029 فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصدقة والزكاة

فَصْلٌ

فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ

هَدْيُهُ فِي الزَّكَاةِ أَكْمَلُ هَدْيٍ: فِي وَقْتِهَا، وَقَدْرِهَا، وَنِصَابِهَا، وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَصْرِفِهَا.

وَقَدْ رَاعَى فِيهَا مَصْلَحَةَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَمَصْلَحَةَ الْمَسَاكِينِ، وَجَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرَةً لِلْمَالِ وَلِصَاحِبِهِ، وَقَيَّدَ النِّعْمَةَ بِهَا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَمَا زَالَتِ النِّعْمَةُ بِالْمَالِ عَلَى مَنْ أَدَّى زَكَاتَهُ، بَلْ يَحْفَظُهُ عَلَيْهِ وَيُنَمِّيهِ لَهُ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ بِهَا الْآفَاتِ.

الشيخ: كما قال سبحانه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، وقد جعل الزَّكوات والصَّدقات طُهرةً للعبد، وطُهرةً لماله، وسببًا لنمائه وزكائه وبقائه، مع كونه رحمةً للفقراء، والإحسان إلى الجميع، فالزكاة والصَّدقات إحسان من الله للمُزكي والمتصدق، وإحسان إلى الفقراء والمحاويج بها، يستفيد الأجر من الله، والبركة من الله، والنَّماء والحفظ، والفقير يستفيد سدّ حاجته وقضاء حاجته بمال أخيه.

وَيَدْفَعُ عَنْهُ بِهَا الْآفَاتِ، وَيَجْعَلُهَا سُورًا عَلَيْهِ، وَحِصْنًا لَهُ، وَحَارِسًا لَهُ.

ثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ، وَهِيَ أَكْثَرُ الْأَمْوَالِ دَوَرَانًا بَيْنَ الْخَلْقِ، وَحَاجَتُهُمْ إِلَيْهَا ضَرُورِيَّةٌ:

أَحَدُهَا: الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ.

الثَّانِي: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ.

الثَّالِثُ: الْجَوْهَرَانِ اللَّذَانِ بِهِمَا قِوَامُ الْعَالَمِ، وَهُمَا: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ.

الرَّابِعُ: أَمْوَالُ التِّجَارَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا.

ثُمَّ إِنَّهُ أَوْجَبَهَا مَرَّةً كُلَّ عَامٍ، وَجَعَلَ حَوْلَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عِنْدَ كَمَالِهَا وَاسْتِوَائِهَا، وَهَذَا أَعْدَلُ مَا يَكُونُ، إِذْ وُجُوبُهَا كُلَّ شَهْرٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ يَضُرُّ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَوُجُوبُهَا فِي الْعُمْرِ مَرَّةً مِمَّا يَضُرُّ بِالْمَسَاكِينِ، فَلَمْ يَكُنْ أَعْدَلَ مِنْ وُجُوبِهَا كُلَّ عَامٍ مَرَّةً.

ثُمَّ إِنَّهُ فَاوَتَ بَيْنَ مَقَادِيرِ الْوَاجِبِ بِحَسَبِ سَعْيِ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ فِي تَحْصِيلِهَا، وَسُهُولَةِ ذَلِكَ وَمَشَقَّتِهِ، فَأَوْجَبَ الْخُمُسَ فِيمَا صَادَفَهُ الْإِنْسَانُ مَجْمُوعًا مُحَصَّلًا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَهُوَ الرِّكَازُ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ لَهُ حَوْلًا، بَلْ أَوْجَبَ فِيهِ الْخُمُسَ مَتَى ظُفِرَ بِهِ.

الشيخ: وذلك شاهد بأنَّ المشرع هو أحكم الحاكمين، وهو ربُّ العالمين، شرع العبادات على أحسن وجهٍ: فالصلوات والزكوات والصيام والحجّ وسائر الفرائض شرعها سبحانه على خير وجهٍ؛ فيها مصلحة العباد وسعادتهم في العاجل والآجل، وحفظ أوقاتهم، واستعمال جوارحهم فيما يُرضي الله جلَّ وعلا، وفيما ينفع عباده، فجعلهم في هذه العبادات أقسامًا وطبقات، وجعل هذه العبادات أنواعًا، وجعل الواجب أنواعًا، والأموال أنواعًا، كل ذلك من حكمته العظيمة، وإحسانه إلى عباده فيما فرض عليهم من الزكوات، وفيما خصَّهم من الأموال، وفيمَن يصرف لهم هذه الزكوات، نعم.

فَأَوْجَبَ الْخُمُسَ فِيمَا صَادَفَهُ الْإِنْسَانُ مَجْمُوعًا مُحَصَّلًا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَهُوَ الرِّكَازُ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ لَهُ حَوْلًا، بَلْ أَوْجَبَ فِيهِ الْخُمُسَ مَتَى ظُفِرَ بِهِ.

الشيخ: أوجب فيه الخمس، وجعله في القليل والكثير، ما جعل له نصابَ الرِّكاز في الخمس، قليله وكثيره، من بيت المال، يُصرف في مصالحٍ للمسلمين، وقال جمعٌ من أهل العلم: يُصرف في مصارف الزكاة، كسائر أنواع الزكاة؛ لأنَّ الركاز مجموع ..... الجاهلية، ليس فيه تعب ولا كُلفة، فجعل الله فيه الخمس؛ لأنه تيسر له من دون تعبٍ ولا كُلفةٍ، فوجب فيه الخمس.

س: الأقرب فيه أنه في مصارف الزكاة أو في المصالح العامَّة؟

ج: يحتمل، كلٌّ له وجه، القول بأنه في مصارف الزكاة له وجه؛ قياسًا على ..... الزكاة، والقول بأنه في بيت المال لأنه من مال المشركين، فيُصرف في مصالح المسلمين، وليس من مال المسلمين، فهو يُصرف في مصالح المسلمين كما تُصرف غنائمهم وفيئهم الذي يُؤخذ منهم في مصالح المسلمين، وهذا أشبه بالغنائم والفيء منه بالزكاة.

س: البترول ما هو بداخلٍ فيه؟

ج: لا، هذا من نبات الأرض.

س: .............؟

ج: المجعول فيها، جعله الغير، يعني: جعله الإنسانُ.

وَأَوْجَبَ نِصْفَهُ -وَهُوَ الْعُشْرُ- فِيمَا كَانَتْ مَشَقَّةُ تَحْصِيلِهِ وَتَعَبُهُ وَكُلْفَتُهُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ الَّتِي يُبَاشِرُ حَرْثَ أَرْضِهَا وَسَقْيَهَا وَبَذْرَهَا.

الشيخ: كذا: وسقيها؟

الطالب: نعم.

الشيخ: يعني: يتولى سقيها دورًا أو دورين، شيء قليل، أو ما يبلغها، وقد تشرب في عروقها من أول ما .....

........

وَذَلِكَ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ الَّتِي يُبَاشِرُ حَرْثَ أَرْضِهَا وَسَقْيَهَا وَبَذْرَهَا، وَيَتَوَلَّى اللَّهُ سَقْيَهَا مِنْ عِنْدِهِ بِلَا كُلْفَةٍ مِنَ الْعَبْدِ، وَلَا شِرَاءِ مَاءٍ، وَلَا إِثَارَةِ بِئْرٍ وَدُولَابٍ.

الشيخ: حطّ على حرثها وسقيها إشارة .....

الطالب: لعله: شقّها؟

الشيخ: يحتمل، أصوب.

وَأَوْجَبَ نِصْفَ الْعُشْرِ فِيمَا تَوَلَّى الْعَبْدُ سَقْيَهُ بِالْكُلْفَةِ وَالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ وَغَيْرِهَا.

وَأَوْجَبَ نِصْفَ ذَلِكَ -وَهُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ- فِيمَا كَانَ النَّمَاءُ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَلٍ مُتَّصِلٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ تَارَةً، وَبِالْإِدَارَةِ تَارَةً، وَبِالتَّرَبُّصِ تَارَةً، وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلْفَةَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ كُلْفَةِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ نُمُوَّ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ أَظْهَرُ وَأَكْثَرُ مِنْ نُمُوِّ التِّجَارَةِ، فَكَانَ وَاجِبُهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاجِبِ التِّجَارَةِ، وَظُهُورُ النُّمُوِّ فِيمَا يُسْقَى بِالسَّمَاءِ وَالْأَنْهَارِ أَكْثَرُ مِمَّا يُسْقَى بِالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ، وَظُهُورُهُ فِيمَا وُجِدَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا كَالْكَنْزِ أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ مِنَ الْجَمِيعِ.

الشيخ: وهذا كله من لطف الله وحكمته ؛ لأنَّ التِّجارة تعتريها الخسائر، ويعتريها الإخفاقُ في بعض الأحيان، وقد يتأخَّر نموها، فجعل الله فيها ربع العشر: الذهب، والفضة، وعروض التِّجارة.

ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ كُلُّ مَالٍ وَإِنْ قَلَّ؛ جَعَلَ لِلْمَالِ الَّذِي تَحْتَمِلُهُ الْمُوَاسَاةُ نُصُبًا مُقَدَّرَة الْمُوَاسَاةُ فِيهَا، لَا تُجْحِفُ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَتَقَعُ مَوْقِعَهَا مِنَ الْمَسَاكِينِ، فَجَعَلَ لِلْوَرِقِ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلِلذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَلِلْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ مِنْ أَحْمَالِ إِبِلِ الْعَرَبِ، وَلِلْغَنَمِ أَرْبَعِينَ شَاةً، وَلِلْبَقَرِ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، وَلِلْإِبِلِ خَمْسًا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ نِصَابُهَا لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ مِنْ جِنْسِهَا أَوْجَبَ فِيهَا شَاةً، فَإِذَا تَكَرَّرَتِ الْخَمْسُ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ؛ احْتَمَلَ نِصَابُهَا وَاحِدًا مِنْهَا، فَكَانَ هُوَ الْوَاجِبَ.

ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا قَدَّرَ سِنَّ هَذَا الْوَاجِبِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْإِبِلِ وَقِلَّتِهَا مِن ابْنِ مَخَاضٍ، وَبِنْتِ مَخَاضٍ، وَفَوْقَهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفَوْقَهُ الْحِقُّ وَالْحِقَّةُ، وَفَوْقَهُ الْجَذَعُ وَالْجَذَعَةُ، وَكُلَّمَا كَثُرَتِ الْإِبِلُ زَادَ السِّنُّ إِلَى أَنْ يَصِلَ السِّنُّ إِلَى مُنْتَهَاهُ، فَحِينَئِذٍ جَعَلَ زِيَادَةَ عَدَدِ الْوَاجِبِ فِي مُقَابَلَةِ زِيَادَةِ عَدَدِ الْمَالِ.

فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنْ جَعَلَ فِي الْأَمْوَالِ قَدْرًا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ، وَلَا يُجْحِفُ بِهَا، وَيَكْفِي الْمَسَاكِينَ، وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إِلَى شَيْءٍ، فَفَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ مَا يَكْفِي الْفُقَرَاءَ، فَوَقَعَ الظُّلْمُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ: الْغَنِيُّ يَمْنَعُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالْآخِذُ يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ.

الشيخ: وهذا هو الواقع من المشكلة العظيمة، يقع في هؤلاء، وفي هؤلاء، يقع من الأغنياء مَن يمنع الواجب، ويقع في الفقراء مَن يدَّعي الفقر وهو كاذب، فتعمّ العقوبات، نسأل الله العافية.

فَتَوَلَّدَ مِنْ بَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَفَاقَةٌ شَدِيدَةٌ أَوْجَبَتْ لَهُمْ أَنْوَاعَ الْحِيَلِ وَالْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ تَوَلَّى قَسْمَ الصَّدَقَةِ بِنَفْسِهِ، وَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، يَجْمَعُهَا صِنْفَانِ مِنَ النَّاسِ:

أَحَدُهُمَا: مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَةٍ، فَيَأْخُذُ بِحَسَبِ شِدَّةِ الْحَاجَةِ وَضَعْفِهَا، وَكَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا، وَهُمُ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وَفِي الرِّقَابِ، وَابْنِ السَّبِيلِ.

وَالثَّانِي: مَنْ يَأْخُذُ لِمَنْفَعَتِهِ، وَهُمُ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَالْغَارِمُونَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْآخِذُ مُحْتَاجًا، وَلَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَلَا سَهْمَ لَهُ فِي الزَّكَاةِ.

الشيخ: قسم يملك، وقسم يُعطى لحاجته؛ ولهذا قال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60]، فالفقراء والمساكين يُعطون لحاجتهم، والعاملون يُعطون لعملهم، والمؤلفة يُعطون لكفِّ شرِّهم، أو لمصلحة المسلمين فيهم، وفي الرِّقاب لحاجتهم؛ حتى يفكُّوا رقابهم، وهم المعتقون على المال، المكاتبون، والغارم يُعطى إذا كان لإصلاح ذات البين ومصلحة المسلمين، وإذا كان غارمًا لنفسه فلفقره، وفي سبيل الله لمساعدته على الجهاد، الغُزاة، وابن السَّبيل لحاجته؛ لأنه انقطع به السَّفر، فاحتاج إلى مساعدة إخوانه، وهم قسمان .....

...........

الشيخ: ..... إذا كان عندك نصف نصاب الذَّهب، ونصف نصاب الفضة، ضمّ أحدهما إلى الآخر على الأرجح وزكَّاهما.

س: ..............؟

ج: إذا كانت مُؤلفة قلوبهم؛ لدفع شرِّهم، أو لإسلام نظرائهم إن كانوا أسلموا، أو لدفع شرِّهم، أو لمصالح أخرى تنفع المسلمين.

س: وَفِي سَبِيلِ اللهِ ما تشمل أكثر من مسألة الجهاد؟

ج: الجمهور على هذا، المشهور عند أهل العلم كالإجماع: أنه في الجهاد فقط، وفي قولٍ آخر أنه يشمل المساجد والمدارس، قاله بعض المتأخرين.

س: ..............؟

ج: ولو أنه في ..... إذا كان ابن السَّبيل انقطع به السَّفر يُعطى ما يُوصله إلى بلده، ولو كان في بلادٍ غنيةٍ.

فَصْلٌ

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِذَا عَلِمَ مِنَ الرَّجُلِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَعْطَاهُ، وَإِنْ سَأَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يَعْرِفْ حَالَهُ.

الشيخ: ..... إن سأله أحدٌ الزكاة، وإما من أهلها ما يحتاج لمعرفة حاله.

أَعْطَاهُ بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ.

الشيخ: بعضها ثابت عنه عليه الصلاة والسلام، جاءه رجلان يسألانه الزكاة، فرآهما جلدين فقال: إن شئتُما أعطيتُكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مُكتَسبٍ، يبين، إذا شكَّ فيه يبين ..... الزكاة لا تصحّ إلا للفقراء، وإذا بيَّن له وأخبره بأنه فقير، وأنه في حاجةٍ يُعطى، القول قوله، إلا إذا علم أنَّ له مالًا، وأنه غنيٌّ لا يُعطى، الناس على أحوال ثلاثة: معروف أنه فقير يُعطى، ومعروف أنه غنيٌّ لا يُعطى، ومُشتبه مجهول يسأل، فإذا قال أنه من أهل الزكاة يُعطى، وإن قال: لا، لستُ من أهلها فلا يُعطى، وإذا عرفت أنه من أهلها لفقره وحاجته فلا حاجةَ لأن تُخبره أنها من الزكاة، ولا حاجة إلى أن تقول: أنَّ هذه من الزكاة.

............

وَكَانَ يَأْخُذُهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا.

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ تَفْرِيقُ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ الَّذِينَ فِي بَلَدِ الْمَالِ، وَمَا فَضَلَ عَنْهُمْ مِنْهَا حُمِلَتْ إِلَيْهِ فَفَرَّقَهَا هُوَ ﷺ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ يَبْعَثُ سُعَاتَهُ إِلَى الْبَوَادِي.

الشيخ: سُعاته جمع ساعٍ، وقُضاة جمع قاضٍ، ورُعاة جمع راعٍ.

وَلِذَلِكَ كَانَ يَبْعَثُ سُعَاتَهُ إِلَى الْبَوَادِي، وَلَمْ يَكُنْ يَبْعَثُهُمْ إِلَى الْقُرَى، بَلْ أَمَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَاءِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَيُعْطِيَهَا فُقَرَاءَهُمْ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِحَمْلِهَا إِلَيْهِ.

وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَنْ يَبْعَثَ سُعَاتَهُ إِلَّا إِلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الْمَوَاشِي وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَكَانَ يَبْعَثُ الْخَارِصَ فَيَخْرُصُ عَلَى أَرْبَابِ النَّخِيلِ تَمْرَ نَخِيلِهِمْ، وَيَنْظُرُ كَمْ يَجِيءُ مِنْهُ وَسْقًا، فَيَحْسِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ بِقَدْرِهِ.

وَكَانَ يَأْمُرُ الْخَارِصَ أَنْ يَدَعَ لَهُمُ الثُّلُثَ أَوِ الرُّبُعَ فَلَا يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ؛ لِمَا يَعْرُو النَّخِيلَ مِنَ النَّوَائِبِ، وَكَانَ هَذَا الْخَرْصُ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُصْرَمَ؛ وَلِيَتَصَرَّفَ فِيهَا أَرْبَابُهَا بِمَا شَاءُوا، وَيَضْمَنُوا قَدْرَ الزَّكَاةِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ يَبْعَثُ الْخَارِصَ إِلَى مَنْ سَاقَاهُ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ وَزَارَعَهُ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ الثِّمَارَ وَالزُّرُوعَ وَيُضَمِّنُهُمْ شَطْرَهَا، وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ عَبْدَاللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَأَرَادُوا أَنْ يَرْشُوهُ، فَقَالَ عبدُالله: "تُطْعِمُونِي السُّحْتَ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَأَنْتُمْ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَا يَحْمِلُنِي بُغْضِي لَكُمْ وَحُبِّي إِيَّاهُ أَنْ لَا أَعْدِلَ عَلَيْكُمْ"، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.

الشيخ: أي بالعدل، وكان هذا ليس من جهة الزكاة، بل من جهة أنهم عُمَّال، أنهم عاملون بالنِّصف ..... عليهم النبي ﷺ الثِّمار؛ حتى يُؤدُّوا له النِّصف .....، فإذا خرصوا عليهم عشرين ألفًا أدُّوا عشرةً للنبي ﷺ من التَّمر، أو الزَّبيب، والباقي يتصرَّفون فيه، فلا ..... الثِّمار، يشترك في الثِّمار ..... عليهم، ثم يُؤدُّون بعد الصّرام نصيب النبي عليه الصلاة والسَّلام.

س: ..............؟

ج: المزارعة: المساقاة، المساقاة على النَّخيل، والمزارعة على الحبوب .....

.............

س: إذا أخرج عن التَّمر دراهم؟

ج: الواجب إخراجها تمرًا، إلا إذا اقتضت المصلحةُ ذلك، الواجب إخراجها من نفسها .....، لكن إذا اقتضت المصلحةُ ذلك بأن يكون الفقراءُ أحبَّ إليهم النُّقود أو الثِّمار .....، ولم يستفد منها شيئًا، وأخرج زكاتها نقودًا أو أشباه ذلك.

س: ...............؟

ج: إذا كانوا ما يُحسنون، مثل: الأيتام، مثل: السُّفهاء، يشتري لهم حاجاتهم لا بأس، يُعطيهم ..... القيمة، هذا الصواب، فيه خلاف، لكن هذا هو الصواب، أما إذا كانوا مُكلَّفين مُرشدين فإنهم يُعطون المال بأنفسهم.

س: إذا كان وليُّهم من أهل الدّخان، أو يُنفق هذه الأموال، فلو سلَّمهم مالًا نقدًا يتصرف فيه، ولكنه لو أعطاهم أشياء عينية يعجز عن التَّصرف؟

ج: إذا رأى المصلحة لا بأس، هذا الصَّواب .....، أو ملابس فلا بأس، أو تمر.

..............

وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنَ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، وَلَا الْبِغَالِ وَلَا الْحَمِيرِ، وَلَا الْخَضْرَاوَاتِ، وَلَا الْمَبَاطِخِ وَالْمَقَاثِي وَالْفَوَاكِهِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُدَّخَرُ، إِلَّا الْعِنَبُ وَالرُّطَبُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْهُ جُمْلَةً، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا يَبِسَ مِنْهُ وَمَا لَمْ يَيْبَسْ.

الشيخ: ما كان من سنته الزكاة من الخيل والبغال والحمير والعبيد ..... ليس على العبد في عبده ولا فرسه صدقة، ولما سُئل عن البغال والحمير قال: "ليس أعلم فيها إلا الآية الفاذّة الجامعة: قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7- 8]"، لكن لو في التِّجارة أخرجت منها زكاة التِّجارة، إذا كان عنده عبيد للتِّجارة، أو خيل للتجارة، أو البغال، أو الحمير للتِّجارة زُكي منها للتِّجارة، يعني: زكاة النَّقدين.

فَصْلٌ

وَاخْتُلِفَ عَنْهُ ﷺ فِي الْعَسَلِ:

فَرَوَى أبو داود مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ هلال -أَحَدُ بَنِي مُتْعَانَ- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ، فَحَمَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الْوَادِيَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ عمر: "إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عُشُورِ نَحْلِهِ فَاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ".

وَفِي رِوَايَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: "مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ".

الشيخ: أيش قال المحشي عليه؟

الطالب: أخرجه أبو داود، وأبو عبيد القاسم بن سلام في "الأموال"، وسنده حسن، وقبله أخرجه أبو داود في "الزكاة" باب "زكاة العسل"، والنَّسائي في "الزكاة" باب "زكاة النحل"، وسنده حسن.

الشيخ: يعني المروي عن عمر قصة صاحب العسل عمله النبي ﷺ .....، والأصل أنه ليس بزكاةٍ، ليس في العسل زكاةٌ، لكن إن اتَّفق مع ولي الأمر ..... بأنه يحمي له أرضه، ويحمي له واديه أو شعبه، ويُقدم زكاته، لا بأس، ولكن الأصل ليس فيه سنة ثابتة.

..............

وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ" مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرَ.

الشيخ: يُراجع، الظاهر أنه مرفوع، وروى مَن؟

وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ" مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرَ.

الشيخ: عليه شيء؟

الطالب: أخرجه ابن ماجه، وسنده حسن في الشَّواهِد.

الشيخ: الكلام هذا ما هو بجيدٍ .....

وَفِي "مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ" عَنْ أبي سيارة المتعي قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي نَحْلًا؟ قَالَ: أَدِّ الْعُشْرَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْمِهَا لِي، فَحَمَاهَا لِي.

وَرَوَى عبدُالرزاق، عَنْ عبدالله بن محرر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الحارث بن عبدالرحمن ابن أبي ذباب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سعد ابن أبي ذباب قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لِقَوْمِي مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاسْتَعْمَلَنِي عَلَيْهِمْ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَنِي أبو بكر، ثُمَّ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. قَالَ: وَكَانَ سعد مِنْ أَهْلِ السَّرَاةِ، قَالَ: فَكَلَّمْتُ قَوْمِي فِي الْعَسَلِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: فِيهِ زَكَاةٌ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي ثَمَرَةٍ لَا تُزَكَّى. فَقَالُوا: كَمْ تَرَى؟ قُلْتُ: الْعُشْر. فَأَخَذْتُ مِنْهُمُ الْعُشْرَ، فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ، قَالَ: فَقَبَضَهُ عمر، ثُمَّ جَعَلَ ثَمَنَهُ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لِلشَّافِعِيِّ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَحُكْمِهَا:

فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَيْسَ فِي زَكَاةِ الْعَسَلِ شَيْءٌ يَصِحُّ.

وَقَالَ الترمذيُّ: لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرُ شَيْءٍ.

وَقَالَ ابنُ المنذر: لَيْسَ فِي وُجُوبِ صَدَقَةِ الْعَسَلِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا إِجْمَاعٌ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحَدِيثُ فِي أَنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ ضَعِيفٌ، وَفِي أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ ضَعِيفٌ، إِلَّا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ.

قَالَ هَؤُلَاءِ: وَأَحَادِيثُ الْوُجُوبِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ: أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صدقة بن عبدالله بن موسى بن يسار، عَنْ نافعٍ، عَنْهُ. وَصَدَقَةُ ضَعَّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ عَنْ نافعٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: صَدَقَةُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.

وَأَمَّا حَدِيثُ أبي سيارة المتعي فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْهُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْآخَرُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ مِنَ الْعَسَلِ الْعُشْرَ. فَفِيهِ أسامة بن زيد بن أسلم، يَرْوِيهِ عَنْ عمرو، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: بنو زيدٍ ثَلَاثَتُهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ.

الشيخ: يعني عبدالرحمن وأسامة وعبدالله.

وَقَالَ الترمذي: لَيْسَ فِي وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ثِقَةٌ.

وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ فَمَا أَظْهَرَ دَلَالَتِهِ لَوْ سَلِمَ مِنْ عبدالله بن محرر رَاوِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: عبدالله بن محرر مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي زَكَاةِ الْعَسَلِ شَيْءٌ يَصِحُّ.

وَأَمَّا حَدِيثُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ البيهقي: رَوَاهُ الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنِ الحارث بن عبدالرحمن -هو ابن أبي ذباب- عَنْ منير بن عبدالله، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سعد ابن أبي ذباب. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الحارث ابن أبي ذباب.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: عبدالله والد منير، عَنْ سعد ابن أبي ذباب لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: منير هَذَا لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. كَذَا قَالَ لِي.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وسعد ابن أبي ذباب يَحْكِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِأَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْعَسَلِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ رَآهُ فَتَطَوَّعَ لَهُ بِهِ أَهْلُهُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاخْتِيَارِي أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ السُّنَنَ وَالْآثَارَ ثَابِتَةٌ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَلَيْسَتْ ثَابِتَةً فِيهِ، فَكَأَنَّهُ عَفْوٌ.

وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ آدَمَ: حَدَّثَنَا حسين بن زيد، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عليٍّ قَالَ: لَيْسَ فِي الْعَسَلِ زَكَاةٌ.

قَالَ يحيى: وَسُئِلَ حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ الْعَسَلِ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا.

وَذَكَرَ عَنْ معاذٍ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْعَسَلِ شَيْئًا.

قَالَ الحميدي: حَدَّثَنَا سفيان: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّهُ أُتِيَ بِوَقَصِ الْبَقَرِ وَالْعَسَلِ، فَقَالَ معاذٌ: كِلَاهُمَا لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ.

.............

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا مالك، عَنْ عَبْدِاللَّهِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى أَبِي وَهُوَ بِمِنًى: أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنَ الْخَيْلِ وَلَا مِنَ الْعَسَلِ صَدَقَةً. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مالكٌ وَالشَّافِعِيُّ.

وَذَهَبَ أحمدُ وأبو حنيفة وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً، وَرَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَقَدْ تَعَدَّدَتْ مَخَارِجُهَا، وَاخْتَلَفَتْ طُرُقُهَا، وَمُرْسَلُهَا يُعَضَّدُ بِمُسْنَدِهَا.

وَقَدْ سُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ عَنْ عبدالله والد منير، عَنْ سعد ابن أبي ذباب: يَصِحُّ حَدِيثُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلِأَنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ نَوْرِ الشَّجَرِ وَالزَّهْرِ، وَيُكَالُ وَيُدَّخَرُ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.

قَالُوا: وَالْكُلْفَةُ فِي أَخْذِهِ دُونَ الْكُلْفَةِ فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ.

ثُمَّ قَالَ أبو حنيفة: إِنَّمَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ إِذَا أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ. فَإِنْ أُخِذَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ أَرْضَ الْخَرَاجِ قَدْ وَجَبَ عَلَى مَالِكِهَا الْخَرَاجُ لِأَجْلِ ثِمَارِهَا وَزَرْعِهَا، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا حَقٌّ آخَرُ لِأَجْلِهَا، وَأَرْضُ الْعُشْرِ لَمْ يَجِبْ فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ عَنْهَا؛ فَلِذَلِكَ وَجَبَ الْحَقُّ فِيمَا يَكُونُ مِنْهَا.

وَسَوَّى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَيْنَ الْأَرَضِينَ فِي ذَلِكَ، وَأَوْجَبَهُ فِيمَا أُخِذَ مِنْ مِلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ، عُشْرِيَّةً كَانَتِ الْأَرْضُ أَوْ خَرَاجِيَّةً.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُوجِبُونَ لَهُ: هَلْ لَهُ نِصَابٌ أَمْ لَا؟

عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أبي حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَالثَّانِي: أَنَّ لَهُ نِصَابًا مُعَيَّنًا، ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي قَدْرِهِ:

فَقَالَ أبو يوسف: هُوَ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ.

وَقَالَ محمد بن الحسن: هُوَ خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ، وَالْفَرَقُ: سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ.

وَقَالَ أحمدُ: نِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي الْفَرَقِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: إِنَّهُ سِتُّونَ رِطْلًا.

وَالثَّانِي: إِنَّهُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا.

وَالثَّالِثُ: سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الشيخ: والأرجح أنه لا زكاةَ فيه؛ لعدم الدليل الواضح، إلا إذا حصله صاحبه للتِّجارة زكَّاه زكاة التِّجارة، والأصل براءة الذِّمَّة.

فَصْلٌ

وَكَانَ ﷺ إِذَا جَاءَهُ الرَّجُلُ بِالزَّكَاةِ دَعَا لَهُ، فَتَارَةً يَقُولُ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ، وَتَارَةً يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَخْذُ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ فِي الزَّكَاةِ.

الشيخ: وهذا من مكارم الأخلاق: الدعاء ..... بالصَّدقة بعد أدائهم ما عليهم، هذا من مكارم الأخلاق؛ ولهذا كان يدعو لهم عليه الصلاة والسلام، كانوا إذا جاءوا بصدقاتهم دعا لهم، كما قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]، صلِّ عليهم يعني: ادعُ لهم ..... وقال عبدُالله ابن أبي أوفى: كان إذا أتاه قومٌ بصدقةٍ صلَّى عليهم، فأتاه ..... بصدقةٍ فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى، فالدعاء لهم بالبركة والخلف من مكارم الأخلاق.

وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَخْذُ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ فِي الزَّكَاةِ، بَلْ وَسَطَ الْمَالِ؛ وَلِهَذَا نَهَى معاذًا عَنْ ذَلِكَ.

الشيخ: وهذا هو الحقّ، الأموال ثلاثة أقسام: وسط، ورديء، وكريم. فالزكاة تُؤخذ من الوسط: وسط الإبل والغنم والبقر، فلا يُؤخذ أعلاها، ولا أدناها، ولكن يُؤخذ من وسطها؛ للمُواساة، إلا إذا طابت نفسُ صاحب المال الكريمة وقدَّمها للزكاة، فأجره على الله، تُقبل منه.

س: والأفضل للمُتصدق نفسه أنه يدفع الكريمة؟

ج: إن تيسر فهو خيرٌ له.

فَصْلٌ

وَكَانَ ﷺ يَنْهَى الْمُتَصَدِّقَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ، وَكَانَ يُبِيحُ لِلْغَنِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الصَّدَقَةِ إِذَا أَهْدَاهَا إِلَيْهِ الْفَقِيرُ، وَأَكَلَ ﷺ مِنْ لَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بريرةَ، وَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ.

الشيخ: وهذا من سماحة الشريعة وكمالها؛ فإنَّ الغني أدَّى صدقته، فإذا دعاه الفقيرُ إلى وليمةٍ فلا مانعَ أن يأكل وإن كان ذلك المالُ مُقدَّمًا من زكاته: أعطى الفقير تمرًا، فدعاه الفقيرُ إلى وليمةٍ، وإلى قهوةٍ، ودخل عليه، وتواضع، وقدَّم له من تمره ليأكل، هي قد بلغت محلَّها؛ ولهذا في حديث أبي سعيدٍ: أنَّ الصَّدقة لا تحلّ لغنيٍّ إلا لخمسةٍ، ذكر منهم: ورجل تُصدّق عليه -مسكينٌ- فأهدى منها لغنيٍّ ..... هدية الفقير لغنيٍّ يأكلها؛ لأنها بلغت محلَّها، وهكذا أكل النبي ﷺ من الصَّدقة التي عند أم عطية؛ لأنها بلغت محلَّها.

............

س: ومال اليهود ما هم أكلة ربا؟

ج: لا تعلم، أنت لا تعلمه، إذا قدَّموا لك شيئًا من الربا لا، أما إذا كنتَ لا تعلم لا بأس؛ ولهذا اشترى منهم النبيُّ ورهنهم درعًا من حديدٍ.

س: .............؟

ج: إذا كان ماله كله من البنك ما له دخل إلا الحرام يستحقّ الهجر، أما إذا كان له دخلٌ آخر فقد يكون من الدَّخل الآخر، مثل: طعام اليهود، والنصارى، وأشباههم.

..............

وَكَانَ أَحْيَانًا يَسْتَدِينُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّدَقَةِ، كَمَا جَهَّزَ جَيْشًا فَنَفِدَتِ الْإِبِلُ، فَأَمَرَ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ يَأْخُذَ مِنْ قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ، وَكَانَ يَسِمُهَا فِي آذَانِهَا.

الشيخ: لأنَّ الأُذن ما هي من الوجه، الوسم في الوجه ممنوع، محرم، لا يسم في الوجه، ولا يضرب في الوجه، لكن إذا وسمها في أذنها فلا بأس، الأذن من الرأس، وهكذا صفحة العنق، والرقبة، والفخذ، والذِّراع لا بأس.

وَكَانَ إِذَا عَرَاهُ أَمْرٌ اسْتَسْلَفَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَرْبَابِهَا، كَمَا اسْتَسْلَفَ مِنَ العباس  صَدَقَةَ عَامَيْنِ.

الشيخ: استسلف يعني: استقدم، طلب أن يُقدِّموها.

س: عامان وأكثر، أو عامان أكثر شيءٍ؟

ج: فيه خلاف بين أهل العلم، ولكن الأدلة تدل على أنه لا مانع إذا جاز العامان جاز غيرهما، ومَن اقتصر على الوارد ..... عامين فالأصل الجواز، تقديم الزكاة للمصلحة.

س: لكن لو قدم زكاةَ ماله سنتين مثلًا، ثم عرض له عارضٌ، والسنة ما تجب عليه؟

ج: هي صدقة تطوع.

س: يُطالب بها؟

ج: لا، ما يطلب؛ لأنها بلغت محلَّها، وتكون صدقةَ تطوعٍ .....

س: ..............؟

ج: يُزَكِّي الزيادة.

س: ..............؟

ج: مثلًا عنده مئة ألفٍ، وقدَّم زكاة سنتين، ثم زاد المال صار مئتي ألفٍ؛ يُزَكِّي مئة ألف.

س: ..............؟

ج: يُخلف الله عليه، والزكاة بلغت محلَّها، وله أجرها، لا تعود عليه.

فَصْلٌ

فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ

فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَعَلَى مَنْ يَمُونُهُ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى، حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ.

وَرُوِيَ عَنْهُ: أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ.

وَرُوِيَ عَنْهُ: نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.

وَالْمَعْرُوفُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَعَلَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ مَكَانَ الصَّاعِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ذَكَرَهُ أبو داود.

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّ معاوية هُوَ الَّذِي قَوَّمَ ذَلِكَ، وَفِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ آثَارٌ مُرْسَلَةٌ وَمُسْنَدَةٌ، يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا ..........

فَمِنْهَا: حَدِيثُ عبدالله بن ثعلبة، أو ثعلبة بن عبدالله ابن أبي صعير، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وأبو داود.

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ سِوَاهُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ عمرو بن حزم فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ.

وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، وَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: خَطَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: "أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ"، فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا، فَقَالَ: "مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ"، فَلَمَّا قَدِمَ عليٌّ رَأَى رُخْصَ السِّعْرِ قَالَ: "قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ".

رَوَاهُ أبو داود، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعِنْدَهُ: فَقَالَ عليٌّ: "أَمَّا إِذْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا، اجْعَلُوهَا صَاعًا مِنْ بُرٍّ وَغَيْرِهِ".

وَكَانَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ اللَّهُ يُقَوِّي هَذَا الْمَذْهَبَ وَيَقُولُ: هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أحمد فِي الْكَفَّارَاتِ: أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا مِنَ الْبُرِّ نِصْفُ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِهِ.

الشيخ: المعروف في رواية أبي سعيدٍ في "الصحيحين" أنه قال: "كنا نُعطيها صاعًا من طعامٍ، وصاعًا من زبيبٍ، وصاعًا من أقطٍ .." إلى آخره، والأحاديث التي فيها نصف صاعٍ كلها ما تخلو من مقالٍ، والمعروف أنه من اجتهاد معاوية رضي الله عنه وأرضاه، لما قال: "أرى ثنتين من سمراء الشام يعدلان صاعًا من غير السَّمراء"، أي: غير الحنطة، والأرجح صاع من الجميع على ما في حديث أبي سعيدٍ؛ لهذا قال أبو سعيدٍ: "أما أنا فلا أزال أُخرجها إلا صاعًا".

فَصْلٌ

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ إِخْرَاجُ هَذِهِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَفِي "السُّنَنِ" عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ.

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ".

وَمُقْتَضَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَأَنَّهَا تَفُوتُ بِالْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، فَإِنَّهُ لَا مُعَارِضَ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَلَا نَاسِخَ، وَلَا إِجْمَاعَ يَدْفَعُ الْقَوْلَ بِهِمَا.

وَكَانَ شَيْخُنَا يُقَوِّي ذَلِكَ وَيَنْصُرُهُ.

الشيخ: وهو كما قال المؤلفُ: أنَّ الحديث صحيحٌ: أمر بإخراجها قبل الصلاة، والواجب إخراجها قبل الصلاة، لا يكون تأخيرها، بل يجب على أهل الإسلام أن يُؤدوا زكاةَ الفطر قبل صلاة العيد، وكان الصحابةُ يُخرجونها قبل العيد بيومٍ أو يومين، يعني: في اليوم الثامن والعشرين، والتاسع والعشرين، وفي الثلاثين إن تمَّ الشهرُ؛ توسعةً للناس، فإن صلَّى العيد ولم يُخرج أدَّاها قضاءً، وفاته فضل قضائها قبل العيد، ولكن يُؤديها، كما تُقضى الصلاةُ يُؤديها، فهي فرضٌ عليه فيُؤديها.

س: .............؟

ج: يُؤديها متى ذكر، إن كان جاهلًا أو ناسيًا يُؤديها متى علم أنه ذكر.

س: إذا كان مُتعمدًا وتاب؟

ج: يُؤديها.

وَنَظِيرُهُ تَرْتِيبُ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ، لَا عَلَى وَقْتِهَا، وَأَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ تَكُنْ ذَبِيحَتُهُ أُضْحِيَّةً، بَلْ شَاةَ لَحْمٍ. وَهَذَا أَيْضًا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى، وَهَذَا هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

فَصْلٌ

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَخْصِيصُ الْمَسَاكِينِ بِهَذِهِ الصَّدَقَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَقْسِمُهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ قَبْضَةً قَبْضَةً، وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ، وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ، بَلْ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا إِلَّا عَلَى الْمَسَاكِينِ خَاصَّةً.

الشيخ: ..... طهرة للصائم من اللَّغو والرَّفث، وطُعمةً للمساكين. فهي مُواساة للفقراء والمحاويج، فالواجب أن يتحرى بها أهلَ الحاجة في ذلك اليوم: ليلة الفطر، أو صباح الفطر قبل الصلاة، أو قبلها بيومٍ أو يومين؛ حتى يُواسيهم، وحتى يسدَّ حاجتهم مع الناس في أيام العيد، لكن المحتاجين أنواع: فابن السَّبيل محتاج، والمؤلَّف محتاج، وأشباهه يدخل في طعمة المساكين، لكن ما يُعطاها غير المساكين، فالمؤلَّف غير المحتاج الغني؛ لأنه ليس من المساكين.

س: ...............؟

ج: الصواب أنها لا تخرج إلا طعامًا .....، خلافًا للأحناف، والصواب أنها تخرج طعامًا كما أمر النبيُّ ﷺ، وكما كانوا يُخرجونها في عهد النبي ﷺ طعامًا؛ ولأنَّ المقصود سدُّ حاجة الفقراء، وأن يتمتعوا بها في أيام العيد، فإذا أُعطوا نقودًا فقد تُصرف في غير حاجتهم، وقد تبقى المسكنة والحاجة؛ لأنهم صرفوا النُّقود في أشياء أخرى.

س: .............؟

ج: لا تُعطه، إذا كان ما هو محتاجًا لا يُعطى، لا يُعطى إلا المحتاج: الفقراء المعروفون الذين ما عندهم أسبابٌ بينةٌ، أو لهم رواتب ضعيفة لا تقوم بحالهم، أو السَّائلون يسألون لفقرهم فيُعطون.

س: .............؟

ج: إن كان ظاهره الفقر يُعطى؛ لأنَّ هناك شاهدًا .....

س: .............؟

ج: السنة الفقراء في البلد، السنة إخراجها في بلد الصائم، لكن إذا عجز عن الفقراء في البادية حوَّلها للأقرب فالأقرب؛ لأنه مواساة لأهل بلده .....

س: وإن لم يجد فقيرًا قبل العيد هل يُؤخرها؟

ج: نعم، إذا لم يجد حتى يلتمس، لكن الواجبَ أنه يبدأ بالالتماس قبل ذلك، لا يتساهل، لكن لو أنه التمس يوم التاسع والعشرين، أو الثلاثين، ولا حصَّل أحدًا ينقلها مع القُدرة، فإذا عجز ولو بعد حينٍ: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، لكن إذا قدر أن ينقلها بالسيارة إلى القرية التي حوله وجب عليه.

س: ..............؟

ج: إذا كانوا يدَّعون الفقر لا بأس، ما دام ما يعرف حالهم.

...........

وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ مِنَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ قِسْمَتِهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ.

 

الشيخ: هذا ..... باطل، ليس بصحيحٍ، حتى زكاة النقود، وأنَّ قوله جلَّ وعلا: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ [التوبة:60]، ما هو معناه أنها تُقسم بينهم، معناه أنها مصرف، فإذا أعطى واحدًا منهم صحَّت؛ ولهذا قال النبيُّ لقبيصة: أقم عندنا حتى تأتينا زكاةُ بني فلان، فآمر لك بها، فكان الفقراءُ يُعطون على عهده ﷺ من الزكاة، ولا يقول لهم: أعطوا الباقين، التمسوا الأقسام الأخرى، فإذا أعطى ابنَ السَّبيل، أعطى المؤلَّف، أعطى المكاتَب، أعطى الفقيرَ فلا بأس، والقول بتقسيمها ليس بشيءٍ.

س: ..............؟

ج: يعني لا يكون له فضل زكاة الفطر، يكون له فضل الصَّدقة الأخرى، فاتته زكاةُ الفطر.

س: ..............؟

ج: إطلاق الآية: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ [التوبة:60]، ظنَّ أنها تُوزع بينهم، ولكن سنة النبي ﷺ تُفسر ذلك.

س: ..............؟

ج: يُعطى له لا شكَّ، الله جعله صنفًا، من الفطر، ومن غيرها؛ لأنه فقير .....

فَصْلٌ

فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ

كَانَ ﷺ أَعْظَمَ النَّاسِ صَدَقَةً بِمَا مَلَكَتْ يَدُهُ، وَكَانَ لَا يَسْتَكْثِرُ شَيْئًا أَعْطَاهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَسْتَقِلُّهُ، وَكَانَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ شَيْئًا عِنْدَهُ إِلَّا أَعْطَاهُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَكَانَ عَطَاؤُهُ عَطَاءَ مَنْ لَا يَخَافُ الْفَقْرَ، وَكَانَ الْعَطَاءُ وَالصَّدَقَةُ أَحَبَّ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَكَانَ سُرُورُهُ وَفَرَحُهُ بِمَا يُعْطِيهِ أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِ الْآخِذِ بِمَا يَأْخُذُهُ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، يَمِينُهُ كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

الشيخ: مثلما قال ابنُ عباسٍ: "كان أجود بالخير من الريح المرسلة"، وقال عليه الصلاة والسلام لما مرَّ على أحدٍ ومعه أبو ذرٍّ قال: ما يسرني أنَّ لي مثل أحدٍ ذهبًا تمرُّ عليَّ ثلاثةُ أيامٍ وعندي منه دينار، إلا دينار أرصده لدينٍ، ولكني أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، وقال: الأكثرون مالًا هم الأقلون يوم القيامة، إلا مَن قال هكذا وهكذا، هكذا إلا مَن أنفق.

وَكَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ مُحْتَاجٌ آثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ: تَارَةً بِطَعَامِهِ، وَتَارَةً بِلِبَاسِهِ.

وَكَانَ يُنَوِّعُ فِي أَصْنَافِ عَطَائِهِ وَصَدَقَتِهِ: فَتَارَةً بِالْهِبَةِ، وَتَارَةً بِالصَّدَقَةِ، وَتَارَةً بِالْهَدِيَّةِ، وَتَارَةً بِشِرَاءِ الشَّيْءِ، ثُمَّ يُعْطِي الْبَائِعَ الثَّمَنَ وَالسِّلْعَةَ جَمِيعًا، كَمَا فَعَلَ بِبَعِيرِ جَابِرٍ.

وَتَارَةً كَانَ يَقْتَرِضُ الشَّيْءَ فَيَرُدُّ أَكْثَرَ مِنْهُ وَأَفْضَلَ وَأَكْبَرَ، وَيَشْتَرِي الشَّيْءَ فَيُعْطِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُكَافِئُ عَلَيْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ بِأَضْعَافِهَا؛ تَلَطُّفًا وَتَنَوُّعًا فِي ضُرُوبِ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ.

وَكَانَتْ صَدَقَتُهُ وَإِحْسَانُهُ بِمَا يَمْلِكُهُ، وَبِحَالِهِ، وَبِقَوْلِهِ، فَيُخْرِجُ مَا عِنْدَهُ، وَيَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ، وَيَحُضُّ عَلَيْهَا، وَيَدْعُو إِلَيْهَا بِحَالِهِ وَقَوْلِهِ.

الشيخ: بحاله، وبفعله، وبقوله.

فَإِذَا رَآهُ الْبَخِيلُ الشَّحِيحُ دَعَاهُ حَالُهُ إِلَى الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، وَكَانَ مَنْ خَالَطَهُ وَصَحِبَهُ وَرَأَى هَدْيَهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ مِنَ السَّمَاحَةِ وَالنَّدَى.

وَكَانَ هَدْيُهُ ﷺ يَدْعُو إِلَى الْإِحْسَانِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ.

س: .............؟

ج: إنَّ خيار الناس أحسنُهم قضاءً، فلو اقترضت مئة، وأعطيته مئة وعشرة من دون شرطٍ فلا بأس، النبي اقترض ثلاثين صاعًا، وأعطاه ستين، وفي روايةٍ: أربعين، وفي روايةٍ: أعطى ثمانين. إنَّ خيار الناس أحسنُهم قضاءً.

وَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ أَشْرَحَ الْخَلْقِ صَدْرًا، وَأَطْيَبَهُمْ نَفْسًا، وَأَنْعَمَهُمْ قَلْبًا، فَإِنَّ لِلصَّدَقَةِ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ تَأْثِيرًا عَجِيبًا فِي شَرْحِ الصَّدْرِ، وَانْضَافَ ذَلِكَ إِلَى مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ شَرْحِ صَدْرِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَخَصَائِصِهَا وَتَوَابِعِهَا، وَشَرْحِ صَدْرِهِ حِسًّا، وَإِخْرَاجِ حَظِّ الشَّيْطَانِ مِنْهُ.

الشيخ: يقول جلَّ وعلا: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد:7]، والله المستعان.

س: ..............؟

ج: كان النبيُّ يقبل الهدية ويُثيب عليها.

..............

فصلٌ

في أسباب شرح الصُّدور وحصولها على الكمال له ﷺ

فَأَعْظَمُ أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ: التَّوْحِيدُ، وَعَلَى حَسَبِ كَمَالِهِ وَقُوَّتِهِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ انْشِرَاحُ صَدْرِ صَاحِبِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر:22]، وَقَالَ تَعَالَى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].

فَالْهُدَى وَالتَّوْحِيدُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ، وَالشِّرْكُ وَالضَّلَالُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصَّدْرِ وَانْحِرَاجِهِ.

وَمِنْهَا: النُّورُ الَّذِي يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، وَهُوَ نُورُ الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ يَشْرَحُ الصَّدْرَ وَيُوَسِّعُهُ وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ، فَإِذَا فُقِدَ هَذَا النُّورُ مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ ضَاقَ وَحَرَجَ، وَصَارَ فِي أَضْيَقِ سِجْنٍ وَأَصْعَبِهِ.

وَقَدْ رَوَى الترمذي فِي "جَامِعِهِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ، قَالُوا: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ.

الشيخ: وهذا يُبين لنا أنَّ العبد في أشدِّ الحاجة إلى أن يشرح الله صدره للإسلام؛ حتى يطمئن، وحتى ينقاد للشَّرائع بنفسٍ طيبةٍ، ونفسٍ مؤمنةٍ وراغبةٍ؛ ولهذا قال جلَّ وعلا: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ۝ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح:1- 2]، هو استفهام بمعنى التَّقرير، يعني: قد شرحنا لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك.

فالله قد شرح صدره عليه الصلاة والسلام لدينه، وحبَّبه إليه، وهكذا شرح صدور أصحابه كذلك، وحبَّب إليهم الإيمان، وزيَّنه في قلوبهم، فصاروا قادةً في الهدى، تبعًا لنبيهم عليه الصلاة والسلام.

فأعظم أسباب شرح الصدر: توحيد الله، والإخلاص له، والتَّبصر في ذلك، وقبول ذلك على محبَّةٍ، وعلى رضا واقتناع، ثم يزيد ذلك تمام العلم، وكمال العلم بأسماء الله وصفاته، وما أعدَّ لأوليائه، وهذا هو النور الذي إذا دخل في القلب انفسح وانشرح، ومن آثار ذلك: الإنابة إلى دار الخلود، الإنابة إلى الله، والاستعداد للآخرة، والتَّجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله.

يعني: من ثمرات هذا الانشراح -انشراح الصدر- ما يحصل من النور: نور العلم والبصيرة والهدى؛ أنَّ العبد بسبب ذلك يُنيب إلى الله، ويكون في غايةٍ من العناية بأوامر الله ونواهيه، والإقبال على الآخرة، والإعداد لها، والتَّجافي عن دار الغرور واحتقارها، وعدم إيثارها على الآخرة، وذلك يستلزم الاستعداد للموت قبل نزوله: هذا الانشراح، وهذا التَّجافي، وهذه الإنابة، كل ذلك يستلزم الإعداد للآخرة بما يكون سببًا للنَّجاة، وذلك بالاستقامة على طاعة الله، والانكفاف عن محارم الله، والوقوف عند حدود الله؛ لأنَّه يخشى أن يهجم عليه الأجلُ وهو على غير ذلك، فهو مجتهد في أداء ما أوجب الله، وترك ما حرَّم الله، والوقوف عند حدود الله، والاستكثار من الخير، والإعداد للقاء ربِّه حسب طاقته، وحسبما أعطاه الله من العلم والهدى.

الطالب: في الحاشية على الحديث هذا: لم يروه الترمذيُّ كما ذكر المؤلفُ، وقد أخرجه الطبريُّ من حديث ابن مسعودٍ، وذكره السيوطي في "الدر المنثور"، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في "الشعب" من طرقٍ، قال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكره عن عبدالرزاق، وابن أبي حاتم، وابن جرير: فهذه طرق لهذا الحديث مُرسلة ومتَّصلة يشدّ بعضُها بعضًا.

الشيخ: على كل حالٍ لا يكفي هذا؛ لأنَّ شعيب وغير شعيب لهم أوهام، يُراجع الترمذي، كم من قائلٍ لم يروِ هذا كذا، ثم يكون الأمر خلاف ذلك، وقد جربنا هذا كثيرًا فيما يُنفى عن البخاري، أو عن مسلم، أو عن فلان، ثم .....، فالإنسان قد يُراجع ولا يكون عنده العناية الكاملة .....، فلا يجد المطلوب، ويظن أنه لم يخرج، ينبغي أن يُراجع.

فَيُصِيبُ الْعَبْدَ مِنِ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِحَسَبِ نَصِيبِهِ مِنْ هَذَا النُّورِ، وَكَذَلِكَ النُّورُ الْحِسِّيُّ، وَالظُّلْمَةُ الْحِسِّيَّةُ، هَذِهِ تَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَهَذِهِ تُضَيِّقُهُ.

الشيخ: وهذا يرجع أيضًا إلى الآية الكريمة: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ [الأنعام:125]، وكذلك أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر:22]، يُراجع تفسير ابن كثير، والقرطبي، وغيرهما، مع تأمل .......

وَمِنْهَا: الْعِلْمُ، فَإِنَّهُ يَشْرَحُ الصَّدْرَ وَيُوَسِّعُهُ حَتَّى يَكُونَ أَوْسَعَ مِنَ الدُّنْيَا، وَالْجَهْلُ يُورِثُهُ الضِّيقَ وَالْحَصْرَ وَالْحَبْسَ، فَكُلَّمَا اتَّسَعَ عِلْمُ الْعَبْدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَاتَّسَعَ، وَلَيْسَ هَذَا لِكُلِّ عِلْمٍ، بَلْ لِلْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، وَهُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ.

الشيخ: هذا هو الذي يشرح الصدور: العلم الموروث عن النبي ﷺ، ما هو علم الجيولوجيا، أو علم الهندسة، أو علم الحساب، لا، علم الشرع: علم القرآن والسنة، هذا هو الذي يشرح الصدور، ويُورث القلب الهداية والبصيرة والنُّور والسَّعادة الأبدية بتوفيق الله.

فَأَهْلُهُ أَشْرَحُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَوْسَعُهُمْ قُلُوبًا، وَأَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقًا، وَأَطْيَبُهُمْ عَيْشًا.

الشيخ: ولو كانوا فُقراء، متى دخل النورُ القلبَ وانشرح ما يضرّه لا فقر، ولا غنى، فهو في انشراحٍ وسعةٍ وراحةٍ، والناس في ضيقٍ، سواء كان في فقرٍ وحاجةٍ، أو في حربٍ، أو في سلمٍ، أو في شدَّةٍ، أو في رخاءٍ، ما في قلبه من النور والهدى والطُّمأنينة إلى الله، والأنس به، والشوق إليه، والاستعداد للقائه، كل ذلك يجعله في غايةٍ من الراحة والطُّمأنينة، وإن كان هناك من مشاقِّ الدنيا ما هنالك: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] ........

وَمِنْهَا: الْإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ ، وَمَحَبَّتُهُ بِكُلِّ الْقَلْبِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ، وَالتَّنَعُّمُ بِعِبَادَتِهِ، فَلَا شَيْءَ أَشْرَح لِصَدْرِ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ أَحْيَانًا: إِنْ كُنْتُ فِي الْجَنَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنِّي إِذًا فِي عَيْشٍ طَيِّبٍ.

الشيخ: هكذا قول بعض السلف، إذا رأى ما هو فيه من الراحة والنَّعيم والأُنس بالله والشَّوق إليه قال: إن كان أهلُ الجنة في مثل هذا فإنهم لفي عيشٍ طيبٍ. يعني: الراحة، راحة القلوب، وراحة الضَّمائر، ما هو براحة الأبدان، الراحة الحقيقية راحة القلوب والضَّمائر، وشوقها إلى الله، ورضاها، وطُمأنينتها، وانفتاحها، وتلذذها بما يجيء إليها من أنوار الحقِّ، ودلائل الحقِّ، والأُنس بطاعته، وترك معصيته .

وَلِلْمَحَبَّةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، وَطِيبِ النَّفْسِ، وَنَعِيمِ الْقَلْبِ، لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ لَهُ حِسٌّ بِهِ، وَكُلَّمَا كَانَتِ الْمَحَبَّةُ أَقْوَى وَأَشَدَّ كَانَ الصَّدْرُ أَفْسَحَ وَأَشْرَحَ، وَلَا يَضِيقُ إِلَّا عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَطَّالِينَ الْفَارِغِينَ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، فَرُؤْيَتُهُمْ قَذَى عَيْنِهِ، وَمُخَالَطَتُهُمْ حُمَّى رُوحِهِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصَّدْرِ: الْإِعْرَاضُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ، وَمَحَبَّةُ سِوَاهُ، فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ عُذِّبَ بِهِ، وَسُجِنَ قَلْبُهُ فِي مَحَبَّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى مِنْهُ، وَلَا أَكْسَفُ بَالًا، وَلَا أَنْكَدُ عَيْشًا، وَلَا أَتْعَبُ قَلْبًا.

الشيخ: ولهذا تجد عُشاق الصور، عُشاق الفساد، عُشاق الزنا، عُشاق الخمور أضيق الناس حالًا، وأشدهم ضيقًا وشرًّا وفسادًا، وضيقًا للقلوب بسبب ما وقع في قلوبهم من الشَّر والفساد، وحُبِّ المعاصي، وحُبِّ ما حرَّمه الله، والميل إلى ما حرَّم الله، هم أضيق الناس صدرًا، وأبعدهم عن الانشراح والخير والراحة والطُّمأنينة.

فَهُمَا مَحَبَّتَانِ:

مَحَبَّةٌ هِيَ جَنَّةُ الدُّنْيَا، وَسُرُورُ النَّفْسِ، وَلَذَّةُ الْقَلْبِ، وَنَعِيمُ الرُّوحِ وَغِذَاؤُهَا وَدَوَاؤُهَا، بَلْ حَيَاتُهَا وَقُرَّةُ عَيْنِهَا، وَهِيَ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَحْدَهُ بِكُلِّ الْقَلْبِ، وَانْجِذَابُ قُوَى الْمَيْلِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّة كُلّهَا إِلَيْهِ.

وَمَحَبَّةٌ هِيَ عَذَابُ الرُّوحِ، وَغَمُّ النَّفْسِ، وَسِجْنُ الْقَلْبِ، وَضِيقُ الصَّدْرِ، وَهِيَ سَبَبُ الْأَلَمِ وَالنَّكَدِ وَالْعَنَاءِ، وَهِيَ مَحَبَّةُ مَا سِوَاهُ سُبْحَانَهُ.

الشيخ: وإنما يعقل هذا أهلُ الإيمان، إنما يعقل الفرق ويحصل التَّلذذ بمحبَّة الله والأُنس به، إنما يعقل هذا أهلُ الإيمان، أهلُ البصائر، والعلم النافع، والهداية إلى صراط الله المستقيم، أما مَن حُجب عن ذلك، وغفل عن ذلك، فهو في بُعْدٍ عن هذا الأمر، لا يحسّ به، ولا يدريه، ولا يعلمه، نسأل الله السَّلامة.

وَمِنْ أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ: دَوَامُ ذِكْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ، فَلِلذِّكْرِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، وَنَعِيمِ الْقَلْبِ، وَلِلْغَفْلَةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي ضِيقِهِ، وَحَبْسِهِ، وَعَذَابِهِ.

وَمِنْهَا: الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ، وَنَفْعُهُمْ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ، وَالنَّفْعِ بِالْبَدَنِ، وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ الْمُحْسِنَ أَشْرَحُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَطْيَبُهُمْ نَفْسًا، وَأَنْعَمُهُمْ قَلْبًا، وَالْبَخِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِحْسَانٌ أَضْيَقُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَنْكَدُهُمْ عَيْشًا، وَأَعْظَمُهُمْ همًّا وَغَمًّا.

الشيخ: وذلك لما جعل اللهُ في قلب السَّخي من محبَّة الإحسان والجود والسَّماح بالمال، وعدم عظمته في قلبه، فهو في راحةٍ بما يرى من إحسانٍ للناس، ومُواساةٍ، وشفاعةٍ، ونحو ذلك. والبخيل مثلما جاء في الحديث الصحيح كصاحب الجبَّة التي قد لصقت حلقتُها به، الذي ما رضي أن يُحسن لصقت كل حلقةٍ مكانها، وضاقت عليه الجبَّة حتى لا يستطيع أن يُنفق ويُحسن، ولا يستطيع أن يتخلص من الجبَّة؛ لما في قلبه من الضيق والحرج وحُبِّ المال، وكراهة الإحسان، فهو في ضيقٍ وحرجٍ عند خروج أي فلسٍ وأي شيءٍ.

وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّحِيحِ مَثَلًا لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ وَانْبَسَطَتْ حَتَّى يَجُرَّ ثِيَابَهُ، وَيُعْفِيَ أَثَرَهُ، وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، وَلَمْ تَتَّسِعْ عَلَيْهِ.

فَهَذَا مَثَلُ انْشِرَاحِ صَدْرِ الْمُؤْمِنِ الْمُتَصَدِّقِ، وَانْفِسَاحِ قَلْبِهِ، وَمَثَلُ ضِيقِ صَدْرِ الْبَخِيلِ، وَانْحِصَارِ قَلْبِهِ.

وَمِنْهَا الشَّجَاعَةُ: فَإِنَّ الشُّجَاعَ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ، وَاسِعُ الْبِطَانِ، مُتَّسِعُ الْقَلْبِ، وَالْجَبَانُ أَضْيَقُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَحْصَرُهُمْ قَلْبًا، لَا فَرْحَةَ لَهُ، وَلَا سُرُورَ، وَلَا لَذَّةَ لَهُ، وَلَا نَعِيمَ إِلَّا مِنْ جِنْسِ مَا لِلْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ.

وَأَمَّا سُرُورُ الرُّوحِ وَلَذَّتُهَا وَنَعِيمُهَا وَابْتِهَاجُهَا فَمُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ جَبَانٍ، كَمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ بَخِيلٍ، وَعَلَى كُلِّ مُعْرِضٍ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، غَافِلٍ عَنْ ذِكْرِهِ، جَاهِلٍ بِهِ وَبِأَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَدِينِهِ، مُتَعَلِّقِ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ.

وَإِنَّ هَذَا النَّعِيمَ وَالسُّرُورَ يَصِيرُ فِي الْقَبْرِ رِيَاضًا وَجَنَّةً، وَذَلِكَ الضِّيقُ وَالْحَصْرُ يَنْقَلِبُ فِي الْقَبْرِ عَذَابًا وَسِجْنًا.

فَحَالُ الْعَبْدِ فِي الْقَبْرِ كَحَالِ الْقَلْبِ فِي الصَّدْرِ نَعِيمًا وَعَذَابًا، وَسِجْنًا وَانْطِلَاقًا، وَلَا عِبْرَةَ بِانْشِرَاحِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضٍ، وَلَا بِضِيقِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضٍ، فَإِنَّ الْعَوَارِضَ تَزُولُ بِزَوَالِ أَسْبَابِهَا، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قَامَتْ بِالْقَلْبِ تُوجِبُ انْشِرَاحَهُ وَحَبْسَهُ، فَهِيَ الْمِيزَانُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

الشيخ: رحمه الله، الله المستعان، صدق رحمه الله.

وَمِنْهَا -بَلْ مِنْ أَعْظَمِهَا- إِخْرَاجُ دَغَلِ الْقَلْبِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ.

من أعظم الأدوية: الإقبال على القرآن العظيم، والاستكثار من تلاوته بالتَّدبر والتَّعقل في الأوقات المناسبة التي فيها فراغُ القلب من الأشغال، هذا من أعظم الأسباب لصلاح القلب ونوره وإشراقه وسعته وطمأنينته: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].