03 من حديث (أن امرأة من جهينة أتت رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا..)

10/22- وَعَنْ أبي نُجَيْد-بِضَم النُّونِ وَفَتْح الْجيِمِ عِمْرانَ بْنِ الحُصيْنِ الخُزاعيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرأَةً مِنْ جُهينةَ أَتَت رَسُولَ الله ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فقَالَتْ: يَا رسول الله أَصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ الله ﷺ وَليَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إِليْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُها، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فرُجِمتْ، ثُمَّ صلَّى عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ، قَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْن سبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المدِينَةِ لوسعتهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنفْسهَا للَّهِ ؟ رواه مسلم.

11/23- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبِ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوب اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ مُتَّفَقٌ عَليْهِ.

12/24- وَعَنْ أبي هريرة ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَضْحكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يقْتُلُ أحدُهُمَا الآخَرَ يدْخُلاَنِ الجَنَّة، يُقَاتِلُ هَذَا في سبيلِ اللَّهِ فيُقْتل، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيسْلِمُ فيستشهدُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة تدل على عظم شأن التوبة وأن الله جل وعلا يمحو بها السيئات كبيرها وصغيرها حتى الشرك الذي هو أعظم الذنوب من تاب منه تاب الله عليه كما قال تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70] فهذا فضله -جل وعلا- أن من تاب صادقا تاب الله عليه، وإذا أتبع توبته بالعمل الصالح بدل الله سيئاته حسنات، وفي هذا حديث عمران بن حصين في قصة المرأة التي زنت وجاءت واعترفت للنبي ﷺ وأنها زنت وأنها حبلى فلما وضعت حملها أمر النبي ﷺ بأن تشد عليها ثيابها لئلا تنكشف عورتها ثم ترجم، في الرواية الأخرى أنه قال لها: أرضعيه، فلما أرضعته وفطمته أمر برجمها فرجمها، فقال عمر لما رأى النبي ﷺ صلى عليها قال: كيف تصلي عليها وقد زنت؟ قال: وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله، لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم يعني توبة عظيمة، جادت بنفسها جاءت تعترف لتقتل مثل قصة ماعز لما تاب جاء معترفا نادما حتى أمر برجمه، ثم صلى عليه.

هذه الأحاديث وما أشبهها كلها تدل على أن التوبة يمحو الله بها الذنوب وإن عظمت حتى الشرك لمن صدق في توبته، فلا بد من التوبة في كل شيء، ومن هذا قوله ﷺ: لو أعطي ابن آدم واديان من مال وفي اللفظ الآخر واد من ذهب لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب فمن طبيعة ابن آدم محبة المال والحرص على المال كما قال جل وعلا: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر:20] ... من تاب تاب الله عليه، من تاب من طمعه وحرصه على الدنيا تاب الله عليه، كما أن من تاب من جميع المعاصي حتى الشرك تاب الله عليه، فالواجب على المؤمن أن يحرص على التوبة أولا، الحذر من السيئات، يجب الحذر من السيئات والبعد عنها وعن أسبابها، ثم متى وقعت وجب البدار بالتوبة والندم والإقلاع والعمل الصالح، والله يتوب على التائبين .

كذلك حديث الرجلين يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة هذا أيضًا مما يدل على سعة فضله وجوده، فهذا يقاتل في سبيل الله فيقتل شهيدا فيدخل الجنة، ثم يسلم القاتل فيموت على الإسلام أو يقتل شهيدا فيدخل الجنة، هذا قتل هذا وكلاهما دخل الجنة، هذا قتل شهيدا في سبيل الله فدخل الجنة، ثم أسلم القاتل وهداه الله فمات على الإسلام أو قتل شهيدا فيدخل الجنة، هذا يدل على أن الله يمحو بالتوبة جميع الذنوب من الشرك وما دونه، فالواجب على كل مؤمن وعلى كل مسلم بل على مكلف أن يبادر بالتوبة إن كان كافرا فليبادر بالإسلام والتوبة من كفره، وإن كان عاصيا فليبادر بالتوبة من معصيته قبل أن يحل به الأجل.

نسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه.

.....

3- باب الصبر

قَالَ الله تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا [آل عمران:200]، وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155]، وَقالَ تَعَالَى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وَقالَ تَعَالَى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:43]، وَقالَ تَعَالَى: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]، وَقالَ تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد:31] وَالآياتُ في الأمر بالصَّبْر وَبَيانِ فَضْلهِ كَثيرةٌ مَعْرُوفةٌ.

1/25- وعن أبي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِم الأشْعريِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَان، وَالْحَمْدُ للَّه تَمْلأَ الْميزانَ، وسُبْحَانَ الله والحَمْدُ للَّه تَمْلآنِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّموَات وَالأَرْضِ، وَالصَّلاَةِ نورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والْقُرْآنُ حُجَّةُ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاس يَغْدُو، فَبِائِعٌ نَفْسَهُ فمُعْتِقُها، أَوْ مُوبِقُهَا رواه مسلم.

2/26- وَعَنْ أبي سَعيدٍ بْن مَالِك بْن سِنَانٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ نَاسًا مِنَ الأنصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ الله ﷺ فأَعْطاهُم، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِد مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَنَفَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدِهِ: مَا يَكُنْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يسْتعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِىَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

3/27- وَعَنْ أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْرًا لَهُ رواه مسلم.

الشيخ: هذه الآيات الكريمات والأحاديث الصحيحة كلها تتعلق بالصبر، والصبر من أفضل القربات ومن أهم الواجبات، وهو ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معاصي الله، وصبر على المصائب المؤلمة من الأمراض وغيرها، والواجب على المؤمن أن يقوم بهذه الأنواع كلها، أن يصبر على طاعة الله التي أوجب عليه حتى يؤديها من صلاة وصوم وزكاة وحج وجهاد وغير ذلك.

وهكذا يجب عليه الصبر عن محارم والكف عنها والحذر منها من سائر المعاصي، يجب الصبر عن ذلك فيكف نفسه ويجاهدها عن الإقدام على ما حرم الله من سائر المعاصي كالتساهل في الصلاة في الجماعة، والتخلف عنها، وكالبخل في الزكاة، وكعقوق الوالدين، والزنا والسرقة، والغيبة، والنميمة، وغيرها من المعاصي يجب الكف عن ذلك، ويجب الصبر عن ذلك، وأن يجاهد نفسه حتى لا يقدم على معصية وحتى لا يدع واجبا.

وهكذا عند المصائب إذا أصابه ما يكره من مرض أو موت قريب أو غير ذلك مما يكره عليه أن يصبر، وأن لا يجزع ولا يقول إلا خيرا، يقول جل وعلا: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157]، ويقول النبي ﷺ: ما من عبد يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها وهكذا يقول جل وعلا: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46] يعني اصبروا على طاعة الله وعلى ترك محارم الله، ويقول سبحانه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] يعني أجرا كاملا، ويقول -جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200]، ويقول -جل وعلا: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ [محمد:31] يعني لنبلونكم بالسراء والضراء والشدة والرخاء حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]، ويقول لنبيه ﷺ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127]، ويقول جل وعلا لنبيه أيضا: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، ويقول له جل وعلا: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] فلا بد من الصبر على طاعة الله، ولا بد من الصبر عن معاصي الله، ولا بد من الصبر على المصائب المؤلمة من مرض وغيره مما يؤذي العبد.

ويقول ﷺ في حديث الحارث الأشعري: الطهور شطر الإيمان الطهور التطهر يعني الغسل، والوضوء شطر الإيمان لأن الطهارة طهارتان: طهارة من الأحداث وطهارة من الرذائل والمعاصي، فالطهارة من المعاصي بالتوبة وأداء الواجبات فهذا شرط، والشرط الثاني: التطهر من الأحداث بالغسل والوضوء، هذا الشرط الظاهر المعنوي، والحمد لله تملأ الميزان فيه فضل قول الحمد لله، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض ففي هذا الحث على الإكثار من الحمد لله وسبحان الله، يقول النبي ﷺ: أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويقول ﷺ: لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ويقول ﷺ: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والصلاة نور الصلاة نور للعبد في قبره ويوم القيامة ونور في قلبه، من أسباب نور القلب وطهارته، فالمحافظة عليها أهم الأمور بعد الشهادتين، أهم واجب وأعظم واجب الصلاة بعد الشهادتين، بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فالصلاة عمود الإسلام وهي نور للعبد في دنياه وفي أخراه، والصدقة برهان الصدقة والإنفاق في وجوه الخير برهان على قوة الإيمان وعلى رغبة العبد فيما عند الله ، والصبر ضياء الصبر على طاعة الله، والصبر عن المعاصي، والصبر على المصائب ضياء للعبد، نور له، سماه ضياء لما فيه من الشدة لأن الصبر يحتاج إلى عناية، وهو ضياء معه شدة، يحتاج إلى صبر، فحبس النفس عن المعاصي وإلزامها بطاعة الله وحبسها عند المصائب عن الجزع يحتاج إلى صبر، ولهذا قال: والصبر ضياء يعني يحتاج إلى قوة، قوة قلب، قوة إيمان حتى يصبر على طاعة الله، وحتى يصبر على المصائب، وحتى يصبر عن المعاصي، والقرآن حجة لك أو عليك القرآن حجة للعبد إن عمل به، وحجة عليه إن ضيعه، حجة له من أسباب دخوله الجنة إن قام بحقه وامتثل أوامره، وحجة عليه إن ضيع أوامره ولم يقم به، هذا كتاب الله فيه الهدى والنور، إن استقمت عليه فهو حجة لك ومن أسباب نجاتك، وإن خالفت أوامره فهو حجة عليك، كل الناس يغدو يعني ويروح، كل الناس يغدو ويروح يعني في هذه الدنيا، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها الناس في هذه الدار يمشون في حوائجهم وفيما قدر الله لهم، لكن منهم من يسعى في خلاصه ونجاته، ومنهم من يسعى في هلاكه ودماره، فهؤلاء الناس منهم من يسعى في ليله ونهاره في أسباب هلاكه في المعاصي والمخالفات، ومنهم من يسعى في أسباب نجاته في طاعة الله واتباع شريعته وطاعة أوامره والسعي فيما يرضيه سبحانه، فهذا يعتق نفسه من النار بطاعة الله، وهذا يوبقها ويهلكها بالمعاصي والمخالفات، فالواجب الحذر، الواجب الحذر وأن تجاهد هذه النفس حتى تستقيم على الحق وحتى تصبر عن الباطل.

ولما جاءه جماعة أعراب أعطاهم ثم أعطاهم فنفد ما عنده، فقال ﷺ للعباد: إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ومن أخذه بجشاعة نفس لم يبارك له فيه، وفي اللفظ الآخر: من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بجشاعة نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، وقال أيضا: إنه من يتصبر يصبره الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله فمن طاوع نفسه في طلب الدنيا بحلها وحرامها هلك، لكن لا بد من التصبر، وليكتف بالحلال وليحذر الحرام، وليقل السؤال وليستغن عما في أيدي الناس، فمن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي عطاء خيرا وأوسع من الصبر، وسأله حكيم بن حزام مرة بعد مرة فأعطاه، ثم قال: يا حكيم، إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بالجشع لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع فالمطلوب من المؤمن أن يحرص على الاستعفاف والاستغناء عما في أيدي الناس، والرضا بما يسر الله له والقناعة، في الحديث الصحيح يقول ﷺ: قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه بما آتاه فالمؤمن يجاهد نفسه حتى يقنع بما يسر الله له، وحتى يرضى بالحلال ويكتفي بها عن الحرام، وحتى يتصبر عن كل ما يضره ويخشى عليه منه.

وكذلك الحديث الثالث: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير لا شك أن المؤمن أمره عجب إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن فالمؤمن هكذا لما أعطاه الله من اليقين والبصيرة إن أصابته ضراء صبر واحتسب فكان خيرا له، وإن أصابته سراء صحة وعافية ونعمة شكر الله جل وعلا، هكذا المؤمن فينبغي له أن يكون هكذا، وأن يجاهد نفسه دائما، دائما صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء.

نسأل الله للجميع التوفيق.

4/28- وعنْ أَنسٍ رضِيَ الله عنْهُ قَالَ: لمَّا ثقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يتغشَّاهُ الكرْبُ، فقَالتْ فاطِمَةُ رَضِيَ الله عنْهَا: واكَرْبَ أبَتَاهُ، فَقَالَ: ليْسَ عَلَى أَبيكِ كرْبٌ بعْدَ اليَوْمِ فلمَّا مَاتَ قالَتْ: يَا أبتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دعَاهُ، يَا أبتَاهُ جنَّةُ الفِرْدَوْسِ مأوَاهُ، يَا أَبَتَاهُ إِلَى جبْريلَ نْنعَاهُ، فلَمَّا دُفنَ قالتْ فاطِمَةُ رَضِيَ الله عَنهَا: أطَابتْ أنفسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رسُول الله ﷺ التُّرابَ؟ روَاهُ البُخاريُّ.

5/29- وعنْ أبي زيْد أُسامَة بن زيد حَارثَةَ موْلَى رسُول الله ﷺ وحبَّهِ وابْنِ حبِّهِ رضيَ اللهُ عنهُمَا، قالَ: أَرْسلَتْ بنْتُ النَّبِيِّ ﷺ: إنَّ ابْنِي قَدِ احتُضِرَ فاشْهدْنَا، فأَرسَلَ يقْرِئُ السَّلامَ ويَقُول: إنَّ للَّه مَا أَخَذَ، ولهُ مَا أعْطَى، وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بأجَلٍ مُسمَّى، فلتصْبِر ولتحْتسبْ فأرسَلَتْ إِليْهِ تُقْسمُ عَلَيْهِ ليأْتينَّها. فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنِ ثاَبِتٍ، وَرِجَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصبيُّ، فأقعَدَهُ في حِجْرِهِ ونَفْسُهُ تَقعْقعُ، فَفَاضتْ عَيْناهُ، فقالَ سعْدٌ: يَا رسُولَ الله مَا هَذَا؟ فقالَ: هَذِهِ رَحْمةٌ جعلَهَا اللَّهُ تعَالَى في قُلُوبِ عِبَادِهِ، وفي روِايةٍ: فِي قُلُوبِ منْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ منْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَمَعْنَىتَقَعْقَعُ: تَتحَرَّكُ وتَضْطَربُ.

6/30- وَعَنْ صُهَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فيِمَنْ كَانَ قبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِك: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ فَابعَثْ إِلَيَّ غُلاَمًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلاَمًا يعَلِّمُهُ، وَكَانَ في طَريقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلاَمهُ فأَعْجَبهُ، وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بالرَّاهِب وَقَعَدَ إِلَيْه، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِر فَقُلْ: حبَسَنِي أَهْلي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحرُ. فَبيْنَمَا هُو عَلَى ذَلِكَ إذْ أتَى عَلَى دابَّةٍ عظِيمَة قدْ حَبَسَت النَّاس فَقَالَ: اليوْمَ أعْلَمُ السَّاحِرُ أفْضَل أم الرَّاهبُ أفْضلَ؟ فأخَذَ حجَرًا فقالَ: اللهُمَّ إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهب أحَبَّ إلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فاقتُلْ هَذِهِ الدَّابَّة حتَّى يمْضِيَ النَّاسُ، فرَماها فقتَلَها ومَضى النَّاسُ، فأتَى الرَّاهب فأخبَرهُ. فَقَالَ لهُ الرَّاهبُ: أي بُنيَّ أَنْتَ اليوْمَ أفْضلُ منِّي، قدْ بلَغَ مِنْ أمْركَ مَا أَرَى، وإِنَّكَ ستُبْتَلَى، فإنِ ابْتُليتَ فَلاَ تدُلَّ عليَّ، وكانَ الغُلامُ يبْرئُ الأكْمةَ والأبرصَ، ويدَاوي النَّاس مِنْ سائِرِ الأدوَاءِ. فَسَمعَ جلِيسٌ للملِكِ كانَ قدْ عمِىَ، فأتَاهُ بهداياَ كثيرَةٍ فقال: ما هاهُنَا لَكَ أجْمَعُ إنْ أنْتَ شفَيْتني، فَقَالَ إنِّي لا أشفِي أحَدًا، إِنَّمَا يشْفِي اللهُ تعَالى، فإنْ آمنْتَ بِاللَّهِ تعَالَى دعوْتُ اللهَ فشَفاكَ، فآمَنَ باللَّه تعَالى فشفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، فأتَى المَلِكَ فجَلَس إليْهِ كَما كانَ يجْلِسُ فقالَ لَهُ المَلكُ: منْ ردَّ علَيْك بصَرك؟ قَالَ: ربِّي. قَالَ: ولكَ ربٌّ غيْرِي؟، قَالَ: رَبِّي وربُّكَ اللهُ، فأَخَذَهُ فلَمْ يزلْ يُعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الغُلاَمِ فجئَ بِالغُلاَمِ، فَقَالَ لهُ المَلكُ: أي بُنَيَّ قدْ بَلَغَ منْ سِحْرِك مَا تبْرئُ الأكمَهَ والأبرَصَ وتَفْعلُ وَتفْعَلُ فقالَ: إِنَّي لا أشْفي أَحَدًا، إنَّما يشْفي الله تَعَالَى، فأخَذَهُ فَلَمْ يزَلْ يعذِّبُهُ حتَّى دلَّ عَلَى الرَّاهبِ، فجِئ بالرَّاهِبِ فَقيلَ لَهُ: ارجَعْ عنْ دِينكَ، فأبَى، فدَعا بالمنْشَار فوُضِع المنْشَارُ في مفْرقِ رأْسِهِ، فشقَّهُ حتَّى وقَعَ شقَّاهُ، ثُمَّ جيء بجَلِيسِ المَلكِ فقِيلَ لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ فأبَى، فوُضِعَ المنْشَارُ في مفْرِقِ رَأسِهِ، فشقَّهُ به حتَّى وقَع شقَّاهُ، ثُمَّ جيء بالغُلامِ فقِيل لَهُ: ارجِعْ عنْ دينِكَ، فأبَى، فدَفعَهُ إِلَى نَفَرٍ منْ أصْحابِهِ فَقَالَ: اذهبُوا بِهِ إِلَى جبَلِ كَذَا وكذَا فاصعدُوا بِهِ الجبلَ، فإذَا بلغتُمْ ذروتهُ فإنْ رجعَ عنْ دينِهِ وإِلاَّ فاطرَحوهُ فذهبُوا بِهِ فصعدُوا بهِ الجَبَل، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شئْت، فرجَف بِهمُ الجَبَلُ فسَقطُوا، وجَاءَ يمْشي إِلَى المَلِكِ، فقالَ لَهُ المَلكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فقالَ: كفانيهِمُ الله تعالَى، فدفعَهُ إِلَى نَفَرَ منْ أصْحَابِهِ فَقَالَ: اذهبُوا بِهِ فاحملُوه في قُرقُور وَتَوسَّطُوا بِهِ البحْرَ، فإنْ رَجَعَ عنْ دينِهِ وإلاَّ فَاقْذفُوهُ، فذَهبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفنِيهمْ بمَا شِئْت، فانكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفينةُ فغرِقوا، وجَاءَ يمْشِي إِلَى المَلِك. فقالَ لَهُ الملِكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابكَ؟ فَقَالَ: كفانِيهمُ الله تعالَى. فقالَ للمَلِكِ إنَّك لسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تفْعلَ مَا آمُركَ بِهِ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تجْمَعُ النَّاس في صَعيدٍ واحدٍ، وتصلُبُني عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ خُذ سهْمًا مِنْ كنَانتِي، ثُمَّ ضعِ السَّهْمِ في كَبدِ القَوْسِ ثُمَّ قُل: بسْمِ اللَّهِ ربِّ الغُلاَمِ ثُمَّ ارمِنِي، فإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتنِي. فجَمَع النَّاس في صَعيدٍ واحِدٍ، وصلَبَهُ عَلَى جذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سهْمًا منْ كنَانَتِهِ، ثُمَّ وضَعَ السَّهمَ في كبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِسْم اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ رمَاهُ فَوقَعَ السَّهمُ في صُدْغِهِ، فَوضَعَ يدَهُ في صُدْغِهِ فمَاتَ. فقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلاَمِ، فَأُتِىَ المَلكُ فَقِيلُ لَهُ: أَرَأَيْت مَا كُنْت تحْذَر قَدْ وَاللَّه نَزَلَ بِك حَذرُكَ، قدْ آمنَ النَّاسُ. فأَمَرَ بِالأخدُودِ بأفْوَاهِ السِّكك فخُدَّتَ وَأضْرِمَ فِيها النيرانُ وقالَ: مَنْ لَمْ يرْجَعْ عنْ دينِهِ فأقْحمُوهُ فِيهَا أوْ قيلَ لَهُ: اقْتَحمْ، ففعَلُوا حتَّى جَاءتِ امرَأَةٌ ومعَهَا صَبِيٌّ لهَا، فَتقَاعَسَت أنْ تَقعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الغُلاَمُ: يَا أمَّاهْ اصبِرِي فَإِنَّكَ عَلَي الحَقِّ

 روَاهُ مُسْلَمٌ.

ذرْوةُ الجَبلِ: أعْلاهُ، وَهي بكَسْر الذَّال المعْجمَة وَضَمِّهَا، و القُرْقورُ بضَمِّ القَافَيْن: نوْعٌ منْ السُّفُن، وَ الصَّعِيدُ هُنا: الأرضُ البارزَةُ، وَ الأخْدُودُ: الشُّقوقُ في الأرْضِ كالنَّهْرِ الصَّغيرِ، و أُضرِمَ أوقدَ، وانكفَأَت أَي: انقلبَتْ، وَ تقاعسَت توقَّفتْ وجبُنتْ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آهله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد: في هذه الأحاديث الثلاثة الحث على الصبر عند المصائب، وهو الشاهد منها، الله جل وعلا يبتلي عباده بالسراء والضراء، فالواجب عند السراء الشكر فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي [البقرة:152]، لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] والواجب عند الضراء الصبر كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:155-156]، وقال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] هذه الدار دار البلايا والمحن، هذه الدار دار الدنيا دار المحن والبلاوي، ودار النعم ودار الاختبار، هذا يبتلى بالنعم، وهذا يبتلى بالمصائب، فمن صبر عند البلية شكر عند النعمة تمت له السعادة وصار من الناجين وهم المرسلون وأتباعهم.

في الحديث الأول أن الرسول ﷺ لما اشتد به المرض واشتد به الكرب كان يقول: في الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى قالت عائشة إذًا لا يختارنا، وهذا يفسر قوله ﷺ: ما قبض نبي إلا خير بين الدنيا وبين الآخرة فتذكرت هذا التخيير، قال: في الرفيق الأعلى فقالت فاطمة عند ذلك: واكرب أبتاه، يعني توجع من كرب أصابه عند الموت ﷺ، فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم يعني له الجنة والسعادة ﷺ، فلما قبض ﷺ قالت: واأبتاه أجاب ربا دعاه، إلى جبريل ننعاه، من شدة ما أصابها من المصيبة، فلما رجع الناس من الدفن قالت: طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟! من شدة ما أصابها، وهي سنة الله في عباده أن الأموات يدفنون، وهذه كرامة من الله للمسلمين أنهم يدفنون ما يبقون كالجيف في الصحراء، ولكن الميت المسلم يحفر له ويغسل ويطيب ويكفن ويدفن ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21] هذا من إكرام الله للمسلم، فالمصيبة بالنبي ﷺ هي أعظم المصائب، أعظم مصيبة مصيبة المسلمين بموته ﷺ، ومع هذا صبر المسلمون وصبر الصحابة واحتسبوا والحمد لله، هكذا يجب على من مات أبوه أو أخوه أو ابنه أو زوجته أن يصبر ويحتسب ولا يقول إلا الخير ولا يجزع، فكم مات من الناس خير منه، ومات رسول الله خير من الجميع فصبر المسلمون.

وفي الحديث الثاني أن إحدى بنات النبي ﷺ بعثت إليه تقول له: إن ابنها في النزع تحب أن يحضر، تذكر له أن ابنها في الموت يعني، فقال لرسولها: قل لها: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب يعني كالمعتذر عن الحضور قال لرسولها قل لها: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب فبلغها رسولها، فردت إليه الرسول تقسم على النبي ﷺ أن يحضر، تقسم على أبيها ﷺ أن يحضر، فقام ﷺ وبر قسمها من تواضعه ورحمته وعطفه ﷺ لما أقسمت قام إليها وذهب إليها يزورها جبرا لمصيبتها ومعه جماعة من الصحابة، فهذا يدل على أنه ينبغي للمؤمن أن يتواضع مع أقربائه وأولاده إذا دعت الحاجة إلى ذلك جبرا لمصيبتهم كأن يقسموا عليه أن يزورهم أو يعالج مريضهم أو ما أشبه ذلك ليحتسب وليصبر في الأشياء التي لا حرج فيها جبرا لهم ورحمة لهم، ولهذا قام ﷺ وبر قسمها وذهب إليها، فلما دخل البيت قدموا له الولد فأجلس في حجره ﷺ، يعني على رجليه ونفسه تقعقع عند الخروج عند الموت، نفس الطفل تقعقع للخروج، فلما رأى حالته وظهور أمارات الموت عليه بكى ﷺ، دمعت عيناه ﷺ، فقال له بعض الحاضرين سعد بن عبادة: يا رسول الله ما هذا؟ قال: إنها رحمة البكاء عند المصيبة رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء كون الإنسان يبكي عند المصيبة ما يستغرب، خير من الذي يضحك، كونه يبكي تدمع عيناه رحمة للمصابين، رحمة للمصاب لا بأس، ولهذا قال ﷺ: إن الله لا يأخذ بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يؤخذ بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه ﷺ، وقال لما مات ابنه إبراهيم، هو مات في الثدي، مات رضيع العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ففي هذا الحث على جبر المصاب ورحمته وزيارته وتعزيته وتسليته عن مصيبته بالكلمات الطيبة والدعوات الطيبة كما فعل ﷺ.

والحديث الثالث في قصة الساحر مع الملك كان فيمن مضى من قبلنا ملك جبار يدعو الناس إلى أن يعبدوه كفرعون نسأل الله العافية يدعو الناس إلى أن يعبدوه ويخضعوا لأوامره، وكان عنده ساحر يفعل معه ما يريد من الناس بالسحر، وكان عند الملك صاحب له أصابه مرض في عينيه وذهب بصره، والساحر قال للملك: أنا قد كبرت سني فالتمس لي غلاما ذكيا أعلمه السحر حتى يحل محلي إذا مت، فالتمس له شاب فجيء له بالشاب فقال له: تعلم من هذا الساحر، وكان الشاب في طريقه راهب عابد من العباد يمر عليه ويجلس عنده يسمع كلامه وتذكيره، فدخل في قلبه كلام الراهب ومواعظه، ودخل في قلبه الإيمان فآمن، وصار يذهب إلى الساحر فيقول له الساحر: تأخرت، فعلت؟ فيقول له: أخرني أهلي بعدما علمه الراهب، وإذا تأخر عن أهله قال: حبسني الساحر حتى يتيسر له الدراسة على الراهب هذا والجلوس عنده ليستفيد في دينه، وكان ذات يوم في الطريق دابة حية كبيرة قد وقفت للناس، فقال هذا الغلام: اليوم أعلم هل الساحر على الحق أو الراهب؟ فأخذ حجرا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك فاقتل هذه الدابة حتى يمر الناس، فرماها بالحجر حتى قتلها فعرف من هذا أن الراهب أحب إلى الله وأنه هو المصيب، فأخبره الراهب بذلك، فقال: يا بني إنه قد حصل لك الآن شيء من الكرامات، وإنك ستبتلى، من ظهر دينه يبتلى فإن بليت فلا تخبر عني شيء، لا تدل علي، فصار هذا الغلام يداوي الناس، يعالجهم ويبرئ الأكمة والأبرص وصار له سمعة في الناس، فجاءه صاحب الملك الجبار الذي ذهبت عيناه فقال: أبيك تشفيني، وجمع له مالا كثيرا وقال له: ما أنا أشفي، الذي يشفي الله إذا أسلمت، وإلا ما لي حاجة في المال، إذا أسلمت دعوت الله لك أن الله يشفي عينيك فأسلم، قال الرجل: نعم أنا أسلم، فأسلم، فلما أسلم دعا الله له فرد الله عليه بصره، فرجع إلى الملك وجلس على العادة فقال له الملك الخبيث: من رد عليك بصرك؟ قال: الله، قال: وهل لك رب غيري؟ قال: نعم ربي وربك الله، فأمر الملك بقتله بمنشار ينشر من رأسه إلى أسفله من الجبروت والظلم، ففعل به ذلك، وسأله عن الغلام فدله على الغلام قبل أن يقتله فجيء بالغلام، وسئل من ربك؟ قال: ربي الله وربك الله أيضا أنت، قال: من علمك هذا، من دلك؟ قال: الراهب الفلاني تعلمت عليه وعلمني أن رب الأرض الله ورب الجميع، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك وإلا قتلناك، فأبى فأمر الجبار بنشره بالمنشار حتى قتله، ثم جيء بالغلام الثالث فقال: ارجع عن دينك، فأبى الغلام أن يرجع، فأمر جماعة من جنده أن يذهبوا به إلى جبل، رأس الجبل، قال: فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه من رأس الجبل، فذهبوا به فلما صعدوا الجبل رجف بهم الجبل فسقطوا جميعا إلا الغلام سلم، فجاء إلى الملك وقال له: أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فأمر جماعة آخرين أن يأخذوه في قرقور -سفينة صغيرة- إلى البحر قال: فإذا توسطتم البحر فألقوه في البحر إلا أن يرجع عن دينه، فذهبوا بالغلام ليرجع عن دينه فأبى فجعلوه في السفينة وذهبوا به في البحر فانكفأت بهم السفينة وغرقوا وأنجاه الله، فجاء إلى الملك قال: أين أصحابك؟ قال كفانيهم الله، وإنك لن تقتلني حتى تجمع الناس في صعيد واحد، فإذا جمعتهم في صعيد واحد فخذ سهما من قوسي واصلبني على جذع وارمني، وقل: بسم الله رب الغلام، والناس يسمعون، فإذا قلت بسم الله رب الغلام لا بد أنك تقتلني، ففعل وصلبه وأخذ سهما من كنانته ورماه به، والناس حاضرون، وجمعهم في صعيد واحد فأسمعهم بسم الله رب الغلام فأصابه، فأسلم الناس، قالوا: آمنا برب الغلام وكفرنا بالملك، آمن الناس بالله ودخلوا في دين الله، وهذا مراد الصبي، مراد الغلام، مراده أن يسلم الناس وأن يدخلوا في دين الله، فأمر الخبيث الملك الجبار بأن تخد أخاديد في الأرض مثل الصنوع في الأرض، وأن توقد فيها النيران وأن يلقى فيها كل من آمن ولم يرجع إلى دينه الأول عبادة الملك، فطرحوا فيها من لم يطعهم، فجيء بامرأة ومعها صبي وقيل لها: ارجعي عن دينك وإلا ألقيناك فتقاعست، فقال لها الصبي: يا أماه لا ترجعي عن دينك اصبري، فصبرها، أنطق الله الصبي وصبرها، وأنزل الله في مثل هذا قوله جل وعلا: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ۝ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ۝ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ۝ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ۝ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:4-8] هذه البلايا من بلايا الدنيا، هذه البلايا ذكر المؤلف الحديث هذا لما فيه من الابتلاء والامتحان، وأن الناس قد يبتلون بملوك جبابرة يلزمونهم بالباطل والشرك، قد يبتلون بآباء بأمهات بإخوة بجيران بأصدقاء يضرونهم، قد يبتلون بأمراض، قد يبتلون بفقر، قد يبتلون بغير ذلك، فالواجب على من بلي التحمل والصبر حتى يفرج الله الأمور، هذه دار الابتلاء ودار المحن، فلا بد في حق من ابتلي بشيء يخالف الشرع أو شيء يضره أن يتحمل ويصبر، مرض، تسليط جار أو عدو أو قريب ليحتسب وليحل المشاكل بالطرق الدينية، إن كان له خصومة يطلب حكم الله إن كان في بلد فيه حكم الله، وإن كان ما في حكم الله يطلب الصلح معه، وهكذا يطلب حل المشاكل بالطرق الممكنة التي ليس فيها ظلم، فإذا ظلم فليحتسب وليصبر، هذه دار البلايا والمحن، والله يقول: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46] سبق في علمه أن هذه الدار دار الابتلاء والامتحان، وأنها ليست دار النعيم ولكنها دار الابتلاء، من لا يرحم لا يرحم وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35]، ويقول سبحانه: الم ۝ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3] ابتلاء وامتحان حتى يتبين أهل الخير وأهل الصدق من أهل الباطل والفسق والفساد والكفر، يتبين الأتقياء والمؤمنون من غيرهم، وترفع منازل المؤمنين ولهم الجنة والكرامة والمنازل العالية، ويخسر المبطلون ويساقون إلى النار نسأل الله العافية، نسأل الله أن يوفق الجميع للصبر والاحتساب والاستقامة على أمر الله والمسارعة إلى كل خير، والصبر عند البلية، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه.

7/31- وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَال: اتَّقِي الله وَاصْبِرِي فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنِّكَ لَمْ تُصَبْ بمُصِيبتي، وَلَمْ تعْرفْهُ، فَقيلَ لَها: إِنَّه النَّبِيُّ ﷺ، فَأَتتْ بَابَ النَّبِّي ﷺ، فلَمْ تَجِد عِنْدَهُ بَوَّابينَ، فَقالتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فقالَ: إِنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولَى متفقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية لمُسْلمٍ: تَبْكِي عَلَى صَبيٍّ لَهَا.

8/32- وَعَنْ أَبي هَرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قالَ: يَقولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبهُ إِلاَّ الجَنَّة رواه البخاري.

9/33- وعَنْ عائشَةَ رضيَ اللَّهُ عنها أنَهَا سَأَلَتْ رسولَ اللَّه ﷺ عَن الطَّاعونِ، فَأَخبَرَهَا أَنَهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى منْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ تعالَى رحْمةً للْمُؤْمنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُون فَيَمْكُثُ في بلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ رواه البخاري.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها في وجوب الصبر والحذر من التسخط والجزع، أقدار الله ماضية سبحانه وتعالى فالواجب عند المصيبة الصبر والاحتساب والحذر من التسخط والجزع.

في الحديث الأول أنه ﷺ رأى امرأة عند قبر تبكي على صبي، لها فقال لها ﷺ: اتقي الله واصبري فقالت: إليك عني، ولم تعرفه، فإنك لم تصب بمثل مصيبتي، فأخبرت بذلك، فذهبت إلى بيته تعتذر ولم تجده عنده بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال ﷺ: إنما الصبر عند الصدمة الأولى والمعنى عند أول ما توجد المصيبة، أما بعد حين يتسلى الإنسان، سوف يتسلى وينتهي، لكن المهم عند وجود الصدمة موت القريب، وجود الحادث، هذا محل وجوب الصبر، أما بعد طول المدة فإن الإنسان يتسلى وينسى مصيبته، فالواجب عند الصدمة المبادرة إلى الصبر وعدم الجزع، ويقول ﷺ: ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية، ويقول ﷺ: أنا بريء من الصالقة، والحالقة، والشاقة والصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثوبها عند المصيبة، كل هذا الجزع لا يجوز، فالواجب هو الصبر والاحتساب، والقول كما قال الصابرون: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقد وعدهم الله خيرا كثيرا فقال أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157]، وقال النبي ﷺ: ما من عبد يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها فالواجب على المؤمن احتساب الأجر والصبر، وهكذا إذا نزلت أمراض خطيرة كالطاعون فلا يجزع، إن وقع وهو في البلد لا يخرج منها، وأن سمع به في بلد لا يقدم عليه كما قال ﷺ: إذا سمعتم به في بلد فلا تقدموا عليه من باب اتقاء الأسباب، وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منها في هذا الحديث أن العبد المؤمن إذا وقع الطاعون في بلده وهو مرض خطير قل أن يسلم منه من نزل به، فإذا وقع فالواجب الصبر والاحتساب وعدم الفرار منه، فالواجب على العبد المؤمن إذا نزل ببلده الطاعون يصبر ويحتسب ويعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، فإنه يعطى أجر شهيد بسبب صبره واحتسابه، وإن لم يصبه شيء فالإنسان تحت أقدار الله ليس له مفر من قدر الله، فعليه أن يصبر ويحتسب عند وجود البلاء: طاعون، أو أمراض عامة أخرى، أو حروب، أو غير ذلك، عليه أن يضرع إلى الله ويسأله الصبر والتوفيق، ويسأله الإعانة على المصيبة، ويتحمل ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، هكذا المؤمن: اللهم آجرني في مصيبتي، اللهم أخلف لي خيرا منها إن كان ميت أو غيره، اللهم يسر أمري، اللهم أعني، اللهم ثبتني، يسأل ربه.

وهكذا الحديث الثاني: يقول ﷺ يقول الله جل وعلا: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا أخذت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة وهذا فضل من الله جل وعلا إذا توفى سبحانه صفي العبد كولده أو أخيه أو أبيه أو أمه أو زوجته أو زوج المرأة أو ما أشبه ذلك إذا احتسب المؤمن وصبر عند المصيبة ليس له جزاء عند الله إلا الجنة هذا الفضل العظيم، والإنسان يصاب في هذه الدار، هذه الدار دار المصائب يصاب بأبيه، يصاب بولده، يصاب بزوجته، يصاب بأخيه، إلى غير هذا لكن إن جزع فعليه الجزع ولا ينفعه الجزع بل عليه الإثم، وإن صبر واحتسب فله الأجر العظيم، ولهذا يقول ﷺ: يقول الله جل وعلا: ما لعبدي المؤمن إذا أخذت صفيه -صفيه يعني حبيبه- من أهل الدنيا فاحتسبه إلا الجنة نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

10/34- وعَنْ أَنسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: إنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبدِي بحبيبتَيْهِ فَصبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجنَّةَ يُريدُ عينيْه، رواه البخاريُّ.

11/35- وعنْ عطاءِ بْن أَبي رَباحٍ قالَ: قالَ لِي ابْنُ عبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهُمَا ألاَ أريكَ امْرَأَةً مِن أَهْلِ الجَنَّة؟ فَقُلت: بلَى، قَالَ: هذِهِ المْرأَةُ السوْداءُ أَتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وإِنِّي أَتكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّه تَعَالَى لِي، قَالَ: إِن شئْتِ صَبَرْتِ ولكِ الْجنَّةُ، وإِنْ شِئْتِ دعَوْتُ اللَّه تَعالَى أَنْ يُعافِيَكِ فقَالتْ: أَصْبرُ، فَقالت: إِنِّي أَتَكشَّفُ، فَادْعُ اللَّه أَنْ لا أَتكشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. متَّفقٌ عليْهِ.

12/36- وعنْ أَبي عبدالرَّحْمنِ عبداللَّه بنِ مسْعُودٍ قَال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى رسولِ اللَّه ﷺ يحْكيِ نَبيًّا مِنَ الأَنْبِياءِ، صلواتُ اللَّهِ وسَلاَمُهُ عَليْهم، ضَرَبُهُ قَوْمُهُ فَأَدْموْهُ وهُو يمْسحُ الدَّم عنْ وجْهِهِ، يقُولُ: اللَّهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمي فإِنَّهُمْ لا يعْلمُونَ  متفقٌ عَلَيْه.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها في الحث على الصبر، وأن المؤمن يبتلى فما أصابه من هم وغم ونصب ووصب وغير هذا كله يكفر الله به من خطاياه إذا احتسب ذلك وصبر فله خير عظيم، من هذا قوله ﷺ: إن الله يقول جل وعلا: إذا ابتليت عبدي بحيبتيه فصبر عوضته فيهما الجنة يعني عينيه، ابتلاه بالعمى فصبر واحتسب عوضه في ذلك الجنة، هذا خير عظيم وفضل كبير، وأن من جزاء الصابرين على مصيبة العمى الجنة ونعم الجزاء ونعم الثواب لمن صبر واحتسب واستقام على أمر الله؛ لأن هذه الأحاديث في الوعد بالجنة والمغفرة معناها لمن استقام وثبت على الحق واستقام على الخير، وهكذا حديث المرأة التي كانت تتكشف فدعا الله لها الرسول ألا تتكشف، كانت تصرع، كان فيها صرع الجن فطلبت من الرسول ﷺ أن يدعو الله لها، فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت لك قالت: يا رسول الله أصبر، ولكني أتكشف: فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا الله لها، هذا فيه وعدها بالجنة على صبرها، على ما أصابها من مس الجن، ولكن ليس معنى هذا أنه ليس لها أن تطلب العافية لا، فطلب العافية مطلوب، ومن صبر واحتسب فله أجر عظيم، والمؤمن من صفته أنه صبور حليم، لكن إذا دعا ربه أن يكشف عنه البلاء فلا بأس، إذا دعا ربه أن يمن عليه بالعافية كما في الحديث الصحيح: اسألوا الله العافية، فإنه ما أعطي العبد عطاء أفضل من العافية! وأيوب لما اشتد به المرض قال: ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجاب الله دعوته وكشف ضره، فالدعاء والضراعة إلى الله والعلاج والدواء كله لا ينافي الصبر، فهذا شيء وهذا شيء، الإنسان يصبر ويحتسب ولا يجزع، ومع هذا لا بأس أن يتعاطى العلاج، ويتعاطى الدعاء، وطلب العافية والشفاء؛ لأن هذا لا ينافي هذا.

كذلك قوله ﷺ في حكايته لبعض الأنبياء أنه ضربه قومه فأدموه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون في هذا حلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصبرهم، وقد صبر نبيا كثيرا وآذوه كثيرا، هذا نبي دعا لهم لأنهم جهال، ما عرفوا نبوته، ما عرفوا دلالته، بخلاف من جحد واستكبر كقصة أبي جهل وأشباهه فهؤلاء يعرفون كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14]، وقال في حقه قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، ولهذا دعا عليهم ﷺ لما وضعوا السلى على ظهره دعا عليهم قال: اللهم عليك بفلان، اللهم عليك بفلان لأنهم فجرة قد عرفوا أنه نبي الله، ولكن عاندوا واستكبروا، أما هذا النبي قومه جهال ما عرفوا نبوته، فدعا لهم قال: اللهم اغفر لقومي، يعني اللهم اهدهم حتى يغفر لهم، ففي هذا صبر الأنبياء وحلمهم عليهم الصلاة والسلام، فالتأسي بهم مطلوب بالصبر ولاسيما من كان جاهلا وليس عنده بصيرة يدعى له، وإذا أخطأ يتحمل ويدعى له بالهداية حتى يتبصر، حتى يعرف الحق، والمقصود أن الأنبياء هم خير الناس، وهم أصبر الناس، وأفضل الناس عليهم الصلاة والسلام، فيسن للمؤمن التأسي بهم عليهم الصلاة والسلام .

13/37- وَعنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة رضيَ اللَّه عَنْهُمَا عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه متفقٌ عَلَيهِ.

و الْوَصَب: الْمرضُ.

14/38- وعن ابْن مسْعُود قَالَ: دَخلْتُ عَلى النَبيِّ ﷺ وَهُو يُوعَكُ فَقُلْتُ: يَا رسُولَ اللَّه إِنَّكَ تُوعكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُم، قُلْتُ: ذلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْريْن؟، قَالَ: أَجَلْ ذَلك كَذَلك، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى؛ شوْكَةٌ فَمَا فوْقَهَا إلاَّ كَفَّر اللَّه بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحطَّتْ عنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجرةُ وَرقَهَا متفقٌ عَلَيهِ.

وَ الْوَعْكُ: مَغْثُ الحمَّى، وَقيلَ: الْحُمى.

15/39- وعنْ أَبي هُرَيرة قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ رواه البخاري.

وضَبطُوا يُصب: بفَتْحِ الصَّادِ وكَسْرِهَا.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كلها في بيان ما يحصل للمسلم من الأجر العظيم والتكفير بسبب المصائب، تقدم أن المصائب يحط الله بها الخطايا ويكفر بها السيئات، قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157] فالمصائب يكفر بها الخطايا، وإذا كان معها الصبر والاحتساب والرضا صار الأجر عظيم، ولهذا يقول ﷺ: ما أصاب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكة إلا كفر الله بها من خطاياه هذه من نعم الله العظيمة، كل ما يصيب المسلم مما يؤذيه من تعب، أو وصب وهو المرض بأنواعه، أو هم أو غم أو سائر أنواع الأذى حتى الشوكة يكفر الله بها من خطاياه، فينبغي للمؤمن أن يصبر ويحتسب حتى يكون الأجر أعظم مع التكفير، حتى يحصل له الأجر العظيم مع تكفير السيئات إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127]، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، وهكذا دخل ابن مسعود على النبي ﷺ وهو يوعك، يعني يحس بمرض الحمى، يتألم من مرض الحمى، الوعك مرض الحمى، الوعك ما يصيب الإنسان من الشدة والتألم بسبب الحمى، فقال له ابن مسعود: يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا؟ قال: نعم، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم يعني يضاعف عليه المصائب، قال له ابن مسعود: يا رسول الله لأن لك أجر مرتين؟ قال: نعم. هذا يفيد أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يصيبهم أكثر مما يصيب غيرهم، وأنه تضاعف عليهم المصائب ليعظم أجرهم وليكونوا أسوة لغيرهم قدوة، قال ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابه شدد عليه في البلاء، وتقدم قوله ﷺ وهو يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وقد أوذي يوم أحد وشج ﷺ، وكسرت رباعيته، وسقط في بعض حفر أحد ليرفع الله من درجاته، ويحط من خطاياه، ويضاعف له الأجور، وليكون أسوة وقدوة لمن أصابه شيء يتأسى بالأنبياء.

وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ: من يرد الله به خيرا يصب منه يعني يصب منه بمصائب، فهذا من علامات الخير لأن الصحة الدائمة والسلامة الدائمة ما هي بعلامة السعادة، كونه يصاب ببعض المصائب هذا من علامات الخير، يصب منه يعني يحصل له تكفير للسيئات، من يرد الله به خيرا يصَب منه، وفي الرواية الأخرى يصِب منه يعني أنواع المرض أو غيره من البلاء حتى تكفر السيئات وتحط الخطايا كما أصاب الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي الحديث الآخر: لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يدعه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، وفي الحديث الآخر: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، وفي الحديث الآخر: إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة فهذا يسلي المؤمن إذا أصابه شيء يحتسب يصبر، ويعلم أن له خيرا عظيما ولا يجزع، فإن هذه الأشياء التي تؤذيه وتصيبه من مرض أو فقر أو تألم أو شوكة أو عثرة أو غير هذا، هذه مما يكفر الله بها الخطايا، ويرفع بها الدرجات لمن صبر واحتسب.

وفق الله الجميع ورزق الجميع العافية.

16/40- وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: لا يتَمنينَّ أَحدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فاعلًا فليقُل: اللَّهُمَّ أَحْيني مَا كَانَت الْحياةُ خَيرًا لِي، وتوفَّني إِذَا كَانَتِ الْوفاَةُ خَيْرًا لِي متفق عليه.

17/41 - وعنْ أبي عبداللَّهِ خَبَّابِ بْن الأَرتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ وَهُو مُتَوسِّدٌ بُردةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبةِ، فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصرُ لَنَا، أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَد كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فيجْعلُ فِيهَا، ثمَّ يُؤْتِى بالْمِنْشارِ فَيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجعلُ نصْفَيْن، ويُمْشطُ بِأَمْشاطِ الْحديدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر حتَّى يسِير الرَّاكِبُ مِنْ صنْعاءَ إِلَى حَضْرمْوتَ لاَ يخافُ إِلاَّ اللهَ والذِّئْبَ عَلَى غنَمِهِ، ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ رواه البخاري.

وفي رواية: وهُوَ مُتَوسِّدٌ بُرْدةً وقَدْ لقِينَا مِنَ الْمُشْركِين شِدَّةً.

18/42- وعن ابن مَسعُودٍ قال: لمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رسولَ اللَّه ﷺ نَاسًا في الْقِسْمَةِ: فأَعْطَى الأَقْرعَ بْنَ حابِسٍ مائةً مِنَ الإِبِلِ، وأَعْطَى عُييْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِثْلَ ذلِكَ، وأَعطى نَاسًا منْ أشرافِ الْعربِ وآثَرهُمْ يوْمئِذٍ في الْقِسْمَةِ. فَقَالَ رجُلٌ: واللَّهِ إنَّ هَذِهِ قِسْمةٌ مَا عُدِلَ فِيها، وَمَا أُريد فِيهَا وَجهُ اللَّه، فَقُلْتُ: واللَّه لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فأتيتُهُ فَأخبرته بِما قَالَ، فتغَيَّر وَجْهُهُ حتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ. ثُمَّ قَالَ: فَمنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يعدِلِ اللَّهُ ورسُولُهُ؟ ثُمَّ قَالَ: يرحَمُ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصبرَ فَقُلْتُ: لاَ جرمَ لاَ أَرْفعُ إلَيه بعْدها حدِيثًا. متفقٌ عَلَيهِ.

وقَوْلُهُ: كَالصِرْفَ هُو بِكسْرِ الصادِ الْمُهْملةِ: وَهُوَ صِبْغٌ أَحْمَرُ.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها فيها الحث على الصبر عند نزول المحن، وأن الواجب على المؤمن أن يحتسب وأن يصبر عندما يبتلى بشيء قد يسوؤه ويؤذيه من مرض، أو تسليط أعداء، أو غير ذلك، فإن الله جل وعلا يبتلي عباده بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، ثم تكون العاقبة لأهل التقوى كما قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]، وقال: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، وقال: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90]، وقال وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:120]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] فالواجب على المؤمن هو الصبر والاحتساب، ولهذا قال ﷺ: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به يعني لا يقل: اللهم أمتني، أو ليتني أموت، لا، عندما يصاب بمرض شديد أو أعداء لا يطلب الموت لأنه لا يدري ما وراء الموت، ولكن يقول: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، يعلق الأمر بعلم الله ، ولا يقل: اللهم أمتني، أو ليتني أموت، لا، يقول: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي.

وفي حديث عمار بن ياسر عند النسائي وغيره بسند حسن كان يقول ﷺ: اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي هذا شيء معلق بالله هو الذي يعلم الغيوب ، اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، ولما اشتد الأذى على المسلمين في مكة قبل الهجرة قال خباب بن الأرت للنبي ﷺ وهو متوسد بردة –مدة- عند الكعبة في ظل الكعبة قبل الهجرة قال له: يا رسول الله ألا تدعو؟ ألا تستنصر لنا؟ يعني قد آذانا المشركون، قد آذونا، فقال: لقد كان من كان قبلكم يمشط بأمشاط الحديد، وينشر بالمناشير، فلا يصدهم عن دينه، والله ليظهرن الله هذا الدين، ولينصرن الله دينه، ولكنكم تستعجلون الله يبتلي عباده بالسراء والضراء، يقول ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، وفي اللفظ الآخر: ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل مصداق هذا في قوله جل وعلا: الم ۝ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3] فتناهم أي اختبرناهم وامتحناهم، الفتنة الاختبار والامتحان، هل يصبر أو ما يصبر؟ هل يتقي أو ما يتقي؟ وربك يعلم كل شيء سبحانه وتعالى، فالواجب على المؤمن عند البلايا، وعند الأذى التحمل والصبر، والعاقبة لأهل التقوى، وقد صبر المسلمون والحمد لله ونجحوا، فأعزهم الله ونصرهم ودخلوا وهاجروا إلى المدينة بسلام، ثم أعزهم الله ودخلوا مكة فاتحين منصورين مؤيدين.

ومن هذا ما جرى يوم حنين لما فتح الله عليه مكة ﷺ وفتح الله عليه هوازن وهزم جمعهم وغنم منهم أموالا كثيرة عام الفتح من إبل وغنم فأعطى منها ناسا من أشراف العرب ومن كبرائهم، خصصهم بأشياء تأليفا لقلوبهم، يعني منحهم بعض العطايا من إبل هوازن، فإن الله فتح عليه هوازن وغنم نساءهم، ذرياتهم وأموالهم، فإنهم جاءوا من الطائف ومعهم ذرياتهم ونسائهم، ومعهم إبلهم وغنمهم حتى يشتد صبرهم على القتال ليحموا نساءهم وأموالهم، ولكن ما يغني عن أمر الله شيئا، إذا جاء النصر من الله ما يغني شيئا، هزمهم المسلمون وغنموا نساءهم وذرياتهم، وغنموا الأموال التي معهم، ثم جاءوا مسلمين، جاءت هوازن مسلمة إلى النبي ﷺ وطلبوا منه أن يرد عليهم نساءهم وذرياتهم وأموالهم، فقال لهم ﷺ: أحب الكلام إلى الله أصدقه، معي الناس اختاروا أحد الأمرين: إما الأموال، وإما الذرية والنساء؟ فقالوا: نختار الذرية والنساء، فرد عليهم نساءهم وذرياتهم، وقال للمسلمين: إن طبتم بها نفسا وإلا عوضناكم عن ذلك من أول ما يفيء الله علينا فطيب المسلمون نفوسهم وكان معهم اثنا عشر ألف مقاتل ذلك الوقت، فطيبوا نفوسهم ورد عليهم ﷺ نساءهم وذرياتهم، وأما الأموال من الإبل والغنم فقسمها بين المسلمين، وأعطى أناسا من الخمس أشياء كبيرة ... لهم وتأليفا لقلوبهم مثل الأقرع بن حابس رئيس تميم، وعيينة بن حصن الفزاري رئيس فزارة، ومثل العباس بن مرداس وجماعة، فقال بعض من لا إيمان له من مقدمي الخوارج الذين خرجوا بعد ذلك: إن هذه القسمة ما عدل فيها، ما أريد بها وجه الله، فأبلغ ذلك عبدالله بن مسعود النبي ﷺ فغضب، وقال: من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! فهذا يفيد أن الإنسان قد يطغى ويتعدى الحدود حتى يرمي الرسول ﷺ بأنه جار في الحكم ولم يعدل لما نفل بعض الناس وأعطاهم عطايا جزلة كبيرة يتألفهم على الإسلام، ففي هذا أن الإنسان ضعيف قد يطغى ويظلم ويتعدى طوره كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى [العلق:6]، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34] يقول: إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، والتي تولاها النبي ﷺ فهذا يفيد الحذر من أخطار اللسان، وأن الواجب أن يتقي الله، وأن يرضى بحكم الله، وأن يحذر الاعتراض على الله في حكمه وشرعه، وفي هذا صبره ﷺ، فإنه ما عاقبه في رواية أن عمر طلب أن يمكنه من قتله فلم يأذن له ﷺ وعفا وقال: إن من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وقراءته مع قراءتهم، لا تجاوز قراءتهم حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية يعني الخوارج متشددون متكلفون، يظنون أنهم على شيء، والمقصود من هذا الحث على الصبر، وأن الحاكم والأمير والسلطان والقاضي قد يبتلى بأناس يتهمونه، يقولون: ما عدلت، فليتحمل وليصبر، ولا مانع أن يعاقب من قال ذلك بما يستحق، لكن الرسول ﷺ عفا وصفح ﷺ، وإلا فهو يستحق العقوبة، وفق الله الجميع.