06 من حديث (من قال -يعني إذا خرج من بيته -: بسم الله توكلت على الله ولا حول وَلا قوة إلا بِاللهِ..)

10/83-الْعَاشِرُ: عنْ أنسٍ قَالَ: قالَ: رسولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ قَالَ -يعنِي إِذَا خَرَج مِنْ بيْتِهِ-: بِسْم اللَّهِ توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلا حوْلَ وَلا قُوةَ إلاَّ بِاللَّهِ، يقالُ لهُ هُديتَ وَكُفِيت ووُقِيتَ، وتنحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، والنِّسائِيُّ، وغيرُهمِ: وَقالَ الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ، زاد أبو داود: فيقول: -يعْنِي الشَّيْطَانَ- لِشَيْطانٍ آخر: كيْفَ لَكَ بِرجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفي وَوُقِى؟.

11/84- وَعنْ أنَسٍ قَالَ: كَان أخوانِ عَلَى عهْدِ النبيِّ ﷺ، وكَانَ أَحدُهُما يأْتِي النبيِّ ﷺ، والآخَرُ يحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أخَاهُ للنبيِّ ﷺ فَقَالَ: لَعلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ رواه التِّرْمذيُّ بإسناد صحيحٍ عَلَى شرطِ مسلمٍ.

يحْترِفُ: يكْتَسِب ويَتَسبَّبُ.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فهذان الحديثان كالأحاديث السابقة فيما يتعلق بالثقة بالله، والتوكل عليه، والقيام بالأسباب، هذا شـأن المؤمنين، هذا شأن أهل الإيمان توكل على الله، وثقه به، واعتماد عليه مع الأخذ بالأسباب، هذا هو حال المؤمنين، وهذا هو التوكل الشرعي، التوكل الشرعي هو الذي يجمع بين أمرين: بين الثقة بالله، والاعتماد عليه، والإيمان بأنه مسبب الأسباب، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه قد سبق علمه وقدره بكل شيء. والأمر الثاني: الأخذ بالأسباب، وتعاطي الأسباب الحسية والشرعية، فلا يتم التوكل إلا بهذا، ما يصير التوكل إلا بالأمرين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، والإيمان بانه مسبب الأمور ومقدرها، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

والأمر الثاني: الأخذ بالأسباب، فلم يجلس ولم يعمل، وقال: إنه متوكل، فهذا عاجز ليس بمتوكل، ولكن المتوكل هو الذي يعمل ويعتمد على الله ويستعين به كما قال ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وقال جل وعلا: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15]، وقال -جل وعلا: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، وقال: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا.

الطير وهي حيوان ليس بعاقل تأخذ بالأسباب تغدو خماصا، تطير تدور الرزق ثم ترجع، فهكذا يجب على ابن آدم أن يأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، الأسباب الدنيوية من نجارة، حدادة، خرازة، تجارة، أسباب تنفعه، والأسباب الدينية من أداء ما أوجب الله وترك ما حرم الله، ما يقول: أنا أتوكل على الله إن كنت سعيدا فأنا سعيد، وإن كنت شقيا فأنا شقي وبس، وإن كنت غنيا فأنا غني وإن كنت فقيرا فأنا فقير لا، لا بد يتوكل على الله ويؤمن بأنه مقدر الأمور ومسبب الأسباب، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويعتمد عليه ويأخذ بالأسباب، يصلي ويصوم ويتصدق، ويعمل الخير ويتجنب الشر، ويأخذ بالأسباب، هذا المتوكل.

أما التساهل وعدم المبالاة فهذا شأن العجزة، شأن العاجزين، ومن هذا قوله ﷺ: إذا خرج العبد من بيته قال: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، تنحى عنه الشيطان بسبب اعتماده على الله، وأخذه بالأسباب، وفي اللفظ الآخر: يقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟! بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله كما تقدم في حديث أم سلمة، يقول مع هذا: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي إذا خرج من بيته للصلاة أو غيرها بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي كلما خرج من بيته للسوق، أو للصلاة، أو لأي عمل.

وفي الحديث الآخر أن رجلين كانا في عهد النبي ﷺ أحدهما يعمل يطلب الرزق، يحترف، يشتغل، والثاني يحضر مجالس النبي ﷺ يطلب العلم، فاشتكاه أخاه قال: يا رسول الله هذا يأتي إلى عندك يحضر حلقات العلم، وأنا أعمل، فقال: لعلك ترزق به يعني سامحه، لعل ذهابك في أعمالك ومجيئه إلينا من أسباب توفيق الله لك، وأن ترزق بسبب أنك تقوم بحاجة أخيك، هو يطلب العلم ويتفقه في الدين، وأنت تطلب الرزق، فتتعاونا، هو يعينك على دينك، وأنت تعينه على دنياه، لعلك ترزق به.

فإذا كان أخوان، أو أب وابنه، أو أخ وابن أخيه يتعاونان، هذا يطلب العلم وهذا يتسبب في نجارة، أو خرازة، أو بناء، أو زراعة فلا بأس، لعل هذا يرزق بهذا إن تعاونا جميعا في طلب العلم وفي طلب الرزق، كله طيب، لكن الدنيا تحتاج إلى بعض شيء، فلا بد أن يكون لهما نصيب يعينهما على طلب العلم، إما أن يكون أحدهما يعمل، وإما أن يعملا جميعا في وقت ويطلبا العلم في وقت آخر، لعلك ترزق به يعني لعلك بسماحك عنه وتعبك أنت تنفق عليه، وعلى أهلكما جميعا، لعلك ترزق بسماحك لأخيك وكونك تعينه على طلب العلم والتفقه في الدين.

وفق الله الجميع.

8- باب الاستِقامة

قَالَ الله تَعَالَى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112]، وَقالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ۝ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۝ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32]، وَقالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأحقاف:13-14].

1/85- وَعَنْ أبي عمرو، وقيل أبي عمْرة سُفْيانَ بنِ عبداللَّه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ قُلْ لِي في الإِسلامِ قَولًا لاَ أَسْأَلُ عنْه أَحدًا غيْركَ. قَالَ: قُلْ: آمَنْت باللَّهِ: ثُمَّ اسْتَقِمْ رواه مسلم.

2/86-وعنْ أبي هُريْرة : قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: قَارِبُوا وسدِّدُوا، واعْلَمُوا أَنَّه لَنْ ينْجُو أحدٌ منْكُمْ بعملهِ قَالوا: وَلا أنْت يَا رسُولَ اللَّه؟ قَالَ: وَلاَ أَنَا إلاَّ أنْ يتَغَمَّدني اللَّه برَحْمةٍ منْه وَفضْلٍ رواه مسلم.

وَ الْمُقارَبةُ: الْقَصْدُ الَّذي لا غلُوَّ فِيهِ وَلاَ تقْصيرَ. وَ السَّدادُ: الاسْتقَامةُ وَالإِصابةُ، وَ يتَغَمَّدني يُلْبسُني ويَسْتُرني.

قالَ الْعُلَمَاءُ: معنَى الاستقَامَةِ: لُزومُ طَاعِة اللَّهِ تَعالى، قالُوا: وَهِي مِنْ جوامِعِ الْكلِم، وهِيَ نِظَامُ الأمُورِ، وباللَّه التَّوفيق.

الشيخ: هذه الآيات والأحاديث فيما يتعلق بالاستقامة، والاستقامة أمرها عظيم، وهي الثبات على الحق والدوام عليه، وملازمته والحذر من تركه، هذه الاستقامة لزوم الحق؛ وهو أداء حق الله وترك معاصي الله، والثبات على ذلك، هذا هو الواجب، على كل مسلم أن يستقيم على الحق ويثبت عليه، ويدع ما خالف ذلك، وذلك بتوحيد الله والإخلاص له، وأداء فرائضه وترك محارمه، والوقوف عند حدوده عن إيمان بالله، وعن صدق وإخلاص ورغبة ورهبة، هذه هي الاستقامة قال تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112] يعني اثبت على الحق كما جاءتك الأوامر من الله -جل وعلا.

وفي اللفظ الآخر: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ [الشورى:15] كما في الآية الأخرى فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [الشورى:15]، ويقول جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] يعني قالوا: إلهنا الله ومعبودنا وخالقنا وارزقنا، ثم استقاموا على توحيده وطاعته وترك معصيته تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ [فصلت:30] يعني عند الموت تقول لهم: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ۝ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۝ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32] هذا جزاؤهم أنهم يفوزون بالجنة، وأنهم لا خوف عليهم ولا حزن عليهم، وأن الملائكة أولياؤهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويقول في الآية الأخرى آية الأحقاف إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأحقاف:13-14] بخلاف المتلاعبين والمتهورين والمنافقين فإنهم يقولون ولا يستقيمون، يقول الحق ويحيد عنه لاتباع هواه ورياء الناس، أو يقوله ويحيد عنه في إتيان المعاصي والمخالفات، فهذا ليس بمستقيم وهو على خطر.

ويقول النبي ﷺ لأبي عمرو سفيان بن عبدالله الثقفي لما سأله قال: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك؟ يعني قولا جامعا، قال: قل آمنت بالله، ثم استقم يعني وحد الله، آمن بالله واستقم على دينه، كلام جامع، يأتي بشهادة الحق ويستقيم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويستقيم على أداء حق هذه الشهادة، وعلى ترك ما تقتضي الشهادة تركه، والمعنى وحد الله وآمن بالله واستقم على ترك المعصية وفعل الطاعة.

وفي الحديث الثاني: يقول ﷺ: قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله، في اللفظ الآخر لن يدخل الجنة أحد منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل يعني الأعمال أسباب كما قال تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32] بأسباب أعمالهم، لكن لا يوجب الدخول إلا برحمة الله إن الله قبله وجعله سببا لدخول الجنة وإلا رد، فالفضل بيد الله، أعمالك أسباب ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32] يعني بأسباب أعمالكم، ولكن هذا العمل قد يعتريه ما يحبطه ويبطله، ولهذا قال: إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضله يعني فيقبل عملي ويغفر زلتي، فالعمدة على عفو الله ورحمة الله، لا على العمل، العمل سبب والمعول على رحمة الله وإحسانه وجوده وكرمه وعفوه سبحانه.

نسأل الله للجميع التوفيق.

9- باب في التفَكُّر في عظيم مخلوقات الله تَعَالَى وفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورهما وتقصير النفس وتهذيبها وحملها عَلَى الاستقامة

قَالَ اللَّه تَعَالَى: إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46].

وَقالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب ۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ الآيات [آل عمران:190-191]، وَقالَ تَعَالَى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ۝ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ۝ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ۝ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ۝ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:18-21]، وَقالَ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا الآية [محمد:10]، والآيات في الباب كثيرةٌ.

ومِنْ الأحَاديث الحديث السَّابق: الْكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَه.

الشيخ: هذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها فيها الحث على التفكر في هذه المخلوقات، ودلالتها على قدرة الخالق سبحانه، وأنه رب العالمين، وأنه الخلاق العليم، وأنه المستحق لأن يعبد ويعظم ويطاع، مع التفكر أيضا بالآخرة وما يكون فيها من أهوال، حتى يعد المؤمن العدة الصالحة لعله ينجو يوم القيامة، ولهذا في الحديث يقول ﷺ: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت الكيس الحازم الفطن الجيد من دان نفسه، يعني حاسبها وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والله سبحانه يحث عباده على التفكر والنظر، ويقول -جل وعلا: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46]، والله يقول جل وعلا: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ۝ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ۝ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ۝ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:18-21]، ويقول جل وعلا: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191]، فالمؤمن يتفكر وينظر لعله يستعد لآخرته، لعله يحذر أخطار هذه الدنيا وما فيها من المعاصي والسيئات والشهوات الفاتنة، وما فيها أيضا من تزيين الشيطان وغروره، لعله بذلك يستعد للآخرة ويتحرك قلبه حتى يعمل ما ينبغي ويدع ما لا ينبغي، هكذا المؤمن، ومتى حاسب نفسه وجاهدها ونظر في هذه العاجلة وما فيها من التغيرات وما خلق الله فيها من العبر، ثم تذكر الآخرة وأهوالها وما فيها من نعيم وعذاب، كل ذلك مما يسبب له الإعداد للآخرة والأهبة لدار السعادة لعله ينجو، والله المستعان.

10- باب في المبادرة إلى الخيرات وحثَّ من توجَّه لخير على الإِقبال عليه بالجدِّ من غير تردَّد

قَالَ الله تَعَالَى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، وَقالَ تَعَالَى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133].

وأما الأحاديث:

1/87-فالأوَّل: عَنْ أبي هريرة أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بادِروا بالأعْمالِ فِتَنًا كقطَعِ اللَّيلِ الْمُظْلمِ يُصبحُ الرجُلُ مُؤمنًا ويُمْسِي كَافِرًا، ويُمسِي مُؤْمنًا ويُصبحُ كَافِرًا، يَبيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا رواه مسلم.

2/88-الثَّاني: عنْ أبي سِرْوَعَةَ -بكسرِ السين المهملةِ وفتحها- عُقبةَ بنِ الْحارِثِ قَالَ: صَلَّيتُ وراءَ النَبيِّ ﷺ بالمدِينةِ الْعصْرَ، فسلَّم ثُمَّ قَامَ مُسْرعًا فَتَخَطَّا رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بعْضِ حُجَرِ نسائِهِ، فَفَزعَ النَّاس مِنْ سرعَتهِ، فَخَرَجَ عَليهمْ، فَرأى أنَّهُمْ قدْ عَجِبوا منْ سُرْعتِه، قالَ: ذَكَرتُ شَيئًا مِنْ تبْرٍ عندَنا، فكرِهْتُ أنْ يحبسَنِي، فأمرْتُ بقسْمتِه رواه البخاري.

وفي رواية لَهُ: كنْتُ خلَّفْتُ في الْبيتِ تِبرًا مِنَ الصَّدقةِ، فكرِهْتُ أنْ أُبَيِّتَه. التِّبْر قِطَعُ ذهبٍ أوْ فضَّةٍ.

3/89-الثَّالث: عن جابر قَالَ: قَالَ رجلٌ للنبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ: أرأيتَ إنْ قُتلتُ فأينَ أَنَا؟ قَالَ: في الْجنَّةِ فألْقى تَمراتٍ كنَّ في يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حتَّى قُتلَ. متفقٌ عَلَيهِ.

الشيخ: هذه الآيات والأحاديث في الحث على المبادرة الخيرات والمسارعة إلى الطاعات، والاستقامة في الحق وعدم الروغان، فهذه الدار هي دار العمل ودار المسابقة، وهي دار المسارعة إلى الخيرات، فجدير بالمؤمن أن يعمرها بطاعة الله، وأن ينافس فيها بالخيرات، وأن يحذر التساهل والكسل والضعف، قال الله جل وعلا: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148] يعني: سابقوا إليها، وقال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:133-134]، وقال -جل وعلا: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:21]، وقال جل وعلا: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].

هكذا المؤمنون يتنافسون في الخيرات، ويستبقون إليها ليلا ونهارا من الصدقات، وطلب العلم، والدعوة إلى الله، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، عيادة المريض، اتباع الجنائز، الجهاد في سبيل الله، إلى غير هذا من وجوه الخير، المؤمن يسارع إليها ويسابق إليها لما فيها من الخير العظيم والأجور العظيمة.

ويقول النبي ﷺ: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا. كلما تأخر الزمان جاءت الفتن وكثرت، وضعف الدين وقل العلم، بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء قيل: يا رسول الله من الغرباء؟ قال: أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير فالمؤمن يسارع وينافس أينما كان في بلده، أو في غير بلده، ويدعو إلى ذلك ويشجع على الخير، ويكون مباركا كما قال الله جل وعلا: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، وفي اللفظ الآخر يروى عنه ﷺ فيما روى الحاكم وغيره: بادروا بخمس قبل خمس يعني استبقوها، الإنسان يبادر اغتنم صحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك الإنسان يغتنم خمسا قبل خمس: شبابه، صحته، وغناه، وفراغه، وحياته، هذه الخمس اغتنمها قبل أن يهجم عليك ضدها.

وفي حديث عقبة بن الحارث أنه ﷺ تذكر صدقة في البيت لم تقسم، فلما صلى العصر قام مسرعا وأخرجها لتقسم بين أهلها، خاف أن يبيتها أو ينساها عليه الصلاة والسلام، فهذا فيه الحرص على إيصال الحقوق إلى أهلها، وإيصال وجوه البر والنفقة إلى أهلها، قام مسرعا بعد الصلاة حتى استنكر الناس ذلك؛ لأن الرئيس والمسؤول قد تشغله مشاغل كثيرة، وهو ﷺ إمام المسلمين وهو إمامهم، والمشاغل كثير، فلما ذكرها بادر لئلا ينساها حتى تقسم بين أهلها، هكذا الإنسان إذا كان عنده حقوق للناس ديون، أمانات يحرص عليها حتى يوصلها إلى أهلها، كل ذلك من باب المسارعة إلى الخيرات، واستباق الطاعات، والحرص على براءة الذمة، وسلامتها من التبعة.

كذلك الرجل الذي قال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت أين أكون؟ قال: في الجنة وفي يده تمرات فأكل بعضها وألقى بعضها، وقال: إن حياتي إلى أن آكلها لطويلة، ثم ألقى ما بقي وقاتل حتى قتل، في رواية عمير بن الحمام، فهذا فيه المسارعة إلى الجهاد في سبيل الله، والحرص على الشهادة في سبيل الله، يرجو ما عند الله من المثوبة.

وهكذا الصبر على الجهاد والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن هذه كلها أعمال عظيمة ينفع الله بها الناس وفيها تعب، فلا بد من الصبر، ولن يبلغ الإنسان الدرجات العليا والمقامات الرفيعة إلا بالله، ثم بالصبر والمسارعة إلى الخيرات، وهل سبق الصحابة إلى الخيرات إلا بمسابقتهم إلى طاعة الله ورسوله، وهل سبق من سبق بعدهم إلا بالجد والجهاد والنظر في أسباب الخير والمسارعة إلى ذلك؟!

فالنفوس الضعيفة المهينة ما ترتقي إلى الدرجات العالية لضعفها وكسلها، وإنما يدرك العلا والمقامات الرفيعة أهل السبق وأهل الجد والنشاط والمصابرة والثبات والرغبة في الخير، نسأل الله للجميع التوفيق.

4/90-الرابع: عن أبي هُريرةَ قَالَ: جاءَ رجلٌ إِلَى النبيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الصَّدقةِ أعْظمُ أجْرًا؟ قَالَ: أنْ تَصَدَّقَ وأنْت صحيحٌ شَحيحٌ تَخْشى الْفقرَ، وتأْمُلُ الْغنى، وَلاَ تُمْهِلْ حتَّى إِذَا بلَغتِ الْحلُقُومَ. قُلت: لفُلانٍ كذا ولفلانٍ كَذَا، وقَدْ كَانَ لفُلان. متفقٌ عَلَيهِ.

الْحلْقُوم: مَجرَى النَّفسِ. وَ الْمريءُ: مجرى الطَّعامِ والشَّرابِ.

5/91-الخامس: عن أنس ، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أَخذَ سيْفًا يَومَ أُحدٍ فقَالَ: مَنْ يأْخُذُ منِّي هَذا؟ فبسطُوا أَيدِيهُم، كُلُّ إنْسانٍ منهمْ يقُول: أَنا أَنا. قَالَ: فمنْ يأَخُذُهُ بحقِه؟ فَأَحْجمِ الْقومُ، فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ : أَنا آخُذه بحقِّهِ، فأَخَذهُ ففَلق بِهِ هَام الْمُشْرِكينَ". رواه مسلم.

اسم أبي دجانةَ: سماكُ بْنُ خَرَشة. قولُهُ: أَحجم الْقوم: أي توقَّفُوا. وَ فَلق بِهِ: أَي شَق. هام الْمشرِكين: أَيْ رؤوسهُمْ.

6/92-السَّادس: عن الزُّبيْرِ بنِ عديِّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنس بن مالكٍ فشَكوْنا إليهِ مَا نلْقى مِنَ الْحَجَّاجِ. فَقَالَ: اصْبِروا فإِنه لا يأْتي زمانٌ إلاَّ والَّذي بعْده شَرٌ مِنهُ حتَّى تلقَوا ربَّكُمْ سمعتُه منْ نبيِّكُمْ ﷺ. رواه البخاري.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها في الحث على المسارعة إلى الخيرات، والصبر على الطاعة والمصائب، والحرص على بذل الخير حسب الطاقة، هكذا المؤمن يجتهد في فعل الخير وترك الشر، والصبر على ذلك، من ذلك يقول ﷺ في الحديث الصحيح لما سئل أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل يعني لا تؤخر، حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان يعني الجود في حال الصحة وحال القوة والنشاط، وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر.

هذا وقت الصدقة تتصدق وأنت قوي تحب المال وتحرص عليه، تنفق في وجوه الخير، تحرص على فعل الخير ولا تؤجل، حتى إذا مرضت وجاء عند الموت أوصيت لفلان كذا وكذا، لما يئست من الحياة تصدقت، تصدق وأنت صحيح، وأنت قوي، والوصية لا بأس بها، الوصية لا بأس في حق، ولكن كونه يتصدق قبل ذلك في حال صحته وينفق ويجود هذا أكبر وأفضل، والوصية على حالها لا بأس بها.

وفي الحديث الثاني: يقول ﷺ لما أخذ سيفا وجعل يقول: من يأخذه؟ فقال كل واحد: أنا أنا، كل وده أن السيف يأخذه ينتفع به يوم أحد، فقال: من يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم، لأن كل واحد ما يدري هل يأخذه بحقه؟ هل يستطيع أن يؤدي حقه؟ ليس هذا جبن، هم أشجع الناس ، لكن كل واحد خاف أن يقول للنبي ﷺ: أنا آخذه بحقه ولا يوفي، الأمر خطير، قال: يأخذه، ويقول: أنا آخذه ولكن بحقه، كونه يؤدي المطلوب قد يتيسر وقد لا يتيسر، فلهذا أحجموا لا جبنا ولكن خوفا أن يقولوا شيئا ولا يوفوا به، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، وهو سماك بن خرشة من الأنصار، هذا الذي قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة الذي ادعى النبوة، كان مع الصحابة يوم قتال مسيلمة، وهو الذي شارك في قتله ثم قتل شهيدا يوم حرب اليمامة، حرب مسيلمة، فأخذه ففلق به هام المشركين، يعني أدى حقه، يعني جاهد به جهادا عظيما، جهادا كبيرًا وصبر حتى أوفى بما قال للنبي ﷺ.

والحديث الثالث: شكا بعض الناس إلى أنس ، أنس هو خادم النبي ﷺ، وقد عمر بعد النبي ﷺ عمرا طويلا، وعاش بعد النبي ﷺ ثلاث وثمانين سنة، ومات سنة ثلاث وتسعين، وجاوز المائة من العمر، مائة وثلاث سنين، أو مائة وسنتين، فشكوا إليه ما لقوا من الحجاج بن يوسف الظالم أمير العراق، كان قتالا سفاكا للدماء، أميرا لعبدالملك بن مروان، فشكوا إليه ظلم الحجاج وتعسفه وأذاه، فقال أنس: اصبروا، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم كلما تقدم الزمان اشتدت الغربة، وقل الخير، وكثر الشر في غالب الدنيا، وقد يكون في بعض الجهات أحسن مما قبل، لكن في غالب الدنيا، في معظم الدنيا، أو كل الدنيا كل عام أحسن من الذي بعده، لكن قد تكون بعض الأوقات الأخيرة أحسن من بعض الأوقات السابقة بالنسبة إلى بعض الناس، وبالنسبة إلى بعض الجهات، كما كان زمن عمر بن عبدالعزيز أحسن من زمان من قبله، من زمن عبدالملك وأبنائه، وكما كانت نجد في دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومن بعده ونشر التوحيد أحسن مما قبلها، بعض الجهات قد يكون فيها أحسن، لكن في الجملة كلما تأخر الزمان اشتدت الغربة -غربة الإسلام- حتى يأتي أمر المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وينشر الإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير إلى آخره.

والحاصل أن الغربة كلما تقدم الزمان زادت الغربة، فالمؤمن يحرص على الثبات على الحق، لا يتغير عند تغير الناس، يثبت على الحق ويلزم الحق، يأخذ بالأدلة الشرعية ولا يقلد من انحرف عن الحق، لا بد من الصبر، ولهذا أوصى النبي ﷺ الصحابة أنه ستحدث أمور، وسيولى أناس لا ترضون إمارتهم فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، وفي الحديث الآخر المتقدم: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مسلما ويمسي كافرا، أو يمسي مسلما ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا، وفي الحديث الآخر يقول ﷺ: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء قيل: يا رسول الله من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، في الرواية الأخرى: هم النزاع من القبائل، وفي اللفظ الآخر: هم أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير.

فالمؤمن كلما اشتدت الأمور زاد صبره وثباته، وثبت على الحق ولم يتغير مع من تغير، بل يلزم الأدلة الشرعية ولو رفضها الناس؛ لأن الحق أحق بالاتباع والثبات، وإذا تغير أهل زمانك أو قبيلتك أو أهل بلدك بسبب الإمارة أو بسبب علماء السوء أو بأسباب أخرى فالزم الحق أنت، لا تكن إمعة مع الناس، تسير معهم حيث ساروا لا، كن على بصيرة واثبت على الحق ولو انصرف الناس عنه، ولو تركه الناس.

كما قال النبي ﷺ لحذيفة لما سأله قال: الزم الحق ولو كنت وحدك لما سأله قال: كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: يا رسول الله وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: أناس يستنون بغير سنتي، ويدعون إلى غير هدي، تعرف منهم وتنكر. قلت: يا رسول الله وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا يعني عرب يدعون إلى الباطل كما وقع. قلت: وما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك.

وقال ابن مسعود لعمرو بن ميمون لما سأله عن الجماعة قال: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك، فأنت الجماعة، والمقصود أن الواجب على المسلم ألا يغتر بالكثرة، كون أهل بلده أو قبيلته أو جماعة آخرون من زملائه أو غيرهم حادوا عن الحق، لا يغتر بهم، يلزم الحق ولو حاد عنه الأكثرون، ولو حاد عنه أهل بلده أو قبيلته أو زملائه، الحق أحق بالاتباع، وفق الله الجميع.

7/93-السَّابع: عن أبي هريرة أَن رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: بادِرُوا بالأَعْمال سَبْعًا، هَلْ تَنتَظرونَ إلاَّ فَقرًا مُنسيًا، أَوْ غنيٌ مُطْغيًا، أَوْ مَرَضًا مُفسدًا، أَو هَرَمًا مُفْندًا، أَو مَوتًا مُجهزًا، أَوِ الدَّجَّال فشرُّ غَائب يُنتَظر، أَوِ السَّاعة، فالسَّاعةُ أَدْهى وأَمر. رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسن.

8/94-الثامن: عَنْهُ أَن رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ يَومَ خيْبر: لأعطِينَّ هذِهِ الرَّايَةَ رجُلا يُحبُّ اللَّه ورسُوله، يفتَح اللَّه عَلَى يديهِ. قَالَ عُمَرُ : مَا أَحببْت الإِمارة إلاَّ يومئذٍ، فتساورْتُ لهَا رجَاءَ أَنْ أُدْعى لهَا، فَدَعا رسولُ اللَّه ﷺ عليَ بن أبي طالب ، فأَعْطَاه إِيَّاها، وقالَ: امْشِ وَلا تلْتَفتْ حتَّى يَفتح اللَّه عليكَ فَسار عليٌّ شيئًا، ثُمَّ وَقَفَ ولم يلْتفتْ، فصرخ: يَا رَسُول اللَّه، عَلَى ماذَا أُقاتل النَّاس؟ قَالَ: قاتلْهُمْ حتَّى يشْهدوا أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللَّه، وأَنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللَّه، فَإِذا فعلوا ذلك فقدْ مَنَعوا منْك دماءَهُمْ وأَموالهُمْ إلاَّ بحَقِّها، وحِسابُهُمْ عَلَى اللَّهِ. رواه مسلم.

فَتَساورْت هُوَ بالسِّين المهملة: أَيْ وثبت مُتطلِّعًا.

الشيخ: هذان الحديثان كالأحاديث التي قبلها في الحث على المبادرة إلى الخيرات، والمسارعة إلى الطاعات، وعلو الهمة، ينبغي للمؤمن أن يكون ذا همة علية رفيعة، يريد معالي الأمور حتى ينفع الله به العباد والبلاد، ولا ينبغي أن يكون ضعيف الهمة ليس عنده تطاول للخيرات وتشوق إليها، بل يحرص على كل خير، من أمر بمعروف، من نهي عن منكر، وإسداء المعروف إلى فقير، والمسارعة إلى عمل صالح، وإلى جهاد ودعوة إلى الله وغير هذا من وجوه الخير، وتقدم قوله ﷺ: بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مسلم ويمسي كافرا، ويمسي مسلما ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا لا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول ﷺ: بادروا بالأعمال سبعا، هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر.

هذا مستقبلك، إما ان تبتلى بفقر ينسيك كل شيء، مشغول بطلب غداءك وعشاءك، تنسى الأعمال وتنسى كل شيء، اغتنم ما دمت تقدر على العمل الصالح، أو تبتلى بغنى مطغٍ، زيادة الأموال حتى تطغى وتشتغل بها عن طاعة الله، أو تبتلى بمرض يفسد عليك قوتك ويمنعك من الحركة والعمل، قد تبتلى بهذا، أو هرم مفندا يعني كبر السن وضعف القوة وتغير العقل، قد تبتلى بالهرم فلا تستطيع العمل، أو الموت، أو موتا مجهزا، يعني منجزا لك من هذه الحياة إلى الآخرة، أو الدجال وهو الذي يخرج في آخر الزمان، وهو شر غائب ينتظر، شرع الله لنا أن نتعوذ من فتنته في كل صلاة؛ لأنه يأتي بفتنة عظيمة، سمي الدجال لكثرة كذبه ودجله، أو الساعة والساعة أدهى وأمر، كل الناس سوف تأتي عليهم الساعة، إما وهم أحياء، وإما هم في القبور، سوف ينشرون ويحاسبون ويجزون، فهذه الأمور السبعة لا بد من أحدها بالنسبة إليك، ولا بد من الخامس وهو الموت بالنسبة إلى كل أحد، والساعة وهي السابعة لكل أحد، بادروا بالأعمال سبعا يعني سبعة أشياء فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر فينبغي للمؤمن أن يحرص على الخير، يسارع إليه لعله يوفق، لعله ينجو، لعله يهدى إلى أسباب النجاة.

وفي الحديث الآخر يقول ﷺ في بعض الليالي: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه وهو محاصر خيبر في سنة سبع من الهجرة حاصر اليهود في خيبر وطال الحصار، فقال في بعض الليالي وهو في حصار خيبر لأعطين الراية الراية البيرق غدا يعني صباحا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله تطاول الناس كلهم، وده هذا الوصف العظيم، ما هو من أجل محبة الإمارة، لكن كونه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يشهد له النبي ﷺ أنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ولهذا قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، من أجل هذا الوصف العظيم، فلما أصبحوا جاء الناس كل يرجو أنه يعطى هذه الراية من أجل هذا الوصف، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ قالوا: هو يشتكي عينيه، فدعا له فجاء به فتفل في عينيه ودعا له، نفث عليه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، عافاه الله في الحال وشفى عينه، فأعطاه الراية البيرق، وقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم يعني سر وأنت على مهل حتى تنزل بقربهم يعني ... وانزل قربهم، فقال: على ماذا أقاتلهم؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وفي اللفظ الآخر: فادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم يعني هداية واحد خير لك من جميع النوق الحمر في الدنيا، والمعنى خير من الدنيا وما عليها، لأن هداية رجل واحد يحصل له مثل أجوره تضاف إلى حسناته، ففي هذا فضل الدعوة إلى الله، وأن الداعي إلى الله على خير عظيم، يحصل له هذا الأجر العظيم.

وفي الحديث الآخر يقول ﷺ: من دل على خير فله مثل أجر فاعله أخرجه مسلم في الصحيح، ففي هذا الحث لأهل العلم وأهل القرآن على الدعوة إلى الله، والتعرض لأهل الخير وتعليم الناس الخير، وتفقيههم وتعليمهم القرآن العظيم، وتعليمهم ما يخفى عليهم من الشرع، فيحصل لك مثل أجورهم.

وفق الله الجميع.

11- بابُ المجاهدة

قَالَ الله تَعَالَى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، وَقالَ تَعَالَى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، وَقالَ تَعَالَى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل:8] أي انْقَطِعْ إِلَيْه، وَقالَ تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة:7]، وَقالَ تَعَالَى: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ [المزمل:20]، وَقالَ تَعَالَى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة:273] والآيات في الباب كثيرة معلومة.

أمّا الأحاديث:

1/95-فالأَول: عن أبي هريرةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: منْ عادى لي وَلِيًّا فقدْ آذنتهُ بالْحرْب، وَمَا تقرَّبَ إِلَيَ عبْدِي بِشْيءٍ أَحبَّ إِلَيَ مِمَّا افْتَرَضْت عليْهِ، وَمَا يَزالُ عَبْدِي يتقرَّبُ إِلى بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذا أَحبَبْتُه كُنْتُ سمعهُ الَّذي يسْمعُ بِهِ، وبَصره الَّذِي يُبصِرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يَبْطِش بِهَا، ورِجلَهُ الَّتِي يمْشِي بِهَا، وَإِنْ سأَلنِي أَعْطيْتَه، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَّنه رواه البخاري.

آذنتُهُ أَعلَمْتُه بِأَنِّي محارِب لَهُ، استعاذنِي رُوي بالنون وبالباءِ.

2/96-الثاني: عن أَنس عن النَّبيّ ﷺ فيمَا يرْوِيهِ عنْ ربهِ قَالَ: إِذَا تَقَربَ الْعبْدُ إِليَّ شِبْرًا تَقرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِراعًا، وإِذَا تقرَّب إِلَيَّ ذِرَاعًا تقرَّبْتُ مِنهُ بَاعًا، وإِذا أَتانِي يَمْشِي أَتيْتُهُ هرْوَلَة رواه البخاري.

3/97- الثالث: عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: نِعْمتانِ مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ رواه مسلم.

الشيخ: هذه الأحاديث مع الآيات فيها الحث على المجاهدة للنفس، والحرص على أسباب الخير، والمسارعة إلى الأعمال الصالحات اغتناما للحياة، واغتناما للفراغ، واغتناما للصحة، واغتناما للقدرة، ينبغي للمؤمن أن يحفظ وقته، وأن ينافس في كل خير، وأن يجاهد هذه النفس في اكتساب المعالي، والأعمال الصالحات؛ لأنها سوف تحتاج إلى ذلك، أفقر ما تكون فينبغي في مثل هذه الحال الجد والاجتهاد؛ لأن هذه الدار دار العمل، دار المنافسة، دار الصبر، والآخرة دار الجزاء، فجدير بالمؤمن أن يجاهد نفسه في هذه الدار حتى يكتسب الخيرات، ويعمل الصالحات، ويسعى في تثقيل موازينه، وأن يعطى كتابه بيمينه، يقول الله جل وعلا: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، ويقول سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]، يعني جاهدوا أنفسهم، وجاهدوا شيطانهم، وجاهدوا جلساءهم عامة، جاهدوا أطلق، ولم يذكر المفعول فيعم أنواع المجاهدة، قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]، قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة:7]، وقال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40]، ويقول سبحانه: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، وقال سبحانه: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل:20]، فالمؤمن يسارع إلى الخيرات، وينافس ولو بالقليل حسب الطاقة فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] القليل مع القليل يكون كثيرا، المصيبة الإعراض والغفلة.

أما من جاهد وصابر وتقرب بما يستطيع فإنه يجتمع له الخير اتقوا النار ولو بشق تمرة، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة:7]، يقول النبي ﷺ: يقول الله جل وعلا: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب الولي المؤمن، يعني من عادى عبادي المؤمنين، المؤمنون هم أولياء الله أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63] فالمؤمنون هم أولياء الله، وهم أحباؤه من الرسل وغيرهم، فمن عاداهم فقد عادى الله، ولهذا قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب يعني أعلنته أنه حرب لي.

المقصود أن عدو المؤمنين عدو لله، ووليهم ولي لله، وما تقرب إلي عبدي شيء أحب إلي مما افترضته عليه هذا يدل على أحب الأشياء إلى الله التقرب إليه بالفرائض؛ لأنها اللازمة والباقي فضل، فأحب شيء يتقرب به العبد إلى ربه الفرائض، من صلاة، وصوم، وزكاة، وغيرها، أن يعتني بها ويحافظ عليها ويؤدها بإخلاص وصدق ورغبة، ثم النوافل بعد ذلك يتطوع، ولهذا قال بعدها سبحانه: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه يعني حتى أحبه المحبة الكاملة، زيادة على محبة من أدى الفرائض، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها يعني أنه يوفق لهذا كما في الرواية الأخرى فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي يعني أن الله -جل وعلا- يسدده في هذه الأشياء ويوفقه، وليس المعنى أن الله هو يده ورجله لا، الله فوق العرش، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى، لكن معناه أنه يسدده حتى يكون موفقا بأخذه وعطائه وسيره.

كذلك التقرب إليه ، هو أسرع بالخير إلى عبده، من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا، من تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا، وإن أتاه يمشي أتاه هرولة، هذا فيه صفات الله جل وعلا، وأن العبد إذا تقرب إليه فالله أسرع إليه بالخير، وهذا التقرب إلى الله يليق به، لا يعلم كيفيته إلا هو ، يتقرب من عبده بسبب تقرب العبد إليه، وهذا التقرب شيء يليق به سبحانه لا ينافي علوه وعلويته، وأنه فوق العرش جل وعلا، ولكنه يقتضي الإسراع من العبد بالأعمال الصالحة، والجد في طاعة الله كما في أول الحديث: إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، أنا عندي ظن عبدي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإذا تقرب إلي ... إلى آخره، فهو سبحانه أسرع بالخير وأكثر من عبده، فالواجب على المؤمن أن يحرص على أداء فرائض الله، وترك محارم الله، ثم ما تيسر من الخير بعد ذلك.

كذلك حديث يقول ﷺ: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ينبغي لك ألا تضيع عليك الصحة والفراغ، يعني أشغلهما بطاعة الله، واعمرهما بطاعة الله، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس يعني تضيعان عليه الصحة والفراغ فهذا دعوة المؤمن إلى أن يشغلهما بالخير والعمل الصالح صحته وفراغه، وفق الله الجميع.

4/98- الرابع: عن عائشة رَضي اللَّه عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَان يقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تتَفطَرَ قَدمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ، لِمْ تصنعُ هَذَا يَا رسولَ اللَّهِ، وقدْ غفَرَ اللَّه لَكَ مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تأخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أكُونَ عبْدًا شكُورًا؟ متفقٌ عَلَيهِ. هَذَا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية المُغيرة بن شُعْبَةَ.

5/99-الخامس: عن عائشة رضي اللَّه عنها أنَّها قَالَتْ: "كَانَ رسولُ اللَّه ﷺ إذَا دَخَلَ الْعشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأيْقَظَ أهْلهْ، وجدَّ وشَدَّ المِئْزَرَ" متفقٌ عليه.

والمراد: الْعشْرُ الأواخِرُ من شهر رمضان، "وَالمِئْزَر" الإِزارُ وهُو كِنايَةٌ عن اعْتِزَال النِّساءِ، وقِيلَ: المُرادُ تشْمِيرهُ للعِبادَةِ، يُقالُ: شَددْتُ لِهذا الأمرِ مِئْزَرِي، أيْ: تشمرتُ وَتَفَرَّغتُ لَهُ.

6/100-السادس: عن أبي هريرةَ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ: المُؤمِن الْقَوِيُّ خيرٌ وَأَحبُّ إِلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفي كُلٍّ خيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا ينْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ، وإنْ أصابَك شيءٌ فلاَ تقلْ: لَوْ أَنِّي فَعلْتُ كانَ كَذَا وَكذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قدَّرَ اللَّهُ ومَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَان رواه مسلم.

الشيخ: في هذه الأحاديث الحث على التشمير في العبادة، والصبر والمجاهدة في طاعة الله ورسوله؛ لأن هذه الدار هي دار العمل، والآخرة دار الجزاء، فجدير بالمؤمن أن ينتهز الفرصة -فرصة حياته- حتى يعمل ما يرضي الله، ويقرب لديه، وحتى يعمر هذه الأوقات بما يقربه من الله، كلما كان الإنسان بالله أعرف كان منه أخوف، وكان أكثر عملا وجهادا، ولهذا كان النبي ﷺ أكمل الناس عملًا، وأخشاهم لله، وأتقاهم لله لأنه بالله أعرف كما قال عليه الصلاة والسلام: أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، وكان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، وفي اللفظ الآخر: حتى ترم قدماه فقالت له عائشة: يا رسول الله أتفعل هذا وقد غفر الله لك؟ قال: إني أحب أن أكون عبدا شكورا فملازمة العبادة والحرص على العبادة والاجتهاد في الطاعة كل ذلك من سيم المتقين، ومن أعمال السابقين، ومن صفات أهل الجد والنشاط، وكمال الخوف من الله جل وعلا، وهكذا كونه ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، فكل هذا من الجد في العبادة والمجاهدة، يعني عشر رمضان الأخيرة إذا دخلت العشر اجتهد عليه الصلاة والسلام وأحيا ليلها، وأيقظ أهله، واعتكف، كل هذا من قبيل المجاهدة للنفس في اكتساب الأعمال الصالحات، والاستكثار من الخيرات، مع أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فينبغي للمؤمن التأسي بنبيه، ينبغي لأهل الإيمان التأسي بنبيهم ﷺ في الجد في الطاعة، والاستكثار من الخير.

وهكذا الحديث الثالث يقول ﷺ: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير المؤمن القوي جهاده أكثر، ينفع نفسه وينفع الناس، فهو أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، المؤمن الضعيف القاصر عمله على نفسه، والقوي الذي عمله متعدٍ يأمر بالمعروف، وينهَ عن المنكر، ويدعو إلى الله، ويساعد هذا ويساعد هذا، ويفرج كربة هذا، إلى غير ذلك، له أعمال متعدية نافعة، هذا القوي، والمؤمن الضعيف أعماله قاصرة، كلهم أحباء لله، محبوبون لله، كلهم فيه خير، لكن المؤمن القوي الذي عمله أكثر أحب إلى الله وأكثر أجرا، ثم قال ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله المؤمن مأمور بالحرص على ما ينفعه في دينه ودنياه، لا يجوز الكسل والبطالة، بل يحرص المسلم على ما ينفعه، لهذا قال ﷺ: احرص على ما ينفعك واستعن بالله.

فالأمور بيده -جل وعلا، فالمؤمن يستعين بالله ويعمل، يغرس النخل، يزرع، يبني، يعمل الأعمال التي تنفعه مستعينا بالله، لا يجلس ويقول: يعمل الناس لي لا، لا بد من عمل، إما بنفسك، وإلا بالاستئجار، وإلا بالأسباب، الأرزاق وإن كان الله قدرها قدرها بأسبابها هذا يزرع، وهذا يغرس نخلا، وهذا يبيع ويشتري، وهذا يعمل حدادة، وهذا يعمل نجارة، وهذا يعمل كذا، أسباب متنوعة، وهذا داخل في قوله ﷺ: احرص على ما ينفعك واستعن بالله يأخذ بالأسباب ويستعين بربه، ولا يجوز أن يقول: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن يأخذ بالأسباب، وإذا فاته شيء أو حصل له شيء يسوؤه فليقل: قدر الله وما شاء فعل، إنا لله وإنا إليه راجعون، عليه الأخذ بالأسباب والتوفيق بيد الله، فإن لم تنفع الأسباب خسر، أصابه شيء يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل، ولا يقل: لو لو، فإن لو تفتح عمل الشيطان، لو أني رحت الطبيب، لو أني سقيت الزرع، لو أني فعلت كذا، متى نزل القدر يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل، فلا تنفع يا ليت، ليتني كذا، ولو فعلت كذا، هذا من الشيطان، ولهذا قال: فإن لو تفتح عمل الشيطان.

أما تمني الخير لا بأس، كونه يتمنى الخير لو علمت فلان هنا لزرته، لو استقبلت من أمري ما استدبرت لسارعت إلى الحج، لاعتمرت، لزرت فلانا، لأمرت كذا، هذا من باب تمني الخير، لو علمت أن فلانا مريضا عدته، كل هذا من باب الإخبار عما ينبغي له، مثل ما قال ﷺ في حجة الوداع: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولجعلتها عمرة تمنى عملا يراه أفضل ليس داخلا في قوله: ولا تقل لو أني فعلت هذا في الاعتراض على القدر، أما قول لو من باب تمني الخير والأسف على ما فات من الخير، هذا لا بأس به، لو علمت أن فلانا فقيرا لساعدته، لو علمت أن فلانا سجينا شفعت فيه، يعني هذا معناه تمني الخير والرغبة في الخير، والإخبار عن رغبته في الخير، وفق الله الجميع.

7/101- السابع: عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: حُجِبتِ النَّارُ بِالشَّهَواتِ، وحُجِبتْ الْجَنَّةُ بَالمكَارِهِ متفقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية لمسلم: حُفَّت بَدلَ حُجِبتْ وَهُوَ بمعناهُ: أيْ: بينهُ وبيْنَهَا هَذا الحجابُ، فإذا فعلَهُ دخَلها.

8/102-الثامن: عن أبي عبداللَّه حُذَيْفةَ بنِ اليمانِ، رضي اللَّهُ عنهما، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ ليْلَةٍ، فَافَتَتَحَ الْبقرة، فقُلْت يرْكَعُ عِندَ المائة، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْت يُصلِّي بِهَا في رَكْعةٍ، فَمَضَى فَقُلْت يَرْكَع بهَا، ثمَّ افْتتَح النِّسَاءَ، فَقَرأَهَا، ثمَّ افْتتح آلَ عِمْرانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرُأُ مُتَرَسِّلًا إذَا مرَّ بِآيَةٍ فِيها تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وإِذَا مَرَّ بِسْؤالٍ سَأل، وإذَا مَرَّ بِتَعَوذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجعل يقُول: سُبحانَ رَبِّيَ الْعظِيمِ فَكَانَ ركُوعُه نحْوا مِنْ قِيامِهِ، ثُمَّ قَالَ: سمِع اللَّهُ لِمن حمِدَه، ربَّنا لك الْحمدُ ثُم قَام قِيامًا طوِيلًا قَريبًا مِمَّا ركَع، ثُمَّ سَجَدَ فَقالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعلَى فَكَانَ سُجُوده قَرِيبًا مِنْ قِيامِهِ" رواه مسلم.

9/103-التاسع: عن ابن مسعودٍ قَالَ: صلَّيْت مَعَ النَبِيِّ ﷺ لَيلَةً، فَأَقام قِيامَا حتَّى هممت بأمر سوء قيل: وما هممت به؟ هممْتُ أَنْ أجْلِسَ وَأدعَهُ. متفقٌ عليه.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها، كلها تتعلق بالمجاهدة للنفس في العمل الصالح، وأن نبينا عليه الصلاة والسلام مع كونه مغفورا له كان يجاهد نفسه في الأعمال الصالحات، ويجتهد في أنواع الخير ليلا ونهارا، وما ذاك إلا لعظم رغبته فيما عند الله، وكمال إيمانه، وكمال خشيته لله.

وكما تقواه كما قال عليه الصلاة والسلام: أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، وكان يتهجد من الليل حتى ترم قدماه وفي اللفظ الآخر: حتى تتفطر قدماه فقيل له في ذلك، فقال: إني أحب أن أكون عبدا شكورا اللهم صل عليه وسلم، فهذا يدل على أن المؤمن ينبغي له أن يجد في الخيرات والصبر والعمل الصالح من دون مشقة تضره، لكنه يجاهد ويحرص مع مراعاة الرفق وعدم ما يضره، من هذا قوله ﷺ: حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره، وفي اللفظ الآخر: حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره لأن الله جعل بين العبد وبين الجنة الأعمال الصالحة التي قد يكره القيام بها، والتي قد يشق عليه القيام بها، وقد يكسل، فإذا أتى بها وصبر فله الجنة، فإذا صبر على توحيد الله، وطاعته، والصلوات الخمس، وأداء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وصدق الحديث، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هذه أعمال عظيمة من وسائل الجنة، من أتى بها دخل الجنة، فإذا صبر عليها واجتهد فيها كان هذا من أسباب دخول الجنة.

وحفت النار بالشهوات متى أقدم عليها دخل النار، شهوة الزنا، شرب المسكر، عقوق الوالدين، قطيعة الرحم، الربا، الغيبة، النميمة، إلى غير هذا من المعاصي، هذه حجاب بينه وبين النار، فمتى أقدم عليها صار إلى النار، نسأل الله العافية.

فالمعاصي حجاب، والطاعات حجاب، فمن أتى الطاعات واجتهد في الطاعات وترك السيئات فاز بالجنة ونجا من النار.

وفي حديث حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل قياما طويلا ويتهجد، يقول حذيفة أنه قام معه ذات ليلة يتهجد فشرع في البقرة، فقلت: يركع عند المائة، عند المائة آية، ثم استمر حتى قلت: يركع عند تمامها، فشرع في آل عمران وقرأها، ثم في النساء وقرأها، في ركعة خمسة أجزاء وزيادة يقف عند كل آية فيها سؤال ويسأل، وعند كل آية فيها تعوذ يتعوذ، عند كل آية فيها تسبيح يسبح، في رواية فما صلى إلا ركعتين حتى طلع الفجر، وفي رواية: أربع ركعات حتى طلع الفجر، وفي العرضة الأخيرة صارت آل عمران قبل النساء، ولهذا رسمت في المصحف البقرة ثم آل عمران، على العرضة الأخيرة عرضت جبرائيل على النبي ﷺ فكانت ترتيبها كذا البقرة، آل عمران، النساء، المائدة إلى آخره كما هو في المصحف الآن، ففي هذا شرعية الإطالة في التهجد إذا استطاع ولا مشقة عليه، يتهجد ويصلي من الليل، كان استقر أمر النبي ﷺ على أنه يخفف بعض الشيء ويوتر بإحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، لكن يخفف، يقرأ أقل من هذا ويسلم من كل ثنتين كما قال ﷺ: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أطال القراءة أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القراءة خفف الركوع والسجود حتى تكون الصلاة متقاربة متجانسة.

وفي حديث ابن مسعود لما ذكر قياما طويلا قال: حتى هممت بأمر سوء، قالوا: وماذا هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأن أدعه، أن أكون أنا جالس وهو قائم لما أطال، والمقصود من هذا بيان المجاهدة من نفسه، وأنه كان يجاهد نفسه عليه الصلاة السلام، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69]، وقال تعالى: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ [الحج:78]، وقال تعالى: وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ [العنكبوت:6] كل إنسان يجاهد نفسه حتى يؤدي الفرائض، وحتى يدع المحارم، وحتى يكثر من التهجد من الليل، هذا جهاد مشكور، جهاد طيب بشرط ألا يشق عليه مشقة كبيرة، ولهذا في الحديث الصحيح: اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا فالإنسان مأمور بعدم التكلف، وأن يصلي ويتعبد حسب الطاقة من غير تكلف، حتى لا يمل، حتى لا يضعف، يفعل وسعه ونشاطه كما في الحديث الصحيح: ليصل أحدكم نشاطه، فإذا نعس فليرقد فالمؤمن يتحرى في جهاده العمل الذي لا يشق عليه، ولا يكره إليه العمل، بل يجتهد ويتحرى الخير ويجاهد نفسه حتى يؤدي ما أوجب الله، وحتى يدع ما حرم الله، وحتى يقدم لنفسه شيئا من التطوعات والنوافل التي ترفع بها درجاته، وتضاعف بها حسناته، وترقع بها فرائضه، وفق الله الجميع.