الأصل الثالث

الأصل الثالث: معرفة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذُرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

انتقل إلى الرفيق الأعلى وله من العمر ثلاثٌ وستون سنةً، منها أربعون قبل النبوة، وثلاثٌ وعشرون نبيًّا رسولًا، نُبِّئ بـاقْرَأْ [العلق:1]، وأُرْسِل بـ"المدثر"، وبلده مكة.

بعثه الله بالنَّذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد، والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنْذِرْ ۝ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ۝ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ۝ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1- 7].

ومعنى: قُمْ فَأَنْذِرْ يُنْذِر عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد.

وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ عَظِّمْهُ بالتوحيد.

وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أي: طَهِّرْ أعمالك عن الشرك.

وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ الرُّجْز: الأصنام، وهجرها: تركها وأهلها، والبراءة منها وأهلها.

أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد.

الشيخ: وهذا الأصل الثالث من الأصول الدينية، الأصول الثلاثة التي هي واجبٌ على كل مسلمٍ أن يعرفها: معرفة النبي ﷺ، فإن كل مُكلَّفٍ يجب عليه أن يعرف ربه، ويعرف دينه، ويعرف نبيه ﷺ؛ حتى يكون على بصيرةٍ، حتى يعبد الله على بصيرةٍ، فيعرف ربَّه بأسمائه وصفاته، وأنه الخلَّاق، الرزاق، المُحيي، المميت، المُدبر لهذا العالم، المُستحق لأن يُعبد، وأنه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، وله الأسماء الحسنى، فيعبده وحده، ويدعوه وحده، ويُؤدي ما أوجب عليه، وينتهي عما حرَّم الله عليه.

وهذا هو دين الإسلام، فإنه متى عرف ربَّه، واستقام على دينه، وأدَّى ما أوجب الله عليه، وحذر ما حرَّم الله عليه؛ فقد جمع بين الأمرين: بين معرفة ربه، والخضوع له، والخشوع له، والإخلاص له، وبين أداء فرائضه، وترك محارمه التي هي دين الإسلام.

فيعرف ربه، ويعرف دينه الذي هو دين الإسلام، ويعرف أركانه الخمسة -كما تقدم- وأركان الإيمان والإحسان، ويعرف ما يتَّصف بذلك.

ثم هو أيضًا في حاجةٍ شديدةٍ إلى أن يعرف نبيه الذي جاء بهذا الشرع؛ حتى يكون على بصيرةٍ أيضًا، فيعرف ربه بأنه المُستحق للعبادة، ويعرف نبيه بأنه المُبَلِّغ عن الله، الذي بلَّغ الرسالة، ووضَّح أمر الدين، ونشر العلم بين الناس بأمر الله ، وبهذا يكمل دينه، إذا عرف ربه، وعرف دينه، وعرف نبيه ﷺ فقد أكمل الدين؛ لأن الدين هو ما جاء عن الله، وما جاء عن رسوله ﷺ، وما أوجبه الله، وما شرعه الله لعباده.

ونبيه ﷺ هو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، جده عبدالمطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذُرية إسماعيل بن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

إسماعيل بن إبراهيم هو جدُّ العرب، وقريش هم أفضل الناس، وأفضلهم بنو هاشم؛ لقول النبي ﷺ: إن الله اصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريش، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فهو خيارٌ من خيارٍ من خيارٍ عليه الصلاة والسلام.

نُبِّئ بـاقْرَأْ، وأُرْسِل بـ"المدثر" عليه الصلاة والسلام، لما أنزل الله عليه اقْرَأْ صار نبيًّا، ولما قال الله له: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنْذِرْ صار رسولًا إلى الناس، بُعِثَ إلى الناس؛ لأن النبي هو الذي يُؤْمَر بشرعٍ، ولكن لا يُؤْمَر بالتبليغ، يُقال له: نبي، فإذا أُمِرَ بالتبليغ صار رسولًا، فلما قال الله له: اقْرَأْ صار نبيًّا، ولما قال الله له: قُمْ فَأَنْذِرْ صار بهذا رسولًا نبيًّا عليه الصلاة والسلام.

وعمره ثلاثٌ وستون سنةً، أربعون قبل النبوة، أُنْزِل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنةً، وبقي في الوحي ثلاثًا وعشرين سنةً وهو نبيٌّ رسولٌ عليه الصلاة والسلام، ثلاثٌ وعشرون سنةً؛ ثلاث عشرة في مكة، ثم انتقل منها وهو ابن ثلاثٍ وخمسين إلى المدينة، ومكث بها عشرًا، فصار الجميع ثلاثًا وستين.

وانتقل إلى المدينة، وبها تُوفي عليه الصلاة والسلام بعدما بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأُمة عليه الصلاة والسلام.

اللهم صلِّ عليه وسلم، اللهم صلِّ عليه.

وبعد العَشْر عُرِجَ به إلى السماء، وفُرِضَتْ عليه الصلوات الخمس، وصلَّى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمِرَ بالهجرة إلى المدينة.

والهجرة فريضةٌ على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقيةٌ إلى أن تقوم الساعة، والدليل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ۝ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ۝ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:97- 99]، وقوله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56].

قال البغوي رحمه الله تعالى: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يُهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان".

والدليل على الهجرة من السُّنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.

الشيخ: يقول رحمه الله: "أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد"، أخذ على هذا عشر سنين -كما تقدم- في مكة، ثم فُرضتْ عليه الصلوات الخمس، فصلى في مكة ثلاث سنين، ثم هاجر إلى المدينة عليه الصلاة والسلام.

فهو دعا إلى الله عشر سنين، إلى التوحيد فقط، ما فُرضتْ صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا زكاةٌ، ولا حجٌّ، بل يدعو إلى توحيد الله، وخلع الأوثان، وترك الشرك، وإخلاص العبادة لله وحده من الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والذبح، والنذر، وغير ذلك.

ثم فرض الله عليه الصلوات الخمس قبل أن يُهاجر بثلاث سنين، وعُرِجَ به إلى السماء، وفرض الله عليه الصلوات الخمس في السماء، وسمع كلام الربِّ ، ثم بعد ذلك -بعد مُضي ثلاث عشرة سنةً في مكة- أُمِرَ بالهجرة إلى المدينة.

والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.

وقضى عشر سنين في المدينة بعد الهجرة يدعو إلى توحيد الله، ويُعلم الناس شريعة الله، وشرع الله له الجهاد، وقاتل في سبيل الله عليه الصلاة والسلام.

والهجرة: هي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، هذه الهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي فريضةٌ على هذه الأمة، فكل مَن كان في بلد شركٍ لا يستطيع إظهار دينه يجب عليه أن يُهاجر، أما مَن كان يُظهر دينه، ولا خطر عليه؛ لا تجب عليه الهجرة، لكن إذا كان لا يُظهر دينه، أو يخشى على نفسه تجب عليه الهجرة، وهي باقيةٌ إلى أن تقوم الساعة؛ لقول الله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ظالمي أنفسهم بالإقامة بين أظهر المشركين، قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ تقول لهم الملائكة: فِيمَ كنتم؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالت لهم الملائكة: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:97]، هذا وعيدٌ عظيمٌ، وأن مَن جلس بين المشركين وهو يقدر على الهجرة فقد خاطر بنفسه، وتعرض لهذا الوعيد.

أما المُسْتَضْعَف فمعذورٌ: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ۝ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:98- 99]، هذا معذورٌ لأجل العجز.

قال الله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ [العنكبوت:56]، قال البغوي رحمه الله: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يُهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان"، مسلمون مؤمنون، لكن إذا تركوا الهجرة مع القُدرة صاروا عُصاةً، واستحقوا الوعيد.

والرسول ﷺ يقول: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.

فالواجب على جميع المسلمين الذين بين أظهر الكفار أن يُهاجروا إلى بلاد التوحيد والإيمان، إذا وُجِدَتْ وجبتْ عليهم الهجرة إليها إذا كانوا لا يستطيعون إظهار دينهم، أما مَن كان يُظهر دينه، ويُعلن دينه، وليس عليه مضرةٌ ولا خطرٌ؛ فلا تلزمه الهجرة، إنما تلزم مَن خاف على دينه، ولم يستطع إظهار دينه.

س: أحسن الله إليك، بالنسبة للسفر إلى بلاد الكفار .......؟

ج: لا يجوز، الرسول ﷺ قال: أنا بريءٌ من كل مسلمٍ يُقيم بين المشركين، فالواجب عدم السفر إليهم، ويُروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن جامع المُشرك وسكن معه فإنه مثله، في سنده ضعفٌ، لكن لا يجوز للمسلم أن يُقيم بين أظهرهم إلا من ضرورةٍ وعجزٍ، أما إذا كان يُظهر دينه ويدعو إلى الله لا بأس.

إظهار أنه يعبد الله وحده، وأن ما هم عليه -النصارى وغيرهم- باطلٌ، ويُصلي ظاهرًا، لا يخشى على دينه، هذا إظهار الدين، كونه يُصلي، ويُبين التوحيد، ويُبين الشرك، هذا إظهار الدين.

س: .......؟

ج: هذه مسألةٌ جزئيةٌ، فرعيةٌ، المهم التوحيد والشرك.

فلما استقرَّ في المدينة أُمِرَ ببقية شرائع الإسلام، مثل: الزكاة، والصوم، والحجّ، والأذان، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام.

أخذ على هذا عشر سنين، وبعدها تُوفي صلاة الله وسلامه عليه، ودينه باقٍ، وهذا دينه، لا خير إلا دلَّ الأُمة عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرها منه، والخير الذي دلَّها عليه التوحيد وجميع ما يُحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذَّرها منه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه، والدليل قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].

وكمَّل الله به الدين، والدليل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].

والدليل على موته صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ۝ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:30- 31].

والناس إذا ماتوا يُبْعَثون، والدليل قوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ۝ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح:17- 18].

الشيخ: يقول رحمه الله: لما استقرَّ النبي ﷺ في المدينة، لما هاجر واستقرَّ في المدينة عليه الصلاة والسلام أُمِرَ ببقية شرائع الإسلام من الزكاة، والصوم، والحجِّ، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وغير هذا من الشرائع.

في مكة إنما أُمِرَ بالصلاة، التوحيد والصلاة، أُمِرَ بالتوحيد، عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وإلى الإيمان بالرسول ﷺ، ثم بعد مُضي عشر سنين فرض الله عليه الصلوات الخمس، وصلاها في مكة ثلاث سنين، وبعد مُضي ثلاث عشرة سنةً في مكة انتقل إلى المدينة، هاجر إلى المدينة بسبب أذى قومه، لما آذوه انتقل إلى المدينة وهاجر إليها بإذن الله ، والقصة -قصة الهجرة- معروفةٌ.

فلما استقرَّ في المدينة مُهاجرًا أُمِرَ ببقية شرائع الإسلام من الزكاة، وصيام رمضان، وحجِّ البيت، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وبقية شرائع الإسلام كلها كانت في المدينة: أحكام البيع، وأحكام الشراء، وأحكام النكاح، وغير هذا.

وبها تُوفي عليه الصلاة والسلام بعدما أكمل الله به الدين، وأتمَّ عليه النعمة، كما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، هذا من فضل الله جلَّ وعلا، ومن إحسانه إلى عباده .

وقد بعثه الله إلى الناس كافةً، كما قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، فهو مبعوثٌ لجميع الأُمة: جنّهم وإنسهم، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا.

"ودينه باقٍ"، تُوفي ودينه باقٍ، لا خير إلا دلَّ عليه، ولا شرَّ إلا حذَّر منه.

فالخير الذي دلَّ عليه: التوحيد وجميع ما يُحبه الله ويرضاه.

والشر الذي حذَّر منه: الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه.

والناس إذا ماتوا يُبعثون، قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، وقال جلَّ وعلا: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144]، وهكذا الرسل قبله كلهم ماتوا.

"ودينه باقٍ"، لا خير إلا دلَّ عليه، ولا شرَّ إلا حذَّر منه.

فالواجب التَّمسك بدينه والاستقامة عليه.

ولما تُوفي ﷺ وأشكل على بعض الناس؛ خطب الصديق الناس وقال: "مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا –بشر- قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت"، ثم تلا قوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، فجعل الناس يقرؤونها كأنهم لم يسمعوها إلا ذلك اليوم، وهكذا قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ۝ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:30- 31].

مات كما مات الرسل، ولكن دينه باقٍ، لا خير إلا دلَّ عليه، ولا شرَّ إلا حذَّر منه.

فالخير الذي دلَّ عليه هو التوحيد: توحيد الله، والإخلاص له، والإيمان به، وهكذا كل ما يُحبه الله ويرضاه من جميع الأمور من صلاةٍ، وصومٍ، وزكاةٍ، وغير ذلك.

والشر الذي حذَّر منه هو الشرك وجميع ما يكرهه الله من سائر المعاصي.

والناس كلهم إذا ماتوا يُبعثون، كما قال تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، وقال تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ۝ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح:17- 18]، وبعد البعث يُجْزَون بأعمالهم ويُحاسَبون كما يأتي.

نسأل الله أن يُوفق الجميع.

وبعد البعث مُحاسَبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31]، وقوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].

وأرسل الله جميع الرسل مُبشرين ومُنذرين، والدليل قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

وأولهم نوحٌ عليه السلام، وآخرهم محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو خاتم النَّبيين، والدليل على أنَّ أولهم نوحٌ قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163].

وكل أُمةٍ بعث الله إليها رسولًا من نوحٍ إلى محمدٍ يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة الطاغوت، والدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

الشيخ: "وبعد البعث مُحاسَبون" الناس بعد البعث بعدما يبعثهم الله يوم القيامة مُحاسَبون ومجزيون بأعمالهم: خيرها وشرّها، يجب الإيمان بهذا، قال تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى، هذا أخبر خبرَه : أنه يجزي الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا يعني: يوم القيامة، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى، وقد تُعَجَّل العقوبة في الدنيا للمُسيء والمُحسن؛ للمُسيء العقوبة، وللمُحسن الثواب.

وقال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا زعم يعني: قالوا كاذبين، الزعم كناية عن الكذب.

زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي يعني: قل يا محمد لهم بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أنهم سوف يُبعثون ويُجزون بأعمالهم: خيرها وشرّها، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ.

وأرسل الله جميع الرسل مُبشرين ومُنذرين، كما قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.

"وأولهم نوحٌ" هو أول الرسل عليه الصلاة والسلام، وآخرهم وخاتمهم محمدٌ ﷺ، كما قال : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، وقال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، فهو آخرهم وخاتمهم عليه الصلاة والسلام.

وسوف يشهدون على أُممهم: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء:41].

قد بلَّغوا الرسالة، وأدّوا الأمانة، ونصحوا لله ولعباده عليهم الصلاة والسلام.

فالواجب اتِّباع هذا النبي الكريم، والسّير على منهاجه: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، ويقول قبلها: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157].

نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية.

وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "معنى الطاغوت: ما تجاوز به العبد حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ، والطواغيت كثيرون، رؤوسهم خمسةٌ: إبليس -لعنه الله- ومَن عُبِدَ وهو راضٍ، ومَن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومَن ادَّعى شيئًا من علم الغيب، ومَن حكم بغير ما أنزل الله".

والدليل قوله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256]، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله.

وفي الحديث: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.

والله أعلم.

تمَّت الأصول الثلاثة.

الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله: "وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله"، هذا فرضٌ على جميع المُكلَّفين من الجنِّ والإنس، الرجال والنساء؛ أن يكفروا بالطاغوت، ويؤمنوا بالله، كما قال جلَّ وعلا: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

فالواجب الكفر بالطاغوت وإنكاره، والبراءة منه، وهو عبادة غير الله، يكفر بكل ما عُبِدَ من دون الله ويُنكره، ويعتقد أن العبادة حقُّ الله وحده، كما قال جلَّ وعلا: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62]، وقال جلَّ وعلا: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وقال النبي ﷺ: مَن وحَّد الله وكفر بما يُعبد من دون الله حَرُمَ ماله ودمه، وفي اللفظ الآخر: مَن قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله؛ حَرُمَ ماله ودمه، وحسابه على الله.

قال ابن القيم رحمه الله: "معنى الطاغوت: ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ"، هذا الطاغوت.

مَن جاوز حدَّه من معبودٍ من دون الله، أو متبوعٍ على غير شريعة الله، أو مُدَّعٍ لعلم الغيب، أو مُطاعٍ في غير الشريعة: "من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ"، فالذي يُعْبَد كفرعون والنَّمرود أو يُطاع في غير الشريعة هو طاغوتٌ، أو يُتَّبع على غير الشريعة بالباطل فهو طاغوتٌ لأتباعه الذين يتبعوه في غير الشريعة.

قال: "والطواغيت كثيرون، رؤوسهم خمسةٌ: إبليس لعنه الله" هو رأسهم، والدَّاعي إلى كل شرٍّ.

"إبليس -لعنه الله- ومَن عُبِدَ وهو راضٍ" كفرعون والنَّمرود وأشباههم، "ومَن دعا الناس إلى عبادة نفسه" كفرعون أيضًا، "ومَن ادَّعى شيئًا من علم الغيب" يقول أنه يعلم الغيب، أو يعلم بعض الغيب، فهو طاغوتٌ، "ومَن حكم بغير ما أنزل الله" مُتعمدًا يكون طاغوتًا، أما مَن اجتهد وأخطأ ما يكون طاغوتًا، لكن مَن يتعمد الحكم بغير ما أنزل الله يكون طاغوتًا، فإن استحلَّ كفر، وإن لم يستحلّه فهو طاغوتٌ، لكن كفرٌ دون كفرٍ، نسأل الله العافية.

فالواجب على العباد هو طاعة الله، واتِّباع شريعته، وتعظيم أمره ونهيه، والحذر مما يُخالف ذلك.

ورأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.

رأس الأمر: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، هذا أصل الدين، وأساس الملة: الشهادتان.

وعموده الأعظم بعد الشهادتين: الصلاة.

وذروة سنامه: الجهاد في سبيل الله، أعلى الإسلام: الجهاد في سبيل الله لإقامة الدين.