الأصل الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

قال شيخ الإسلام المُجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى في "ثلاثة الأصول":

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:

الأولى: العلم، وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.

الثانية: العمل به.

الثالثة: الدعوة إليه.

الرابعة: الصبر على الأذى فيه.

والدليل قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1- 3].

قال الشافعي رحمه الله تعالى: "لو ما أنزل الله حُجَّةً على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم".

وقال البخاري رحمه الله تعالى: "بابٌ: العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:١٩]، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل".

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فهذه الرسالة القيمة المُختصرة للشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله مُفيدةٌ جدًّا، ألَّفها لعموم المسلمين وعامّتهم؛ ليستفيدوا ويعرفوا دينهم.

وكان رحمه الله في القرن الثاني عشر، وُلِدَ سنة خمس عشرة ومئة وألف، ومات سنة ستٍّ ومئتين وألف هجرية، وكان في حريملاء أولًا من قُرى نجد يُعلم الناس، ثم انتقل إلى عُيينة يُعلم الناس، ثم انتقل من عُيينة لأسبابٍ إلى الدرعية، وبايعه محمد بن سعود جدّ الأسرة المالكة الآن، بايعه على الدعوة إلى الله ونصر الإسلام، وكان ذلك في عام 1157، ثم اشتغل بالدعوة بالدرعية والتَّدريس، وبدأ ذلك عام 58 -كما ذكر ذلك العلامة ابن بشر رحمه الله- وألَّف كتبًا كثيرةً في ذلك، ومن أخصرها وأجمعها هذا المُؤَلَّف: "ثلاثة الأصول" مع بيان شروط الصلاة والقواعد الأربع، وكان العامة يتعلمونه ويستفيدون منه، وكان أئمة المساجد يُعلمونه الناس؛ لأن العامّي يستفيد منه؛ لكونه مُختصرًا، ولا يستغني عن مثله الطالب -طالب العلم- لما فيه من القواعد والأُسس العظيمة.

يقول رحمه الله: "اعلم رحمك الله" يأمر الطالب يقول له: "اعلم"، ويدعو له بالرحمة.

"اعلم رحمك الله أنه يجب علينا" يعني: على كل مُكلَّفٍ "تعلم أربع مسائل" حتى يعرف بها دينه.

"الأولى: العلم" كونه يتعلم دينه، يعلم أفضل دينٍ: أن الله هو خالقه ورازقه، وأن الله هو المُستحق للعبادة، وأنه سبحانه ذو الأسماء الحسنى والصفات العُلا؛ ولهذا قال: "وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة"، هذا هو العلم، فيعرف توحيد الله، ويعرف دين الإسلام بالأدلة، ويعرف نبي الله، وأنه رسول الله، وأنه خاتم الأنبياء، وأن الله أرسله إلى الناس عامةً.

تكون هذه أصولًا عند المسلم: يعرف ربَّه أنه المُستحق للعبادة، وأنه الخلَّاق العليم، ربّ السماوات والأرض، ربّ كل شيءٍ، ذو الأسماء الحسنى والصفات العُلا، وأنه المُستحق لأن يُعبد، فلا يُدْعَى إلا الله، ولا يُستغاث إلا به، ولا يُذبح إلا له، ولا يُصلَّى إلا له، ولا يُنْذَر إلا له، ولا يُستغاث إلا به، هو المعبود بالحقِّ ، كما قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف:55]، وقال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، وقال سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]، وقال تعالى: فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، وقال جلَّ وعلا: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، فسمَّى دُعاة غير الله: كافرين، كُفَّارًا، وهم دُعاة الأصنام والأوثان وأصحاب القبور، ودُعاة الجنِّ، وأشباه ذلك، أو دُعاة الغائبين، كل هذا من الشرك الأكبر.

فهذه المسألة الأولى: أن تعرف ربَّك، ودينك، ونبيك محمدًا عليه الصلاة والسلام.

دينك دين الإسلام.

نبيك محمدٌ، تعرف أنه رسول الله، وأنه خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، وأن الله بعثه بالحقِّ والهدى، وتتعلم دينه وتتبصر.

الثانية: العمل بذلك، إذا تعلمتَ دين الإسلام، وتعلمتَ أصول الدين، وتعلمتَ التوحيد: توحيد الربوبية، والأسماء والصفات، وتوحيد العبادة، وهو معنى: لا إله إلا الله، هذا توحيد العبادة، هو معنى: لا إله إلا الله، يعني: لا معبود حقّ إلا الله، فهذا يُقال له: توحيد العبادة، يعني: تخصّ العبادة بالله وحده، مع الإيمان بأنه ربك وخالقك، وهو توحيد الربوبية، فهو الرازق، مع الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأنه سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، لا شبيه له، ولا مثل له، ولا نظير له، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، وقال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1- 4].

بعد هذا العلم تعمل؛ لأن المقصود من العلم العمل، تعمل بطاعة الله، وتُؤدي ما أوجب الله، وتنتهي عمَّا حرَّم الله، هذا العمل.

الثالثة: الدعوة إليه، تدعو إلى دين الله؛ تنصح إخوانك، وتدعوهم إلى الله، وتُعلمهم، فالدين قولٌ وعملٌ، فتعمل بطاعة ربك، وتدعو الناس إلى ذلك، كما قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، وقال سبحانه: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا [فصلت:33]، وقال سبحانه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، فالرسول ﷺ يدعو على بصيرةٍ، وأتباعه هكذا يدعون إلى الله على بصيرةٍ.

والرابعة: الصبر على ذلك، الصبر على هذا الخير؛ تصبر على العلم والتَّعلم والتَّفقه في الدين، تصبر على العمل، تصبر على الدعوة إلى الله، لا بد من صبرٍ.

وقد جمع الله هذه المسائل الأربع في قوله تعالى: وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1- 3]، أقسم على هذا بالعصر، وهو الزمان -الليل والنهار- أن الإنسان في خسرانٍ، كل بني آدم في خسرانٍ، وهكذا الجنّ كلهم في خسرانٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، الَّذِينَ آمَنُوا هذا العلم، يعني: عرفوا الله، وعرفوا دينه، وآمنوا به، وآمنوا بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ عما كان وما يكون، هذا هو العلم، فالإيمان لا يكون إلا عن علمٍ، فعرفوا دين الله، وآمنوا بما أخبر به عن الآخرة، والجنة والنار، والحساب والجزاء، وعن أسمائه وصفاته، وغير ذلك، وآمنوا برسوله محمدٍ ﷺ، وصدَّقوه فيما أخبر به، ثم عملوا: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.

الإيمان فيه العلم؛ عرفوا حقَّ الله، وعرفوا دين الله، وعرفوا أسماء الله وصفاته، فآمنوا وصدَّقوا الله في أخباره، ثم عملوا: فصلوا، وصاموا، وتصدقوا، وحجُّوا، إلى غير ذلك، وكفُّوا عن محارم الله، كل هذا لله هو العمل، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يعني: أدّوا حقَّ الله، وتركوا معصيته، ثم الدعوة: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ يتناصحون، ويدعون إلى الله، ويُعلِّمون الناس الخير.

هذه طريقة أهل الإيمان، لا بد من هذا، كما أمر الله بذلك: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ .. لا بد من الدعوة إلى الله والتَّعليم، قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وهكذا يقول جلَّ وعلا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:110]، والأمر والنَّهي هما من الدعوة إلى الله، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71]، هذا من الدعوة إلى الله، من التَّناصح والتَّواصي بالحقِّ، من ذلك الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وتعليم الجاهل؛ تعليمه دينه، وتعليمه صلاته، وتعليمه زكاته، وتعليمه بِرَّ والديه، وتعليمه ترك المحارم، كل هذا داخلٌ في التَّواصي بالحقِّ، يعني: التَّناصح، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، كله داخلٌ في وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ.

الرابعة: الصبر؛ لأن هذه الأمور تحتاج إلى صبرٍ؛ يصبر على التَّعلم والتَّفقه في الدين، ويصبر على العمل، ويصبر على النَّصيحة والدعوة، لا يجزع، ولا يملّ، ولا يضجر، بل يتصبر ويتحمل، قال تعالى: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، وقال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وقال لنبيه: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127]، وقال لنبيه: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف:35]، هكذا الرسل صبروا، وأمرهم الله بالصبر، فعلى أتباعهم أن يصبروا في التَّعلم والتَّفقه في الدين، والعمل والنَّصيحة، عليهم أن يصبروا في هذا، يتعلمون ويتفقهون في الدين ويصبرون، يعملون ويُؤدون فرائض الله، وينتهون عن محارم الله، ويصبرون.

كذلك يدعون إلى الله، ويُعلِّمون الناس دينهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويصبرون على ذلك، هذا هو الواجب على الجميع، قال تعالى: وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1- 3]، فالناس كلهم خاسرون إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، هؤلاء هم الرابحون، هم السُّعداء، هم أهل الإيمان، هم أهل الحقِّ.

والله يُقسم من خلقه بما يشاء: وَالْعَصْرِ، وَالذَّارِيَاتِ، وَالطُّورِ، أما أنت -يا عبدالله- فليس لك أن تُقسم إلا بربك، المسلم ليس له أن يحلف إلا بالله؛ ولهذا قال ﷺ: مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت، وقال ﷺ: مَن حلف بشيءٍ دون الله فقد أشرك، أخرجه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيحٍ عن عمر رضي الله عنه، وقال في الحديث الآخر: مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك، أخرجه أبو داود والنَّسائي بإسنادٍ صحيحٍ عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وقال: مَن حلف بالأمانة فليس منا، ما يقول: بالأمانة، ولا بشرف فلان، ولا بحياة فلان، ولا بأبيه، ولا بأبي، ولا بالنبي، كل هذا لا يجوز، الحلف بالله وحده: مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت، أما الربّ فله أن يحلف بما يشاء سبحانه، لا أحد يتحجر عليه جلَّ وعلا، له أن يُقسم من خلقه بما يشاء، كما أقسم بالطور، والذاريات، والنجم إذا هوى، والعصر، ونحو ذلك.

قال الشافعي رحمه الله: "لو ما أنزل الله حُجَّةً على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم"، وفي اللفظ الآخر: "لو فكَّر الناس في هذه السورة لكفتهم"؛ لعظم شأنها، واشتمالها على جِمَاع الدين؛ لأن هذه المسائل الأربع جامعةٌ للدين كله؛ ولهذا قال بعض السلف -كالشافعي وغيره-: "لو فكَّر الناس في هذه السورة لكفتهم"؛ لما فيها من العلم والفائدة العظيمة الجامعة.

وقال البخاري رحمه الله: "بابٌ: العلم قبل القول والعمل"، يعني: الإنسان يتعلم أولًا، يتفقه في دينه ثم يعمل، ثم قرأ قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، قال: فَاعْلَمْ، بدأ بالعلم، ثم قال: وَاسْتَغْفِرْ، فالإنسان يتعلم ويتفقه في الدين قبل أن يعمل، كيف يصلي؟ كيف يصوم؟ يسأل، يتبصر، يقرأ، ينظر، كيف يحج؟ كيف يعتمر؟ كيف يبيع؟ كيف يشتري؟ وهكذا يتعلم أمور دينه وأمور دنياه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهذا كله داخلٌ في قوله: وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.

ومن التَّواصي ما قاله الله في قوله جلَّ وعلا: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2].

ومن التَّواصي: الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، يقول النبي ﷺ: الدين النَّصيحة، الدين النَّصيحة، الدين النَّصيحة، قلنا: لمَن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم.

وفَّق الله الجميع.

اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلمٍ ومسلمةٍ تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهنَّ:

الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا، ولم يتركنا هملًا، بل أرسل إلينا رسولًا، فمَن أطاعه دخل الجنة، ومَن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ۝ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا [المزمل:15- 16].

الثانية: أن الله لا يرضى أن يُشْرَك معه في عبادته أحدٌ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، والدليل قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

الثالثة: أن مَن أطاع الرسول ووحَّد الله لا يجوز له مُوالاة مَن حادَّ الله ورسوله ولو كان أقرب قريبٍ، والدليل قوله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22].

الشيخ: يقول رحمه الله: "اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلمٍ ومسلمةٍ تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهنَّ"، استنبطها، أخذها من الكتاب العزيز والسُّنة المُطهرة.

هذه المسائل ذكرها تقريبًا للطالب من الرجال والنساء؛ حتى يفهموا، مأخوذةٌ من كتاب الله.

"اعلم رحمك الله" يأمره بأن يعلم، ويدعو له بالرحمة "أنه يجب على كل مسلمٍ ومسلمةٍ تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهنَّ:

الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا، ولم يتركنا هملًا" يعني: عليك أن تعرف أن ربَّك هو الخالق، وأنك مخلوقٌ، وأن الله هو الذي خلقك، ربّ السماوات، وربّ الأرض، هو خلقنا جميعًا، كما قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، وقال: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3] ، وقال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [الحجر:86].

فعليك أن تعلم أيها الطالب -وأيتها الطالبة- أن الله هو الذي خلقنا ورزقنا، "ولم يتركنا هملًا" يعني: ما ضيعنا كالبهائم، لا، بل أعطانا عقولًا وأسماعًا وأبصارًا، وأرسل الرسل حتى نعرف حقَّه، وحتى نعبده، فمَن أطاع الرسول ﷺ دخل الجنة، ومَن عصاه دخل النار، قال تعالى في سورة النساء: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ۝ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13- 14]، فمَن أطاع الرسول ﷺ واستقام على دينه دخل الجنة، ومَن عصاه وأبى دخل النار.

فالواجب عليك يا عبدالله أن تستقيم على توحيد الله وطاعته، وأن تُؤمن بأن الله هو الذي خلقك ورزقك، وأنه مُستحقٌّ لأن يُعبد، كما أنه الخالق الرازق هو المُستحق لأن تعبده: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

فعليك أن تعبده وحده، وأن تخصَّه بالعبادة، قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ۝ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا [المزمل:15- 16]، وقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، وقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92]، وقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ۝ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13- 14]، هذه الآيات العظيمة دلَّتْ على أمرين:

  • الأمر الأول: أن ربنا هو الخالق الرازق، هو الذي خلقنا ورزقنا.
  • والأمر الثاني: أنه إلهنا المعبود، لا معبود بحقٍّ سواه، فالمشركون أقرُّوا بالأولى، أقرُّوا بأنه الخالق الرازق، ولكن جحدوا الثانية، فعبدوا معه الأصنام والآلهة، فكانوا كفَّارًا يستحقون القتل.

فعلينا أن نؤمن بهذا وهذا؛ أن نؤمن بأن الله هو خالقنا ورازقنا، وأن نؤمن بأنه المُستحق للعبادة، وألا نعبد سواه، مع أمرٍ ثالثٍ هو الإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه سبحانه لا شبيه له، ولا مثل له، ولا نِدَّ له جلَّ وعلا.

المسألة الثانية: أن تعلم "أن الله لا يرضى أن يُشْرَك معه في عبادته أحدٌ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ".

عليك أن تعلم هذا: ما يرضى من عباده أن يُشْرِكوا به، قال تعالى في كتابه العظيم: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7]، وقال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، وقال: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ۝ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13- 14].

فالواجب على جميع المُكلَّفين العبادة لله وحده، يخصُّوه بالعبادة ، قال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ، فدعاؤهم سمَّاه: شركًا، وقال سبحانه: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، فسمَّاهم: كفَّارًا بدعوتهم غير الله، كالجنِّ، والملائكة، ودعوة الأصنام والأنبياء، ونحو ذلك.

فمَن دعا غير الله وعبده من دون الله من صنمٍ أو نبيٍّ أو وليٍّ أو شجرٍ أو مَلَكٍ أو جنٍّ أو غير ذلك فقد أشرك بالله، والله يقول سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ يُخاطب النبيَّ ﷺ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وهو محمدٌ، وهو معصومٌ من هذا، لكن تنبيه لغيره: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، وقال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].

فالواجب على جميع المُكلَّفين أن يخصُّوا الله بالعبادة، وألا يعبدوا معه سواه، لا مَلَكًا مُقَرَّبًا، ولا نبيًّا مُرْسَلًا.

الثالثة: أن مَن أطاع الرسول ﷺ ووحد الله، إذا مَنَّ الله عليك بالتوحيد والإيمان والبصيرة، وصِرْتَ مسلمًا، ليس لك مُوالاة مَن حادَّ الله ورسوله ﷺ، ليس للمسلم أن يُوالي مَن حادَّ الله ورسوله ﷺ.

لما مَنَّ الله عليه بالتوحيد والإسلام، وأطاع الله ووحده، وأطاع رسوله ﷺ؛ لا تجوز له مُوالاة أعداء الله الكفَّار، ولا تجوز محبَّتهم، ولا نصرهم، ولا أن يكون معهم ضد المسلمين، بل يجب عليه أن يُعاديهم في الله، وأن يُبغضهم في الله، وأن يُساعد المسلمين عليهم، ولا يُساعدهم على المسلمين، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51].

فالواجب بُغضهم في الله، وعداوتهم في الله، هذا هو الواجب على المسلمين، قال تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4]، هذا الواجب على المسلمين.

إذا مَنَّ الله على العبد بالتوحيد والإيمان والإسلام فليحذر مُوالاة المشركين ومحبَّتهم، أو الدخول في دينهم، بل يُعاديهم في الله، ويُبغضهم في الله، ولا ينصرهم على المسلمين، بل ينصر المسلمين عليهم، ويُساعد المسلمين عليهم؛ حتى يهديهم الله، حتى يدخلوا في دين الله، قال تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني: يُحبون مَن حادَّ الله ورسوله وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ يعني: الذين هذه صفتهم كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ يعني: أثبت في قلوبهم الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ يعني: قوَّاهم بروحٍ منه، يعني: بقوةٍ منه، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22].

فأهل الإيمان والتقوى والمُعادون للكفَّار هم حزب الله، ليسوا حزب الشيطان، حزب الشيطان هم الذين يُوادُّون الكفَّار وينصرونهم على المسلمين، هم حزب الشيطان: أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة:19].

فالواجب على المُكلَّف أن يكون من حزب الله، وأن يُوحد الله، ويُؤمن بالله، ويُطيع الله، ويُعادي في الله، ويُبْغِض في الله؛ حتى يكون من حزب الله، وحتى يكون من أولياء الله، قال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، ثم بيَّنهم فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، هؤلاء هم أولياء الله، كل مؤمنٍ هو وليٌّ لله، وكل مؤمنةٍ وليةٌ لله، ولو كان عبدًا حبشيًّا، ولو كان فقيرًا، ولو كان غير معروفٍ.

فأولياء الله هم المؤمنون، المتقون، المطيعون لله ولرسوله ﷺ، هؤلاء هم أولياء الله، وأعداء الله هم مَن حارب دينه، وخرج عن دينه، ولو كان من بني هاشم، ولو كان من ذُرية الأنبياء، فهو عدوٌّ لله؛ كأبي لهبٍ من بني هاشم، هو عدوٌّ لله، وكأبي طالب، وكغيرهم ممن كفر بالله من بني هاشم، هم أعداء الله ولو كانوا من أشرف الناس نسبًا، وبلالٌ وأشباهه من الموالي هم من أولياء الله، ومن أحبِّ الناس إلى الله، ولو كانوا عَجَمًا، ولو كانوا معاتيق وأرقاء، فالعبرة بالتقوى والفضل، لا بالأنساب، ولا بالأموال، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، ثم قال سبحانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، أكرم الناس أتقاهم ولو كان من أطراف الناس من عجمٍ، أو مَوَالٍ عتقاء، أو فقيرٍ هو أكرم الناس.

أكرم الناس عند الله أتقاهم، وإن كان عبدًا حبشيًّا، وإن كان فقيرًا، وإن كان مُجَدَّع الأطراف، هو أكرم عند الله، ما دام هو أتقى لله، وأعظم تعظيمًا لله، فهو أكرم عند الله من شريفٍ ضعيف الإيمان، أو كافرٍ، أو تاجرٍ ضعيف الإيمان، فالفقير المؤمن بالله التَّقي هو أكرم الناس عند الله، وأفضلهم عند الله، وإن كان فقيرًا، وإن كان غير معروف النَّسب، وإن كان مملوكًا؛ لهذه الآية الكريمة وما جاء في معناها.

وفَّق الله الجميع.

اعلم -أرشدك الله لطاعته- أن الحنيفية مِلة إبراهيم أن تعبد الله وحده مُخلصًا له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦]، ومعنى "يعبدون" يُوحدون.

وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة.

وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:٣٦].

فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟

فَقُلْ: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم.

فإذا قيل لك: مَن ربك؟

فَقُلْ: ربي الله الذي ربَّاني وربَّى جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي، ليس لي معبودٌ سواه، والدليل قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:٢]، وكل ما سوى الله عالَمٌ، وأنا واحدٌ من ذلك العالَم.

الشيخ: يقول رحمه الله في كتابه "الأصول الثلاثة": "اعلم أرشدك الله لطاعته" يدعو للطالب أن الله يُرشده للطاعة، يُعلمه، ويدعو له.

"اعلم -أرشدك الله لطاعته- أن الحنيفية مِلة إبراهيم أن تعبد الله وحده مُخلصًا له الدين" هذه الحنيفية التي قال فيها جلَّ وعلا: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [النحل:120]، فالحنيفية هي إخلاص العبادة لله وحده، وترك الإشراك بالله، هذه الحنيفية مِلة إبراهيم: أن تعبد الله مُخلصًا له الدين، تخصُّه بالعبادة دون كل ما سواه، هذه الحنيفية، وهذا دين الرسل جميعًا، وبذلك أمر الله جميع الناس، وخلقهم لها.

أمر الله جميع الناس في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، وخلقهم لها في قوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فالعبادة التي خُلقوا لها هي أن يُوحدوا الله، وهي الإسلام، وهي الإيمان، وهي الهدى، وهي البِرُّ والتَّقوى، فالعبادة التي خُلقوا لها هي توحيد الله، هي طاعة الله، هي البِرُّ والتَّقوى، هي الإسلام والهدى.

بعث الله الرسل وأنزل الكتب لبيان هذه العبادة، وأنها حقُّ الله على عباده، وأنها توحيده وإخلاص العبادة له، والإيمان به وبرسوله ﷺ، والسير على منهاج رسوله ﷺ، هذه هي العبادة التي خُلِقَ الناس لها، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.

فالعبادة هي حقُّ الله، وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك، كما قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]، فأعظم الواجبات: توحيد الله، والإخلاص له، وأعظم المناهي والمعاصي: الشرك بالله جلَّ وعلا، وهو أعظم الذنوب.

قيل: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك.

قال رسول الله ﷺ: ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، فأكبر الكبائر هو الإشراك بالله، وأعظم الواجبات وأهمها: توحيد الله، والإخلاص له، ثم يلي ذلك الصلاة، الزكاة، الصيام، الحجّ، بِرّ الوالدين، الأمر بالمعروف، النَّهي عن المنكر، الجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك.

وأعظم الذنوب: الشرك بالله، وهو صرف العبادة لغير الله، صرف بعض العبادة، كونه يدعو غير الله، يُصلي لغير الله، يذبح لغير الله، ينذر لغير الله، هذه عبادةٌ، عبادة الجنِّ، أو الملائكة، أو الصالحين، أو الأنبياء، أو الأصنام، هذا هو الشرك الأكبر، قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65]، وقال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] يعني: جعلوا شريكًا لله، أَشْرَكُوا جعلوا شريكًا لله في العبادة، يدعون مع الله صنمًا، أو نبيًّا، أو قبرًا، أو جنيًّا، أو مَلَكًا، هذا الشرك، يدعونه مع الله، يستغيثون به، ينذرون له، هذا دين المشركين: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، هذا دينهم، نسأل الله العافية.

فالواجب على المُكلف أن يعبد الله وحده، وأن يخصَّه بالعبادة دون كل ما سواه، هذا دين الله، وهذا هو العبادة التي خُلِقَ الناس لها، وأُمروا بها: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، وبعث الله الرسل بذلك: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

"فإذا قيل لك" أيها الطالب: "ما الأصول الثلاثة" التي أنت مأمورٌ بها والجامعة للدين؟

إذا سُئلتَ عنها فقل: هي معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.

هذه الأصول الثلاثة: أن تُؤمن بالله وحده، وأنه ربك وإلهك ومعبودك الحقّ، وتُؤمن بأسمائه وصفاته جلَّ وعلا.

هذا الأصل الأول: أن تعرف ربك بأنه معبودك الحقّ، وأنه الخلَّاق العليم، وأنه الموصوف بالصفات العُلا والأسماء الحسنى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

وتعرف نبيك محمدًا ﷺ، وأنه عبدالله ورسوله محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، بعثه الله للناس عامةً، وأنه خاتم الأنبياء، كما قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وقال جلَّ وعلا: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40].

الأصل الثالث: معرفة دين الإسلام بالأدلة، تعرف دين الإسلام، وهو ما شرعه الله لعباده، وأصله توحيد الله، والإيمان به، واتِّباع رسوله ﷺ، هذا دين الله.

"بالأدلة" ما هو بالتقليد، بقول زيدٍ وعمرٍو، لا، "بالأدلة" قال الله، قال رسوله ﷺ، هذا الأصل: دين الإسلام بالأدلة.

"فإذا قيل لك: مَن ربك؟ فقل: ربي الله الذي ربَّاني وربَّى جميع العالمين بنعمه، وهو معبودي، ليس لي معبودٌ سواه".

إذا سألك سائلٌ: مَن ربك؟ فقل: ربي الله، وهو إلهي ومعبودي الحقّ، لا أعبد معه أحدًا، وهو الذي ربَّاني بالنعم، وأحسن إليَّ جلَّ وعلا، كما ربَّى جميع العالمين بنعمه ، وهو معبودي، ليس لي معبودٌ سواه، كما قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].

"كل ما سوى الله عالَمٌ" المخلوقات كلها عالَمٌ، "وأنا واحدٌ من ذلك العالَم"، هو ربي جلَّ وعلا، هو ربُّ العالمين، يعني: ربّ المخلوقات كلها، وأنا واحدٌ منهم.

وفَّق الله الجميع.

فإذا قيل لك: بِمَ عرفتَ ربك؟ فقل: بآياته، ومخلوقاته، ومن آياته: الليل والنهار، والشمس والقمر، ومن مخلوقاته: السماوات السبع، والأرضون السبع، ومَن فيهنَّ، وما بينهما.

والدليل قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:٣٧]، وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:٥٤].

والربُّ هو المعبود، والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:٢١- ٢٢].

قال ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى: الخالق لهذه الأشياء هو المُستحق للعبادة.

الشيخ: يقول رحمه الله: "فإذا قيل لك: بِمَ عرفتَ ربك؟" يعني: إذا سألك سائلٌ قال: بِمَ عرفتَ ربك؟ فقل: عرفتُه بآياته ومخلوقاته، آياته كثيرةٌ، ومخلوقاته كثيرةٌ، عرفتُه بأنه ربي، وأنه خالقي، وخالق الخلق كلهم، وهو الخلَّاق العليم .

"ومن آياته: الليل والنهار، والشمس والقمر، ومن مخلوقاته: السماوات السبع، والأرضون السبع"، ومنها: الأنهار والبحار والنجوم، وسائر الحيوانات كلها من مخلوقاته وآياته، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37]، هذه من آياته العظيمة: هذا الليل بظلامه، والنهار بضيائه، والشمس بضيائها، والقمر بضيائه، كله من آياته العظيمة؛ ولهذا قال: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ يعني: اعبدوه وحده، فهو المُستحق لأن يُعبد جلَّ وعلا.

قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ يعني: وخلق الشمس والقمر والنجوم، يعني: وخلق النُّجوم، مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ مُذَلَّلات بأمره.

ثم قال سبحانه: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، هو الخلَّاق، وهو الآمر، هو الذي له الأمر، وله الخلق، الأمر هو القول، فله الخلق لمَن يشاء، وله الأمر في عباده؛ ولهذا أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر بعبادته : أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فهو الخلَّاق العليم المُستحق لأن يُعبد جلَّ وعلا.

والربُّ هو المعبود، وهو المالك، وهو الخلَّاق، وهو الرزاق.

ربنا يعني: خالقنا، ومعبودنا، هو الخلَّاق، وهو الرزاق، وهو المعبود بالحقِّ .

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ يعني: معبودكم وخالقكم هو الله جلَّ وعلا.

والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، والأنداد هم الأشباه والنُّظَراء، كما فعل المشركون.

والعالَمون كل المخلوقات عالَمون؛ ولهذا قال: تَبَارَكَ اللَّهُ يعني: بلغ في البركة النهاية .

رَبُّ الْعَالَمِينَ هو ربّ المخلوقات كلها، وأنت واحدٌ من العالَم، أنت أيها الإنسان واحدٌ من العالَم، وهو ربك جلَّ وعلا؛ ولهذا قال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ، وقال: تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، العالَمون: جميع المخلوقات من سماءٍ وأرضٍ وحيوانٍ وبحرٍ ونهرٍ ونجمٍ، وغير ذلك، فهو ربُّ الجميع، قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2- 3] يعني: ربّ المخلوقات كلها، وهو الرحمن لجميع خلقه، وهو الرحيم، برحمته خلق ما خلق لعباده من السمع والبصر والعقل، وأجرى الأنهار، وأنزل الأمطار، وأنبت النبات، كل هذا من رحمته ؛ رزقًا لهم، وأمرهم ونهاهم، وأرسل الرسل، فمَن أطاع الرسل وتابع الشرع صار إلى الجنة، ومَن عصى الرسل وخالف أمر الله صار إلى النار، وصار ما أعطاه الله من النعم حُجَّةً عليه.

وفَّق الله الجميع.

وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل: الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومنه: الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها، والدليل قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:١٨].

فمَن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مُشركٌ، كافرٌ، والدليل قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:١١٧]، وفي الحديث: الدعاء مُخُّ العبادة، والدليل قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:٦٠].

الشيخ: قد علمتَ أن الله هو المعبود جلَّ وعلا، وأنه المُستحق للعبادة، وأنه لا يرضى أن يُشْرَك معه في عبادته أحدٌ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ.

والعبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

فعلى كل مؤمنٍ، وعلى كل مُكلَّفٍ أن يخصَّ الله بالعبادة، كما قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وقال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وقال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وأنواعها كثيرةٌ؛ منها: الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة كلها لله، يجب إخلاصها لله جلَّ وعلا، ومَن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مُشركٌ، كافرٌ.

فالواجب على جميع المُكلفين أن يخصوا الله بالعبادة، وأن يمتثلوا أمره بقوله جلَّ وعلا: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]، وقوله : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وقوله جلَّ وعلا: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ۝ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2- 3]، والدعاء من أهمها، الدعاء من العبادة، وفي الحديث: الدعاء مُخُّ العبادة، والله يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

فالواجب إخلاص العبادة لله، ومن ذلك: الدعاء، فلا يدعو إلا ربه، لا يدعو الأموات، ولا يستغيث بهم، ولا بالملائكة، ولا بالنجوم، ولا بالأصنام، ولا بالأولياء، ولا بالجنِّ، بل يدعو الله وحده: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، وقال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:١٨]، وقال سبحانه: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:١١٧]، وقال جلَّ وعلا: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ۝ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:13- 14]، فسمَّى دعاءهم للأموات والأصنام: شركًا.

فالواجب الحذر من ذلك، والواجب على كل مؤمنٍ أن يخصَّ الله بالعبادة في صلاته وصومه ودعائه، وغير ذلك، يرجو رحمته، ويخشى عقابه ، هذا هو الدين الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، وهو تخصيص الله بالعبادة، والحذر من دعاء الأصنام، أو الأوثان، أو الأشجار، أو الأحجار، أو الجنِّ، أو الملائكة، أو الأنبياء، أو أصحاب القبور، كل ذلك من عبادة غير الله، وكله من دين الجاهلية، كالذين عبدوا غير الله، قال تعالى عنهم: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، ردَّ الله عليهم بقوله: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18].

وقال تعالى عنهم أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، فردَّ الله عليهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3]، فهم كذبةٌ في زعمهم أنها تُقربهم إلى الله زُلْفَى، كفرةٌ بعملهم، فالأوثان والأصنام لا تُقربهم، بل تُبعدهم من الله، وهم بهذا مشركون حين دعوها واستغاثوا بها، أو طافوا بقبورهم، أو نذروا لهم، أو ذبحوا لهم، كل هذا من الشرك بالله .

فالطواف لله بالكعبة، لا يُطاف بالقبور، ولا يُطاف بالأشجار والأحجار، ولا بالأصنام، إنما يُطاف بالكعبة تقربًا إلى الله جلَّ وعلا، وهكذا الصلاة والدعاء كله لله وحده، وهكذا النذر، وهكذا الذبح كله لله وحده، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي يعني: ذبحي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162- 163].

وفَّق الله الجميع.

ودليل الخوف قوله تعالى: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:١٧٥].

ودليل الرجاء قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:١١٠].

ودليل التوكل قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:٢٣]، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:٣].

ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:٩٠].

ودليل الخشية قوله تعالى: فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:١٥٠].

ودليل الإنابة قوله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:٥٤].

ودليل الاستعانة قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥]، وفي الحديث: إذا استعنتَ فاستعن بالله.

ودليل الاستعاذة قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:١].

ودليل الاستغاثة قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ .. الآية [الأنفال:9].

ودليل الذبح قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162- 163]، ومن السنة: لعن الله مَن ذبح لغير الله.

ودليل النذر قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7].

الشيخ: لما بيَّن المؤلف رحمه الله أنواع العبادة -وهي كثيرةٌ كما تقدم- وهي الإسلام والإيمان والإحسان؛ الإسلام بأركانه وجميع ما شرع الله فيه عبادةٌ، والإيمان عبادةٌ، والإحسان عبادةٌ، ثم ذكر أفرادها: الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، هذه أنواعٌ منها.

الصلاة عبادةٌ، الصوم عبادةٌ، الصدقة عبادةٌ، الذبح عبادةٌ، إلى غير ذلك، كلها عبادات يجب صرفها لله، يجب أن تُخَصّ لله، فلا يُصلي إلا لله، ولا يصوم إلا لله، ولا يتصدق إلا لله، ولا يذبح إلا لله، ولا ينذر إلا لله، ولا يخاف إلا هو، ولا يخشى إلا إياه، وهكذا.

ودليل الخوف قوله تعالى: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وقال تعالى: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة:44]، وقال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57]، فهو الذي يُخاف سبحانه، فمَن خاف الأصنام، أو خاف أصحاب القبور، أو خاف الجنَّ لِشَرٍّ فيهم؛ فهذا شركٌ أكبر.

أما إذا خاف اللصوص لشرِّهم، أو خاف الجنَّ لأذاهم، وتعوذ بالله من شرِّهم؛ فهذا لا بأس، كما يخاف اللصوص فيُغلق بابه، ويأخذ سلاحه، وكما في السفر إذا كان الطريق مَخُوفًا يسلك الطريق الآمن ويستعد؛ هذا لا بأس.

الخوف الحسي؛ لا بأس أن يخاف الإنسان ويُغلق بابه عن العدو، ويأخذ العدة عند العدو وعند قتاله، هذا من الخوف الحسي، وهو مأمورٌ به، كما قال جلَّ وعلا في قصة موسى: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:21] يعني: خائفًا من العدو؛ من فرعون وأصحابه، هذا الخوف الحسي لا بأس به.

والممنوع الخوف السّري الاعتقادي، كونه يخاف من الجنِّ؛ لأنهم يتصرفون –بزعمه- بغير إذن الله، وبغير قُدرة الله، وكذلك يخاف من الغائبين، أو يخاف من الأموات، أو من الأصنام، هذا هو الشرك الأكبر.

أما الخوف الحسي: الخوف من اللصوص ويُغلق بابه، الخوف من العدو ويأخذ سلاحه، الخوف من البعوض فيعمل ما يقيه شرَّ البعوض، أو شرَّ الحيات أو العقارب؛ هذا لا بأس به، ليس داخلًا في العبادة.

وهكذا الرجاء عبادةٌ، كونه يرجو ربه، يرجو الجنة، ويرجو مغفرته، هذا من العبادات.

وكونه يرجو الجنَّ، أو يرجو الأموات، أو يرجو الجمادات أو الأصنام؛ هذا شركٌ.

أما الرجاء الحسي: كونه يرجو أن الدولة تصرف معاشه، يرجو أن عمله في البيع والشراء ينجح، يرجو أن البيت يُؤَجَّر حتى ينتفع بأُجرته؛ هذا لا بأس به، هذه أمورٌ حسيةٌ لا بأس بها، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، هذا الرجاء القلبي.

الرجاء الذي يتضمن خوف المخلوقين، أو رجاء المخلوقين بغير الأسباب الحسية، هذا هو الشرك.

أما الرجاء بالأسباب الحسية والخوف بالأسباب الحسية فهذا غير داخلٍ في هذا الأمر.

إنسانٌ يزرع يرجو أن الله ينفع بالزرع، وأن الزرع يُنْبِت، وأنه يحصده، وأنه ينتفع: يبيع، يشتري، يرجو أنه ينجح في تجارته، ويُعلم أولاده، يرجو أنه ينجح في تعليم أولاده، فهذه الأمور لا بأس بها.

وكذلك التوكل على الله، كونه يتوكل على الله، ويُفوض إليه، ويعتمد عليه، قال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] يعني: يعتمد بقلبه على الله في كل شيءٍ، يعمل، يكدح، يزرع، يغرس، ومع هذا يتوكل على الله أنه ينجح، يتعاطى الأسباب ويتوكل على الله لينجح.

وهكذا الرغبة والرهبة والخشوع.

الرغبة بمعنى: الرجاء.

والرهبة بمعنى: الخوف.

والخشوع من الخضوع لله، هذه عبادات، قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]، هذا شأن المؤمن مع ربه: يخافه، ويرهبه، ويخشع له جلَّ وعلا.

وهكذا الخشية بمعنى: الخوف، قال تعالى: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة:44]، وقال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [التوبة:18] بمعنى: الخوف.

الإنسان يخاف ربه ويخشاه، لكن خوف المُؤذيات طبعًا، وخشية المُؤذيات طبعًا، هذا لا بأس به، غير داخلٍ في العبادة، فكونه يخشى البعوض فيتلحف، ويخشى اللصوص فيُغلق الباب، ويخشى العدو في الطريق فيأخذ السلاح، هذا لا بأس، هذه أمورٌ عاديةٌ، أمورٌ لا تدخل في العبادة.

هكذا الإنابة: الإنابة إلى الله كونه يرجع إليه ويُنيب إليه بالعبادة والطاعة؛ لقوله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:٥٤] يعني: أطيعوه وعَظِّموه وارجعوا إليه في الطاعات والعبادات.

وهكذا الاستعانة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٥]، وفي الحديث: إذا استعنتَ فاستعن بالله، يستعين بالله في كل شيءٍ، يطلب من ربه العون، ويجوز أن يستعين بالمخلوق في الأمور العادية، كما كان النبي ﷺ يستعين بالصحابة في الجهاد، يستعين بالحرس، كل هذا لا بأس به؛ الأمور الحسية.

وهكذا الاستعاذة تكون بالله وحده: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200]، فالاستعاذة تكون بالله.

وإذا استعذتَ بمخلوقٍ فيما يقدر عليه فلا بأس، تقول لإنسانٍ: أَعِذْنِي من شرِّ عبدك، عبدك آذاني، أَعِذْنِي من شرِّه، فُكَّنِي من شرِّه. لا بأس؛ لأنه قادرٌ على أن يمنع عبده أو يمنع حيواناته من أذاك، تقول له: بُعْرَانك أو غنمك آذوني في زرعي، فَكُفَّهم عني. لا بأس، هذه أمورٌ عاديةٌ.

وهكذا الذبح عبادةٌ لله، لا يتقرب بالذبائح للجنِّ، ولا للأصنام، ولا ..... بل لله وحده، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162- 163] نُسُكِي: ذبحي، وقال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:1- 2]، وقال النبي ﷺ: لعن الله مَن ذبح لغير الله، كونه يذبح لغير الله: للجنِّ، لأصحاب القبور يتقرب إليهم، للكواكب، للأصنام؛ هذا شركٌ.

أما إذا ذبح أصله لله ضحيةً للميت يتصدق عنه، أو ذبيحة ذبحها لله يتصدق بها عن الميت؛ فهذا لا بأس به، ليس من الذبح لغير الله، بل ذبحها لله؛ ليتصدق بها عن الميت لا بأس.

وهكذا الصدقة؛ أخرج صدقةً ينويها عن الميت، يرجو من الله أن يأجره فيها، وأن يُثيب الميت على ذلك، هذا تقربٌ إلى الله .

هكذا النذور تكون لله، لا ينذر للمخلوقين، بل ينذر لله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، ويقول سبحانه: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270]، ما يكون نذر للصنم، أو نذر لأصحاب القبور، لا، نذر لله: إن عافاني أو أعطاني كذا أن أفعل كذا وكذا.

أما أن ينذر لأصحاب القبور: نذر للبدوي، نذر لعبدالقادر الجيلاني، أو لعلي، أو لفلانٍ، ينذر لهم؛ هذا من الشرك؛ لأن النذر تعظيمٌ للمنذور، فالنذر لا يكون إلا لله: لله عليَّ كذا.

والنذر مكروهٌ، ما ينبغي، الرسول ﷺ نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخيرٍ، لكن إذا فعله يكون لله، إذا فعل النذر يكون لله وحده، وعليه أن يُوفي إذا كان نذر طاعةٍ، وإذا كان نذره ما هو بطاعةٍ -نذر معصيةٍ- لا يَفِ.

لو قال: "لله عليَّ أن أزني" ما يجوز له الوفاء بهذا النذر، وعليه أن يتوب من هذا النذر، ولا يزني.

ولو قال: "لله عليه أن يشرب الخمر" هذا نذر معصيةٍ، يتركه، يُكَفِّر كفارة يمينٍ.

أما المباح فقوله: "لله عليَّ أن آكل هذا الطعام"، هذا نذرٌ مُباحٌ، إن شاء أكله، وإن شاء كفَّر عن يمينه.

أما النذر المكروه قال: "لله عليَّ أن أفعل هذا الشيء المكروه"، مثل: "أنام بعد المغرب"، أو ما أشبه هذا، هذا نذرٌ مكروهٌ؛ يُكفِّر عن يمينه، ولا يفعله.

أما نذر الطاعة فيكون لله، نذر العبادة يكون لله وحده.

ونذر المعصية لا يجوز الوفاء به، قال: "لله عليه أن يزني، أو يسرق، أو يشرب الخمر"، هذا نذر معصيةٍ لا يجوز له فعله، وعليه كفَّارة يمينٍ.

أما النذر لله: "لله عليَّ أن أُصلي"، "لله عليَّ أن أصوم"، "لله عليَّ أن أتصدق"، "لله عليَّ أن أحج"، هذا نذر طاعةٍ يلزمه الوفاء به؛ لأن الرسول ﷺ قال: مَن نذر أن يُطيع الله فَلْيُطِعْهُ.