الأصل الثاني

الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.

وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وكل مرتبةٍ لها أركان.

المرتبة الأولى: فأركان الإسلام خمسةٌ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ بيت الله الحرام.

فدليل الشهادة قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:١٨].

ومعناها: لا معبود حقّ إلا الله وحده.

(لا إله) نافيًا جميع ما يُعبد من دون الله.

(إلا الله) مُثْبِتًا العبادة لله وحده، لا شريك له في عبادته، كما أنه ليس له شريكٌ في ملكه.

وتفسيرها الذي يُوضحها قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ۝ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ۝ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:٢٦- ٢٨]، وقوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:٦٤].

ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:١٢٨].

ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع.

ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:٥].

ودليل الصيام قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:١٨٣].

ودليل الحجِّ قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:٩٧].

الشيخ: لما ذكر الأصول الثلاثة ذكر الأصل الأول كما تقدم، ذكر الأصل الأول وهو: معرفة الربِّ، ثم ذكر معرفة الإسلام.

والأصول ثلاثةٌ: أن تعرف ربك، ودينك، ونبيك.

هذه الأصول الثلاثة: أن يعرف المؤمن ربه، ودينه، ونبيه محمدًا ﷺ كما تقدم.

فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة؟

قل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدًا ﷺ.

فالأصل الأول: أن تعرف ربك، وأنه الخلَّاق، الرزاق، الذي خلقك وأوجدك من العدم، وخلق الجميع، خلق آدم وذُريته، وخلق السماوات، وخلق الأرض، وخلق كل شيءٍ، فهذا هو الربّ العظيم المالك لكل شيءٍ، الذي قال عن نفسه سبحانه وبحمده: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، وقال سبحانه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، وقال تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3]، وقال سبحانه: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54]، فهذا ربنا الذي خلق السماوات، وخلق الأرض، وخلق العرش، وخلق الجنَّ والإنس، وخلق جميع المخلوقات، جميع الكائنات، عليك أن تُؤمن بهذا، وهذا أقرَّ به المشركون: أن الله هو خالقهم ورازقهم.

الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، الذي أنت مُطالبٌ به، وبه تخرج عن مُشابهة الكفار.

إذا عرفتَ دين الإسلام وعملتَ به خرجتَ عن مُشابهة الكفار، فدين الإسلام هو الذي جحده الكفار من قريش وغيرهم، وجحده الكفار الآخرون، فهذا لا بد أن تعرفه: دين الإسلام بالأدلة، وقد بيَّنه الله جلَّ وعلا فقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]، وقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، وقال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].

فالإسلام بيَّنه الرسول ﷺ لما سأله جبرائيل قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، ثم ذكر له الإيمان، والإحسان، وأشراط الساعة.

فالإسلام هو كل ما شرعه الله لعباده وأمرهم به، وتعبَّدهم به، من توحيد الله، والإيمان برسوله ﷺ، ومن الصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، وغير هذا مما أمر الله به ورسوله ﷺ، وترك ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ.

فلا بد أن تعرف الإسلام بالأدلة، دين الإسلام تعرفه بالأدلة من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأصله شهادة: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ومعناها: لا معبود حقّ إلا الله، فأنت تنفي العبادة عن غير الله، وتُثْبِت العبادة لله وحده، كما قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، وفي تفسيرها يقول جلَّ وعلا: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف:26]، هذا معنى: لا إله إلا الله، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27]، هذا معنى: إلا الله.

فهذه الآيات تُفسر معنى: "لا إله إلا الله"، وأن معناها: إخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه.

فالواجب على المؤمن أن ينتبه لهذا الأمر، وأن يعرف هذه الكلمة، وأن معناها: لا معبود حقّ إلا الله، وأنها تنفي العبادة لغير الله، وتُثبتها لله وحده : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ، فأنت تقولها عن إيمانٍ، وعن علمٍ، وعن يقينٍ أنه هو المعبود بالحقِّ، وأن ما سواه معبودٌ بالباطل من جميع الآلهة: أصنام، وأشجار، وأحجار، وملائكة، وأنبياء، وغير ذلك، كلها معبودةٌ بالباطل.

وهكذا شهادة: أن محمدًا رسول الله، تعلم يقينًا أنه هو رسول الله حقًّا، أرسله الله للناس عامةً، كما قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29]، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، إلى غير هذا من الآيات، تُؤمن بهذا.

"ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع".

هذا معنى هذه الشهادة: تشهد أن محمدًا رسول الله، يعني: تُصدقه بأخباره، وأنه صادقٌ فيما يُخبر به عن الله، وتعمل بأوامره، وتنتهي عن نواهيه، وتعبد الله بشريعته من صلاةٍ وغيرها، فما شرع لك وأمرك به تعبد الله بهذه الشريعة؛ لأن الله بعثه لنا يُعلمنا ويُرشدنا، قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].

فهو المُعلم والمُرشد عليه الصلاة والسلام: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.

فهو المُعلم عليه الصلاة والسلام والمُرشد لنا، فعلينا أن نتبع ما جاء به، وننقاد لشرعه، ونُصدقه في أخباره، وأن نتبع أوامره، وننتهي عن نواهيه، وعلينا أن نعبد الله بشريعته في الصلاة وغيرها.

وأركان الإسلام خمسةٌ -كما تقدم-: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت.

وقد عرفتَ الأدلة على معنى الشهادتين.

وأما الصلاة والزكاة فقوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة:5]، فجمع بين التوحيد والصلاة والزكاة، وقال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور:56]، والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ.

وأما الصيام فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] يعني: فُرِضَ عليكم الصيام، حتى قال بعد ذلك: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185]، فأبان لنا أن الشهر الذي علينا أن نصومه هو شهر رمضان، وأن الصيام كُتِبَ على مَن قبلنا كما كُتِبَ علينا.

أما فرض الحجّ -وهو الركن الخامس- فدلَّ عليه قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97].

وقد جمع هذا النبي ﷺ في الحديث الصحيح: بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت، وجمع ذلك أيضًا في جوابه لجبرائيل، لما سأله جبرائيل عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت.

وفَّق الله الجميع.

المرتبة الثانية: الإيمان، وهو بضعٌ وسبعون شعبةً، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان.

وأركانه ستةٌ: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر: خيره وشرّه.

والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:١٧٧].

ودليل القدر قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩].

المرتبة الثالثة: الإحسان، ركنٌ واحدٌ، وهو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

والدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:١٢٨]، وقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ۝ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ۝ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ۝ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:٢١٧- ٢٢٠]، وقوله تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:٦١].

الشيخ: يقول رحمه الله: "المرتبة الثانية: الإيمان"، ذكر المراتب الثلاثة: مرتبة الإسلام -وتقدم الكلام عليها وعلى الأدلة- وهذه المرتبة الثانية، كما بيَّن ذلك في حديث جبرائيل الذي يأتي.

"المرتبة الثانية: الإيمان" يعني: الإيمان بالله ورسوله ﷺ، "وهو بضعٌ وسبعون شعبةً" كما جاء في الحديث، أعلاها وأفضلها قول: لا إله إلا الله، "وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان" يعني: أن الإيمان يشمل الدين كله، كما أن الإسلام يشمل الدين كله ما ظهر منه، فالإيمان يشمل الدين كله أيضًا، فيُقال: الإسلام والإيمان، فدين الله هو الإسلام، وهو الإيمان، وهو الهدى، وهو البِرُّ والتَّقوى، وهو طاعة الله ورسوله ﷺ، وهو عبادة الله، كل هذا هو دين الله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21].

فعبادة الله التي خلق الناس لها هي الإسلام، وهي الإيمان، وهي البِرُّ والتَّقوى، وهي توحيد الله وطاعته، وهي الهدى، كلها بمعنًى مُتقاربٍ، معنى واحدٌ.

فالإيمان يشمل جميع ما شرع الله ورسوله ﷺ، كما يشمله الإسلام، فالصلاة إيمانٌ، والصوم إيمانٌ، والزكاة إيمانٌ، والحجّ إيمانٌ، والجهاد إيمانٌ، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر إيمانٌ، وبِرُّ الوالدين من الإيمان، وصِلة الرحم من الإيمان، والدعوة إلى الله من الإيمان، واتباع الجنائز من الإيمان، والصلاة على الميت من الإيمان، وهكذا.

ولهذا قال: بضعٌ وسبعون شعبةً، وفي اللفظ الآخر: بضعٌ وستون شعبةً، فأفضلها قول: لا إله إلا الله يعني: مع الشهادة أن محمدًا رسول الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق مثل: شوكةٍ في الطريق يُزيلها، حجر في الطريق يُزيله، ومثل: حفرة يُسويها في الطريق، كل هذا من الإيمان، والحياء الذي يمنعك من الشرِّ من الإيمان.

الحياء خلقٌ جميلٌ، طيبٌ، كريمٌ، خلقٌ قلبيٌّ يمنع أصحابه من رذائل الأمور، ومن سفاسف الأمور، ويدعوهم إلى مكارم الأخلاق، هذا الحياء: خلقٌ باطنٌ يدعو صاحبه إلى مكارم الأخلاق، وينهى صاحبه عن سفاسف الأخلاق.

أما الحياء الذي يمنعك من طلب العلم، أو من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فهذا ما هو بحياء، هذا عجزٌ وكسلٌ وضعفٌ، وإنما الحياء الشرعي هو الذي يحملك على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويدعو إلى ترك رديء الأعمال.

وأركان هذا الإيمان ستةٌ، أركانه وأصوله التي يقوم عليها ستةٌ: أن تُؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر: خيره وشرّه.

هذه الستة جاء بها حديث جبرائيل الآتي، وهي أصول الإيمان، وعن هذه الأصول تنبعث جميع أمور الإيمان، جميع أمور الإسلام، جميع الطاعات كلها مُنبعثةٌ ومُتفرعةٌ من هذه الأصول، فالإيمان بالله، وأنه ربك وإلهك الحقّ، وأنه المُستحقّ للعبادة ينبعث منه ذلك كله في طاعة الله ورسوله ﷺ، وترك ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ، كله داخلٌ في الإيمان.

والإيمان بالملائكة، فيجب الإيمان بهم، وأنهم عباد الله، وأنهم في طاعة الله: لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء:27]، فيهم جبرائيل، وفيهم إسرافيل، وفيهم ميكائيل، وفيهم الحفظة الذين وُكِّلوا ببني آدم، قال فيهم سبحانه: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۝ كِرَامًا كَاتِبِينَ ۝ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10- 12]، ومنهم خازن النار الذي قال فيه: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ [الزخرف:77]، ومنهم سيَّاحون يلتمسون مجالس الذكر .. إلى غير ذلك، فهم كثيرون جدًّا، لا يُحصيهم إلا الله .

وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ: إن البيت المعمور الذي في السماء السابعة على وزان الكعبة في الأرض يدخله كل يومٍ سبعون ألف مَلَك، ثم لا يعودون إليه، كل يومٍ سبعون ألفًا، ثم لا يعودون إليه، يتعبدون فيه، فهذا يدل على الكثرة العظيمة للملائكة، وأنه لا يُحصيهم إلا الله جلَّ وعلا.

وكتبه كذلك، الإيمان بالكتب.

والملائكة خُلقوا من النور، الملائكة خلقهم الله من النور، كما في الحديث الصحيح: خُلِقَ آدم من طينٍ، وخُلقت الملائكة من النور، وخُلق الشيطان من مارجٍ من نارٍ رواه مسلمٌ.

"وكتبه" الكتب المُنزلة من الله على رسله، على كل مسلمٍ أن يؤمن بها، قال الله جلَّ وعلا: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد:25].

فعلينا أن نؤمن بكتب الله، ما علمنا منها، وما لم نعلم، نؤمن أن الله أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله، علينا التَّصديق بذلك، وأنها حقٌّ، ومنها: التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والقرآن على محمدٍ ﷺ، نؤمن بهذه مُفصلةً، وصحف إبراهيم وموسى، كما بيَّنها الله في قوله: صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى:19] في سورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى.

فنؤمن بجميع الكتب، ما بيَّنه الله آمنَّا به مُفصلًا، وما لم يُبين آمنَّا به مُجملًا، وأن الله أنزل الكتب على أنبيائه، فيها التَّعليم، وفيها الدعوة والإرشاد، وإيضاح الحقّ للمدعوين.

ونؤمن بالرسل جميعًا، الركن الرابع: الرسل؛ أن الله أرسل رسلًا إلى الناس يُعلمونهم، ويُرشدونهم، ويُبينون لهم الحقّ، أولهم نوحٌ، أرسله الله للأرض بعدما وقع الشرك، وأولهم في الوجود آدم، أبونا، أرسله الله إلى ذُريته في الأرض، وأوحى إليه، وجعله نبيًّا ورسولًا، وجعل له شريعةً.

ثم لما حدث الشرك في بني آدم أرسل الله إليهم نوحًا، فهو أول رسولٍ أرسله الله إلى الأرض بعد وقوع الشرك، ثم بعده الرسل: هود وصالح ولوط وشعيب وإبراهيم، وغيرهم بعد ذلك إلى أن ختمهم بأفضلهم وبإمامهم نبينا محمدٍ ﷺ، فهو خاتم النَّبيين كما قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، أرسله الله للناس عامةً: الجنّ والإنس، فهو أفضلهم، وهو إمامهم، وهو خليل الله، هو الخليل الثاني بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام.