022 فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

فَصْلٌ

فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي خُطَبِهِ

كَانَ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَيَقْرِنُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.

س: .............؟

ج: هذا يدل على أنَّ النهي منسوخٌ؛ لأنَّ الأحاديث مُتكاثرة في التَّثنية في الصحاح وغيرها.

الطالب: ..........

الشيخ: ليس بشيءٍ هذا، الصواب أنَّ هذا إما منسوخ، وإلا مرجوح؛ لأنَّ الأحاديث التي تجمع ضميره وضمير الرب كثيرة جدًّا، ومنها هذه الرواية من حديث ابن مسعودٍ، ومنها حديث أنسٍ في "الصحيحين": ثلاثٌ مَن كنَّ فيه وجد بهن حلاوةَ الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، جمع بينهما، وهذا كثير في النصوص، وعند خفاء التاريخ يسلك مسلك الترجيح، فإنَّ التاريخ ليس بواضحٍ حتى يُقال بالنسخ، فتبقى مسألة الترجيح، وأحاديث الجمع أرجح وأصحّ وأكثر، فلا يضرّ، سواء قال: "مَن يعصي الله ورسوله" بالواو، أو قال: "يعصيهما"، سواء أظهر الضَّمير، أو أبقى الضمير، قد قال الله جلَّ وعلا: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ [النساء:13]، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء:14] هذا كثير.

فالحاصل أنَّ جمعهما بالضمير أو باسمٍ ظاهرٍ مع الواو لا يضرّ في هذا؛ لأنَّ المقصود أنَّ معصيتهما ممنوعة، وطاعتهما مطلوبة، بخلاف: ما شاء الله وشاء فلان، فإنَّ هذا ..... له مشاركة بالمشيئة والتَّصرف؛ لهذا لا يصحّ، ولكن يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان، هكذا: لولا الله وفلان؛ لأنه يُشعر بالمشاركة في العطاء والمنع؛ فلهذا لا يُقال هكذا، ولكن لولا الله ثم فلان.

س: سند الحديث المتقدم؟

ج: لا بأس به، جيد .....

س: ...........؟

ج: محل نظرٍ، ضعيف.

........

وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.

ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ رَوَاهُ مسلم.

وَفِي لَفْظٍ: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ. فَذَكَرَهُ.

وَفِي لَفْظٍ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ.

وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

وَكَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ التَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّشَهُّدِ: "أَمَّا بَعْدُ".

س: .............؟

ج: في حياته، وهكذا ولاة الأمور بعده، ولاة الأمور عليهم أن يُلاحظوا هذا، مَن كان عليه دَينٌ .....، ومَن كان وراءه ضياع، يعني: أطفال أيتام، ونحو ذلك، يكفونهم ويُحسنون إليهم.

..........

وَكَانَ يُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيَقْصِدُ الْكَلِمَاتِ الْجَوَامِعَ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ.

وَكَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ فِي خُطْبَتِهِ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ، وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ فِي خُطْبَتِهِ إِذَا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ، كَمَا أَمَرَ الدَّاخِلَ وَهُوَ يَخْطُبُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ.

وَنَهَى الْمُتَخَطِّيَ رِقَابَ النَّاسِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ.

وَكَانَ يَقْطَعُ خُطْبَتَهُ لِلْحَاجَةِ تَعْرِضُ، أَوِ السُّؤَالِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيُجِيبُهُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى خُطْبَتِهِ فَيُتِمُّهَا.

وَكَانَ رُبَّمَا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُتِمُّهَا، كَمَا نَزَلَ لِأَخْذِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَأَخَذَهُمَا، ثُمَّ رَقِيَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ، فَأَتَمَّ خُطْبَتَهُ.

وَكَانَ يَدْعُو الرَّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ: "تَعَالَ يَا فُلَانُ، اجْلِسْ يَا فُلَانُ، صَلِّ يَا فُلَانُ".

وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِمُقْتَضَى الْحَالِ فِي خُطْبَتِهِ، فَإِذَا رَأَى مِنْهُمْ ذَا فَاقَةٍ وَحَاجَةٍ أَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَحَضَّهُمْ عَلَيْهَا.

وَكَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَائِهِ.

وَكَانَ يَسْتَسْقِي بِهِمْ إِذَا قَحَطَ الْمَطَرُ فِي خُطْبَتِهِ.

الشيخ: كما روى ذلك عمارة بن رويبة لما دخل يوم الجمعة وبشر بن مروان يخطب الناس ويرفع يديه، أنكر ذلك وقال: ما كان النبي ..... إلا بإصبعه عليه الصلاة والسلام، يعني في خطبة الجمعة.

س: .............؟

ج: الأظهر والله أعلم أنَّ له ذلك؛ لأنهم قصروا في عدم سدِّها.

س: .............؟

ج: لا، يجلس حتى ينتهي الخطيبُ، ما يفتحها.

وَكَانَ يُمْهِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا خَرَجَ إِلَيْهِمْ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ شَاوِيشٍ يَصِيحُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا لُبْسِ طَيْلَسَانٍ، وَلَا طُرْحَةٍ، وَلَا سَوَادٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَدْعُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَأْخُذُ بلال فِي الْأَذَانِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَخَطَبَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْخُطْبَةِ، لَا بِإِيرَادِ خَبَرٍ وَلَا غَيْرِهِ.

الشيخ: المقصود هو الرد على مَن يفعل هذا ..... في بعض المحلات يقوم واحدٌ إذا أذَّن يقول: "أنصتوا"، ويقرأ حديث: إذا قلتَ لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوتَ، ليس لهذا أصلٌ، وإذا أذَّن المؤذنُ وأجابه قام وخطب من دون أن يتكلم أحدٌ.

س: ................؟

ج: ما يضرّ، لا، إنما يحصل بعد البدء بالخطبة، قال النبي: مَن تكلم والإمام يخطب، أما قبل الخطبة ما يمنع الكلام.

س: ................؟

ج: كذلك، لكنها جلسة خفيفة، ترك الكلام أولى حتى لا يمتد، جلسة خفيفة، محل دعاءٍ، ومحل استغفارٍ.

س: كيف أُنكر على مَن يتكلم أثناء الخطبة؟

ج: بالإشارة.

س: الدعاء بعد الأذان؟

ج: بعدما يأتي بالدُّعاء يخطب: "اللهم ربَّ هذه الدَّعوة التامَّة .." إلى آخره.

س: ................؟

ج: بين الأذان والإقامة: "اللهم ربَّ هذه الدَّعوة التامَّة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدتَه".

س: ................؟

ج: الدعاء بين الأذان والإقامة.

س: ................؟

ج: كان النبي يدعو للمؤمنين والمؤمنات في خطبه عليه الصلاة والسلام.

س: ................؟

ج: ما فيه بأس، مثلما كان النبي يدعو.

س: ................؟

ج: ما أعرف له أصلًا؛ لأنَّ المدة يسيرة.

س: ................؟

ج: ما له أصل هذا، إلا مَن دخل، مَن دخل لا يجلس حتى يُصلي ركعتين، أما الجالسون لا يقومون، ينتظرون للخطبة، يستمعون.

س: ................؟

ج: يُنبههم، يُعلِّمهم.

س: ................؟

ج: اللهم صلِّ على محمدٍ، اللهم اغفر، لا إله إلا الله.

س: ...............؟

ج: سنة.

س: في الخطبة يرفع يديه؟

ج: يرفع يديه إذا خطب الجمعة، هذا مشروع في الاستسقاء، وفي غير الاستسقاء لا يرفع يديه، أما في الاستسقاء يرفع يديه في الجمعة، لكن الخطبة العادية في الجمعة لا يرفع يديه.

س: ...............؟

ج: تركها أولى، وفيها عدة أحاديث فيها ضعف؛ ولهذا ذكر بعضُ أهل العلم استحباب المسح -مسح الوجه باليدين- ومَن تركه فلعله أولى؛ لأنَّ الأحاديث الصَّحيحة ما فيها مسح، والأمر في هذا سهل وواسع.

س: ..............؟

ج: في الاستسقاء مشروع، وفي الدعاء العموم، من حيث العموم من أسباب الإجابة، لكن لا يرفع في المواضع التي ما رفع فيها النبيُّ ﷺ: في خطبة العيد، وخطبة الجمعة ما رفع فيها النبيُّ ﷺ، ومثل: أدبار الصَّلوات إذا سلَّم، أو بين السَّجدتين، أو في التحيات لا يرفع؛ لأنَّ النبي ما رفع في هذه المواضع.

وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ سَيْفًا وَلَا غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَ الْمِنْبَرَ.

وَكَانَ فِي الْحَرْبِ يَعْتَمِدُ عَلَى قَوْسٍ، وَفِي الْجُمُعَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى عَصًا، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى سَيْفٍ.

الشيخ: علَّق عليه؟

الطالب: "وفي الجمعة يعتمد على عصًا" علَّق على هذا: رواه أبو داود في "الصلاة" باب "الرجل يخطب على قوسٍ" من حديث الحكم بن حزم الكلفي ..... مع رسول الله ﷺ، فقام متوكئًا على عصا أو قوسٍ. وسنده حسن كما قال الحافظ في "التلخيص"، وصححه ابنُ خزيمة، وله شاهد من حديث البراء رواه أبو داود، وآخر عند أبي الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ".

الشيخ: وأيش يقول عندك ابنُ القيم؟

الطالب: وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ سَيْفًا وَلَا غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَ الْمِنْبَرَ، وَكَانَ فِي الْحَرْبِ يَعْتَمِدُ عَلَى قَوْسٍ، وَفِي الْجُمُعَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى عَصًا.

الشيخ: ما أدري من أين أخذ هذا رحمه الله؟! ما نعرف من أين أخذ هذا رحمه الله؟! أما حديث الحكم: "يعتمد على قوسٍ أو عصا" بالشك.

س: ..............؟

ج: في محل نظر، هذا واقعة حال: أنه كان يفعل هذا، وإنما رآه في خطبةٍ خطبها: اعتمد على قوسٍ، مَن احتاج إليه فلا شكَّ، وأما إذا لم يحتج إليه فالأمر واسع.

س: ..............؟

ج: محل نظر، أقول: ما أعرف له أصلًا، يحتاج إلى متابعة مَن روى هذا ومَن ذكره.

وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى سَيْفٍ، وَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى السَّيْفِ دَائِمًا، وَأَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدِّينَ قَامَ بِالسَّيْفِ، فَمِنْ فَرْطِ جَهْلِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْهُ بَعْد اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ أَنَّهُ كَانَ يَرْقَاهُ بِسَيْفٍ، وَلَا قَوْسٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا قَبْلَ اتِّخَاذِهِ أَنَّهُ أَخَذَ بِيَدِهِ سَيْفًا الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ.

الشيخ: والمعنى أنَّ الدِّين فتح بالدَّعوة إلى الله والتعليم لا بالسيف كثيرًا من البلدان، وكثيرًا من القبائل، ما كان هناك سيفٌ، إنما هو دعوة إلى الله، ودخلوا في الإسلام، وأهل المدينة دخلوا في الإسلام جميعًا من غير سيفٍ، إنما السيف ينفذ، السيف ينفذ به أحكامًا لمن أبى وقاتل، أما مَن أجاب الدَّعوة ما يحتاج إلى السيف.

س: الآية لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] منسوخة بآية السَّيف؟

ج: قيل: منسوخة. وقيل: إنها في أهل الكتاب خاصةً. فيها قولان: أحدهما أنها في أهل الكتاب والمجوس، لا يُكرهون، بل يُخيرون بين الإسلام والجزية، فإن لم يُؤدوا الجزيةَ ولا الإسلام قُوتلوا، وأما بقية الناس فلا تخيير: إما الإسلام، وإما السيف.

وقال آخرون: بل هي منسوخة، كان هذا أول الأمر، ثم شرع الله القتال والجهاد؛ لقوله سبحانه: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39]، فنُسخت بهذه الآية وما جاء في معناها.

س: ...............؟

ج: محتمل، والقول بأنها في أهل الكتاب أولى من النَّسخ؛ لأنَّ أهل الكتاب لا يُقاتلون إلا إذا امتنعوا من الجزية.

وَكَانَ مِنْبَرُهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ قَبْلَ اتِّخَاذِهِ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تَحَوَّلَ إِلَى الْمِنْبَرِ حَنَّ الْجِذْعُ حَنِينًا سَمِعَهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ ﷺ وَضَمَّهُ، قَالَ أنسٌ: حَنَّ لَمَّا فَقَدَ مَا كَانَ يَسْمَعُ مِنَ الْوَحْيِ، وَفَقْدَهُ الْتِصَاقَ النَّبِيِّ ﷺ.

الشيخ: كان بجواره يضع يده عليه، فلما تركه وانتقل إلى المنبر حنَّ حنين الطفل، فسمعه الناسُ، وهذا من آيات الله، ومن الدلائل على صدق رسوله عليه الصلاة والسلام، فلما نزل جعل يُهدئه حتى سكت.

وَلَمْ يُوضَعِ الْمِنْبَرُ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا وُضِعَ فِي جَانِبِهِ الْغَرْبِيِّ قَرِيبًا مِنَ الْحَائِطِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِطِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ.

وَكَانَ إِذَا جَلَسَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ.

الشيخ: عليه حاشية؟ أيش قال عليه؟

الطالب: رواه البخاري في "الصلاة" باب "قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة"، ومسلم في "الصلاة" باب "دنو المصلي من السترة"، وأبو داود في "الصلاة" باب "موضع المنبر"، من حديث سلمة بن الأكوع ، وفي لفظٍ: كان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشَّاة.

الشيخ: ما تكلم على محله.

وَكَانَ إِذَا جَلَسَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ.

الشيخ: قوله: أنه في الجانب الغربي، محل نظر؛ لأنَّ الجانب الغربي معناه: طرف الصفوف من جهة الغرب؛ لأنَّ قبلة المسجد النبوي جنوب شرق مكة، فالغربي عن يمين المصلين، والشرقي عن يسار المصلين، لكن الجانب الغربي يحتاج إلى مزيد عنايةٍ، والأقرب أنه في وسط المسجد من جهة الجدار الجنوبي الذي هو قبلة المصلين.

س: المنبر الآن الموجود هذا كان موضع النبي ﷺ؟

ج: الله أعلم.

وَكَانَ إِذَا جَلَسَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، أَوْ خَطَبَ قَائِمًا فِي الْجُمُعَةِ، اسْتَدَارَ أَصْحَابُهُ إِلَيْهِ بِوُجُوهِهِمْ، وَكَانَ وَجْهُهُ ﷺ قِبَلَهُمْ فِي وَقْتِ الْخُطْبَةِ.

وَكَانَ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَخَذَ بلال فِي الْإِقَامَةِ.

وَكَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالدُّنُوِّ مِنْهُ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْإِنْصَاتِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: "أَنْصِتْ" فَقَدْ لَغَا، وَيَقُولُ: مَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ.

وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

الشيخ: أيش قال عليه المحشي؟

الطالب: من حديث ابن عباسٍ، وفي سنده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، وأورده الهيثمي في "المجمع"، وزاد نسبته للبزار، والطبراني في "الكبير"، وأعلَّه بمجالد.

...........

الشيخ: هذا جاء في "صحيح مسلم": مَن مسَّ الحصى فقد لغا، ومَن لغا فلا جمعةَ له، يعني: يفوته فضلها، وأما الحديث هذا فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا فهذا في صحَّته نظر، فمجالد ليس ممن يعتمد عليه؛ اختلط، روايته فيها لين، إلا أن تكون له شواهد، هذا التَّشبيه: "مَن لغا مثله كمثل الحمار" أمر عظيم.

س: تكون باطلةً أم ناقصةً مَن مسَّ الحصى؟

ج: يفوته فضلها، يعني: ليست له جمعة، يعني: فضل الجمعة، ولا يُعيد، ليس عليه الإعادة.

س: مَن لغا فلا جمعةَ له؟

ج: لا فضلَ له، ليس له جمعة، فضل الجمعة.

س: الحديث صحّته؟

ج: رواه مسلم في الصحيح.

س: .............؟

ج: الإمام أحمد يروي الضَّعيف والصحيح، وهكذا أبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجه ومالك وغيرهم، كلهم يرون هذا وهذا.

س: .............؟

ج: أصله في مسلم: مَن مسَّ الحصى فقد لغا، ومَن لغا فلا جمعةَ له. رواه مسلم في "الصحيح"، ما تكلم عليه المحشي؟

الطالب: تكلم، قال: هو جزء من حديثٍ طويلٍ رواه أحمد في "المسند"، ولفظه في آخره: ومَن قال: صه، فقد تكلم، ومَن تكلم فلا جمعةَ له، وإسناده ضعيف؛ لجهالة مولى ..... عطاء الخرساني .....، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث عبدالله بن عمر ..... كانت له ظهرًا، وكانت له ظهرًا، وسنده حسن.

الشيخ: فاتّهم رواية مَن مسَّ الحصى فقد لغا من رواية أبي هريرة، ما ذكر الحديث ..... في هذا؟

الطالب: الذي قبله: ويُخبرهم أنَّ الرجل إذا قال لصاحبه: "أنصت" فقد لغا. علَّق عليه: رواه البخاري في "الجمعة" باب "الإنصات يوم الجمعة"، ومسلم في "الجمعة" باب "الإنصات يوم الجمعة للخطبة"، وأبو داود في "الصلاة" باب "الكلام والإمام يخطب" .....

الشيخ: لا، هذا قوله: "أنصت"، لكن رواية مَن مسَّ الحصى فقد لغا هذا حديثٌ آخر ..... يُراجع حتى يعلق على هذا.

وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (تَبَارَكَ) وَهُوَ قَائِمٌ، فَذَكَّرَنَا بِأَيَّامِ اللَّهِ، وأبو الدرداء أَوْ أبو ذر يَغْمِزُنِي، فَقَالَ: مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ؟ فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا إِلَّا الْآنَ! فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: سَأَلْتُكَ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَلَمْ تُخْبِرْنِي! فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ الْيَوْمَ إِلَّا مَا لَغَوْتَ. فَذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قَالَ لَهُ أُبي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ أُبي. ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَصْلُهُ فِي "مُسْنَدِ أحمد".

وَقَالَ ﷺ: يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو، وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ : إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا؛ فَهِيَ كَفَّارَةٌ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَزِيَادَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160]. ذَكَرَهُ أحمد وأبو داود.

الشيخ: أيش قال المحشي عليه؟

الطالب: رواه أحمد في "المسند"، وأبو داود في "الصلاة" باب "الكلام والإمام يخطب"، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وإسناده حسن.

الشيخ: والذي رواه أُبي؟

الطالب: رواه أحمد في "المسند"، وابن ماجه في "إقامة الصلاة" باب "ما جاء في الاستماع للخطبة"، وإسناده حسن، ورواه ابن حبان بنحوه من حديث جابرٍ، وفيه عيسى بن جارية، وفيه لين، وانظر "المجمع".

الشيخ: ويكفي في هذا ما في "الصحيحين"، الحديث المتقدم، رواه الشيخان: إذا قلتَ لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة فقد لغوتَ، اللهم صلِّ عليه.

س: قوله: "إنه ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوتَ"؟

ج: يعني هذا حظُّك من الثواب، فاتك ثوابها.

وَكَانَ إِذَا فَرَغَ بلالٌ مِنَ الْأَذَانِ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ، وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ الْبَتَّةَ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَذَانُ إِلَّا وَاحِدًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ كَالْعِيدِ لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا، وَهَذَا أَصَحُّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَّةُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، فَإِذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ أَخَذَ بلالٌ فِي أَذَانِ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا أَكْمَلَهُ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَهَذَا كَانَ رَأْيَ عَيْنٍ، فَمَتَى كَانُوا يُصَلُّونَ السُّنَّةَ؟!

وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا فَرَغَ بلالٌ مِنَ الْأَذَانِ قَامُوا كُلُّهُمْ فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ أَجْهَلُ النَّاسِ بِالسُّنَّةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا سُنَّةَ قَبْلَهَا هُوَ مَذْهَبُ مالك وأحمد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.

وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ لَهَا سُنَّةً مِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ أَنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، فَيَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الظُّهْرِ.

وَهَذِهِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا تُخَالِفُ الظُّهْرَ فِي الْجَهْرِ، وَالْعَدَدِ، وَالْخُطْبَةِ، وَالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ لَهَا، وَتُوَافِقُهَا فِي الْوَقْتِ، وَلَيْسَ إِلْحَاقُ مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ بِمَوَارِدِ الِاتِّفَاقِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهَا بِمَوَارِدِ الِافْتِرَاقِ، بَلْ إِلْحَاقُهَا بِمَوَارِدِ الِافْتِرَاقِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِمَّا اتَّفَقَا فِيهِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ السُّنَّةَ لَهَا هُنَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الظُّهْرِ، وَهُوَ أَيْضًا قِيَاسٌ فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ مَا كَانَ ثَابِتًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، أَوْ سُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَتِنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ السُّنَنِ فِي مِثْلِ هَذَا بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا انْعَقَدَ سَبَبُ فِعْلِهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ.

الشيخ: وهذا هو الصواب، الذي ذكره المؤلفُ هذا هو الصواب: أنَّ الجمعة ليس لها راتبة قبلها، بل يُصلي ما تيسر، إذا جاء المسجد يُصلي ما تيسر: ركعتين أو أكثر، وإذا أذَّن المؤذنُ عند دخول الخطيب فليس لأحدٍ أن يقوم؛ لأنهم ينتظرون الخطبة، فيجلسون ويُنصتون؛ ولهذا نفس الإمام لما دخل لم يُصلِّ ركعتين، بل قصد المنبر وجلس عليه، واكتفى بصلاة تحية المسجد، هكذا الناس الجالسون السنة لهم عدم القيام، إنما يُصلي ركعتين مَن دخل، مَن دخل صلَّى ركعتين بأمر النبي ﷺ: تحية المسجد، وأما الجالسون فلا يقومون، وهذا يُستثنى من حديث: بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، يُستثنى من ذلك أذان الجمعة، فإنَّ المقيمين من الجالسين لا يقومون عند دخول الخطيب، بل يتهيؤون لسماع الخطبة.

الطالب: هذا الحديث في مسلم .....

الشيخ: نعم.

الطالب: قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو كريب قال: حدثنا يحيى، قال: أنبأنا، وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ: مَن توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعةَ فاستمع وأنصت غُفِر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومَن مسَّ الحصى فقد لغا، هكذا اللَّفظ؟

الشيخ: ما في زيادة: ومَن لغا فلا جمعةَ له؟

الطالب: ما في زيادة.

الشيخ: ...........

الطالب: ..........

الشيخ: مَن مسَّ الحصى فقد لغا يعني: لغت جمعته، هذا معناه.

فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَمْ يَشْرَعْهُ كَانَ تَرْكُهُ هُوَ السُّنَّةَ، وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يُشْرَعَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ سُنَّةٌ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا بِالْقِيَاسِ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَلَا لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَلَا لِلطَّوَافِ، وَلَا لِلْكُسُوفِ، وَلَا لِلِاسْتِسْقَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَغْتَسِلُوا لِذَلِكَ مَعَ فِعْلِهِمْ لِهَذِهِ الْعِبَادَاتِ.

الشيخ: يعني شيئًا انعقد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله، يدل على أنه ليس بسنةٍ، قد رمى النبي الجمار ولم يغتسل لها، ولم يغتسل بعد مبيته في مُزدلفة لمشاهدة الذكر بعد صلاة الفجر، ولم يغتسل لطواف الوداع، ولا لطواف الإفاضة، فدلَّ على أنه ليس بمشروعٍ للإنسان، فهكذا يُقال في صلاة الاستسقاء؛ لأنه فعلها ولم يغتسل، كذلك صلاة العيد لم يثبت أنه اغتسل لها، وإنما الغسل ثابت في الجمعة.

وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" فَقَالَ: "بَابُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا"، حَدَّثَنَا عبدالله بن يوسف: أَنْبَأَنَا مالك، عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَقَبْلَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.

وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْبُخَارِيُّ إِثْبَاتَ السُّنَّةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ هَلْ وَرَدَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا شَيْءٌ؟ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، أَيْ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِعْلُ السُّنَّةِ إِلَّا بَعْدَهَا، وَلَمْ يَرِدْ قَبْلَهَا شَيْءٌ.

وَهَذَا نَظِيرُ مَا فَعَلَ فِي كِتَابِ الْعِيدَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: "بَابُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا".

وَقَالَ أبو المعلى.

الشيخ: المعلى؟

الطالب: عليه حاشية: واسمه يحيى بن ميمون العطار الكوفي، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع، وفي المطبوع: أبو العلاء، وهو تحريف.

سَمِعْتُ سعيدًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْعِيدِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا، وَمَعَهُ بلال. الْحَدِيثَ.

فَتَرْجَمَ لِلْعِيدِ مِثْلَمَا تَرْجَمَ لِلْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ لِلْعِيدِ حَدِيثًا دَالًّا عَلَى أَنَّهُ لَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ كَذَلِكَ.

وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كَانَتْ بَدَلًا عَنِ الظُّهْرِ -وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ السُّنَّةَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا- دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ: "وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ" بَيَانًا لِمَوْضِعِ صَلَاةِ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَأَنَّهُ بَعْدَ الِانْصِرَافِ، وَهَذَا الظَّنُّ غَلَطٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ قَدْ ذَكَرَ فِي بَابِ "التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ" حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ : "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ".

فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْجُمُعَةَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا غَيْرَ الظُّهْرِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِهَا؛ لِدُخُولِهَا تَحْتَ اسْمِ الظُّهْرِ، فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْ لَهَا سُنَّةً إِلَّا بَعْدَهَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا.

س: الحديث الذي قبل هذا: ..... أن النبي ﷺ كان يُصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وقبل العشاء ركعتين؟

ج: لا، بعدها، غلط، بعد العشاء نعم، لكن قبل العشاء وقبل المغرب يدخل في حديث: بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، وأما الراتبة بعد العشاء ..... حديث ابن عمر بعد العشاء، نعم.

وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وجابر، قَالَ: جَاءَ سليك الغطفاني وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ: أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ؟ قَالَ لَا. قَالَ: فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.

قَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَقَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ يَدُلُّ عَنْ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ سُنَّةُ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَتَا تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ.

قَالَ شَيْخُنَا حَفِيدُهُ أبو العباس: وَهَذَا غَلَطٌ، وَالْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ جابرٍ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: أَصَلَّيْتَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا، فَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَفْرَادُ ابْنِ مَاجَهْ فِي الْغَالِبِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.

الشيخ: ولعلَّ قوله: قبل أن تجيء مُصحفة، وصوابه: قبل أن تجلس، فإنه جاء في بعض الرِّوايات: قبل أن تجلس؛ ولهذا قال: قم فصلِّ ركعتين.

المقصود أنَّ تحية المسجد ينبغي للمؤمن ألا يدعها؛ ولهذا أمره النبيُّ حتى في حال الخطبة، وقد يتعلق بهذا مَن قال بوجوبهما، تصحف على بعض الرواة: "تجلس" بـ"تجيء"، والجمعة ليس لها راتبة: لا ركعتان، ولا أكثر، يعني قبلها، فيُصلي المؤمنُ ما تيسر، إذا وصل المسجدَ يُصلي ما تيسر: ركعتين أو أكثر.

وكان بعضُ السلف والصحابة وغيرهم يُصلون حتى يدخل الإمامُ ثم يجلسون، فالمقصود أنَّ الذي قبلها صلاة مُطلقة مُرغَّب فيها، ليس لها حدٌّ محدود: اثنين، أربعًا، ستًّا، ثمان، عشرًا، أكثر، أقلّ، ما في شيءٍ في ذلك، أما الراتبة بعدها: ثنتان، أو أربع، أقلها ثنتان، وأكثرها أربع.

س: ............؟

ج: القصة واحدة، أو رجل إذا تعارضا في رواية "الصحيحين"، أو وهو أبين، ثم ما في تناسب بين "أن تجيء" وبين "قم"، المناسبة "قبل أن تجلس" و"قم"، "قبل أن تجيء" ما لها تعلق بالركعتين، المقصود ركعتان، قال: قم فصلِّ ركعتين، سواء صلَّى قبل أن يجيء، أو ما صلَّى قبل أن يجيء، وهي سنة مؤكدة، ولو صلَّى في بيته مئة ركعة، إذا جاء المسجد يُصلي ركعتين، ما لها تعلق بالصلاة قبل أن يجيء.

س: ..... فوجدهم يُصلون على جنازةٍ؟

ج: يبدأ بها، ثم يُصلي ركعتين، يبدأ بالجنازة؛ لأنه وقوف، ولو كان في ركعات سدّت، مثل: لو جاء وهم يُصلون فريضة كفت عن تحية المسجد الفريضة.

وَقَالَ شَيْخُنَا أبو الحجاج الحافظ المزي: هَذَا تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ، إِنَّمَا هُوَ أَصَلَّيْتَ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ؟، فَغَلِطَ فِيهِ النَّاسِخُ.

وَقَالَ: وَكِتَابُ ابْنِ مَاجَهْ إِنَّمَا تَدَاوَلَتْهُ شُيُوخٌ لَمْ يَعْتَنُوا بِهِ، بِخِلَافِ صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ ومسلم، فَإِنَّ الْحُفَّاظَ تَدَاوَلُوهُمَا، وَاعْتَنَوْا بِضَبْطِهِمَا وَتَصْحِيحِهِمَا. قَالَ: وَلِذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ أَغْلَاطٌ وَتَصْحِيفٌ.

الشيخ: يعني في "سنن ابن ماجه".

س: قول ابن تيمية: أفراد ابن ماجه في الغالب غير صحيحةٍ؟

ج: الغالب أنَّ هذا هو، نعم.

قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ الَّذِينَ اعْتَنَوْا بِضَبْطِ سُنَنِ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْأَحْكَامِ وَالسُّنَنِ وَغَيْرِهَا، لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ فِي اسْتِحْبَابِ فِعْلِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَنْ مَنَعَ مِنْ فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ.

الشيخ: يعني احتجُّوا بها على أنَّ كونه يخطب ما يمنع، من يخطب ما يمنع أن يُصلي ركعتين؛ ولهذا أمره النبيُّ أن يقوم ويُصلي ركعتين، قال: إذا جاء أحدُكم والإمام يخطب فليُصلِّ ركعتين، وليتجوز فيهما، فلا يُطول حتى يجمع بين المصلحتين: بين سنة التحية، وبين استماع الخطبة.

فَلَوْ كَانَتْ هِيَ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ لَكَانَ ذِكْرُهَا هُنَاكَ وَالتَّرْجَمَةُ عَلَيْهَا وَحِفْظُهَا وَشُهْرَتُهَا أَوْلَى مِنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.

وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِهَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ إِلَّا الدَّاخِلَ؛ لِأَجْلِ أَنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ لَأَمَرَ بِهَا الْقَاعِدِينَ أَيْضًا، وَلَمْ يَخُصَّ بِهَا الدَّاخِلَ وَحْدَهُ.

وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ أبو داود فِي "سُنَنِهِ" قَالَ: حَدَّثَنَا مسدد قَالَ: حَدَّثَنَا إسماعيل: حَدَّثَنَا أيوب، عَنْ نافعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَيُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.

وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةً قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ، لَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَهَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِيهِمَا، كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ.

وَفِي "السُّنَنِ" عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بِالْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.

وَأَمَّا إِطَالَةُ ابْنِ عُمَرَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ تَطَوُّعٌ مُطْلَقٌ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى لِمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ونبيشة الهذلي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ؛ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

وَفِي حَدِيثِ نبيشة الهذلي: إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يُؤْذِي أَحَدًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْإِمَامَ خَرَجَ صَلَّى مَا بَدَا لَهُ، وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامَ خَرَجَ جَلَسَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ جُمُعَتَهُ وَكَلَامَهُ، إِنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةً لِلْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا.

الشيخ: لمن عزاه حديث نبيشة؟

الطالب: تقدم تخريجه، وهو في "المسند".

الشيخ: ..... لو صحَّ فالمراد يعني: جلس، يعني: بعد الركعتين، لو أتى والإمام قد خرج جلس -يعني- لكن بعد الركعتين، لو صحَّ.

هَكَذَا كَانَ هَدْيُ الصَّحَابَةِ .

قَالَ ابنُ المنذر: رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً.

الشيخ: عليه شيء؟

الطالب: تقدم تخريجه في صلاة التَّطوع.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ.

الشيخ: عليه شيء؟

الطالب: كذلك.

وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ التَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ؛ وَلِذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي الْعَدَدِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الترمذي فِي "الْجَامِعِ": وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالثَّوْرِيُّ.

وَقَالَ إسحاقُ بن إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري: رَأَيْتُ أبا عبدالله إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يُصَلِّي إِلَى أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ قَارَبَتْ أَنْ تَزُولَ.

الشيخ: هذا على القول بأنَّ يوم الجمعة فيه النَّهي عن الصلاة عند الزوال، فيه خلاف، جاء في رواية أبي قتادة: إلا يوم الجمعة، وفيه ضعف، وظاهر فعل الصحابة وأحاديث النبي ﷺ أنَّ يوم الجمعة ما فيه وقت نهي قبل الزوال؛ فإنَّ الرسول أمر بالصلاة فيها إلى دخول الخطيب، والصحابة فعلوا ذلك، فدلَّ على أن يوم الجمعة ليس فيه نهي قبل الزَّوال.

فَإِذَا قَارَبَتْ أَمْسَكَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الْأَذَانِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِالسَّلَامِ، فَإِذَا صَلَّى الْفَرِيضَةَ انْتَظَرَ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ فَيَأْتِي بَعْضَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بِحَضْرَةِ الْجَامِعِ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْلِسُ، وَرُبَّمَا صَلَّى أَرْبَعًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، فَتِلْكَ سِتُّ رَكَعَاتٍ عَلَى حَدِيثِ عليٍّ، وَرُبَّمَا صَلَّى بَعْدَ السِّتِّ سِتًّا أُخَرَ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ.

وَقَدْ أَخَذَ مِنْ هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ رِوَايَةً: أَنَّ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَهَا سُنَّةَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا، وَلَيْسَ هَذَا بِصَرِيحٍ، بَلْ وَلَا ظَاهِرٍ، فَإِنَّ أحمد كَانَ يُمْسِكُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ، فَإِذَا زَالَ وَقْتُ النَّهْيِ قَامَ فَأَتَمَّ تَطَوُّعَهُ إِلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ أَرْبَعًا، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ.

الشيخ: علَّق عليه؟

الطالب: ...........

الشيخ: أثر عليٍّ محل نظرٍ، فعل أحمد رحمه الله مثل غيره من العلماء، ما يُحتج به، مما ينقل عنهم، ينظر دليله، ولا يُحتج به إلا إذا قام عليه الدليلُ، السنة أن تكون النافلةُ في البيت، هذا هو الأفضل، أو في الجامع بعد الصلاة لا حرج، أما الانتقال إلى مسجدٍ آخر ما عليه دليل، الانتقال إلى مسجدٍ آخر، بل الأفضل إذا ما صلَّاها في المسجد -في الجامع- صلَّاها في البيت، هذا هو الأفضل، كما كان النبيُّ يفعل عليه الصلاة والسلام.

س: إذا أخذ المؤذن في الأذان؟

ج: كونه إذا أخذ المؤذنُ في الأذان محل نظرٍ؛ لأنَّ السنة إذا أخذ المؤذنُ في الأذان الاستماع للأذان، والإجابة للمُؤذن، المقصود أنَّ أثر إسحاق هذا محل نظرٍ، ليس بجيدٍ، ولا يُقبل منه إلا ما وافق السنة.

فأقوال الأئمة: أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأشباههم رحمة الله عليهم، مع علمهم وفضلهم وإمامتهم، لكن لا يُحتج بأفعالهم وأقوالهم إلا ما وافق السنة منها، فيُحتج عليهم، ولا يُحتج بهم، يُحتج لهم بالأدلة، ما وافق الدليلَ قُبِل، حتى من الصحابة، وما خالف الدليل لا، العُمدة على ما قاله الله ورسوله.

الطالب: حديث نبيشة الهذلي المتقدم يقول: وفي "المسند" أيضًا من حديث عطاء الخرساني، عن نبيشة الهذلي: أنه كان يُحدث.

قال المعلِّق: رواه أحمد في "المسند"، قال المنذري في "الترغيب والترهيب": رواه أحمد، وعطاء لم يسمع من نبيشة فيما أعلم. وقال الهيثمي في "المجمع": رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، خلا شيخ أحمد، وهو ثقة.

الشيخ: محل نظرٍ، ساق حديث نبيشة؟

الطالب: نعم ساقه: أنه كان يُحدث عن رسول الله ﷺ: أنَّ المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة، ثم أقبل إلى المسجد لا يُؤذي أحدًا، فإن لم يجد الإمامَ خرج صلَّى ما بدا له، وإن وجد الإمامَ قد خرج جلس واستمع وأنصت حتى يقضي الإمامُ جُمعته وكلامه، إن لم يُغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها لم تكن كفَّارةً للجمعة التي تليها.

الشيخ: جلس يعني بعد سنة التَّحية، لو صحَّ، وعطاء الخرساني فيه أيضًا نظر، ثم هو معلّ بالانقطاع، فالحاصل لو صحَّ فالمراد يعني بعد تحية المسجد؛ لأنَّ الأحاديث يُفسر بعضُها بعضًا.

س: ..............؟

ج: نعم صحيح، يجوز هذا، ويجوز سقط منه كلمة: "بعد أن يُصلي ركعتين"، أو أنه تركها للراوي للعلم بها؛ لأنها معلومة، جلس يعني بعد الركعتين، فإما أن يكون ضعيفًا، وإما أن يكون شاذًّا مخالفًا للأدلة الصَّحيحة، وإما أن يكون تركها الراوي للعلم بها؛ لأنَّ الجلوس يكون بعد التَّحية لا قبلها، وهو يحتمل هذه الوجوه: إما أن يكون ضعيفًا؛ لانقطاعه بين عطاء وبين نبيشة، ولما في عطاء من الكلام. أو يكون شاذًّا؛ لأنَّ الصحيح إذا خالف ما هو أصحّ منه حُكم عليه بالشُّذوذ، أو سقطت الكلمةُ منه: "بعد أن يُصلي ركعتين"، أو تركها الراوي للعلم بها.

س: .............؟

ج: نعم.

الطالب: عطاء ابن أبي مسلم، أبو عثمان، الخرساني، واسم أبيه: ميسرة، وقيل: عبدالله، صدوق، يهم كثيرًا ويُرسل ويُدلس، من الخامسة، مات سنة خمسٍ وثلاثين، لم يصحّ أنَّ البخاري أخرج له. (م، 4).

الشيخ: هذه علَّتان: يهم كثيرًا، ويُدلس. وقد رواه عن نبيشة بالعنعنة، فهو لو صحَّ سماعه منه فهو يحتمل أنه وهم في عدم ذكر الركعتين، ويحتمل أنه رواه عن ضعيفٍ عن نبيشة، والواسطة أسقطها، دلَّسها، فالحاصل لا حُجَّة فيه، الأحاديث الصَّحيحة واضحة في أنَّ السنة أن يُصلي ركعتين، وإن كان الإمامُ يخطب يُصلي ركعتين ثم يجلس.

س: .............؟

ج: حكاها عن النبي ﷺ، ولا بأس به، جيد، وهو يدل على تعدد البقاع، والتَّنقل في النافلة بعد الفريضة، كما فعل بعضُ السلف، كما كان معروفًا، ينتقل من مكانٍ إلى مكانٍ آخر؛ لشهادة البقاع، وتعدد البقاع، ويحتمل لحكمٍ أخرى، لكن هذا مما ذكروه.

س: ..............؟

ج: محتمل، أقول: يحتمل؛ لأنه ..... النبي ﷺ في الجمعة، وظاهرها ستّ ركعات، والمحفوظ عن النبي ﷺ أنه كان يُصلي بعدها ركعتين في بيته، وقال: مَن كان مُصليًا بعد الجمعة فليُصلِّ بعدها أربعًا، هكذا جاء في الحديث الذي رواه مسلم في "الصحيح".

وفي "الصحيحين": كان يُصلي بعد المغرب ركعتين. هذا وهو في مكة، ولعلَّ هذا خاصٌّ بمكة؛ لأجل فضل البقعة، واغتنام فضل البقعة، وأنه صلَّاها تطوعًا لأجل البقعة الشريفة، مع أنَّه في الغالب مسافر إلى مكة لحجة الوداع، مسافر وفتح مكة، مسافر، فلعله لهذه البقعة الكريمة في مكة المكرمة.

س: ما يكون هذا من خصائص مكة؟

ج: محتمل، محتمل، تُنقل لتعدد البقاع، أو لأسبابٍ أخرى، الله أعلم.

وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ عَلَى ثُبُوتِ السُّنَّةِ قَبْلَهَا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ": حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِرَبِّهِ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ مبشر بن عبيد، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْكَعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا.

قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: "بَابُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ" فَذَكَرَهُ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ عِدَّةُ بَلَايَا:

إِحْدَاهَا: بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ إِمَامُ الْمُدَلِّسِينَ، وَقَدْ عَنْعَنَهُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالسَّمَاعِ.

الثَّانِيَةُ: مبشر بن عبيد الْمُنْكَرُ الْحَدِيثِ.

وَقَالَ عبدالله بن أحمد: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: شَيْخٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ: مبشر بن عبيد، كَانَ بِحِمْصَ، أَظُنُّهُ كُوفِيًّا، رَوَى عَنْهُ بَقِيَّةُ، وأبو المغيرة، أَحَادِيثُهُ أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ كَذِبٌ.

وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مبشر بن عبيد مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، أَحَادِيثُهُ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا.

الثَّالِثَةُ: الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ الضَّعِيفُ الْمُدَلِّسُ.

الرَّابِعَةُ: عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ هشيم يَتَكَلَّمُ فِيهِ. وَضَعَّفَهُ أحمدُ وَغَيْرُهُ.

وَقَالَ البيهقي: عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، ومبشر بن عبيد الحمصي مَنْسُوبٌ إِلَى وَضْعِ الْحَدِيثِ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الضُّعَفَاءِ لِعَدَمِ ضَبْطِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ، فَقَالَ: "قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا"، وَإِنَّمَا هُوَ "بَعْدَ الْجُمُعَةِ"، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ".

وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِالله بن عمر العمري: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَأَنَّهُ سَمِعَ نافعًا يَقُولُ: "لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ"، فَقَالَ: "لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ" حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ أَخِيهِ عبيدالله. قَالَ: وَلَيْسَ يَشُكُّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَقْدِيمِ عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى أَخِيهِ عبدالله فِي الْحِفْظِ.

قُلْتُ: وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَزْوِى بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ، قَطْ. وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا، فَانْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ فَقَالَ: "أَمَّا النَّارُ فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا".

الشيخ: وهذا الذي قاله شيخُ الإسلام نبَّه عليه غيرُه، هو لا شكَّ أنه انقلاب، مثل هذا -ما انقلب على بعض الرواة أيضًا- حديث: سبعة يُظلهم الله في ظلِّه، قال: ورجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم يمينُه ما تُنفق شماله، الصواب: حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفق يمينه، فانقلب.

وهذا الحديث الذي قال المؤلفُ أنه كان يُصلي قبل الجمعة أربعًا، مثلما قال المؤلفُ ابن القيم: فيه عدة هذه البلايا، مع مخالفة الأحاديث الصَّحيحة، كل هؤلاء لا يُحتج بهم، لا ..... إذا دلَّس، ولا مبشر، ولا عطية، ولا الحجاج بن أرطاة، كلهم ضُعفاء، وأشدهم مُبشر.

المقصود أنها ليس لها راتبة قبلها الجمعة، وإنما يُشرع لمن جاء إلى المسجد أن يصلِّي ما تيسر: يصلي ثنتين، يصلي أربعًا، يصلي ثمان، يُصلي أكثر، والسلف في هذا متفاوتون: منهم مَن يُصلي إلى دخول الإمام، ومنهم مَن يُصلي ركعتين فيجلس، ومنهم مَن يُصلي أربعًا، ومنهم مَن يُصلي ثمان، ليس في هذا حدٌّ محدود، النبي عليه الصلاة والسلام قال: صلاة الليل والنهار مثنى، مثنى.

قُلْتُ: وَنَظِيرُ هَذَا حَدِيثُ عائشة: إِنَّ بلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْل،ٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، فَانْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ فَقَالَ: ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بلالٌ.

وَنَظِيرُهُ أَيْضًا عِنْدِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ، وَأَظُنُّهُ وَهِمَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- فِيمَا قَالَهُ رَسُولُهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: "وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ"، كَمَا قَالَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ.

وَقَالَ الخطابي وَغَيْرُهُ: وَحَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ للهِ.

الشيخ: ..... أن آخر الحديث لا يُوافق أوله؛ فإنَّ قوله: لا يبرك كما يبرك البعير يقتضي النَّهي عن تقديم اليدين؛ لأنَّ البعير يبرك على يديه، وقوله: وليضع يديه قبل ركبتيه يُعارض ذلك، فيكون عجزه يُخالف صدره؛ ولهذا قال المؤلفُ: أظنُّه انقلب.

وبعض أهل العلم صحح حديث أبي هريرة وقدَّمه على حديث وائل، والصواب الجمع بين الحديثين، وأنهما شيء واحد، ليس بينهما خلاف؛ فحديث وائل وحديث أبي هريرة شيء واحد، ووجه ذلك: أنَّ أول حديث أبي هريرة يُوافق حديث وائل، فيكون قوله: وليضع يديه قبل ركبتيه انقلب على بعض الرواة، وصوابه: "وليضع ركبتيه قبل يديه"؛ حتى لا يُشابه البعير، فتجتمع الأخبار كلها وتنتظم على نسقٍ واحدٍ ........

وَكَانَ ﷺ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ دَخَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ سُنَّتَهَا، وَأَمَرَ مَنْ صَلَّاهَا أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا أَرْبَعًا.

قَالَ شَيْخُنَا أبو العباس ابن تيمية: إِنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.

قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ الْأَحَادِيثُ، وَقَدْ ذَكَرَ أبو داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ.

وَفِي "صَحِيحِ مسلم" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الشيخ: تُحمل هذه الرواية على أنه صلَّاها في المسجد؛ جمعًا بين قوله وفعله عليه الصلاة والسلام: أنه كان يُصلي في البيت ركعتين، وقال في الحديث هذا: إذا صليتُم الجمعةَ فصلِّ بعدها أربعًا، وفي اللفظ الآخر: مَن كان مُصليًا بعد الجمعة فليُصلِّ بعدها أربعًا، فيكون هذا لمن صلَّاها في البيت، يزيد ركعتين في المسجد، وإذا صلَّاها في البيت صلاها ركعتين، فركعتان في البيت تعدل أربعًا في المسجد؛ لأنَّ الصلاة في البيت أفضل في النَّوافل، فتكون ركعتان في البيت تعدل أربعًا في المسجد، والأمر في هذا واسع، وإن صلَّاها في البيت أربعًا فلا بأس؛ لعموم الحديث: مَن كان مُصليًا فليُصلِّ أربعًا، ولم يقل: في المسجد، فإطلاق الحديث يعمّ هذا وهذا، لكن الجمع بينهما في هذا الذي قاله أبو العباس وجماعة له وجاهته، من باب استنباط الحكمة، والتماس الحكمة التي من أجلها صلَّى ركعتين في البيت.

س: ...............؟

ج: حيث أمكن الجمعُ يُعمل بالجميع، فإذا تعارضا فالقول مُقدَّم؛ لأنَّ الفعل يحتمل التَّخصيص؛ أنه خاصّ به ﷺ، لكن الأصل الجمع بين الرِّوايات.

س: ...............؟

ج: هذا قول معروف.

فَصْلٌ

فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْعِيدَيْنِ

كَانَ ﷺ يُصَلِّي الْعِيدَيْنِ فِي الْمُصَلَّى، وَهُوَ الْمُصَلَّى الَّذِي عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ الشَّرْقِيِّ، وَهُوَ الْمُصَلَّى الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ مَحْمِلُ الْحَاجِّ، وَلَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ بِمَسْجِدِهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فَصَلَّى بِهِمُ الْعِيدَ فِي الْمَسْجِدِ إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ، وَهُوَ فِي "سُنَنِ أبي داود"، وَابْنِ مَاجَهْ.

الشيخ: علَّق عليه عندك؟

الطالب: رواه أبو داود في "الصلاة" باب "..... إذا كان يوم مطر"، وابن ماجه في "إقامة الصلاة" باب "ما جاء في صلاة العيد في المسجد إذا كان مطر"، وفي سنده عيسى بن .....، وهو مجهول، وكذا شيخه أبو يحيى عبيدالله التيمي.

الشيخ: هكذا نبَّه الحافظُ في "البلوغ" على ضعفه.

وَهَدْيُهُ كَانَ فِعْلَهُمَا فِي الْمُصَلَّى دَائِمًا.

الشيخ: وهذا هو السنة: أن تُصلَّى العيد والاستسقاء في المصلَّى خارج المساجد، والحكمة في ذلك والله أعلم: إظهار هذه الشَّعيرة العظيمة، هي العبادة السنوية الجامعة؛ ولأنَّ ذلك أيضًا أقرب إلى ألا يقع ضيقٌ أو زحامٌ؛ لأنها صلاة جامعة سنوية، فهي مظنة الكثرة، وربما ضاقت المساجد فشرعها في المصلَّى حتى لا يتأخر أحدٌ، وحتى لا يقول: يضيق المسجد، وحتى لا يتزاحموا، فتكون هذه العبادة محلَّ تجمع الناس، ومظنة الكثرة التي تحتاج إلى مُصلّى واسعٍ، فشرع الله أن تكون في الصَّحراء، محلًّا واسعًا؛ ليكون ذلك أيسر للمُصلين، وأبعد عن الزحمة والمشقة، لكن إذا دعت الحاجةُ فلا بأس، حتى ولو كان الحديثُ ضعيفًا، إذا دعت الحاجةُ إلى المسجد فلا بأس، مثل: مطر.

وَكَانَ يَلْبَسُ لِلْخُرُوجِ إِلَيْهِمَا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ، فَكَانَ لَهُ حُلَّةٌ يَلْبَسُهَا لِلْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ، وَمَرَّةً كَانَ يَلْبَسُ بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، وَمَرَّةً بُرْدًا أَحْمَرَ، وَلَيْسَ هُوَ أَحْمَرَ مُصْمَتًا كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بُرْدًا، وَإِنَّمَا فِيهِ خُطُوطٌ حُمْرٌ كَالْبُرُودِ الْيَمَنِيَّةِ، فَسُمِّيَ أَحْمَرَ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَالْأَحْمَرِ، وَأَمَرَ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو لَمَّا رَأَى عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَحْمَرَيْنِ أَنْ يُحْرِقَهُمَا، فَلَمْ يَكُنْ لِيَكْرَهَ الْأَحْمَرَ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ الشَّدِيدَةَ ثُمَّ يَلْبَسُهُ، وَالَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ تَحْرِيمُ لِبَاسِ الْأَحْمَرِ أَوْ كَرَاهِيَتُهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً.

الشيخ: يعني إذا كان مُصمتًا، أما إذا كان مُخططًا فهذا هو المراد بقوله: "حُلَّة حمراء" أو "برد أحمر"، المخطط تغلب عليه الحُمرة؛ ولهذا قيل له: أحمر، وأخضر تغلب عليه الخُضرة، وأسود كذلك، وبعض أهل العلم حمله على ظاهره، قال: إنَّ الأحمر الخالصَ يدل على الجواز، والنَّهي عن المعصفر والمفدم بالحُمرة إما منسوخ، وإما للكراهة، لا للتحريم.

وَكَانَ ﷺ يَأْكُلُ قَبْلَ خُرُوجِهِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا، وَأَمَّا فِي عِيدِ الْأَضْحَى فَكَانَ لَا يَطْعَمُ حَتَّى يَرْجِعَ مِنَ الْمُصَلَّى فَيَأْكُل مِنْ أُضْحِيَتِهِ.

الشيخ: هذا هو الأفضل: في عيد الفطر يُستحب أكل تمرات وترًا: ثلاثًا، أو خمسًا، أو نحو ذلك؛ ليفصل بين يوم العيد ويوم الصوم، وفي عيد النَّحر الأفضل ألا يأكل حتى يُصلي، كما جاء في حديث بريدة: أنه كان لا يطعم يوم الأضحى حتى يُصلي، هذا هو الأفضل.

أما قوله: أنه كان يتأخَّر حتى يأكل من الضحية. فيحتاج إلى دليلٍ ثابتٍ، المهم أنه يُؤخر الأكل حتى يُصلي، فإذا ثبت أنه كان يبدأ بأضحيته شرع ذلك إذا تيسرت الأضحية، وإن لم يثبت فالأصل هو أنه يُؤخر الطعام فقط، سواء كان من أضحيته أو غير أُضحيته.

تكلم عليه في الحاشية؟

الطالب: ما .......

الشيخ: نعم.

طالب آخر: يقول يا شيخ في "القاموس": والمحمل كمجلس، شقَّان على البعير، يُحمَل فيهما العديلان.

الشيخ: يصلح مَحْمِل كمَجْلِس، ويصلح مِحْمَل كمِنْبَر؛ لأنه آلة يُحمَل فيها، على قاعدة، مشعل كالآلات: منبر ينتبر عليه، ينتفع عليه، ومغفر الذي يستر به الرأس، ومنجل لأنَّه ينجل به الحشيش، محمل لأنه يُحمل به الحاجات، ومحمل كمجلس؛ لأنه يجلس فيه، يحمل فيه، نعم، القاعدة هذا وهذا.

وَكَانَ يَغْتَسِلُ لِلْعِيدَيْنِ، صَحَّ الْحَدِيثُ فِيهِ، وَفِيهِ حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ جُبَارَةِ بْنِ مُغَلِّسٍ، وَحَدِيثُ الفاكه بن سعد مِنْ رِوَايَةِ يوسف بن خالد السّمتي.

وَلَكِنْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِ لِلسُّنَّةِ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ خُرُوجِهِ.

س: قوله: صحَّ الحديث فيه، وفيه حديثان ضعيفان، كيف؟

ج: الظاهر أنه لم يصحّ الحديث، أيش قال المحشي عليه؟ ما تعرض؟! لا نعلم في العيد حديثًا صحيحًا يدل على شرعية الغسل للعيد، وإنما هي أحاديث ضعيفة كما قال المؤلفُ، تكلم المحشِّي؟

الطالب: .........

الشيخ: السياق يدل على أنه لم يصحّ الحديث، هذا السياق: وكان ابن عمر أيش؟

وَلَكِنْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِ لِلسُّنَّةِ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ خُرُوجِهِ.

الشيخ: كلها نسخة واحدة عندكم؟

الطالب: نعم.

الشيخ: كلها نسخة واحدة: صحَّ الحديث؟

الطالب: نعم.

الشيخ: حطّ عليه إشارة، لعله لم يصح الحديث؛ لأنه هو المنتظم مع الكلام.

الطالب: لكن قبلها قال: وكان يغتسل للعيدين، صحَّ الحديث فيه، وفيه حديثان ضعيفان: حديث ابن عباسٍ من رواية جبارة بن مغلس، وَحَدِيثُ الفاكه بن سعد مِنْ رِوَايَةِ يوسف بن خالد السمتي.

وحشى على هذا قال على الأول: حديث ابن عباسٍ من رواية ..... رواه ابن ماجه في "إقامة الصلاة" باب "ما جاء في الاغتسال في العيدين"، ولفظه قال: كان رسولُ الله ﷺ يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى. وجبارة بن مغلس ضعيف، وشيخه حجاج بن تميم ضعيف أيضًا.

وحديث الفاكه بن سعد من رواية يوسف بن خالد السمتي، رواية ابن ماجه، ويوسف بن خالد السمتي كذبه غير واحدٍ، وقال ابنُ حبان: كان يضع الحديثَ.

الشيخ: وكان أيش؟

الطالب: وكان يغتسل للعيدين، صحَّ الحديث فيه.

الشيخ: مثلما قاله، لعله إن صحَّ الحديثُ هذا ينتظم به الكلام، إن صحَّ، لعله إن صحَّ الحديثُ هذا أقرب، سقطت (إن) .......

وَكَانَ ﷺ يَخْرُجُ مَاشِيًا، وَالْعَنَزَةُ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْمُصَلَّى نُصِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيُصَلِّيَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ الْمُصَلَّى كَانَ إِذْ ذَاكَ فَضَاءً، لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِنَاءٌ وَلَا حَائِطٌ، وَكَانَتِ الْحَرْبَةُ سُتْرَتَهُ.

الشيخ: وهكذا كان يفعل في السّفر، تُحمل معه، فإذا أمَّ الناس نُصبت أمامه في السَّفر.

وَكَانَ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ عِيدِ الْفِطْرِ، وَيُعَجِّلُ الْأَضْحَى، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِ لِلسُّنَّةِ لَا يَخْرُجُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيُكَبِّرُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمُصَلَّى.

الشيخ: وهذا ورد في حديثٍ أنه كتب إلى أهل اليمن، كتب إلى معاذٍ: أن عجِّل صلاة الأضحى، وأخِّر صلاة الفطر، ولكن في سنده ضعف، أيش قال المحشي عليه؟

الطالب: ما حشَّى.

الشيخ: حطّ عليه إشارة، يُراجع الحديث .....

وَكَانَ ﷺ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْمُصَلَّى أَخَذَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ وَلَا قَوْلِ: "الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ"، وَالسُّنَّةُ أَنَّهُ لَا يُفْعَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.

الشيخ: هذا السنة، متى أتى العيد يُصلي، ولا يحتاج: لا أذان، ولا إقامة، ولا الصلاة جامعة، ولا صلوا صلاةَ العيد، ولا نحو ذلك.

وَلَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ يُصَلُّونَ إِذَا انْتَهَوْا إِلَى الْمُصَلَّى شَيْئًا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا.

الشيخ: نعم، يبدأ بالصلاة، من حين جاء يبدأ بالصلاة. علَّق عليه بشيء؟

الطالب: رواه البخاري في "العيدين" باب "الصلاة قبل العيد وبعدها"، والترمذي في "الصلاة" باب "ما جاء لا صلاة قبل العيد ولا بعدها"، والنسائي في "العيدين" باب "الصلاة قبل العيدين وبعدها"، وابن ماجه في "إقامة الصلاة" باب "ما جاء في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها"، كلهم من حديث ابن عباسٍ ، وفي الباب عن أبي سعيدٍ الخدري، وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده .

الشيخ: ما كمّل البحث، حديث أبي سعيدٍ أنه كان يُصلي بعد العيدين ركعتين، وقال الحافظ في "البلوغ": إسناده حسن. المحشي ما كمّل.

س: في المصلَّى؟

ج: في بيته.

وَكَانَ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، يَسْكُتُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ سَكْتَةً يَسِيرَةً، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ذِكْرٌ مُعَيَّنٌ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ.

الشيخ: ذكر الحافظُ أنَّ سنده حسن، ويغلب على ظنِّي أني راجعتُه فظهر لي أنه ليس بحسنٍ، وأنه ضعيف، حديث أبي سعيدٍ هذا ليس كما قال الحافظ، فيُراجع إن شاء الله، نُراجعه إن شاء الله مرةً أخرى.

وأما تحية المسجد فالسنة أن يجلس؛ لأنه ليس بمسجدٍ له تحية، بل إذا جاء يجلس، كما كان الصحابةُ يجلسون.

لكن لو صليت في المسجد جاء عمومُ الحديث بتحية المسجد، لو صُليت لعلةٍ مثل: وجود المطر، أو عدم تيسر ذلك لبُعد الصحراء، أو لغير ذلك من الأسباب، إذا صلوا في المسجد فالظاهر أنها تعمّ مَن دخل المسجد تحية المسجد؛ لأنه مسجد، وقد جاء إليه للصلاة، فإذا جاء وهم لم يُصلوا صلَّى تحية المسجد ثم جلس، وهكذا لو جاء وهو يخطب إذا كان قدَّم الخطبة كذلك، مثل الجمعة سواء.

س: ..............؟

ج: أيش يقول؟

الطالب: في باب "أكل يوم النحر" قال بعد أن أورد حديث: مَن ذبح قبل الصلاة فليُعد، قال في الشرح: ولعلَّ المصنف أراد الإشارة إلى تضعيف ما ورد في طرق الحديث الذي قبله من مُغايرة يوم الفطر بيوم النحر، من استحباب البداءة بالصلاة يوم النحر قبل الأكل؛ لأنَّ في حديث البراء أنَّ أبا بردة أكل قبل الصلاة يوم النحر، فبين له ﷺ أنَّ التي ذبحها لا تُجزئ عن الأضحية، وأقرَّه على الأكل منها، وأما ما ورد في الترمذي والحاكم من حديث بُريدة قال: كان النبيُّ ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يُصلي. ونحوه عند البزار عن جابر بن سمرة، وروى الطبراني والدَّارقطني من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "من السنة ألا يخرج يوم الفطر حتى يخرج الصَّدقة ويطعم شيئًا قبل أن يخرج"، وفي كلٍّ من الأسانيد الثلاثة مقال، وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلَّت عليه.

الشيخ: هذا حديث بُريدة جيد، لا بأس به.

الطالب: قال ابنُ المنير: وقع أكله ﷺ في كلٍّ من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصَّة بهما، وإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلَّى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهةٍ، وافترقا من جهةٍ، واختار بعضُهم تفصيلًا آخر فقال: مَن كان له ذِبح استحبَّ له أن يبدأ بالأكل يوم النحر منه، ومَن لم يكن له ذبح ..... سيأتي الكلام على حديث أنسٍ والبراء ..... في هذا الباب في كتاب "الأضاحي" إن شاء الله.

الشيخ: المقصود لا نقول باستحباب أن يبدأ بأضحيته يوم العيد إلا بدليلٍ، وإلا فالأفضل هو أنه لا يأكل إلا بعد الصلاة يوم العيد، سواء من الأضحية، أو من غير الأضحية.

وَلَكِنْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ"، ذَكَرَهُ الخلال.

الشيخ: هو ثابت عن ابن مسعودٍ: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل بين التكبيرات، من فعله ، لكن الصلاة على النبي ﷺ ما أذكره في رواية ابن مسعودٍ ..... يجمع ما ورد فيه بين التَّكبيرات، يُراجع أثر ابن مسعودٍ وما جاء في معناه .....

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مَعَ تَحَرِّيهِ لِلِاتِّبَاعِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.

الشيخ: وهذا هو السنة في تكبيرات العيد وتكبيرات الجنائز: رفع اليدين.

س: .............؟

ج: يُكبر الله، ويحمد الله، ويُهلله: الله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فقط، ما أذكر فيه الصلاة على النبي ﷺ.

س: .............؟

ج: لا، من كلام ابن مسعودٍ.

س: .............؟

ج: المعروف من فعل ابن عمر، وجاء عن ابن عباسٍ أيضًا، وذكره الدَّارقطني مرفوعًا بسندٍ جيدٍ عن ابن عمر أيضًا من رواية عمر بن شبّه النُّميري بإسنادٍ جيدٍ، والمشهور عن ابن عمر الوقف، وابن عباسٍ كذلك.

س: .............؟

ج: هذا مثله، العيد والجنائز كلها تكبيرات عن قيامٍ.