ الأغنياء، بل يدعو جيرانه الأغنياء والفقراء، ومَن شاء من الأغنياء والفقراء، لا يخصّ بها الأغنياء خاصةً، بل يكون الداعي مُحْتَسِبًا في دعوته، فيدعو من جيرانه وأقاربه الأغنياء والفقراء جميعًا؛ حتى لا تكون وليمته من شَرِّ الطعام.

(1432) وحدثني محمد بن رافع، وعَبْدُ بن حُميد، عن عبدالرزاق: أخبرنا معمرٌ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن الأعرج، عن أبي هريرة قال: شَرُّ الطعام طعام الوليمة .. نحو حديث مالكٍ.

وحدثنا ابن أبي عمر: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة .. نحو ذلك.

(1432) وحدثنا ابن أبي عمر: حدثنا سفيان قال: سمعتُ زياد بن سعدٍ قال: سمعتُ ثابتًا الأعرج يُحدث عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: شَرُّ الطعام طعام الوليمة؛ يُمْنَعُها مَن يأتيها، ويُدْعَى إليها مَن يَأْبَاهَا، ومَن لم يُجِب الدعوة فقد عصى الله ورسوله.

الشيخ: هنا صرَّح بأنه قاله النبي ﷺ.

أقول: صرَّح هنا بأن أبا هريرة سمعه من النبي ﷺ: شَرُّ الطعام طعام الوليمة، يُدْعَى إليها مَن يَأْبَاهَا، ويُمْنَعُها مَن يحتاج إليها يعني: يُدْعَى إليها الأغنياء وهم ليسوا بحاجةٍ، ويُترك الفقراء وهم في حاجةٍ.

(1433) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد -واللفظ لعمرٍو- قالا: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة إلى رسول الله ﷺ فقالت: كنتُ عند رفاعة فَطَلَّقَني فَبَتَّ طلاقي، فتزوجتُ بعده عبدالرحمن بن الزبير.

الشيخ: المشهور الفتح: الزَّبير، المشهور فيه الفتح.

فتزوجتُ بعده عبدالرحمن بن الزَّبير، وإن ما معه مثل هُدْبَة الثوب. فتبسم رسول الله ﷺ، فقال: أتُريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تَذُوقِي عُسَيْلَتَه، ويذوق عُسَيْلَتَكِ، قالت: وأبو بكرٍ عنده، وخالد بن سعيد بالباب ينتظر أن يُؤْذَن له، فنادى: يا أبا بكر، ألا تسمع هذه ما تجهر به عند رسول الله ﷺ؟

الشيخ: وهذا الحديث يُبين لنا أن المطلقة البائن لا تحلّ لزوجها الأول حتى تُجامع الزوج الثاني؛ لقوله جلَّ وعلا: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230] يعني: نكاحًا شرعيًّا يكون به وَطْءٌ؛ لأنها اشتكتْ إلى الرسول ﷺ أن هذا الزوج –الزَّبير- ليس معه إلا مثل هُدْبَة الثوب، يعني: ذَكَره ضعيفٌ، ما يستطيع الجِمَاع، ذَكَره ضعيفٌ كالورقة أو كالخِرْقَة الضَّعيفة، فتبسم النبيُّ من قولها عليه الصلاة والسلام، وبيَّن لها أنها لا تصلح أن ترجع إلى رفاعة حتى يذوق الزوج الثاني عُسَيْلَتَها، يعني: حتى يُجامعها، وهذا يكون تفسيرًا لقوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وأن المراد بالنكاح هنا العقد الذي فيه جِمَاعٌ، لا مجرد العقد، بل لا بد من عقدٍ فيه ذوق عُسَيْلَةٍ، وهو الجِمَاع، فإذا طلَّقها بعد هذا أو مات عنها حلَّتْ للأول.

(1433) حدثني أبو الطاهر، وحَرْمَلَة بن يحيى -واللفظ لحرملة- قال أبو الطاهر: حدثنا. وقال حرملة: أخبرنا ابن وهبٍ قال: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ قال: حدثني عروة بن الزُّبير: أن عائشة -زوج النبي ﷺ- أخبرته: أن رفاعة القُرَظِي طلَّق امرأته فَبَتَّ طلاقها، فتزوجتْ بعده عبدالرحمن بن الزَّبير، فجاءت النبيَّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنها كانت تحت رفاعة، فطلَّقها آخر ثلاث تطليقاتٍ، فتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزَّبير، وإنه –والله- ما معه إلا مثل الهُدْبَة، وأخذتْ بِهُدْبَةٍ من جلبابها، قال: فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا وقال: لعلكِ تُريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى يذوق عُسَيْلَتَكِ وتذوقي عُسَيْلَتَه، وأبو بكر الصديق جالسٌ عند رسول الله ﷺ، وخالد بن سعيد بن العاص جالسٌ بباب الحُجْرَة لم يُؤْذَن له، قال: فطفق خالدٌ يُنادي أبا بكر: ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله ﷺ؟

(1433) وحدثنا عَبْدُ بن حُميدٍ: أخبرنا عبدالرزاق: أخبرنا معمرٌ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن رفاعة القُرَظِي طلَّق امرأته، فتزوجها عبدالرحمن بن الزَّبير، فجاءت النبيَّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلَّقها آخر ثلاث تطليقاتٍ .. بمثل حديث يونس.

س: ..... نكاح الشُّبهة يُبيحها لزوجها الأول؟

ج: لا، لا بد من نكاحٍ صحيحٍ، ما تحلّ إلا بنكاحٍ صحيحٍ فيه وَطْءٌ، لا تحلّ لزوجها الأول الذي بانتْ منه إلا بنكاحٍ صحيحٍ فيه وَطْءٌ.

(1433) حدثنا محمد بن العلاء الهمداني: حدثنا أبو أسامة، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ سُئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيُطلقها، فتتزوج رجلًا فيُطلقها قبل أن يدخل بها، أتحلُّ لزوجها الأول؟ قال: لا، حتى يذوق عُسَيْلَتَها.

(1433) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن فُضيلٍ. ح، وحدثنا أبو كُريبٍ: حدثنا أبو معاوية –جميعًا- عن هشامٍ .. بهذا الإسناد.

(1433) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا علي بن مُسْهِرٍ، عن عبيدالله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: طلَّق رجلٌ امرأته ثلاثًا، فتزوجها رجلٌ ثم طلَّقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوجها، فَسُئِلَ رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: لا، حتى يذوق الآخر من عُسَيْلَتَها ما ذاق الأول.

(1433) وحدثناه محمد بن عبدالله بن نُمَيرٍ: حدثنا أبي. ح، وحدثناه محمد بن المثنى: حدثنا يحيى بن سعيدٍ –جميعًا- عن عبيدالله .. بهذا الإسناد مثله، وفي حديث يحيى عن عبيدالله قال: حدثنا القاسم، عن عائشة.

(1434) حدثنا يحيى بن يحيى، وإسحاق بن إبراهيم -واللفظ ليحيى- قالا: أخبرنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن كُريبٍ، عن ابن عباسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جَنِّبْنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ في ذلك لم يضرَّه شيطانٌ أبدًا.

الشيخ: وهذا يدل على شرعية التَّسمية عند الجِمَاع، وأن السُّنة للزوج عند الجِمَاع أن يقول: "بسم الله، اللهم جَنِّبْنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا"، وهذا أرشد إليه النبي ﷺ، وأنه من أسباب سلامة الولد من الشيطان؛ ولهذا قال: لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جَنِّبْنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ لم يَضُرَّه شيطانٌ أبدًا، وهذا بشارةٌ ووعدٌ، وبشارةٌ عظيمةٌ، فجديرٌ بالأزواج أن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يحرصوا على هذه التَّسمية وهذا الدعاء عند الجِمَاع.

س: .......؟

ج: الخطاب للأزواج، وإذا قالته الزوجة ما في بأس، الخطاب للأزواج، وإذا قالته الزوجة فهو خيرٌ.

(1434) وحدثنا محمد بن المثنى، وابن بشارٍ، قالا: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا شعبة. ح، وحدثنا ابن نُمَيرٍ: حدثنا أبي. ح، وحدثنا عَبْدُ بن حُميدٍ: أخبرنا عبدالرزاق –جميعًا- عن الثوري -كلاهما- عن منصورٍ بمعنى حديث جريرٍ، غير أن شعبة ليس في حديثه ذِكْر: بسم الله، وفي رواية عبدالرزاق، عن الثوري: بسم الله، وفي رواية ابن نُمَيرٍ: قال منصورٌ: أُراه قال: بسم الله.