كتاب صلاة الاستسقاء
(894) وحدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأتُ على مالكٍ، عن عبدالله بن أبي بكر: أنه سمع عبَّاد بن تميم يقول: سمعتُ عبدالله بن زيد المازني يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المُصَلَّى فاستسقى، وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة.
(894) وحدثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبدالله بن أبي بكر، عن عبَّاد بن تميم، عن عمِّه قال: خرج النبي ﷺ إلى المُصَلَّى فاستسقى، واستقبل القبلة، وقَلَبَ رداءه، وصلَّى ركعتين.
الشيخ: وهذه السُّنة في الاستسقاء، السُّنة في الاستسقاء: أن يخرج إلى الصحراء –المُصَلَّى- ويُصلي بالناس ركعتين ويستسقي.
إذا أجدبت الأرض، واحتاج الناس إلى الغيث؛ السُّنة أن يخرج المسلمون خارج المساجد في المُصَلَّى، يكون المُصَلَّى تحت السَّماء، كما فعل النبي ﷺ، فيستسقي، يُصلي ركعتين كما في العيد، ثم يستسقي، وإن استسقى قبل ذلك، وصلَّى بعد ذلك فلا بأس، جاء هذا وهذا عن النبي ﷺ: استسقى قبل أن يُصلي، واستسقى بعد الصلاة.
قال ابن عباسٍ: إنه صلَّى كما صلَّى في العيد.
والمقصود أنه يُصلي ركعتين بعد ارتفاع الشمس، ثم يخطب الناس ويستسقي، يسأل ربه أن يُغِيث العباد غَيْثًا مُباركًا، وأن يُزيل عنهم الشدة، كما فعل النبي ﷺ، ويحثّهم على التوبة والاستغفار والصدقة.
س: .......؟
ج: جاء هذا وهذا، ثبت هذا وهذا.
س: أحسن الله إليكم، تحويل الرداء قبل الصلاة ..؟
ج: السُّنة أن يُحوّل الرداء عند استقبال القبلة، يخطب الناس، ويُذَكِّر الناس، فإذا أراد أن يستقبل القبلة حوّل الرداء واستقبل القبلة ودعا، ثم نزل.
س: الإمام فقط يا شيخ؟
ج: الإمام والمأمومون.
س: سُنَّة؟
ج: سنة، تفاؤل بأن الله يُغير الحالة من الشدة إلى الرخاء.
س: يدعو في الاستسقاء وهو جالسٌ أو قائمٌ؟
ج: الإمام وهو قائمٌ، والناس وهم جلوسٌ، وإذا نزل قام الناس، إذا انصرف إلى القبلة قام الناس.
س: نسمع بعض العلماء يقولون: الإنسان يلبس لباسًا خَلِقًا أو لباسًا ..؟
ج: ..... يلبس اللباس العادي .....، لباس البذلة، يعني: ما يُغير شيئًا، اللباس العادي، ما هو بلباس الزينة مثل العيد، لا، يمشي في ثيابه العادية إلى المُصَلَّى، وقت الاستسقاء يخرج الناس في ثيابهم العادية، أما في العيد فيُستحب التَّجمل.
س: مَن قال: إذا نزل الإمام للاستسقاء يقوم المأمومون للدعاء ..... وجوبًا يقومون إذا نزل للاستسقاء؟
ج: لا، ما عليه دليلٌ.
س: لكن الأفضل أن يقوموا يا شيخ؟
ج: انتهت الصلاة؛ لأن الخطبة بعد الصلاة ..... لتحويل الرداء، ثم الذهاب إلى بيوتهم؛ لأن العمل الآن على أن يُصلي، ثم يخطب، يُصلي كما يُصلي العيد، ثم يخطب الناس، هم يقومون لأجل تحويل الرداء، الذي عليه رداء يُحول الرداء، والذي عليه بِشْت يُحول البِشْت.
س: يعني: القيام لتحويل الرداء؟
ج: هذا المقصود: للتحويل، ثم الانصراف.
س: بارك الله فيك، قوله: «مُتَرَسِّلًا»، معنى: "مُتَرَسِّلًا" في الرواية؟
ج: يعني: على مهله، ما هو بِعَجِلٍ، يمشي على مهله، مشي الخشوع، والخائف الوَجِل، يعني: الخروج للذلة والاستكانة والانكسار بين يدي الله، مُتَبَذِّلًا، خاشعًا، في ثياب بذلته، مُتَضَرِّعًا لربه حتى يصل إلى المسجد.
س: أحسن الله إليك، الذي عليه أكثر الناس إذا صلّوا: إذا انتهى الإمام من الخطبة قاموا ودعوا، ثم حوّلوا أرديتهم؟
ج: مثلما فعل، يدعون مثلما دعا؛ لأنه إذا انتهت الخطبة هم يدعون كما دعا، هم يدعون، وهو يدعو، ويُحولون أرديتهم مثلما حوَّل، مثلما قال أبو جعفر: حوَّل الناس أرديتهم.
س: يعني: التَّحويل قبل الدُّعاء؟
ج: عند الانصراف، عندما يريد أن ينصرف إلى القبلة.
س: أحسن الله إليك، أيضًا نسمع بعض الناس يقولون لإنسانٍ، أو الناس يخرجون معهم البهائم وكذا؟
ج: لا، ما عليه دليلٌ، ما عليه دليلٌ، يفعله بعضهم، لكن ما ورد في السُّنة شيءٌ، ما أعلم في السُّنة شيئًا يدل على هذا.
س: بارك الله فيك، كيفية طلب الدعاء ممن يُظَنُّ به الصلاح والتَّقوى، كما فعل الصحابة مع العباس .....؟
ج: هذا لا بأس به، إذا فعله الإمام لا بأس، إذا فعله مع مَن يرى أنه يُرْجَى فيه إجابة الدعوة، يقول: ادعُ لنا يا فلان. ويُؤَمِّنون على دُعائه؛ لا بأس، لكن هذا انتهى، ما فعله إلا عمر مرةً واحدةً مع العباس، أقول: ما فعله إلا عمر، ما فعله بعد ذلك، ولا فعله عثمان، ولا فعله عليّ، انتهى الأمر.
س: يعني: أحسن الله إليك، الخطيب إذا انتهى يُسَنُّ للمأموم أن يدعو وهو جالسٌ في مكانه، لا يقوم؟
ج: أيش فيه؟
س: إذا انتهى الخطيب من الخطبة؟
ج: يقوم حتى يُغير بِشْتَه، أو يُغير رداءه، وإن كان ما عليه إلا رداؤه أمكنه أن يُغيره وهو جالسٌ، المقصود: انتهت الصلاة، وانتهى كل شيءٍ، فيقوم يدعو وينصرف.
س: يعني: عمل أكثر الناس الآن إذا انتهى الخطيب قاموا ودعوا؟
ج: مثل الخطيب، يدعون مثلما دعا الخطيب؛ لأن الإنصات انتهى، ما عاد لها إنصاتٌ، الخطيب أعرض عنهم الآن، وصار يدعو ربَّه، فيُمكن أن يُشرع لهم أن يدعوا الله؛ تأسيًا بالخطيب.
س: لكن يدعون عن قيامٍ أو جلوسٍ؟
ج: كله واحدٌ، الأمر واسعٌ في هذا، الأمر واسعٌ.
س: لو قدَّم الخطبة على الصلاة؟
ج: جائزٌ هذا وهذا، فعل النبي ﷺ هذا وهذا.
س: .......؟
ج: هذا وهذا، كلاهما، لكن إذا كان أهل بلده يصلون ثم يخطبون لا يَشُذّ عن الناس، الخلاف شرٌّ، يُصلي مثل أهل بلده، مثلما صلَّى النبيُّ ﷺ، صلَّى هذا وهذا، اللهم صلِّ عليه وسلم.
(894) وحدثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيدٍ قال: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو: أن عبَّاد بن تميم أخبره: أن عبدالله بن زيد الأنصاري أخبره: أن رسول الله ﷺ خرج إلى المُصلَّى يستسقي، وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحوّل رداءه.
(894) وحدثني أبو الطاهر وحرملة، قالا: أخبرنا ابن وهبٍ: أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ قال: أخبرني عبَّاد بن تميم المازني: أنه سمع عمَّه -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ- يقول: خرج رسول الله ﷺ يومًا يستسقي، فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله، واستقبل القبلة، وحوّل رداءه، ثم صلَّى ركعتين.
(895) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، عن شعبة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يُرَى بياض إبطيه.
(895) وحدثنا عبد بن حميد: حدثنا الحسن بن موسى: حدثنا ابن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنس بن مالكٍ : أن النبي ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفَّيه إلى السَّماء.
(895) حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا ابن أبي عدي وعبدالأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادة، عن أنسٍ : أن نبي الله ﷺ كان لا يرفع يديه في شيءٍ من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يُرَى بياض إبطيه. غير أن عبدالأعلى قال: يُرَى بياض إبطه، أو بياض إبطيه.
الشيخ: وقوله : "لا يرفع" حملوه على المبالغة، يعني: لا يرفع رفعًا مُبالغًا إلا في الاستسقاء، وإلا فهو يرفع يديه في مواضع كثيرةٍ ﷺ، لكن مقصوده –يعني- المُبالغة، كان يرفع ويُبالغ في الرفع في الاستسقاء، وإلا فقد ثبت عنه رفع يديه في مواضع كثيرةٍ عليه الصلاة والسلام.
س: بارك الله فيك يا شيخ، هل يُحمل هذا على أنه يجوز في مواطن غير مواطن الاستسقاء رفع اليدين؟
ج: هذا من أسباب الإجابة، إلا في المواطن التي ما رفع فيها النبي ﷺ لا ترفع فيها، يقول النبي ﷺ: إن ربَّكم حييٌّ كريمٌ، يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردَّهما صفرًا.
وفي الحديث الصحيح -حديث أبي هريرة عند مسلمٍ-: إن الله تعالى طيبٌ، لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون:51]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ [البقرة:172]، ثم ذكر الرجل يُطيل السفر، أَشْعَثَ، أَغْبَر، يمدّ يديه إلى السماء: يا ربّ، يا ربّ. فذكر أن مدَّ اليدين من أسباب الإجابة، ورفع النبي يديه في مواضع كثيرةٍ عليه الصلاة والسلام.
س: عفا الله عنك، فأشار بظهر كفَّيه إلى السَّماء؟
ج: يعني: بالغ في الرفع.
س: سلمك الله، أنسٌ نسي بعض المواضع التي رفع فيها النبي ﷺ؟
ج: لعله نسيها، أقول: لعله نسيها .
س: رفع اليدين بعد الصلاة؟
ج: بعد الفريضة لا، ما كان النبي ﷺ يرفع، أما إذا رفع بعد النَّافلة في بعض الأحيان لا بأس، بعض الأحيان لا بأس، النبي ﷺ رفع في بعض الأحيان بعد النَّافلة.
س: ورفع المأموم للتأمين في الخطبة؟
ج: خطبة الاستسقاء لا بأس، أما الجمعة لا، ما فيها رفعٌ، لكن في خطبة الاستسقاء يرفع ويرفعون، يرفع الإمام، ويرفع المأمومون أيديهم مثله، يتأسون به.
س: والدعاء في الخطبة؟
ج: في الخطبة: خطبة الجمعة، وخطبة الاستسقاء، مشروعٌ فيها الدعاء، لكن الرفع يكون في الاستسقاء، لا في خطبة الجمعة، ولا في خطبة العيد، ما كان يرفع في خطبة الجمعة ولا العيد، إنما كان يرفع في خطبة الاستسقاء.
س: وإذا استسقى للجمعة؟
ج: يرفع يديه، إذا استسقى في الخطبة يرفع يديه.
س: والمأمومون؟
ج: والمأمومون كذلك.
س: السائل يقول: المبالغة في الدعاء ..؟
ج: سُنَّةٌ، سُنَّةٌ، نعم، يُلِحُّ في الدعاء.
س: بارك الله فيك يا شيخ، مَن حمل إنكار الصحابي على أحد بني أُمية الرفع، يقول: هذا رفع مُبالغة.
ج: لا، لا، أنكر على مروان لما قدَّم الخطبة في صلاة العيد، ما هو بالرفع.
..... أنكر على بشر بن مروان لما رفع يديه في خطبة الجمعة، قال: ما كان النبي يرفع في خطبة الجمعة، إنما كان يُشير بأصبعه اللهم صلِّ عليه وسلم.
فخطبة الجمعة لا يرفع فيها إلا إذا استسقى، وهكذا العيد إذا استسقى فيها لا بأس، يرفع، أما خطبة الجمعة بدون استسقاء ما فيها رفعٌ.
س: عفا الله عنك، نقل النَّووي رحمه الله عن بعض أهل العلم أنه يُشرع في بعض المواطن أن يكون بطن الكفَّين إلى السَّماء، وفي بعض المواضع ..؟
ج: هذا قول بعضهم، لكن الصواب: أن بطون اليدين إلى السماء، هذه السُّنة.
س: .......؟
ج: بطون اليدين إلى السماء.
س: بارك الله فيك يا شيخ، ألَّف السيوطي رحمه الله كتابًا أو صنَّف رسالةً ذكر فيها: أنه يجوز رفع اليدين في عموم الأوقات؟
ج: لا، غلط، الأوقات التي ما رفع فيها النبي ﷺ ..، الرسول ﷺ قدوةٌ في تركه وفعله، ما كان يرفع في خطبة الجمعة إلا الاستسقاء، ولا كان إذا سلَّم من صلاة الفريضة يرفع يديه، فيُتأسَّى به في الرفع والتَّرك، ولا يرفع بين السجدتين إذا جلس يدعو، ولا يرفع في التَّحيات -الدعاء في التَّحيات- قبل أن يُسلم؛ لأن النبي ﷺ ما كان يرفع في هذه المسائل، فكما أن فعله سنةٌ، فهكذا تركه في أوقات الترك سنةٌ.
س: دعاء القنوت يا شيخ؟
ج: يرفع فيه اليدين.
س: يمسح الوجه يا شيخ؟
ج: إن شاء مسح، وإن شاء ترك، يمسح تارةً، وتارةً يترك، النبي ﷺ كان ربما مسح، وربما ترك.
س: أنت قلتَ: إنه يرفع يديه في القنوت؟
ج: نعم، هذه السُّنة.
س: لكن هل ثبت هذا عن النبي ﷺ؟
ج: ذكره النَّووي رحمه الله عن رواية البيهقي بسندٍ صحيحٍ: أن النبي ﷺ رفع في قنوت النوازل، وقنوت الوتر يُشبه قنوت النوازل، مع عموم الأدلة في الرفع.
وحدثنا ابن المثنى: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة: أن أنس بن مالكٍ حدَّثهم عن النبي ﷺ نحوه.
(897) وحدثنا يحيى بن يحيى، ويحيى بن أيوب، وقتيبة، وابن حجر، قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخرون: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن أبي نمر، عن أنس بن مالكٍ: أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعةٍ من بابٍ كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائمٌ يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبل، فَادْعُ الله يُغثنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.
قال أنسٌ: ولا والله ما نرى في السَّماء من سحابٍ ولا قَزَعَة، وما بيننا وبين سَلْعٍ من بيتٍ ولا دارٍ.
قال: فطلعتْ من ورائه سحابةٌ مثل التُّرْس، فلما توسَّطت السماء انتشرتْ، ثم أمطرتْ.
قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا.
قال: ثم دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائمٌ يخطب، فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبل، فَادْعُ الله يُمْسِكها عنا. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: اللهم حولنا ولا علينا، اللهم على الآكام، والظِّراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، فانقلعتْ، وخرجنا نمشي في الشمس.
قال شريكٌ: فسألتُ أنس بن مالكٍ: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري.
الشيخ: وهذا يدل على استحباب طلب الإمساك عند التَّضرر من السَّيل، لكن لا يقل: أمسكها. يقول: اللهم حوالينا ولا علينا. مثلما قال ﷺ: اللهم على الظِّراب، والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، إذا اشتدَّ المطر وكَثُرَ وخِيفَ منه يقول: اللهم حوالينا. مثلما قال ﷺ.
(897) وحدثنا داود بن رُشَيْدٍ: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي: حدثني إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالكٍ قال: أصابت الناسَ سَنَةٌ على عهد رسول الله ﷺ، فبينا رسول الله ﷺ يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة إذ قام أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال .. وساق الحديث بمعناه، وفيه قال: اللهم حولنا ولا علينا، قال: فما يُشير بيده إلى ناحيةٍ إلا تَفَرَّجَتْ، حتى رأيتُ المدينة في مثل الجَوْبَة، وسال وادي قناة شهرًا، ولم يجئ أحدٌ من ناحيةٍ إلا أخبر بجودٍ.
(897) وحدثني عبدالأعلى بن حماد، ومحمد بن أبي بكر المُقَدَّمي، قالا: حدثنا مُعْتَمِرٌ: حدثنا عبيدالله، عن ثابتٍ البُنَانِي، عن أنس بن مالكٍ قال: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام إليه الناس فصاحوا، وقالوا: يا نبي الله، قَحَطَ المطر، وَاحْمَرَّ الشجر، وهلكت البهائم .. وساق الحديث، وفيه من رواية عبدالأعلى: فَتَقَشَّعَت عن المدينة، فجعلتْ تُمْطِر حواليها، وما تُمْطِر بالمدينة قطرةً، فنظرتُ إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل.
الشيخ: وهذا من علامات نبوته ﷺ، وأنه رسول الله حقًّا عليه الصلاة والسلام، وكانت الأدلة في هذا كثيرةً، دعا الله فَسُقِيَ الناس حالًا، ثم دعا الله جلَّ وعلا أن تكون حوالينا ولا علينا، فَمَزَّقَ الله السحاب، وصارت المدينة مثل الجَوْبَة: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] سبحانه وتعالى.
هذا من الدلائل على قُدرة الباري جلَّ وعلا، وأنه مالكٌ لكل شيءٍ، والقادر على كل شيءٍ، وعلى أن رسوله محمدًا هو رسول الله حقًّا، الصادق، المصدوق عليه الصلاة والسلام.
(897) وحدثناه أبو كُريبٍ: حدثنا أبو أسامة، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ بنحوه، وزاد: فألَّف الله بين السَّحاب، ومكثنا حتى رأيتُ الرجل الشديد تهمّه نفسه أن يأتي أهله.
(897) وحدثنا هارون بن سعيدٍ الأَيْلِي: حدثنا ابن وهبٍ: حدثني أسامة: أن حفص بن عبيدالله بن أنس بن مالكٍ حدَّثه: أنه سمع أنس بن مالكٍ يقول: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو على المنبر .. واقتصَّ الحديث، وزاد: فرأيتُ السَّحاب يتمزق كأنه المُلَاء حين تُطْوَى.
(898) وحدثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابتٍ البناني، عن أنسٍ قال: قال أنسٌ: أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطرٌ. قال: فَحَسَرَ رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله، لِمَ صنعتَ هذا؟ قال: لأنه حديث عهدٍ بربه تعالى.
الشيخ: وهذا يدل على استحباب كون الإنسان يكشف عن بعض جسده حتى يُصيبه المطر في رأسه أو يده، كما فعله النبي ﷺ.
(899) حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قَعْنَب: حدثنا سليمان –يعني: ابن بلال- عن جعفر -وهو ابن محمد- عن عطاء بن أبي رباح: أنه سمع عائشة رضي الله عنها -زوج النبي ﷺ- تقول: كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم الريح والغيم عُرِفَ ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مطرتْ سُرَّ به، وذهب عنه.
الشيخ: بركة، قف على حديث عائشة.
س: هذا من أدلة العلو: حديث عهدٍ بربه؟
ج: نعم، من ..... أعلى.
س: .......؟
ج: ما ورد شيءٌ، ما أُخبر شيء، لكن في الحديث الآخر: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته، اللهم صَيِّبًا نافعًا، حتى لو ما حَسَرَ عن ثوبه يدعو عند نزول المطر: اللهم صَيِّبًا نافعًا، مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته، هكذا السُّنة .....
س: ..... ماء المطر؟
ج: ماءٌ مُباركٌ، طيبٌ، إن توضأ منه طيبٌ.
س: .......؟
ج: الرأس أو اليد أو الكتف، ما تيسر، حَسَرَ ثوبه حتى أصاب منه شيئًا؛ بعض جسده.
س: .......؟
ج: إذا نزل المطر وهو يمشي في الطريق أو في أي مكانٍ.
س: قوله من باب الدعاء أو الإخبار؟
ج: نعم؟
س: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته؟
ج: الظاهر أنه من باب الخبر؛ لأنه فضل الله ورحمته، هذا فضلٌ من الله، إنزال المطر هو فضلٌ من الله ورحمة.
س: أحسن الله إليك، .....؟
ج: ..... ما في بأس.
س: لا، قصدي -أحسن الله إليك- إذا كان جالسًا في مجلسٍ، وليس له حاجةٌ إلى الخروج لشيءٍ، فلما نزل مطرٌ قام من أجل أن يحسر عن ثوبه؟
ج: طيب، سُنَّةٌ، طيب.
(899) حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قَعْنَب: حدثنا سليمان –يعني: ابن بلال- عن جعفر -وهو ابن محمد- عن عطاء بن أبي رباح: أنه سمع عائشة رضي الله عنها -زوج النبي ﷺ- تقول: كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم الريح والغيم عُرِفَ ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مطرتْ سُرَّ به، وذهب عنه ذلك، قالت عائشة: فسألتُه، فقال: إني خشيتُ أن يكون عذابًا سُلِّط على أُمتي، ويقول إذا رأى المطر: رحمة.
(899) وحدثني أبو الطاهر: أخبرنا ابن وهبٍ قال: سمعتُ ابن جُريجٍ يُحدثنا عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة رضي الله عنها -زوج النبي ﷺ- أنها قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرسلتْ به، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أُرسلتْ به.
الشيخ: وهذا هو السُّنة، إذا عصفت الريح أن يقول هكذا، ولا يَسُبّ الريح، ولكن يسأل الله خيرها، ويتعوذ بالله من شرِّها: اللهم إني أسألك خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أُرسلتْ به، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أُرسلتْ به.
وإذا رأى المطر قال: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته، اللهم صَيِّبًا نافعًا.
وكان يدخل ويخرج إذا رأى الغيم، يخشى من العذاب عليه الصلاة والسلام.
مَن كان بالله أعرف كان منه أخوف؛ لأن عادًا ظنُّوا أنه مطرٌ، فصار فيه عذابهم وهلاكهم.
فإذا مُطِرَ الناس سُرِّي عنه وفرح بذلك، وقال: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته، اللهم صَيِّبًا نافعًا.
هكذا أهل الإيمان يخافون آثار العقوبات، ويخشون ربهم جلَّ وعلا، وهم من أهل التَّقوى؛ ولهذا كان إذا رأى الغيم دخل وخرج، وتغير وجهه، يخشى أن ينزل عذابٌ، وهم في الصدر الأول أفضل الخلق، وأفضل القرون، الله أكبر!
يقول الله جلَّ وعلا في أمثالهم: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:57- 61]، هكذا أهل الإيمان؛ مع الجدِّ العظيم والنَّشاط في الخير والمُسابقة يخشون ويُسابقون إلى الطاعات، ويحذرون السيئات، ولا يأمنون مكر الله، قال جلَّ وعلا: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99]، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
س: ..... سماع الرعد أو رؤية البرق من السُّنة؟
ج: في القرآن: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ [الرعد:13]، لكن كان ابن الزبير إذا سمع ذلك قال: سبحان مَن سبَّح الرعد بحمده، أما أنا ما سمعتُ عن النبي ﷺ في هذا شيئًا، لكن إذا قاله الإنسان طيب، مثلما فعله ابن الزبير وغيره: سبحان مَن سبَّح الرعد بحمده والملائكة من خِيفَته.
س: موقوفٌ على ابن الزبير، عفا الله عنك؟
ج: ما بلغني إلا الموقوف على ابن الزبير.
الشيخ: قال الله: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف:24]، لا حول ولا قوة إلا بالله: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:25].
الشيخ: مَن كان بالله أعرف كان منه أخوف، عادٌ عُذِّبوا بالريح العقيم، نسأل الله العافية، وقوم نوحٍ بالماء –بالغرق- وثمود بالصيحة والرَّجْفَة، وهكذا شُعَيب بالصيحة والرَّجْفَة والنار -قوم شعيب- نسأل الله ..
المقصود: أنه ﷺ كان يخشى ويحذر ويُرَى التَّغير في وجهه إذا هبَّت الرياح أو جاء الغيم، فيتعوذ بالله من شرِّ الريح وما فيها، ويسأل الله خيرها، ويكون إذا رأى الغيم يخرج ويتغير، وإذا رأى المطر قال: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته، اللهم صَيِّبًا نافعًا، وكان الغالب عليه التَّبسم، وعدم الضحك ورفع الصوت، قد يضحك ويكون له صوتٌ لكنه قليلٌ، والغالب التَّبسم عليه الصلاة والسلام إذا رأى ما يُعْجِبه.
(900) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا غُنْدَر، عن شعبة. ح، وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشارٍ، قالا: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبور.
الشيخ: الصَّبا: الريح المشرقية، والدَّبور: ما جاء من جهة المغرب.
(900) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ، قالا: حدثنا أبو معاوية. ح، وحدثنا عبدالله بن عمر بن محمد بن أبان الجُعْفِي: حدثنا عبدة –يعني: ابن سليمان- كلاهما عن الأعمش، عن مسعود بن مالك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ بمثله.
الشيخ: تكلم الشارح على: نُصِرْتُ بالصَّبا؟
طالبٌ من الشرح: هي بفتح الصاد، ومقصورة، وهي الريح الشرقية.
وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبور وهي بفتح الدال، وهي الريح الغربية.
الشيخ: فقط؟
الطالب: فقط.