04 من حديث (إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا..)

19/43- وعن أنس قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بعبْدِهِ خَيْرًا عجَّلَ لَهُ الْعُقُوبةَ في الدُّنْيَا، وإِذَا أَرَادَ اللَّه بِعبدِهِ الشَّرَّ أمسَكَ عنْهُ بذَنْبِهِ حتَّى يُوافِيَ بهِ يَومَ الْقِيامةِ.

وقَالَ النبِيُّ ﷺ: إِنَّ عِظَمَ الْجزاءِ مَعَ عِظَمِ الْبلاءِ، وإِنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَومًا ابتلاهُمْ، فَمنْ رضِيَ فلَهُ الرضَا، ومَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ رواه الترمذي، وقَالَ: حديثٌ حسنٌ.

20/44- وعنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأبي طلْحةَ يَشْتَكي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحة، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيْم -وَهِيَ أُمُّ الصَّبيِّ-: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فرغَ قَالَتْ: وارُوا الصَّبيَّ، فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَة أَتَى رسولَ اللَّه ﷺ فَأَخْبرهُ، فَقَالَ: أَعرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهمَّ باركْ لَهُما فَولَدتْ غُلامًا فقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حتَّى تَأَتِيَ بِهِ النبيَّ ﷺ، وبَعثَ مَعهُ بِتمْرَات، فَقَالَ: أَمعهُ شْيءٌ؟ قَالَ: نعمْ، تَمراتٌ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَمضَغَهَا، ثُمَّ أَخذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا في فِيِّ الصَّبيِّ ثُمَّ حَنَّكَه وسمَّاهُ عبداللَّهِ. متفقٌ عَلَيهِ.

وفي روايةٍ للْبُخَاريِّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَة: فَقَالَ رجُلٌ منَ الأَنْصارِ: فَرَأَيْتُ تَسعة أَوْلادٍ كلُّهُمْ قدْ قَرؤُوا الْقُرْآنَ، يعْنِي مِنْ أَوْلادِ عبداللَّه الْموْلُود.

وَفي روايةٍ لمسلِم: ماتَ ابْنٌ لأبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لأهْلِهَا: لاَ تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بابنِهِ حتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وشَرِبَ، ثُمَّ تَصنَّعتْ لهُ أَحْسنَ مَا كانتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلكَ، فَوقَعَ بِهَا، فَلَمَّا أَنْ رأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعِ وأَصَابَ مِنْها قَالتْ: يَا أَبَا طلْحةَ، أَرَايْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعارُوا عارِيتهُمْ أَهْل بيْتٍ فَطَلبوا عاريَتَهُم، ألَهُمْ أَنْ يمْنَعُوهَا؟ قَالَ: لا، فَقَالَتْ: فاحتسِبْ ابْنَكَ. قَالَ: فغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تركتنِي حتَّى إِذَا تَلطَّخْتُ ثُمَّ أَخْبرتِني بِابْني، فَانْطَلَقَ حتَّى أَتَى رسولَ اللَّه ﷺ فأخْبَرهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: بَاركَ اللَّه لكُما في ليْلتِكُما.

قَالَ: فحملَتْ، قَالَ: وكَانَ رسولُ اللَّه ﷺ في سفَرٍ وهِي مَعَهُ وكَانَ رسولُ اللَّه ﷺ إِذَا أَتَى الْمَدِينَةِ مِنْ سَفَرٍ لاَ يَطْرُقُها طُرُوقًا فَدنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا الْمَخاضُ، فَاحْتَبَس عَلَيْهَا أَبُو طلْحَةَ، وانْطلَقَ رسولُ اللَّه ﷺ، قَالَ: يقُولُ أَبُو طَلْحةَ إِنَّكَ لتعلمُ يَا ربِّ أَنَّهُ يعْجبُنِي أَنْ أَخْرُجَ معَ رسولِ اللَّه ﷺ إِذَا خَرَجَ، وأَدْخُلَ مَعهُ إِذَا دَخَلَ، وقَدِ احْتَبَسْتُ بِما تَرى، تقولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طلْحةَ مَا أَجِد الَّذي كنْتُ أَجِدُ، انْطَلِقْ، فانْطَلقْنَا، وضَربهَا المَخاضُ حينَ قَدِمَا فَولَدتْ غُلامًا. فقالَتْ لِي أُمِّي: يا أَنَسُ لا يُرْضِعُهُ أَحدٌ تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رسُول اللَّه ﷺ، فلمَّا أَصْبحَ احتملْتُهُ فانطَلقْتُ بِهِ إِلَى رسولِ اللَّه ﷺ. وذَكَرَ تمامَ الْحَدِيثِ.

21/45- وعنْ أَبِي هُريرةَ أَن رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: لَيْسَ الشديدُ بالصُّرَعةِ إِنمَّا الشديدُ الَّذي يمْلِكُ نَفسَهُ عِنْد الْغَضَبِ متفقٌ عَلَيهِ.

والصُّرَعَةُ بِضمِّ الصَّادِ وفتْحِ الرَّاءِ، وأصْلُهُ عنْد الْعربِ منْ يصرَعُ النَّاسَ كثيرًا.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالصبر وأنه ينبغي للمؤمن عند المصائب الصبر والاحتساب والرضا عن الله ؛ لأنه حكيم عليم لا يقضي على عبده المؤمن قضاء إلا كان خيرا له، فمتى علم المؤمن حق العلم أن ربه حكيم عليم وأنه لا يقضي على عبده المؤمن قضاء إلا كان خيرا له فهو جدير بالصبر والاحتساب كما تقدم في حديث صهيب عن النبي ﷺ أنه قال: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن وهكذا ما في هذه الأحاديث الأربعة يقول ﷺ: إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا حتى تحط خطاياه قد تكون العقوبة بمرض، قد تكون بموت ولد، قد تكون بفقر وتلف مال، قد تكون بغير هذا من المصائب تكفيرا له وحثا له على الصبر والاحتساب.

ولهذا كان الأنبياء أشد الناس بلاء عليهم الصلاة والسلام لكمال إيمانهم وتقواهم لله، فما يصيبهم من البلاء يرفع الله به الدرجات ويحط به الخطايا، وتقدم قوله ﷺ: من يرد الله به خيرا يصب منه معناه إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا فيلقى الله قد محيت خطاياه يلقى الله سليما، وإذا أراد بعبده الشر أمهل وأملى له حتى يلقى الله بخطاياه، يعني المؤمن تصيبه أنواع المصائب فيحط الله بها من خطاياه ويلقى الله سليما قد كفرت خطاياه هكذا المؤمن.

أما ذاك الذي أريد به الشر فإنه يعافى ويمهل، ولهذا قال: أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة يعني يمهل ويعطى أنواع العافية ويبقى على حاله وذنوبه وسيئاته قد أملي له وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183] فيغتر بإملاء الله وصحته، وما أعطاه من الصحة والعافية فيلقى الله بذنوبه وسيئاته ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا قال: وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة يعني حتى يجيء إلى الله ويقدم على الله بذنوبه لم تكفر.

ويقول ﷺ في الحديث الثاني: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم كلما عظم البلاء عظم الجزاء والأجر والتكفير، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فهو سبحانه يبتلي عباده الأخيار بأنواع المصائب حتى يطهرهم من المعايب، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ففي هذا الحث على الصبر والاحتساب والرضا عن الله.

والعبد متى استحضر أن ربه حكيم عليم، وأنه لا يقضي على العبد من قضاء إلا كان خيرا له، حينئذ يرضى ويسلم وتطيب نفسه ويطمئن ويستريح، ومن هذا قصة أم سليم مع أبي طلحة، أم سليم كانت امرأة فاضلة عظيمة جليلة رضي الله عنها -وهي أم أنس بن مالك- تزوجها أبو طلحة بعد مالك والد أنس، كان عندهم ولد مريض فأراد الله أنه يتوفى، وقالت لأهل بيتها لا تخبروا أبا طلحة حتى أخبره، فلما جاء سألها عن الولد، قالت: هو أسكن ما كان، أسكن ما كان يعني موت، ما عاد بقي شيء، الموت هو أسكن ما يكون ما في حركة، تأولت وهو ظن أن أسكن ما كان أنه يعني طيب وأنه هدأ المرض، وهي أرادت أسكن ما كان يعني أنه قد مات، فقربت له عشاءه فأكل وتصنعت له يعني في لباس حسن ونحو ذلك فاتصل بها، ثم قالت: يا أبا طلحة لو أن قوما أعاروا عارية ثم طلبوا عاريتهم هل يردون؟ قال: لا، إذا طلبوا عاريتهم يعطون عاريتهم، قالت: احتسب ابنك، يعني إن ابنك عارية عندنا ومرده إلى الله، هذا الولد عارية لا يملكوا منه شيئا ملكه إلى الله وقد استرده الله، فاحتسب ابنك يعني اصبر واحتسب، فغضب، قال: تركتني حتى فعلت وفعلت، ثم ذهب إلى النبي ﷺ فأخبره كالشاكي عليها عند النبي ﷺ، فقال له ﷺ: هل اتصلت بها عرستم البارحة؟ قال: نعم، قال: بارك الله لكما في ليلتكما ثم حملت من هذا الجماع وولدت ولدا مباركا سماه النبي ﷺ عبدالله، لما ولد ذهبوا إلى النبي ﷺ صباح ليلة الولادة ومعه تمرات فحنكه النبي ﷺ، وأخذ تمرة من التمرات فجعلها في فمه ثم بصقها في في الصبي بريقه الشريف عليه الصلاة والسلام، ثم سماه عبدالله، فدل ذلك على فضل التحنيك وأنه حسن، وعلى تواضعه ﷺ وحسن معاملته لأصحابه، وعلى فضل الصبر والاحتساب، وعلى جواز التسمية بيوم الولادة، إن سماه يوم السابع فحسن وإن سماه يوم الولادة فلا بأس كله جائز، ولهذا سمى النبي ﷺ عبدالله ولد أبي طلحة، سماه في يوم الولادة، وسمى ابنه إبراهيم كذلك يوم الولادة، وإذا سمي في اليوم السابع فهو حسن كما قال ﷺ: يحلق ويسمى يعني في السابع كله حسن.

كذلك قوله ﷺ: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب هذا فيه الحث على الصبر والتحمل وعدم الغضب، قد يتكلم عليك ولدك أو زوجك أو أبوك احتسب، تحمل وامسك نفسك عن الغضب الذي قد يضرك ويضر غيرك، ولهذا قال ﷺ: ليس الشديد بالصرعة الصُرَعة بضم الصاد وفتح الراء مثل هُمَزة يعني الذي يصرع الناس، القوي الذي إذا طرح الناس صرعهم طرحهم لقوته، هذا يسمى شديد يسمى صرعة ويسمى قوي، لكن أقوى منه وأحسن منه وأشد صرعة الذي يملك نفسه عند الغضب، هو الأولى بهذا الاسم، أولى بهذا الاسم من يملك نفسه عند الغضب، هذا هو الصرعة في الحقيقة الذي يصرع الشيطان ويصرع النفس الأمارة بالسوء ويغلب عدوه، فيملك نفسه فلا يضرب أحدا ولا يؤذي أحدا عند الغضب، ولا يتكلم بما لا ينبغي، هذا هو الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب.

كثير من الناس إذا غضب ما يملك نفسه قد يسب، قد يضرب، قد يقتل، قد يفعل أشياء قبيحة، لكن القوي الطيب الرجل الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى لا يفعل ما لا ينبغي، ففي هذا الحث على جهاد النفس عند الغضب، وملكها وعدم التسرع إلى ما يضر الإنسان، ومن أسباب السلامة أن يتعوذ بالله من الشيطان يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك الوضوء، إذا بادر للوضوء هو من أسباب صرع الشيطان، والجلوس إن كان واقفا، والسكوت إن كان متكلمًا حتى يهدأ الغضب، جمرة من النار تغلي في نفس الإنسان قد لا يقوى على قهرها، لكن مع المجاهدة والتعوذ بالله من الشيطان وتذكر ما يترتب على الغضب من الخطر قد يصرع شيطانه، قد يغلب شيطانه، قد يسلم من شر الغضب، وهذا توجيه من النبي ﷺ، توجيه منه إلى أن الرجل القوي هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى لا يضر أحدًا، لا يتكلم بما لا ينبغي، لا يضرب أحدا، لا يطلق، لا يسب ولده، لا يسب أخاه، يعني يملك نفسه عن كل ما لا ينبغي بسبب قوة إيمانه، وقوة يقينه، وقوة صبره.

وفق الله الجميع.

22/46- وعنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ النَّبِي ﷺ، ورجُلان يستَبَّانِ وأَحدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتفَخَتْ أودَاجهُ. فَقَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: إِنِّي لأعلَمُ كَلِمةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عنْهُ مَا يجِدُ، لوْ قَالَ: أَعْوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ منْهُ مَا يجدُ فقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: تعوَّذْ بِاللِّهِ مِن الشَّيَطان الرَّجِيمِ. متفقٌ عَلَيهِ.

23/47- وعنْ مُعاذ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كظَمَ غَيظًا، وهُو قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالَى عَلَى رُؤُوسِ الْخلائقِ يَوْمَ الْقِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ رواه أَبُو داوُدَ، والتِّرْمِذيُّ، وَقالَ: حديثٌ حسنٌ.

24/48- وعنْ أَبِي هُريْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ: أوْصِني، قَالَ: لا تَغضَبْ فَردَّدَ مِرارًا قَالَ: لا تَغْضَبْ رواه البخاريُّ.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة فيها الحث على التعوذ بالله من الشيطان عند الغضب، والحث على كظم الغيظ، والحث على اجتناب أسباب الغضب، فإن الغضب قد يوقع في أشياء خطيرة؛ لأن الغضبان يختل شعوره ولا يدرك عواقب الأمور فيقع في أشياء تضره، ولهذا أمر النبي ﷺ بالتعوذ بالله من الشيطان عند الغضب، وأوصى بالحذر من الغضب وأسبابه، في الحديث يقول ﷺ لما رأى رجلًا قد احمرت أوداجه واشتد غضبه: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فهذه كلمة عظيمة لعلاج هذا المرض العظيم وهو الغضب، تقدم قوله ﷺ: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب يعني هو القوي، فمن علاج هذا البلاء التعوذ بالله من الشيطان، والوضوء عند الغضب، وترك الكلام والسكوت والجلوس حتى يهدأ، كل هذا من أسباب السلامة من شره، وأهمها التعوذ بالله من الشيطان الرجيم والوضوء، فإن الشيطان خلق من النار، والنار تطفأ بالماء، والغضب من الشيطان.

ويقول ﷺ: من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه خيره الله من الحور العين يوم القيامة هذا فيه الحث على كظم الغيظ وعدم تنفيذ ما يقتضيه إذا اغتاظ على أخيه، أو جاره، أو كذا، فليحرص على كظم الغيظ وليصفح وليعف، فهذا خير له وأحسن في العاقبة، يقول النبي ﷺ: ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزًا، والله يقول سبحانه في كتابه العظيم: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة:237]، ويقول سبحانه في مدح المؤمنين الصادقين وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] فمن استطاع كظم الغيظ والصبر والصفح فهذا خير عظيم وفضل كبير، ومن دعت الحاجة إلى أن ينتقم فعليه بالقصاص لا يزد، يطلب حقه أو يرد مثل ما قيل له، يطلب حقه وهو القصاص، فإن كان كلاما رد على صاحبه مثل ما قال، والله جل وعلا جواد كريم رحيم يلطف بعباده إذا لجؤوا إليه، واستجاروا به، وسألوه من فضله، فعليك بالأسباب؛ استعذ بالله من الشيطان، وجاهد نفسك، واحذر أسباب الغضب لعلك تنجو.

وفي هذا الحديث الأخير يقول ﷺ لما سأله رجل قال أوصني قال: لا تغضب، فردد مرارا قال: لا تغضب لا تغضب وصية عظيمة لأن الغضب جمرة من النار خطيرة، فكم من مفسدة حصلت بسبب الغضب! كم من شخص ضرب وقتل وطلق وغير ذلك بأسباب الغضب! فكون الإنسان يجاهد نفسه حتى لا يقع في الغضب، وإذا وقع فيه عالج نفسه بالتعوذ بالله من الشيطان وبالوضوء وبالسكوت وبالجلوس، هذا من العلاج الذي شرعه الله لكن ليحذر قبل ذلك ألا يقع فيه ليحذر أسبابه أولًا.

وفق الله الجميع.

25/49- وَعَنْ أَبي هُرَيْرةَ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: مَا يَزَال الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمؤمِنَةِ في نَفْسِهِ وَولَدِهِ ومَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ رواه التِّرْمِذيُّ، وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ.

26/50- وَعَنْ ابْن عَبَاسٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَة بْنُ حِصْنٍ فَنَزلَ عَلَى ابْنِ أَخيِهِ الْحُر بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِن النَّفَرِ الَّذِين يُدْنِيهِمْ عُمرُ ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشاوَرَتِهِ كُهولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُييْنَةُ لابْنِ أَخيِهِ: يَا ابْنَ أَخِى لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فاستَأذنَ فَأَذِنَ لَهُ عُمرُ. فَلَمَّا دخَلَ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّاب، فَوَاللَّه مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالْعَدْل، فَغَضِبَ عُمَرُ حتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّه تعَالى قَال لِنبِيِّهِ ﷺ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:198] وإنَّ هَذَا مِنَ الجاهلينَ، وَاللَّه مَا جاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا، وكَانَ وَقَّافًا عِنْد كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. رواه البخاري.

27/51- وعَن ابْنِ مسْعُودٍ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: إِنَّهَا سَتكُونُ بَعْدِى أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرونَها، قَالُوا: يَا رسُولَ اللَّهِ فَما تَأمرُنا؟ قالَ: تُؤَدُّونَ الْحقَّ الَّذي عَلَيْكُمْ وتَسْألونَ اللَّه الَّذِي لكُمْ متفقٌ عَلَيهِ.

والأَثَرَةُ: الانفرادُ بالشيْءِ عمَّنْ لَهُ فيهِ حقٌّ.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها في الحث على الصبر، وأن الصبر هو واجب المؤمن عند نزول الكوارث والمصائب، وأن الله جل وعلا يرفع به درجات ويحط عنه به خطيئات، كما تقدم أن العبد ما أصابه مما يؤذيه من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه، فالمؤمن لا بد من الصبر والاحتساب، ولهذا يقول ﷺ: لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة يعني تكفر سيئاته.

فالله سبحانه يبتلي عباده بالسراء والضراء، بالسراء بالنعم والصحة والمال ونحو ذلك، ويبتلي بالضراء أيضا بالأمراض، بالفقر، بإماتة القريب إلى غير هذا، فواجب المؤمن عند السراء الشكر متى جاءت النعم وجب عليه الشكر، ومتى جاءت المصيبة وجب الصبر، هذا هو واجب المؤمن الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء، لا يزال البلاء بالمؤمن البلاء يعني الأمراض وغيرها، لا يزال بالمؤمن والمؤمنة من مرض من فقر أو غير هذا في نفسه، في ولده، في ماله، في غيره من أقاربه حتى يلقى الله جل وعلا وما عليه خطيئة، قد كفرت خطاياه بسبب المصائب.

والحديث الثاني: أن عيينة بن حصن بن بدر الفزاري أحد شيوخ القبائل، أحد رؤساء القبائل، وهو شيخ من شيوخ فزارة قدم على عمر مع الوفود؛ لأن الوفود كانوا يقدمون على عمر مثل ما كان يقدمون على النبي ﷺ وعلى الصديق، وفود العرب يطلبون الرفد، فقدم عيينة بن حصن الفزاري على عمر في خلافته ، وقال لابن أخيه الحر بن قيس: استئذن لي عند الأمير عند عمر، فاستأذن له الحر، فلما دخل على عمر قال: هيه يا ابن الخطاب، إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، كلمة قبيحة، كلمة منكرة، عمر من أعدل الناس، أعدل الأمراء والرؤساء عمر بن الخطاب بعد رسول الله ﷺ وبعد الصديق، يضرب به المثل عمر في عدله وعنايته بالأمة وحرصه على أسباب صلاحها في دينها ودنياها، كان يوزع العطاء على الرجال والنساء، والبعيد والقريب، ويواسي الفقير ويتحرى جميع حاجات الرعية ، ويضرب بعدله المثل، فهو خير الناس وأفضل الناس في سيرته وأعماله بعد رسول الله ﷺ وبعد الخليفة الأول الصديق ، لكن هذا عيينة أقدم على هذه العبارة التي لا تليق ولا ينبغي أن يقولها، لكن على عادة الأعراب والرؤساء قد يقدمون على كلمات ما يثمنون لها، ولا يقدرون ما يترتب عليها، فغضب عمر عند هذه الكلمة وهم أن يوقع به، أن يؤدبه على هذه الكلمة القبيحة، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين إن الله يقول: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] وهذا من الجاهلين، فما تجاوزها عمر لما تلاها الحر، لم يقل له شيئا، عفا وصفح عنه لأن الله قال لنبيه وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] وهذا من الجاهلين، قد يفعل بعض الأعراب مع النبي ﷺ مثل هذا، مرة جاء أعرابي إلى النبي ﷺ وجر رداءه حتى أثر في رقبته قال: أعطني من مال الله، فإنك لن تعطيني من مالك ولا من مال أبيك، يقوله للنبي ﷺ، أعرابي بدوي، فالتفت إليه النبي ﷺ وضحك وأمر له بعطاء، ولم يعاقبه عليه الصلاة والسلام بل صفح عنه، فالواجب على الأمراء والأعيان والكبار أن يتحملوا، وأن يصبروا على أذى الرعية مثل جهالهم كما وقع لهذا الشخص، فلا بد من التحمل والصبر على جهالات الرعية، جهالات البادية فيما يتكلمون به، فإنه يغلب على البادية الجفاء وسوء الكلام، فلا بد من التحمل والصبر من ولاة الأمور، من الأمراء والعلماء، هذا واجبهم الصبر والاحتساب عند سوء الكلام، وعند سوء المخاطبة، وعند سوء السؤال، حيث صار للصبر محل حيث ناسب الصبر.

كذلك قوله ﷺ لأمته: إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها يقول للصحابة يخبرهم ستجدون أثرة من بعض الأمراء والرؤساء، وأمور تنكرونها من تصريف الأمور على غير وجهها، تقسيم العطاء على غير وجهه، أو وجود بعض البدع، أو غير ذلك، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: تسألون الله الذي لكم، وتؤدون الذي عليكم يعني عليكم أن تؤدوا السمع والطاعة للأمراء وإذا بخلوا عليكم ولم يعطوكم، فاصبروا واسألوا الله من فضله جل وعلا، ولا تنازعوا الأمر أهله، إن أدوكم من بيت المال حقوقكم فالحمد لله، وإن لم يؤدوا فاصبروا وأدوا إليهم حقوقهم من السمع والطاعة في المعروف وعدم الخروج عليهم؛ لأن في ذلك فساد في الخروج عليهم، فساد واختلال الأمن والشرور الكثيرة، فالرعية عليها أن تؤدي السمع والطاعة، وعلى الراعي أن يؤدي الحق الذي عليه في الإحسان للرعية وإنصافهم وإقامة الحدود عليهم، وإحالتهم للمحاكم الشرعية، إلى غير ذلك حتى تؤدى حقوقهم على الوجه الشرعي، وعليه أن يقسم المال كما شرع الله، فإذا قصر فعلى الرعية الصبر والاحتساب، وأن يؤدوا ما عليهم، وأن يسألوا الله الذي لهم، وألا ينزعوا يدا من طاعة.

وفق الله الجميع.

28/52- وَعن أبي يحْيَى أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ أَلا تَسْتَعْمِلُني كَمَا اسْتْعْملتَ فُلانًا وفلانًا فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدي أَثَرَةً فاصْبِرُوا حَتَّى تلقَوْنِي علَى الْحوْضِ متفقٌ عَلَيهِ.

وأُسَيْدٌ بِضَمِّ الْهمْزةِ. وحُضَيْرٌ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ مضمُومَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ مفْتُوحةٍ، واللَّهُ أَعْلَمُ.

29/53- وَعنْ أبي إِبْراهيمَ عبداللَّه بْنِ أبي أَوْفي رضي اللَّهُ عنهمَا أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ في بعْضِ أَيَّامِهِ التي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، انْتَظرَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهمْ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لا تَتَمنَّوا لِقَاءَ الْعدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّه العَافِيَةَ، فَإِذَا لقيتُموهم فاصْبرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّة تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنا عَلَيْهِمْ. متفقٌ عليه، وباللَّه التَّوْفيقُ.

4- باب الصدق

قَالَ الله تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، وَقالَ تَعَالَى: وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات} [الأحزاب:35]، وَقالَ تَعَالَى: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21].

وأما الأحاديث:

1/54- فَالأَوَّلُ: عَن ابْنِ مَسْعُودٍ عن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الصَّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ ليصْدُقُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفجُورِ، وَإِنَّ الفجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا متفقٌ عَلَيهِ.

الشيخ: الحديثان الأولان في الدلالة على وجوب الصبر كما تقدم، وأن الصبر واجب عند المصائب، وعند عدم حصول المطلوب، وعند الإيثار عليك، وعند تصعب أسباب الرزق إلى غير ذلك، ولهذا قال رجل: يا رسول الله ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال ﷺ: إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض والسبب في ذلك أن الكثير من الناس يولي، لا على ميزان معتدل بل يولي لأسباب كثيرة؛ لقرابة، أو صداقة، أو أسباب أخرى، فيحصل لأهل الكفاءة هضم وعدم إنصاف، فلا بد من الصبر، ولهذا قال: إنكم ستلقون بعدي أثرة يعني يؤثر عليكم غيركم لأسباب كثيرة، فهكذا ما يحصل للعبد من أمور أخرى تشق عليه يصبر من مرض، أو فقر، أو إيثار غير الكفء عليه، أو غير هذا مما يؤلمه ويضره، فليصبر وليحتسب، ولهذا يقول جل وعلا: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، ويقول النبي ﷺ: ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر، ويقول عمر : (وجدنا خير عيشنا بالصبر)، وجاء عن علي أنه كان يقول: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ثم يرفع صوته فيقول: ألا لا إيمان لمن لا صبر له)، يعني ليس فيه إيمان كامل.

وفي الحديث الثاني يقول ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا رأيتموهم فاصبروا فالمؤمن لا يتمنى لقاء العدو ثقة بنفسه أو رياء أو غير ذلك؛ لأنه قد يجبن، قد يضعف، قد يصيبه أمر آخر يمنعه من الإقدام، ولكن يسأل ربه العافية، أما إذا تمنى لقاء العدو لطلب الشهادة والحرص على الجهاد في سبيل الله فهو غير داخل في هذا، فالمقصود: النهي عن تمني لقاء العدو لأسباب أخرى، إما لطلب المال، أو للثقة بنفسه، أو لغير هذا من الأسباب التي ليست شرعية، أما لطلب الجهاد في سبيل الله فالمؤمن يتمنى أن يلقى عدوه ليجاهده في سبيل الله، وأن ينصر دين الله، وأن تحصل له الشهادة لا ضير عليه في ذلك.

لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا هذا واجب عند لقاء العدو، الواجب الصبر والتكاتف والتعاون وعدم التخاذل، وكان إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال إلى ما بعد الزوال عليه الصلاة والسلام، ثم يقول: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم يعني يدعو على خصومه الكفرة عند اللقاء اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم فالأحزاب تجمعوا في غزوة الأحزاب من قبائل كثيرة في عشرة آلاف مقاتل، وحاصروا المدينة، فهزمهم الله بالريح، وفرقت جمعهم، وطرحت خيامهم، وكفأت قدورهم، ورجعوا خائبين، فالإنسان لا يتمنى لقاء العدو فخرا وخيلاء، أو ثقة بنفسه، ولكن يتمنى لنصر دين الله وإقامة الحق وردع الباطل، فإذا لقي العدو والتقى الزحفان فالواجب الصبر، الواجب الصبر والاحتساب والثقة بالله وسؤاله النصر.

والآيات بعد هذا في الصدق، فالصدق من أهم الواجبات، فالواجب على المسلم أن يصدق في أقواله وأعماله، ويحذر الكذب في قوله وعمله، ولهذا يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، ويقول سبحانه: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21] يعني لو عاملوه بالصدق لكان خيرا لهم، ويقول جل وعلا: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ إلى أن قال سبحانه: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]، ويقول النبي ﷺ: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا فالواجب على المؤمن تحري الصدق في أقواله وأعماله، والحذر من الكذب حتى يكون الصدق سجية له وطريقة له في قوله وعمله، هكذا المؤمن الصدق سجيته في قوله وعمله.

وفق الله الجميع

2/55- الثَّاني: عَنْ أبي مُحَمَّدٍ الْحَسنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ، رَضيَ اللَّهُ عَنْهما، قَالَ حفِظْتُ مِنْ رسولِ اللَّه ﷺ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَريبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمأنينَةٌ، وَالْكَذِبَ رِيبةٌ رواه التِرْمذي، وَقالَ: حديثٌ صحيحٌ.

قَوْلُهُ: يرِيبُكَ هُوَ بفتحِ الياء وضَمِّها، وَمَعْناهُ: اتْرُكْ مَا تَشُكُّ في حِلِّه، واعْدِلْ إِلى مَا لا تَشُكُّ فِيهِ.

3/56- الثَّالثُ: عنْ أبي سُفْيانَ صَخْرِ بْنِ حَربٍ، . في حديثِه الطَّويلِ في قِصَّةِ هِرقْلُ، قَالَ هِرقْلُ: فَماذَا يَأْمُرُكُمْ -يعْني النَّبِيَّ ﷺ- قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: يقولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لا تُشرِكُوا بِهِ شَيْئًا، واتْرُكُوا مَا يَقُولُ آباؤُكُمْ، ويَأْمُرنَا بالصَّلاةِ والصِّدقِ، والْعفَافِ، والصِّلَةِ. متفقٌ عليه.

4/57- الرَّابِعُ: عَنْ أبي ثَابِتٍ، وقِيلَ: أبي سعيدٍ، وقِيلَ: أبي الْولِيدِ، سَهْلِ بْنِ حُنيْفٍ، وَهُوَ بدرِيٌّ، ، أَن النبيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ سَأَلَ اللَّهَ تعالَى الشِّهَادَة بِصِدْقٍ بَلَّغهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهدَاء، وإِنْ مَاتَ عَلَى فِراشِهِ رواه مسلم.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالصدق، وتقدم أن الصدق أمر لازم وواجب في الأقوال والأعمال، قال الله جل وعلا في آخر سورة المائدة هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة:119]، وقال جل وعلا: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21]، وقال: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، وقال في صفات المؤمنين وفي أخلاقهم إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ إلى أن قال في آخرها: والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35] فالصدق من أهم خصال الدين في العمل والقول، في القول يتحرى الصدق ويحذر الكذب، وفي الأعمال يتحرى الصدق أيضًا فيؤديها بصدق بتمام وكمال لا ... وتقليدا بل يؤديها بصدق وبذل الوسع في إتقانها وإكمالها.

يقول ابن القيم رحمه الله في النونية:

والصدق توحيد الإرادة وهو بذ ل الجهد لا كسلا ولا متوان

فالصدق بذل الجهد في أداء العبادة في الصلاة، في الزكاة، في الصوم، في الحج، في الجهاد، كونه يبذل وسعه في أداء العبادة على الوجه الذي يرضي الله مع الإخلاص لله فيها، والصدق والإخلاص ركنان في العبادة فلا تصح العبادة ولا تقبل إلا بالركنين بالإخلاص والصدق فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110] فالعمل الصالح كونه يؤديه على الوجه الشرعي، والإخلاص كونه لا يشرك بالله شيئا.

يقول ابن القيم رحمه الله في النونية:

والصدق والإخلاص ركنا ذلك التـ وحيد كالركنين للبنيان

لا بد من صدق وإخلاص في أعمالك، في صلاتك، في صومك، في حجك، في جهادك، في غير ذلك يخلص لله ويصدق في أداء العبادة على الوجه الذي شرعه الله بقلبه وقالبه، ومن هذا حديث الحسن بن علي بن أبي طالب سبط الرسول ﷺ، أمه فاطمة وأبوه علي، كان سنه حين توفي النبي ﷺ سن التمييز في السابعة في أول الثامنة؛ لأنه ولد في رمضان سنة ثلاث، وتوفي النبي ﷺ في ربيع الأول من الحادي عشر فهو ابن سبع سنين وكسر، وأخوه بعده بسنة، الحسين يقول إنه سمع النبي ﷺ يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك هذا من الأحاديث التي حفظها مع صغر سنه، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة يقال يَريبك، ويقال يُريبك بالضم والفتح، يعني دع ما تشك فيه من الأعمال والأقوال إلى الشيء الذي تتقنه وتحفظه وليس فيه شك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة فالصدق في الأعمال يحصل به الطمأنينة وراحة القلوب، والكذب في الأعمال فيه الريبة والشك، وهكذا المشكوك فيه يكون محل ريبة، ولكن عليك بما فيه الطمأنينة والصدق الذي لا ريبة فيه. فإذا اشتبه عليك عمل أو قول أو طعام أو غير ذلك هل هو حلال أو حرام؟ هل هو مشروع أو غير مشروع؟ تدع الشك، التمس الأدلة ودع هذا المشكوك فيه حتى تتبين وتعرف أنه طيب، أنه ممنوع، تكون على بصيرة.

ولما أرسل الرسول ﷺ رسالة إلى هرقل يدعوه إلى توحيد الله، إلى الدخول في الإسلام، في الروم ملك الروم وكان صادفه الرسول في الشام، فدعا من في الشام من قريش من رهط النبي ﷺ، فصادف أن هناك جماعة معهم أبو سفيان من قريش للتجارة، فدعاهم هرقل وسألهم عن النبي ﷺ، ومما سأله عنه من أسئلة بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا بأن نعبد الله وحده، وأن ندع ما يقول آباؤنا من الشرك، يأمرنا أن نخلص لله العبادة وندع الشرك، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة للرحم، هكذا كان يأمرهم ﷺ، يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك بالله في أول الإسلام، ويأمرهم بالصلاة أول ما فرضت، والصدق والعفاف والصلة قبل فرض الزكاة والصوم إلى آخره، العفاف عن الفواحش، والبر والصلة -صلة الرحم-، قال في آخر الحديث: لما انتهت أسئلته قال: بهذا بعثت الرسل، ولو أمكنني أن أغسل عن قدميه لحضرت وغسلت عن قدميه، ولئن كان ما تقول حق ليملكن ما بين موضع قدمي هاتين، يعني الشام، فعرف صدقه بالصفات التي أخبره بها أبو سفيان، وبين لهم أنه سيملك الشام، فوقع كما قال لهم هرقل، بلغ ملكه الشام وما وراء الشام، والحمد لله.

كذلك حديث: من سأل الله الشهادة صادقا بلغه منازل الشهداء كذلك من سأل الله الشهادة صادقا بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه؛ لأن النية الصادقة تقوم مقام العمل، إذا عزم الإنسان على الخير ونواه ولكن ما أدركه بالعمل يكتب له عمل من فعل ذلك الشيء، كالمتصدق وغير المتصدق الذي يتصدق بما عنده، ويقول الآخر: لو كان عندي مثل ماله وهو صادق لفعلت مثل ما فعل، يكونان في الأجر سواء، كذلك إذا مرض أو سافر وترك العمل الذي يعمله من أجل العذر، من أجل عذر المرض، أو السفر كتب الله له عمله الذي كان يعمله وهو صحيح مقيم.

فالحاصل أن النية والصدق يبلغان الإنسان منازل العاملين وإن لم يعمل لعذره الشرعي، ويقول النبي ﷺ يوم تبوك يوم غزوة الروم: إن في المدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم، وفي اللفظ الآخر: إلا شركوكم في الأجر حبسهم العذر، ويقول ﷺ: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم هذا من فضله جل وعلا.

5/58- الخامِسُ: عَنْ أبي هُريْرة قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ صلواتُ اللَّه وسلامُهُ علَيهِمْ فَقَالَ لقوْمِهِ: لا يتْبعْني رَجُلٌ ملَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَن يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِها، وَلا أَحدٌ بنَى بيُوتًا لَمْ يرفَع سُقوفَهَا، وَلا أَحَدٌ اشْتَرى غَنَمًا أَوْ خَلَفَاتٍ وهُو يَنْتَظرُ أوْلادَهَا. فَغزَا فَدنَا مِنَ الْقَرْيةِ صلاةَ الْعصْرِ أَوْ قَريبًا مِنْ ذلكَ، فَقَال للشَّمس: إِنَّكِ مَأمُورةٌ وأَنا مأمُورٌ، اللهمَّ احْبسْهَا علَينا، فَحُبستْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عليْهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِم، فَجاءَتْ يَعْنِي النَّارَ لتَأكُلهَا فَلَمْ تطْعمْهَا، فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فليبايعنِي منْ كُلِّ قبِيلَةٍ رجُلٌ، فلِزقتْ يدُ رَجُلٍ بِيدِهِ، فَقَالَ: فِيكُم الْغُلولُ، فليبايعنِي قبيلَتُك، فلزقَتْ يدُ رجُليْنِ أو ثلاثَةٍ بِيَدِهِ، فقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَجاءوا برَأْسٍ مِثْلِ رَأْس بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهبِ، فوضَعها فَجَاءَت النَّارُ فَأَكَلَتها، فلمْ تَحل الْغَنَائِمُ لأحدٍ قَبلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنا الغَنَائِمَ لمَّا رأَى ضَعفَنَا وعجزنَا فأحلَّها لنَا متفقٌ عَلَيهِ.

الخلفاتُ بفتحِ الخاءِ المعجمة وكسرِ اللامِ: جمْعُ خَلِفَةٍ، وهِي النَّاقَةُ الحاملُ.

6/59- السادِسُ: عن أبي خالدٍ حكيمِ بنِ حزَامٍ ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: الْبيِّعَان بالخِيارِ مَا لَمْ يَتفرَّقا، فإِن صدقَا وبيَّنا بوُرِك لهُما في بَيعْهِما، وإِن كَتَما وكذَبَا مُحِقَتْ بركةُ بيْعِهِما متفقٌ عليه.

الشيخ: هذان الحديثان العظيمان كلاهما يتعلق بالصدق، وتقدمت الآيات الكريمات وجملة من الأحاديث في الصدق، فالصدق أمره عظيم وواجب في القول والعمل فيما يتعلق بحق الله، وفيما يتعلق بحق المخلوقين، لأن الله يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، ويقول سبحانه في آخر قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة:119]، ويقول جل وعلا: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21]، ويقول جل وعلا: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ إلى أن قال سبحانه الصفة العاشرة: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35] والصدق يكون في القول والعمل، إذا قال: لا إله إلا الله، أو سبحان الله، أو الحمد لله، أو دعا إلى الله، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر يكون صادقا متحريا للحق، ويكون في العمل إذا صلى صلى صلاة الصادقين، خشع فيها وأدى حقها وخضع فيها لله، وإذا زكى زكى زكاة الصادقين وأدى حق المال تاما كاملا، وإذا صام صام صوم الصادقين وحفظ صيامه وصانه، وإذا حج كذلك، وهكذا في جهاده وغيره، لا بد من الصدق حتى يؤدي العبادة كما شرع الله وكما أوجب الله، وهكذا مع الناس في معاملتهم لا بد من الصدق، ولهذا في حديث حكيم بن حزام عن النبي ﷺم أنه قال في البيعان: البيعان بالخيار مالم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما في المعاملات إذا صدق وبين العيوب ولم يغش بورك له في بيعه وفيما يصل إليه، وإذا غش وكذب صار من أسباب نزع البركة مع غضب الله عز وجل.

وفي الحديث الثاني أن نبيا من الأنبياء ممن قبلنا قبل نبينا عليه الصلاة والسلام غزا جماعة من المشركين فقال لقومه: لا يتبعني رجل عقد على امرأة ولم يدخل بها، لأن قلبه متعلق بها فلا يتبعه، قد لا يصدق، قد يحرص على الرجوع والإياب لأن قلبه معلق بالمرأة التي ملك عليها ولم يدخل بها، ولا يتبعني رجل بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها ما بعد كملها ...، ولا يتبعني رجل عنده خلفات أو غنم ينتظر ولادها حمل لأن هؤلاء ما يكون عندهم صدق، هذا قلبه معلق بالمرأة، وهذا قلبه معلق البيوت ما كملها، وهذا قلبه معلق بخلفاته وغنمه ينتظر ولادها، فأراد هذا النبي ألا يتبعه هؤلاء لأن قلوبهم معلقة بأشياء أخرى، فقد لا يصدقون في الجهاد والقتال يخافون من الموت، فغزا وحاصر البلد التي غزاها، وكان ذلك في آخر النهار فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، يريد فتح البلد قبل أن تغيب الشمس، فحبسها الله ووقفت الشمس فلم تغب حتى فتح الله عليه، أمر الله جل وعلا كن فيكون  إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] حبسها عن السير حتى فتح الله عليه، كما أنها في آخر الزمان تطلع من مغربها بدل ما تطلع من المشرق بأمر الله، تطلع من المغرب علامة على أن الساعة قد قربت، فهو سبحانه يتصرف في الكون كيف يشاء، فلما فتح الله عليه جمع الغنائم فلم تأت النار تحرقها لأن من قبلنا كانت غنائمهم إذا قبل جهادهم غنائمهم تأكلها النار، تأتي النار تأكلها نار يبعثها الله تأكلها، علامة أنهم مقبولون، وأن جهادهم صحيح، فجمع الغنائم فلم تأت النار، فقال: فيكم غلول! بسبب عدم مجيء النار، فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل من بعض القبائل في يده، فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، وهذا بأمر الله، أمره الله بهذا، فبايعه من قبيلة هذا الرجل جماعة فلزقت أيديهم بيده، فقال: فيكم الغلول، هاتوا الغلول الذي عندكم، فجاؤوا بمثل الرأس من الذهب قد غلوه، فألقاه في الغنيمة فجاءت النار فأكلتها، فالله أباح الغنائم لنا لأمة محمد ﷺ ولم يبحها للماضين، بل كانت تأكلها النار، ولهذا قال ﷺ: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة -يعني الشفاعة العظمى في أهل الموقف وفي أهل الجنة- وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة الأنبياء الماضون كل واحد يبعث إلى قومه لكن نبينا ﷺ بعث للناس عامة للجن والإنس جميعا قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وقال ﷺ: بعثت إلى الناس كافة فجميع الرسل كلهم يبعثون إلى قومهم، من نوح ومن بعده إلى قومهم إلا محمدا ﷺ فإن الله بعثه إلى الناس عامة، إلى الجن والإنس رسولا عاما، من اتبعه وصدقه وانقاد لشرعه دخل الجنة، ومن حاد عن سبيله فله النار، نسأل الله العافية.

فهذا فيه الحث على الصدق، وأن الصدق من أسباب قبول الأعمال من أسباب النجاة، وأن الكذب من أسباب الهلاك إلا في ثلاث رخص فيها النبي ﷺ يباح فيها الكذب، روته أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرا المصلح بين الناس ليس بكذاب، الذي يصلح بين قبيلتين أو بين قريتين أو بين جماعتين يصلح بينهم ولو كذب، يقول لهؤلاء: إخوانكم يحبونكم، ويقولون أنهم يحبون الصلح، ويجي للآخرين: يقولون إخوانكم يحبونكم ويحبون الصلح وودهم بالصلح، ولو ما قالوا له، حتى يجمع بينهم ويصلح بينهم حتى تزول الشحناء، له أجر ولو كذب، هذا الكذب الذي ينفعهم ولا يضر أحدا، ولهذا قالت أم كلثوم: لم أسمعه يرخص إلا في ثلاث -لم يرخص في الكذب إلا في ثلاث-: الإصلاح بين الناس، وفي الحرب، وفي حديث الرجل امرأته والمرأة زوجها فيما بينهما هذا محل الرخصة، فالإصلاح بين الناس ولو كذب في الإصلاح بينهم، بين قبيلتين، بين جماعتين، يبن أهل بلدين، يقول لهم: إنه يجيء هؤلاء ويقول إخوانكم يحبون الصلح، تراهم يحبونكم، تراهم يثنون عليكم، وهم ما قالوا له، لكن يحب الصلح بينهم، ثم يجيء الآخرين يقول كذلك حتى يجمع بينهم، حتى يصلح بينهم.

الثاني: الحرب الحرب خدعة فإذا كذب في الحرب لأجل مصلحة المسلمين، مصلحة الجهاد فلا بأس، لكن بدون إخلاف بالوعد ولا غدر، كذب ليس فيه غدر، ومن ذلك أنه ﷺ كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها حتى يهجم على العدو هم غارون، إذا كان قد دعوا وأنذروا ولم يقبلوا، فإذا أراد مثلا الشمال ورى بأنه يريد الجنوب، ويسأل عن طرق الجنوب، عن طرق كذا، إذا أراد الشام صار يسأل عن طريق العراق، أو أراد العراق يسأل عن طريق الشام، حتى يبعد الناس عن معرفة وجهته التي يريد، حتى لا يبلغ العدو فيستعدون، حتى يهجم عليهم من غير استعداد إذا كانوا قد بلغوا وأنذروا، مثل يحاصر بلد متحصنين من الكفار في حصونهم، فيقول للجيش الذي معه: نبي نقفل، نرجع للبلد، وهو ما قصد القفول، لكن قصد لعلهم يخرجون، لعل الكفار يخرجون من حصونهم إذا رأوهم قفلوا، فيقول للجماعة: نبي نقفل، ولكن إذا خرجوا نرجع عليهم، فيظهر للناس أنه قافل، فإذا قفلوا وارتحلوا خرج أهل الحصون فكر عليهم وقاتلهم بعد خروجهم حتى يتمكن من قتالهم بعد الإنذار والدعوة والإصرار.

والثالث: حديث الرجل امرأته، والزوجة زوجها، يقول لها: أنا سأشتري لك كذا، وبأعطيك حتى يهدئها، حتى يزول غضبها، أبشري بالخير وأنا سوف أشتري، وسوف أعطيك، وسوف أفعل حتى يزول الغضب، وحتى تجتمع الحال، أو تقول له: أبشر انا ما أعصيك أبدا، ولا أروح لفلان، ولا أفعل كذا ولا أفعل كذا حتى ترضيه وإن كذبت في بعض الشيء، حتى تجتمع الحال بينهما، وحتى يزول الإشكال والنزاع بينهما ولو بالكذب، لا يضر أحدا الكذب فيما بينهما لا يضر أحدا، هذا من الخصال الثلاث التي يباح فيها الكذب.

وفق الله الجميع.

5- بَابُ المراقبة

قَالَ الله تَعَالَى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ۝ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219]، وَقالَ تَعَالَى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، وَقالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5]، وَقالَ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]، وَقالَ تَعَالَى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، وَالآيات في البابِ كثيرة معلومة.

1/60-وأَمَّا الأحاديثُ، فالأَوَّلُ: عَنْ عُمرَ بنِ الخطابِ، ، قَالَ: "بَيْنما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْد رسولِ اللَّه ﷺ، ذَات يَوْمٍ إِذْ طَلع عَلَيْنَا رجُلٌ شَديدُ بياضِ الثِّيابِ، شديدُ سوادِ الشَّعْر، لا يُرَى عليْهِ أَثَر السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ منَّا أَحدٌ، حتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رَكْبَتَيْهِ إِلَى رُكبَتيْهِ، وَوَضع كفَّيْه عَلَى فخِذيهِ وَقالَ: يَا محمَّدُ أَخبِرْنِي عَنِ الإسلامِ؟ فقالَ رسولُ اللَّه ﷺ: الإِسلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكاةَ، وتصُومَ رَمضَانَ، وتحُجَّ الْبيْتَ إِنِ استَطَعتَ إِلَيْهِ سَبيلًا. قَالَ: صدَقتَ. فَعجِبْنا لَهُ يسْأَلُهُ ويصدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِن بِاللَّهِ، وملائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والْيومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ. قَالَ: صدقْتَ. قَالَ: فأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسانِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأَنَّكَ تَراهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإِنَّهُ يَراكَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعةِ؟ قَالَ: مَا المسْؤُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِن السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبرْنِي عَنْ أَمَاراتِهَا؟ قَالَ أَنْ تلدَ الأَمَةُ ربَّتَها، وَأَنْ تَرى الحُفَاةَ الْعُراةَ الْعالَةَ رِعاءَ الشَّاءِ يتَطاولُون في الْبُنيانِ، ثُمَّ انْطلَقَ، فلبثْتُ ملِيًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمرُ، أَتَدرِي منِ السَّائِلُ؟ قلتُ: اللَّهُ ورسُولُهُ أَعْلمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعلِّمُكم دِينِكُمْ رواه مسلمٌ.

ومعْنَى: تلِدُ الأَمةُ ربَّتَهَا أَيْ: سيِّدتَهَا، ومعناهُ أَنْ تكْثُرَ السَّرارِي حتَّى تَلد الأمةُ السرِّيةُ بِنتًا لِسيدهَا، وبْنتُ السَّيِّدِ في معنَى السَّيِّدِ، وقِيل غيرُ ذَلِكَ، وَ الْعالَةُ: الْفُقراءُ، وقولُهُ مَلِيًّا أَيْ زَمَنًا طَويلًا، وكانَ ذلِكَ ثَلاثًا.

2/61- الثَّاني: عن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبدالرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبلٍ رضيَ اللَّه عنهما، عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ رواهُ التِّرْمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.

3/62- الثَّالثُ: عن ابنِ عبَّاسٍ، رضيَ اللَّه عنهمَا، قَالَ: "كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يوْمًا فَقال: يَا غُلامُ إِنِّي أُعلِّمكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَل اللَّه، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَو اجتَمعتْ عَلَى أَنْ ينْفعُوكَ بِشيْءٍ، لَمْ يَنْفعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بَشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه عليْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ، وجَفَّتِ الصُّحُفُ. رواهُ التِّرمذيُّ وقَالَ: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ.

وفي رواية غيرِ التِّرْمِذيِّ: احفظَ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يعرِفْكَ في الشِّدةِ، واعْلَمْ أَنّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَك، وَمَا أَصَابَكَ لمْ يَكُن لِيُخْطِئَكَ، واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْب، وأَنَّ مَعَ الْعُسرِ يُسْرًا.

الشيخ: هذه الآيات والأحاديث تتعلق بالمراقبة، والمعنى مراقبة الرب جل وعلا بأعمالك وأقوالك، فالواجب على المؤمن والمؤمنة مراقبة الله في الأقوال والأعمال حتى يخلص لله العمل، وحتى يؤديه على الوجه المشروع، وحتى يحذر ظلم الناس والتعدي عليهم وخيانتهم والكذب عليهم وغشهم وغير ذلك، فالمراقبة لله تعين العبد على كل خير، وتمنعه من كل شر، كونه يراقب الله يعني يتقيه ويحذره في أعماله وأقواله، كما قال سبحانه: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ۝ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ۝ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:217-219] هو يراك حين تقوم من مجلس إلى مجلس، حين تقوم من نومك، حين تقوم إلى أي عمل، وهكذا يراك حين تتقلب بين الساجدين في المصلين، ويقول سبحانه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] فالله معك أينما كنت، يقول الله لنبيه: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، النبي يخاطب أبا بكر لا تحزن إن الله معنا، أمره الله أن يقول هذا الكلام، ويقول -جل وعلا: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

فهو سبحانه لا تخفى عليه خافية كما قال : إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5] فهو مع العبيد أينما كانوا بعلمه واطلاعه، وهو فوق العرش، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى، ولكن يعلم أحوالهم وتصرفاتهم وما تنطوي عليه القلوب، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وفي الحديث الصحيح: أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت، في حديث جبرائيل لما سأل الرسول ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، أخبره عن أركان الإسلام، وعن أركان الإيمان، ويقول له: صدقت لأن الله بعثه حتى يعلم الناس، بعث جبرائيل حتى يسأل النبي ﷺ، فيستفيد الناس، والشاهد هنا قوله: ما هو الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه هذه المراقبة تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك يعني استحضر هذا الأمر واعمل كأنك تراقب ربك، كأنك ترى ربك، فإن لم تستحضر هذا فاعلم أنك مراقب، وأن الله يراك ويطلع عليك كما قال تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61].

فالله معك أينما كنت، فحاسب نفسك واعمل كأنك تشاهد ربك، فإن لم ترتق إلى هذا فاعلم أن ربك يشاهدك ويراك، فاحذر أسباب غضبه، فإن الإنسان قد يخلو بالمعاصي، لكن متى استحضر أن الله يراقبه ويشاهده قد ينزجر ويمتنع، وقال ﷺ لمعاذ وأبي ذر: اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن الشاهد قوله: اتق الله حيثما كنت يعني راقب الله في جميع الأحوال واتقه سبحانه في جميع أحوالك، في البر والبحر، والشدة والرخاء، في الخلوة في النجوى، في جميع الأحوال راقب الله واعمل على أنك تراقبه ، واتبع السيئة الحسنة تمحها الحسنات يمحو الله بها السيئات، وخالق الناس بخلق حسن فيه الحث على طيب الخلق والحذر من سوء الخلق.

وهكذا قوله لابن عباس رضي الله عنهما: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك وفي اللفظ الآخر: تجده أمامك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله هكذا يجب على المؤمن أن يستعين بربه، وأن يخلص له الدعاء، أن يستحضر أن الله أمامه في كل عمل، فمن حفظ الله حفظه الله، من حفظ الله بطاعة أوامره وترك نواهيه حفظه الله، وفي اللفظ الآخر: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع اليسر عسرا المقصود أن المؤمن يراقب ربه ويتقيه أينما كان، ويعلم أن الله يطلع عليه ولا تخفى عليه خافية، فليحذر أن يخلو بمعاصيه وما حرمه الله عليه، فإنه بمرأى ومسمع، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.