13 من حديث (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها..)

4/292-وعن سعد بن أَبي وقَّاص في حدِيثِهِ الطَّويلِ الذِي قَدَّمْناهُ في أَوَّل الْكِتَابِ في بَابِ النِّيَّةِ أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ لَهُ: وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجهَ اللَّه إلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعلُ في فيِّ امرأَتِكَ متفقٌ عَلَيهِ.

5/293- وعن أَبي مَسْعُودٍ الْبَدرِيِّ ، عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نفقَةً يحتَسبُها فَهِي لَهُ صدقَةٌ متفقٌ عَلَيهِ.

6/294- وعن عبداللَّهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ رَضي اللَّه عنهما قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ قَالَ: كَفي بِالمرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يقُوتُ حديثٌ صحيحٌ رواه أَبو داود وغيره.

ورواه مسلم في صحيحه بمعنَاهُ قَالَ: كَفي بِالمرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يملِكُ قُوتَهُ.

7/295- وعن أبي هريرةَ أَن النبيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ يوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ ملَكَانِ يَنْزلانِ، فَيقولُ أَحدُهُما: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلفًا، ويَقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا متفقٌ عَلَيهِ.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فقد تقدمت أحاديث متعددة في الحث على الإحسان إلى الفقراء والمساكين والأهل والأيتام، وهذا شيء كثير ومتكرر في القرآن العظيم والسنة المطهرة، والله جل وعلا يقول: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، ويقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:254]، ويقول جل وعلا وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ [البقرة:233] فالآيات في هذا المعنى كثيرة كلها تحث على النفقة والإحسان، ومن هذا قوله جل وعلا: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36]، ويقول جل وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة:220].

وفي هذه الأحاديث الحث على الإحسان إلى المرأة، فالمرأة من العائلة، فالمؤمن يحسن إلى زوجته وإلى والديه إذا كانا في عياله، وإلى أيتامه، وإلى خدمه، وإلى أرقائه، وإلى بهائمه، كل هذا أمر مطلوب ومشروع.

وفي حديث سعد بن أبي وقاص يقول ﷺ: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك يعني حتى إنفاقه على زوجته ومن تحت يده كله له فيها أجر عظيم.

وهكذا في حديث ابن مسعود البدري يقول ﷺ: إن العبد إذا أنفق على أهله يحتسبها فهي له صدقة وإن كانت واجبة عليه الإنسان إذا تحرى الخير وأدى الواجب كتب الله له أجر ذلك، وإن كان واجبا فإنفاقه على أهل بيته وعلى أيتامه وعلى أولاده وعلى بهائمه يحتسب ذلك كله فيه أجر وصدقة، فعلى المؤمن أن يحتسب وأن يعتني وأن يحذر التساهل في هذا الأمر.

وهكذا قوله ﷺ: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت، وفي اللفظ الآخر: كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته يشمل البهائم وغير البهائم، يعني أنه إثم كبير أن يعطلهم ويحبس عنهم حقهم سواء كان خدما أو بهائم أو زوجة أو غير ذلك، يجب عليه أني يعتني بهذا الأمر.

وفي حديثه ﷺ في حجة الوداع في حق المرأة قال: ولهن -يعني النساء- رزقهن وكسوتهن بالمعروف.

وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ: ما من يوم يصبح فيه الناس إلا وينزل فيه ملكان، أحدهما يقول: اللهم أعط منفقا خلفا: والآخر يقول: اللهم أعط ممسكا تلفًا فالمنفق في وجوه الخير وعده بالخلف كما قال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل:20]، أما البخيل الممسك عما أوجب الله فهو موعود بالتلف والعقوبة إذا أمسك وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [محمد:38].

فالواجب الحذر من البخل بالواجب، والواجب الحرص على أداء الواجب والزيادة في ذلك، التوسع في الخير والنفقة والإحسان والجود والكرم في وجوهه التي شرعها الله في الفقير والمسكين واليتيم وأبناء السبيل، وفي سبيل الله، وفي تعمير المساجد، وفي الربط وفي غير هذا مما ينفع المسلمين؛ الله -جل وعلا- أطلق النفقة وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني فيما يرضي الله فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، وقال جل وعلا: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد:7]. وفق الله الجميع.

8/296-وعن أبي هريرة عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: الْيَدُ الْعُلْيا خَيْرٌ مِنَ الْيدِ السُّفْلَى وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنَى، ومَنْ يَسْتَعِففْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِه اللَّهُ رواه البخاري.

37-باب الإِنفاق مِمَّا يحبُّ ومن الجيِّد

قَالَ الله تَعَالَى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92]، وَقالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [البقرة:267].

1/297- عن أَنس قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَر الأَنْصَارِ بِالمدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحاءَ، وَكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المسْجِدِ، وكانَ رسولُ ﷺ يدْخُلُهَا وَيشْربُ مِنْ ماءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فلَمَّا نزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] قام أَبُو طَلْحَةَ إِلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّه إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْكَ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] وَإِنَّ أَحَبَّ مَالي إِلَيَّ بَيْرَحَاءَ، وإِنَّهَا صَدقَةٌ للَّهِ تَعَالَى أَرْجُو بِرَّهَا وذُخْرهَا عِنْد اللَّه تَعَالَى، فَضَعْها يَا رَسُول اللَّه حيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فقال رَسُول اللَّه ﷺ: بَخٍ، ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ، ذلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رسولَ اللَّه، فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ، وَبَني عَمِّهِ. متفقٌ عَلَيهِ.

وقولُهُ ﷺ: مالٌ رَابحٌ رُوي في الصحيحين رَابحٌ و رَايحٌ بالباءِ الموحدةِ وبالياءِ المثناةِ، أَيْ رَايحٌ عَلَيْكَ نَفْعُهُ، وَ بَيرَحَاءُ حَدِيِقَةُ نَخْلٍ، وروي بكسرِ الباءِ وَفتحِها.

الشيخ: هذان الحديثان مع الآيات في جميعها الحث على الصدقة والإنفاق من خير مال الإنسان، ومما يحبه الإنسان، والحث على الإنفاق والجود وعدم السؤال، وأن اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، هي المعطية، هي الباذلة، والسفلى هي الآخذة والسائلة، يقول ﷺ: اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول هذا يدل على أنه يجب على الإنسان أن يبدأ بمن يعول من زوجة وأولاد، يبدأ بهم قبل غيرهم لأن هؤلاء نفقتهم واجبة ولازمة، فالواجب البداءة بمن تجب عليه نفقته من أهله وأولاده وأيتامه ونحو ذلك.

وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى خير الصدقة وأفضلها ما كان عن سعة زائدة عن حاجة الأهل والأولاد.

واليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة المحسنة، والسفلى هي السائلة الآخذة.

ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله من يستعفف عن السؤال يعفه الله، ومن يستغن عن السؤال يغنه الله، فالسؤال مرجوح ومذموم إلا عند الضرورة، فالتعفف عن السؤال مهما أمكن أولى بالمؤمن، فإن دعت الحاجة والضرورة فلا بأس، والله يقول جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة:267] فحث على النفقة من الطيب، الكسب الطيب، وهكذا الأموال الطيبة من الحبوب والثمار، ولهذا قال: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة:267] من تمر ،ومن حبوب، من فواكه إلى غير ذلك، قال : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] يعني لن تنالوا كمال البر وتمام البر حتى تنفقوا مما تحبون.

ولما سمع أبو طلحة الأنصاري هذه الآية جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله إني سمعت الله يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، نخل جوار المسجد النبوي، وإني قد جعلتها صدقة لله، أرجو برها وذخرها، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال له النبي ﷺ: بخ بخ يعني المعنى هذا الشيء عظيم وطيب وكأنه يقول له هنيئا لك بهذا الخير، ثم قال: ذلك مال رابح، وفي اللفظ الآخر: مال رايح مال رابح واضح يعني لك فيه الربح العظيم، ومال رايح: إما المعنى أنه ذاهب وخير لك أن تنفقه في الخير، أو المعنى كما قال المؤلف: يروح عليك ثوابه، يعني يرجع إليك ثوابه وتبقى لك منفعته العظيمة، ثم قال له النبي ﷺ: أرى أن تضعها في الأقربين يعني أرى أن توزعها بين أقاربك صدقة عليهم، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها بين أقاربه يتصرفون فيها يستفاد منها أقاربه، فوائد عظيمة ، ففي هذه الآيات والأحاديث الحث على الجود والكرم والإنفاق من المال الطيب والكسب الطيب، والقصد بهذا وجه الله والدار الآخرة، وبذلك تتضح محبة العبد لربه المحبة الكاملة وجوده وكرمه إذا أنفق من المال الطيب وأحسن إلى عباد الله، فهذا يدل على كمال الإيمان وكمال الرغبة فيما عند الله، والبعد عن صفة الأشحاء والبخلاء. وفق الله الجميع.

38-بيان وجوب أمره أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعهم من ارتكاب مَنْهِيٍّ عَنْهُ

قَالَ الله تَعَالَى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132]، وَقالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6].

1/298- وعن أبي هريرةَ قَالَ: أَخذ الحسنُ بنُ عليٍّ رضي اللَّه عنْهُما تَمْرةً مِنْ تَمرِ الصَّدقَةِ فَجعلهَا في فِيهِ فَقَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: كِخْ كِخْ، إِرْمِ بِهَا، أَما علِمْتَ أَنَّا لا نأْكُلُ الصَّدقةَ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي روايةٍ: أنَّا لا تَحِلُّ لنَا الصَّدقةُ.

وقوله: كِخْ كِخْ يُقالُ بِإسْكَانِ الخَاءِ، ويُقَالُ بكَسرِهَا مَعَ التَّنْوِينِ وهيَ كلمةُ زَجْر للصَّبِيِّ عن المُسْتَقذَرَاتِ، وكَانَ الحسنُ رضي اللَّه عنه صبِيًا.

2/299-وعن أَبي حفْصٍ عُمَر بن أَبي سلَمةَ عبداللَّه بنِ عبدالأَسد، ربيبِ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: كُنْتُ غُلامًا في حجْرِ رسول اللَّه ﷺ، وكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لي رسولُ اللَّه ﷺ: يَا غُلامُ سمِّ اللَّهَ تَعَالَى، وَكُلْ بِيمِينِكَ، وكُل ممَّا يليكَ فَما زَالَتْ تِلْكَ طِعْمتي بعْدُ. متفقٌ عَلَيهِ.

وتَطِيش: تَدُورُ في نَواحِي الصَّحفةِ.

3/300-وعن ابن عمَر رضي اللَّه عنهما قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقول: كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مسؤول عنْ رعِيَّتِهِ، والأِمَامُ رَاعٍ، ومسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ رَاعٍ في أَهْلِهِ ومسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، والمرْأَةُ راعِيةٌ في بيْتِ زَوْجِهَا ومسؤولة عنْ رعِيَّتِهَا، والخَادِمُ رَاعٍ في مالِ سيِّدِهِ ومسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، فكُلُّكُمْ راعٍ ومسؤول عنْ رعِيتِهِ متفقٌ عَلَيهِ.

الشيخ: هاتان الآيتان مع الأحاديث الثلاثة كلها تدل على أنه يجب على ولاة الأمور أن يقيموا الحدود على من تحت أيديهم، وأن يمنعوهم من محارم الله، وأن يلزموهم بطاعة الله، وهكذا صاحب البيت يقوم على أهله وأولاده ويلزمهم بطاعة الله، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهكذا كل قادر كشيخ القبيلة وأمير القرية وأمير المقاطعة وكل من له سلطة، كل من له سلطة إسلامية أو سلطة من جهة الإمارة أو ما أشبه ذلك أو قبيلة.

فالواجب عليه أن يستعملها في الحق، كل من له سلطة يستعملها في الحق بالطرق الشرعية التي يترتب عليها حصول الخير وزوال الشر، ولا بد من العناية بالعواقب والنظر في العواقب، فإنه لا يجوز لأحد أن ينكر منكرا يحصل بعده شر منه، بل لا بد من العناية بأن يكون من ينكر المنكر ويأمر بالمعروف عنده البصيرة، ويتحرى الحق حتى لا يترتب على عمله ما هو أنكر منه، فولي الأمر لا يلزمه القيام بما أوجب الله عليه من إصلاح الرعية وإلزامها بالحق ومنعها من الباطل وإقامة الحدود عليها وغير هذا مما يلزمها الحق ومما يصونها عن الباطل، وهكذا أمير القرية، أمير المقاطعة، وشيخ العشيرة، شيخ القبيلة، أمير البلد، صاحب البيت، رئيس الهيئة كل من كان له سلطة عليه أن يستعملها بقدر سلطته، قال الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] هذا أمر للنبي ﷺ وهو أمر للأمة كلها، هم أسوة له في الأحكام عليه الصلاة والسلام، فالأمر له أمر للأمة، والنهي له نهي للأمة.

وهكذا قوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] يأمر المؤمنين جميعا يدخل فيهم النبي ﷺ وغيره أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار بطاعة الله واتباع شريعته، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا هو الطريق، هذا طريق النجاة من النار، طريق الوقاية من النار أن تستقيم على طاعة الله وأن تأمر أهلك بذلك، وأن تستعمل جميع الصلاحيات التي تستطيعها في إنكار المنكر والأمر بالمعروف وإلزام الناس بالخير، وتقليل الشر وتكثير الخير، هكذا المؤمن أينما كان، ولهذا يقول جل وعلا: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] هكذا المؤمنون جميعا بعضهم أولياء بعض، كل واحد ولي أخيه، يحبه في الله وينصح له ولا يغشه ولا يخونه في المعاملة ولا يكذب عليه ولا يظلمه ولا يخونه، إخوة أولياء فإذا فعل شيئا من ذلك خيانة أو كذبا أو ظلما فهذا نقص في الإخوة الإيمانية، وضعف في الإخوة الإيمانية، ومعصية لله ، ومن صفات المؤمنين وأخلاقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن هذا الباب حديث أخذ الحسن التمرة من الصدقة، الحسن صغير كان في آخر حياة النبي ﷺ في أول السنة الثامنة من عمره، فإنه ولد في رمضان سنة ثلاث من الهجرة، فعمره حين مات النبي ﷺ سبع سنين وأكثر، والحسين أقل منه بسنة عمره في السابعة، الحسين فلما أخذ تمرة من الصدقة قال له النبي ﷺ: كخ كخ يعني دعها اطرحها أما علمت انها لا تحل لنا الصدقة علمه وهو صغير أن هذا لا يصلح، هكذا ولدك أو أخوك أو اليتيم عندك إذا أخذ سيجارة يبي يشربها ...، أو أخذ شيئا ما يجوز له تمنعه تقول له: ما يصلح هذا، ما يصلح، المقصود إذا تعاطى شيئا لا يجوز تمنعه، كما تأمره بالصلاة إذا بلغ سبعا، تضربه عليها إذا بلغ عشرا، هكذا إذا رأيته يلعب بآلات الملاهي تمنعه وما أشبه ذلك، لأن الأولياء يقومون على الصغار يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

كذلك حديث عمر بن أبي سلمة كان صغيرا، وكان في حجر النبي ﷺ وكان مميزا، وهو ابن أم سلمة، وأبوه قتل يوم أحد، أصابه جراحات ومات في أول السنة الرابعة، وتزوجها النبي ﷺ بعد أبي سلمة، وكانت يده تطيش في الصحفة، تدور يعني من هنا ومن هنا، فقال له النبي ﷺ: يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك فيه تعليم الأولاد الصبيان تعليمهم الآداب الشرعية، يعلمهم أبوهم، وليهم، عمهم، أخوهم، أمهم، الصبي والبنت الصغيرة كلهم يعلمون الآداب الشرعية، ولهذا قال: يا غلام سم الله عند الأكل وكل بيمينك، وكل مما يليك وهذا عند العلماء إذا كان طعام واحد، أما إذا كان ألوانا فإنه يأكل من النوع الثاني الذي ما هو عنده، إذا كان ألوانا مختلفة يأكل من هذا ومن هذا، فالواجب على المؤمن أن يوجه أولاده ويوجه أيتامه ويوجه من تحت يده من خدم وغيرهم حتى يسيروا على الطريق الشرعي، وحتى يتعلموا ويتأدبوا.

وهكذا قوله ﷺ: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته هذا عام يعم رئيس البيت وكبير البيت وكبير العشيرة وكبير القبيلة، مدير الشركة، رئيس الشركة، أمير القرية، أمير المقاطعة، يعم كل أحد معموم كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي هو إمام الكافة راع على من تحت يده ومسؤول عن رعيته يعني السلطان، الملك، وهكذا نوابه في المقاطعات وفي القرى وفي المدن هم رعاة مسؤولون عمن تحت أيديهم حتى يعلموهم ويرشدوهم، ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، ويقيموا عليهم الحدود، هذا طريق الصلاح، وهذا طريق السلامة من غضب الله.

والرجل في نفسه راع في أهل بيته صاحب البيت هو الراعي عليهم، على أولاده وزوجته ومن تحت يده من عمال وخدم ونحو ذلك ومسؤول عن رعيته هل نصح؟ هل أدى حق الله؟ هل أمرهم؟ هل نهاهم؟ هل علمهم؟ مسؤول.

هكذا المرأة صاحبة البيت، أم صاحب البيت أو زوجته التي لها المقام في البيت مسؤولة عن رعيتها، سواء كانت أما أو زوجة أو أختا أو عمة أو خالة، المقصود مسؤولة عن البيت، مسؤولة عن رعيتها، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة فهي راعية، وإذا كان المسؤول غيرها كأمه أو جدته أو أخته الكبيرة فهي مسؤولة.

وهكذا الخادم سواء كان مملوكا أو غير مملوك، الخادم مسؤول وهو المأمور ... البيت، والمكلف بشؤون البيت، مسؤول عن رعيته، مسؤول عما تحت يده، فليتق الله ولينصح وليحذر الغش والخيانة.

ثم قال ﷺ: ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته يعني عام، كل شخص راع حسب طاقته، راع على من تحت يده: زوجته، وأولاده، وكل من تحت يده من عمال وغيرهم، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته يعني مسؤول هل أدى حق الله؟ هل نصح؟ هل أمر بمعروف؟ هل نهى عن منكر؟ هل أدى الحق الذي عليه لرعيته أو تساهل ومشى الأمور على ما يرضي الشيطان؟. وفق الله الجميع.

س: غسل اليدين بعد الأكل؟

ج: غسل اليدين ما ورد فيه شيء صحيح، من فعل فلا بأس ومن ترك فلا بأس، إذا كانت نظيفة فلا حاجة، وإذا كان فيها شيء وسخ أو أشياء يغسلها طيب.

4/301-وعن عمرو بن شُعْيب، عن أَبيه، عن جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مُرُوا أَوْلادكُمْ بِالصَّلاةِ وهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، واضْرِبُوهمْ علَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ، وفرَّقُوا بيْنَهُمْ في المضَاجعِ حديثٌ حسن. رواه أَبُو داود بإِسنادٍ حسنٍ.

5/302-وعن أَبي ثُريَّةَ سَبْرَةَ بنِ مَعْبدٍ الجهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ علَيْهَا ابْنَ عشْرِ سِنِينَ حديث حسنٌ رواه أَبو داود، والترمِذي، وَقالَ: حديث حسن.

ولَفْظُ أَبي داوُد: مرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلاَةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ.

الشيخ: هذان الحديثان فيما يتعلق بالأولاد الذكور والإناث، الواجب على أوليائهم أمرهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا، وضربهم عليها إذا بلغوا عشرا، والتفريق بينهم في المضاجع، لأن ابن عشر قد تتحرك شهوته، فالواجب التفريق بينهم وبين الذكور والإناث، وبين الذكرين أيضا والأنثيين، كل واحد يكون على حدة إذا بلغ عشرا فأكثر، وهذا يدل على أن الواجب على الآباء والأمهات العناية بالأولاد، وتقوى الله فيهم، والحذر من التساهل لأنهم مسؤولون عنهم، وهم في الذمة، فإذا ربوا على الصغر كان هذا أقرب إلى نجاحهم في الكبر، فالواجب تعليمهم وتوجيههم وإرشادهم وأمرهم بالصلاة إذا بلغوا هذا السن سبع سنين، وضربهم عليها إذا تخلفوا إذا بلغوا عشرا فأكثر، أما إذا بلغ الحلم ولم يصل فهذا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل بعد البلوغ، وإنما هذا قبل البلوغ يضرب عليها إذا بلغ عشرا فأكثر حتى يبلغ، أما إذا بلغ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كما قال تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5] فدل على أن من لم يقم الصلاة لا يخلى سبيله، قال ﷺ: نهيت عن قتل المصلين دل على أن من لم يصل لم ينه عن قتله، بل يؤمر بقتله.

ومن ذلك أيضا العناية بتوجيههم إلى الخير وتعليمهم الآداب الشريعة وتحذيرهم من العدوان على الناس، وإيذاء الناس، كل هذا مناط بالأولياء، والله يقول جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6] فهم من الأهل، فالواجب أن يقيهم وليهم النار بالتربية الصالحة، بالتعليم والتوجيه حتى ينشؤوا على الخير ويتمرنوا على الخير ذكورا كانوا أو إناثا. وفق الله الجميع.

39- باب حق الجار والوصية بِهِ

قَالَ الله تَعَالَى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36].

1/303-وعن ابنِ عمرَ وعائشةَ رضي اللَّه عنهما قَالا: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجارِ حتَّى ظَنَنتُ أَنَّهُ سيُوَرِّثُهُ متفقٌ عَلَيهِ.

2/304-وعن أَبي ذرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِذا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَها، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ رواه مسلم.

وفي رواية لَهُ عن أَبي ذر قَالَ: إنّ خليلي ﷺ أَوْصَانِي: إِذا طبخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمعْرُوفٍ.

3/305- وعن أَبي هريرة أَن النَّبيَّ ﷺ قَالَ: واللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ، واللَّهِ لاَ يُؤْمِنُ قِيلَ: منْ يا رسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذي: لاَ يأْمنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية لمسلمٍ: لا يَدْخُلُ الجنَّة مَنْ لاَ يأْمنُ جارُهُ بوَائِقهُ.

الْبَوائِقُ الْغَوَائِل وَالشُّرُّورُ.

الشيخ: هذه الآية الكريمة والأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بعظم حق الجار، وأن الجار له حق عظيم، فالواجب على الجيران فيما بينهم إكرام بعضهم بعضا، وعدم الإيذاء، كل واحد يحرص على إكرام جاره وعدم إيذائه، وأن يتحرى الإحسان إليه، هذا هو الواجب على الجميع كما قال الله جل وعلا: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ [النساء:36] يعني أوصى بالإحسان إلى الجار ذي القربى، والجار الجنب، الجار القريب والجار البعيد، الجنب الجار البعيد، فالجار القريب إذا كان مسلما له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق الجوار، وحق القرابة، وإذا كان مسلما وليس بقريب له حقان: حق الجوار، وحق الإسلام، وإذا كان كافرا وهو قريب له حقان: حق الجوار، وحق القرابة، وإن كان كافرا وليس بقريب له حق واحد: حق الجوار، فالجار له شأن، فالواجب إكرامه والإحسان إليه وكف الأذى عنه.

ولهذا في الحديث الصحيح حديث عائشة وابن عمر يقول النبي ﷺ: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه من كثرة الوصية بالجار عن الله ، لأن بالإحسان إليه تصفو القلوب ويحصل التعاون على البر والتقوى بين الجيران، ويتعاونان على الخير، وإذا حصلت القطيعة والأذى تباعدت القلوب وحصلت الوحشة والشرور.

وفي الحديث الثاني: حديث أبي ذر يقول النبي ﷺ لأبي ذر: إذا طبخت مرة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك يعني جيرانه الفقراء والمحاويج يتعاهدهم بما تيسر من مرقة وما هو أعظم منها، فالجيران يختلفون، قد يحتاج المرقة، قد يحتاج للتمرات، قد يحتاج للريال والريالين، الجيران أنواع، فإن كان غنيا أكرمه بحسن الجوار، بالكلام الطيب، بكف الأذى، وإن كان فقيرا ساعده أيضا مع حسن الجوار، ومع الكرامة، ومع طيب الكلام يساعده بما يتيسر من الطعام والماء.

هكذا يكون الجيران، يكون بينهم التعاون والتواصي بالحق والسيرة الحميدة والتزاور إلى غير هذا من وجوه الخير، وإذا كانت البغضاء حصل شر كبير، ولهذا يقول ﷺ: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من لا يأمن جاره بوائقه إذا كان يخشى شره ساءت الأحوال وجاءت الفرقة والوحشة، فالجار الذي لا يأمنه جاره على خطر، والله لا يؤمن يعني الإيمان الكامل والإيمان الواجب من لا يأمن جاره بوائقه يعني شره وأذاه من سرقة، أو سب، أو صب الماء عند بابه، أو القاذورات عند بابه، أو ما أشبه ذلك من الأذى، أو إيذاء بأصوات الملاهي، أو غير هذا من أنواع الأذى، فالواجب الحذر من جميع أنواع الأذى، ولهذا في الحديث الآخر يقول ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، وفي اللفظ الآخر: فليحسن إلى جاره، وفي اللفظ الثالث: فليكرم جاره. وفق الله الجميع.

س: حدود الجار؟

ج: كل ما قرب فهو أعظم حقا، ما له حد محدود، يروى أربعين دارا لكن في سنده ضعف، لكن كلما قرب منك بابا فهو أولى، كل من كان أقرب بابا فهو أولى، روي عن النبي عليه السلام أن حده أربعون، لكن في سنده ضعف.

4/306-وعن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: يَا نِسَاءَ المُسلِمَاتِ لاَ تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لجارتِهَا وَلَوْ فِرْسَنَ شَاةٍ متفقٌ عَلَيْهِ.

5/307-وعنه أَن رسول اللَّه ﷺ قَالَ: لاَ يَمْنَعْ جارٌ جارَهُ أَنْ يغْرِزَ خَشَبَةً في جِدارِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَبو هريرة: مَالي أَرَاكُمْ عنْهَا معْرِضِينَ، واللَّهِ لأرمينَّ بِهَا بيْنَ أَكْتَافِكُمْ. متفقٌ عَلَيهِ.

رُوى خَشَبهُ بالإِضَافَةِ والجمْعِ، ورُوِي خَشبَةً بالتَّنْوِينَ عَلَى الإِفْرَادِ. وقوله: مالي أَرَاكُمْ عنْهَا مُعْرِضِينَ: يَعْني عنْ هذِهِ السُّنَّةِ.

6/308- وعنه أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَان يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخرِ، فَلْيكرِمْ ضَيْفهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمنُ بِاللَّهِ وَالْيومِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ متفقٌ عَلَيهِ.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها في الحث على إكرام الجار والإحسان إليه، وكف الأذى عنه، وهذا واجب، يجب على الجيران أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يحسن بعضهم إلى بعض، وأن يكرم بعضهم بعضا، وألا يؤذي بعضهم بعضا، هذا هو الواجب على الجميع، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: يا معشر المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة يعني بين الجيران من النساء كما يكون بين الجيران من الرجال لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ولو ظلف شاة، يعني الهدايا ولو الشيء القليل الذي يؤلف بين القلوب ويحصل به التحاب كما في الحديث الآخر تهادوا تحابوا، فتهادي الجيران فيما بينهم وتعاونهم فيما بينهم من إهداء فاكهة أو طعام أو مرق أو غير ذلك فيما بينهم، هذا من أسباب الألفة والمحبة.

ويقول ﷺ: لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره كان أبو هريرة يحدث بها الناس، وكان أميرا على المدينة بالنيابة عن مروان، فقال: "مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم" يعني السنة، كانت البيوت متجاورة، كان بيوت الناس في الغالب متجاورة، قد يكون الجدار بين الشخصين، فإذا احتاج إلى أن يجعل الخشبة على جداره فلا بأس، إذا كان الجدار قويا لا بأس من باب التعاون، هذا يضع خشبه على جدار جاره، وهذا كذلك لا حرج، بل ينبغي التمكين من ذلك، ولا يمنعه إذا كان الجدار يتحمل ذلك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه على جداره يعني عند الحاجة إلى ذلك وعدم المضرة لقوله ﷺ: لا ضرر ولا ضرار فإن كان الجدار لا يتحمل لا يوضع عليه شيء، أما إذا كان يتحمل فلا يمنعه، هذا هو السنة، السنة للجيران فيما بينهم أنهم يتعاونوا ولا يؤذي بعضهم بعضا، ولا يمنع بعضهم بعضا من الرفد والإحسان، أو الارتفاق بشيء من جداره.

والحديث الثالث: يقول ﷺ في حق الضيف: قالوا: يا رسول الله وما جائزته؟ قال: يومه وليلته يعني الغداء والعشاء والضيافة ثلاثة أيام.

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت يعني ليحفظ لسانه، الإيمان يوجب عليك أن تحفظ لسانك، إما أن تقول خيرا، وإما أن تصمت عن الغيبة والنميمة والسب ونحو ذلك، فالمؤمن إما يتكلم بالخير من التسبيح والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله ونحو ذلك، أو يصمت عن الشر، والشاهد قوله: فليكرم جاره فليحسن إلى جاره، فلا يؤذ جاره، الإيمان يدعو إلى هذا، من واجبات الإيمان إكرام الجار والإحسان إليه وكف الأذى عنه، الأذى القولي والفعلي، من أذاه أنك تكب عند بابه القاذورات، تسمعه أصواتا مزعجة، تؤذيه من دش أو غيره مما يؤذيه، وغير ذلك مما يتأذى به الجار، فالواجب الحذر من كل ما يتأذى به الجار من فعل أو قول. وفق الله الجميع.

7/309-وعن أَبي شُريْح الخُزاعيِّ أَن النَّبيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ والْيوْمِ الآخِرِ، فَلْيُحسِنْ إلِى جارِهِ، ومنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفهُ، ومنْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيسْكُتْ رواه مسلم بهذا اللفظ، وروى البخاري بعضه.

8/310- وعن عائشة رضي اللَّه عنها قَالَت: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّه إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلى أَيِّهما أُهْدِى؟ قَالَ: إِلَى أَقْربهمِا مِنْك بَابًا رواه البخاري.

9/311-وعن عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: خَيْرُ الأَصحاب عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى خَيْرُهُمْ لصاحِبِهِ، وخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللَّه تَعَالَى خيْرُهُمْ لجارِهِ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

الشيخ: هذه الأحاديث كالتي قبلها في بيان عظم حق الجار، وأن الواجب على كل مؤمن أن يحسن إلى جاره ويكف الأذى عنه، لأن قوله عليه الصلاة والسلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يدل على أنه من واجبات الإيمان، وأن من مقتضى الإيمان ومن واجبات الإيمان إكرام الجار وكف الأذى عنه، وحفظ اللسان، وإكرام الضيف، تقدم حديث أبي هريرة في هذا، وهو قوله ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت.

وهذا من جنس حديث أبي شريح يقول النبي ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره معناه فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت هذا واجب المسلم، إما أن يقول خيرا، وإما أن يسكت، يحفظ هذا اللسان كما قال تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114]، وقال سبحانه: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وقال سبحانه: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۝ كِرَامًا كَاتِبِينَ ۝ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12] الإنسان عليه مراقبة، يكتبون أعماله وأقواله، كيف يليق به أن يتساهل، لو كان على الإنسان مراقبين ولي الأمر في الدنيا لعظم حذره وخاف من هذه المراقبة، فكيف بمن يراقب من جهة الملك الأعلى سبحانه وتعالى! فالأمر عظيم، فأنت مراقب وأقوالك محفوظة ومكتوبة ومجزي عليها؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، يقول سبحانه: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8].

وفي حديث عائشة الدلالة على أن الجيران يتفاوتون، فكل من كان أقرب بابا فهو أحق بالهدية والإحسان أكثر من البعيد، كل من قرب حقه أكبر، قالت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا هذا يدل على أن الجيران يتفاوتون بالأبواب، فلو كان جدارك ملصقا بجارك، ولكن باب هذا أقرب من هذا، فالعبرة بالأبواب، إذا كانت الهدية يسيرة لا تتسع فالأقرب أولى بالتقديم، فإلى أقربهما منك بابا.

تقدم في حديث أبي ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك إذا تيسر تعاهدهم جميعا، فهذا هو الأفضل، فإن كان الشيء يسيرا فالأقرب فالأقرب من الجيران كما في صلة الرحم، فالرحم يوصل الأقرب فالأقرب حسب الطاقة، فهكذا الجيران الأقرب فالأقرب.

وفي الحديث الثالث: يقول ﷺ: خير الأصحاب خيرهم لصاحبه، وخير الجيران خيرهم لجاره خير الأصحاب خير الزملاء الذي ينفعك ويعينك على الخير ويسددك ويوجهك، هذا خير الأصحاب، الزميل والجليس الذي يعينك على الخير وينبهك على الأخطاء ويواسيك ويأخذ بيدك إلى الخير هذا هو الصاحب الجيد، هذا هو الذي ينبغي أن يلزم.

وخير الجيران خيره لجاره، كلما كان الجار أحسن وأكرم وأفضل في ملاحظة جاره كان خيرا من غيره، والجيران يتفاوتون، فخيرهم وأفضلهم من كان جيدا مع جاره، محسنا إلى جاره، ومن أعظم الإحسان أن تنصحه وأن تدله على الخير، وأن تأمره بالمعروف وأن تنهاه عن المنكر، وأن ترشده إذا جهل وغلط، ما هو مجرد المساعدة بالمال ونحوه لا، أعظم شيء توجيهه إلى الخير ونصيحته والأخذ على يديه، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر حتى تكون سببا لنجاته وسعادته. وفق الله الجميع.

40- باب بر الوالدين وصلة الأرحام

الله تَعَالَى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:36 ]، وَقالَ تَعَالَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1]، وَقالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد:21]، وَقالَ تَعَالَى: وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت:8]، وَقالَ تَعَالَى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيما ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23-24]، وَقالَ تَعَالَى: وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14}.

1/312- عن أبي عبدالرحمن عبداللَّه بن مسعود قَالَ: سأَلتُ النبي ﷺ: أَيُّ الْعملِ أَحبُّ إِلَى اللَّهِ تَعالى؟ قَالَ: الصَّلاةُ عَلَى وقْتِهَا قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِديْنِ قلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الجِهَادُ في سبِيِل اللَّهِ متفقٌ عَلَيهِ.

2/313- وعن أبي هريرةَ قَالَ: قالَ رَسُول اللَّه ﷺ: لا يَجْزِي ولَدٌ والِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مملُوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ، فَيَعْتِقَهُ رواه مسلم.

3/314- وعنه أيضًا أَن رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيوم الآخِر، فَلْيصلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه وَالْيوْمِ الآخِرِ، فلْيقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصمُتْ متفقٌ عليه.

الشيخ: هذه الآيات الكريمات والأحاديث كلها تتعلق ببر الوالدين وصلة الرحم، بر الوالدين من أهم الواجبات، حقهما عظيم من جهة الإحسان إليهما والشكر لهما على جهودهما وأعمالهما، وتحقيق رغباتهما المباحة والمشروعة، والحذر من العقوق والإساءة إليهما، وقد جاءت الآيات الكريمات بذلك في مواضع كثيرة، وهكذا صلة الرحم وهم الأقارب الإحسان إليهم ومساعدتهم في الخير ودفع الأذى عنهم، أقربهم الآباء والأمهات والأولاد، ثم الإخوة، ثم بنوهم وهكذا.

ولهذا يقول جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، ويقول سبحانه: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [النساء:36] الآية، فأمر بالإحسان للوالدين وبذي القربى، قال جل وعلا: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]، والآيات في هذا المعنى كثيرة ترشد إلى بر الوالدين والإحسان إليهما، ومن هذا قوله جل وعلا: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا [الأحقاف:15]، ومن هذا قوله جل وعلا في الأرحام فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23]، ومدح الواصلين فقال: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:21].

فالواجب على الولد أن يصل والديه وأن يكرمهما ويحسن إليهما، وهكذا الجد، والجد كلهم آباء وأمهات بلين القول، وقضاء الحاجة المباحة، ووفاء الدين، والإنفاق عليهما عند الحاجة إلى غير هذا من وجوه النفع، والسمع والطاعة لهما في المعروف، أما في المعصية فلا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومما جاء من الأحاديث في بر الوالدين قوله ﷺ لما سأله ابن مسعود: يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها فالصلاة عمود الإسلام، أهم شيء بعد الشهادتين الصلاة المحافظة عليها وأداؤها في الوقت، والرجل يؤديها في الجماعة، والمرأة تؤديها في الوقت بالطمأنينة والخشوع والحذر من النقر، فهي عمود الإسلام، من حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فقد ضيع دينه، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، يقول فيها النبي ﷺ: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، ويقول فيها ﷺ: من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة، وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف نسأل الله العافية.

ويقول فيها ﷺ: بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة، ويقول ﷺ: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر فالواجب العناية بها والمحافظة عليها سفرا وحضرا، وأداؤها في الجماعة في حق الرجل، والمرأة تؤديها في الوقت بالطمأنينة والخشوع والعناية بها، والحذر من التشبه بأعداء الله المنافقين المتكاسلين عنها، الذين قال فيهم سبحانه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142]، وهكذا يجب على المؤمن أن يعتني بأدائها في الجماعة في المساجد لقوله ﷺ: من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر قيل لابن عباس: ما هو العذر؟ قال: خوف أو مرض.

ثم قال ابن مسعود: يا رسول الله ثم أي؟ قال: بر الوالدين هذا الشاهد يعني بعد الصلاة قال: بر الوالدين دل على عظم شأن برهما، وأنه من أحب الأعمال إلى الله، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله فقدم بر الوالدين على الجهاد، ولهذا لما استأذنه رجل في الجهاد، قال له ﷺ: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد، وفي اللفظ الآخر: ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك وإلا فبرهما.

والحديث الآخر: يقول ﷺ: لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه يعني هذا من الجزاء العظيم كونه يجد والده رقيقا فيشتريه فيعتقه، يخلصه من الرق هذا من أعظم البر، ويقول ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه هذا يدل على أن صلة الرحم من واجبات الإيمان، ولهذا لعن الله من قطع الرحم وقال فيها ﷺ: لا يدخل الجنة قاطع رحم، وقيل: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب. وفق الله الجميع.

4/315- وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: إِنَّ اللَّه تَعَالى خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مُقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعةِ، قَالَ: نَعَمْ أَمَا تَرْضينَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قال فذلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: اقرءوا إِنْ شِئتُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22- 23] متفقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية للبخاري: فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: منْ وَصلَكِ وَصلْتُهُ، ومنْ قَطَعكِ قطعتُهُ

5/316- وعنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحَابَتي؟ قَالَ: أُمُّك قَالَ: ثُمَّ منْ؟ قَالَ: أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوكَ متفقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية: يَا رسول اللَّه مَنْ أَحَقُّ الناس بِحُسْن الصُّحْبةِ؟ قَالَ: أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثمَّ أَباكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ.

والصَّحابة بمعنى: الصُّحبةِ. وقوله: ثُمَّ أباك هَكَذا هُوَ منصوب بفعلٍ محذوفٍ، أي ثُمَّ برَّ أَباك وفي رواية: ثُمَّ أَبُوكَ وهذا واضِح.

6/317-وعنه عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: رغِم أَنْفُ، ثُم رغِم أَنْفُ، ثُمَّ رَغِم أَنف مَنْ أَدرْكَ أَبَويْهِ عِنْدَ الْكِبرِ، أَحدُهُمَا أَوْ كِلاهُما، فَلمْ يدْخلِ الجَنَّةَ رواه مسلم.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها في الحث على بر الوالدين وصلة الرحم، وأن الواجب على المؤمن والمؤمنة أن يبرا الوالدين، وأن يحسنا إلى الوالدين، وأن يصلا الرحم، وفي بر الوالدين الأجر العظيم والثواب الجزيل، وفي صلة الرحم كذلك الخير الكثير، في الحديث الصحيح يقول الرسول ﷺ: إن الله لما خلق الخلق قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك منك القطيعة، فقال الرب عز وجل: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى، وفي اللفظ الآخر: من وصلك وصلته، ومن قطعك بتته، في الحديث الآخر: رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين، والله يقول جل وعلا: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23] فالآية الكريمة والحديث وما جاء في معناه كل ذلك يحذر من قطيعة الرحم، ويوجب صلة الرحم وبر الوالدين، أعظم الرحم بر الوالدين، فأقرب رحم إليك هو والداك، ثم أولادك، فالمؤمن يحرص على بر والديه وصلة رحمه بالكلام والفعال، بالفعل والكلام، ويقول ﷺ: رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف امرئ أدرك أبويه أحدهما أو كليهما فلم يدخلاه الجنة لقطيعته وعدم بره، ويقول ﷺ لما سأله سائل من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك في المرتبة الرابعة، حق الوالدة عظيم فالواجب العناية ببرهما والإحسان إليها أكثر من العناية بالأب، لأن تعبها أكثر وإحسانها إليك أكثر.

وفي اللفظ الآخر: قال رجل: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب.

وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ: لا يدخل الجنة قاطع رحم فالوالدان والأولاد والإخوة وأولادهم، ثم العمومة وهكذا الأقرب فالأقرب يصلهم بالكلام الطيب، بالمال، إن كانوا فقراء مواساتهم بالمال، مكالمتهم بالهاتف، مكاتبهم إذا كانوا بعيدين، المتيسر حسب الطاقة، الشيء الذي يجمع بين القلوب ويطيبها ويحصل به التواصل وعدم الهجران، سواء كان ذلك بالزيارة أو بالمكاتبة أو بالمكالمة الهاتفية على حسب الاستطاعة، مع صلة الرحم بالمال إذا كانوا فقراء، فإن من أعظم الصلة مواساتهم والإحسان إليهم.

7/318- وعن أبي هريرة أَن رجلًا قَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِنَّ لِي قَرابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُوني، وَأُحسِنُ إِلَيْهِمِ وَيُسيئُونَ إِليَّ، وأَحْلُمُ عنهُمْ وَيجْهلُونَ علَيَّ، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْت كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ المَلَّ، وَلاَ يَزَالُ معكَ مِنَ اللَّهِ ظهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دمْتَ عَلَى ذَلكَ رواه مسلم.

وتسِفُّهُمْ بضم التاءِ وكسرِ السين المهملةِ وتشديد الفاءِ. والمَلُّ بفتحِ الميم، وتشديد اللام وَهُوَ الرَّماد الحارُّ: أَيْ كأَنَّمَا تُطْعِمُهُمْ الرَّماد الحارَّ وهُو تَشبِيهٌ لِما يلْحَقُهمْ مِنَ الإِثم بِما يَلْحقُ آكِلَ الرَّمادِ مِنَ الألم، ولا شيء على المُحْسِنِ إِلَيْهِمْ، لَكِنْ يَنَالهُمْ إِثْمٌ عَظَيمٌ بَتَقْصيِرهِم في حَقِه، وإِدخَالِهِمُ الأَذَى عَلَيْهِ، واللَّه أعلم.

8/319- وعن أَنسٍ أَن رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: مَنْ أَحبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزقِهِ، ويُنْسأَ لَهُ في أَثرِهِ، فَلْيصِلْ رحِمهُ متفقٌ عَلَيهِ.

ومعْنى ينسأَ لَهُ في أَثَرِه: أَيْ: يؤخر له في أَجلهِ وعُمُرِهِ.

9/320- وعنه قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَة أَكْثَر الأَنصار بِالمَدينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحبُّ ّأَمْوَالِهِ بِيرْحَاءَ، وكَانتْ مُسْتقْبِلَة المَسْجِدِ، وكَان رسولُ اللَّه ﷺ يدْخُلُهَا، وَيَشْرَب مِنْ ماءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلمَّا نَزَلتْ هذِهِ الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] قَامَ أَبُو طَلْحة إِلَى رسولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: يَا رسولَ اللَّه إِنَّ اللَّه تَبَارَك وتَعَالَى يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] وَإِنَّ أَحب مَالِي إِليَّ بِيَرْحَاءَ، وإِنَّهَا صَدقَةٌ للَّهِ تَعَالَى، أَرجُو بِرَّهَا وذُخْرهَا عِنْد اللَّه تَعَالَى، فَضَعْهَا يَا رَسُول اللَّه حيثُ أَراكَ اللَّه. فقال رسولُ اللَّه ﷺ: بَخٍ، ذلِكَ مالٌ رابحٌ، ذلِكَ مالٌ رابحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلتَ، وإِنَّي أَرى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْربِين فَقَالَ أَبُو طَلْحة: أَفعلُ يَا رَسُول اللَّه، فَقَسَمهَا أَبُو طَلْحة في أَقارِبِهِ وبَنِي عمِّهِ. متفقٌ عَلَيهِ.

وَسبق بَيَانُ أَلْفَاظِهِ في بابِ الإِنْفَاقِ مِمَّا يُحِب.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بصلة الرحم، وسبق بعض الآيات والأحاديث في صلة الرحم، وأنها من أهم الواجبات، كما أن بر الوالدين من أهم الواجبات، فهكذا صلة الرحم وهم الأقارب يصلهم بالمال إذا افتقروا، وبالكلام الطيب وبالسلام وبعيادة المريض وبغير هذا من وجوه البر والخير، سواء كان بنفسه أو بالمكاتبة إذا بعدوا، أو من طريق الهاتف –التلفون-، المقصود أنه تكون بينهم الصلة والمحبة والتعاون لما تقدم في ثنائه سبحانه على من وصل ما أمر الله به أن يوصل، وتحذيره من القطيعة في قوله سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23]، وهنا يقول ﷺ لهذا الرجل الذي قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، يعني يقابلونه بالضد، فقال عليه الصلاة والسلام: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك يعني أنك ما دمت تفعل هذا الفعل فكأنما تسفهم المل، يعني الرماد الحامي، وهو أن هذه تعذبهم وتتعبهم لجهلهم وقطيعتهم، فأنت مأجور ومحسن وهم آثمون، وهم في عذاب من هذه القطيعة، عذاب معجل غير عذاب الآخرة لمن قطع الرحم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة قاطع رحم، وتقدم قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:23] فهذا يفيد الحذر، بعض الناس قد يتساهل في الصلة، إذا رأى من أقاربه جفوة فلا ينبغي ذلك، لا ينبغي أن يقابلهم بالجفوة بل يكون خيرا منهم، إذا أساؤوا لا يسيئ، وإذا جفوا لا يجف، بل يقابلهم بالإحسان، يقول النبي ﷺ: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها هذا الواصل، ويقول ﷺ: من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه.

فصلة الرحم من أسباب بسط الرزق وسعة الرزق، والخلف من الله عز وجل، وطول العمر في طاعة الله، النسأ في الأجل يعني طول العمر، فإن الأعمار لها حد محدود بشروطها التي قدرها الله، فمن أسباب طول العمر ... صلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان والجود، ومن أسباب نزع بركة العمر وقصره قطيعة الرحم، وسوء العمل، ولهذا يقول ﷺ: من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه، تقدم قوله ﷺ: لما خلق الله الخلق قامت الرحم فقالت: يا رب هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الله للرحم: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال الله جل وعلا: من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته، وفي الصحيح يقول ﷺ: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.

ولما نزل قوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] جاء أبو طلحة الأنصاري إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني سمعت الله يقول لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] البر يعني الجنة، وفسر البر بكمال الدين، حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، بستان له عند المسجد طيب، كان النبي ﷺ يدخل هذا البستان ويشرب من ماء فيه طيب، وإني قد جعلتها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال له النبي ﷺ: بخ بخ المعنى يعني عظيم طيب هذا ذلك مال رابح، ذلك مال رابح يعني فعلك هذا مال رابح، وأي ربح أعظم من كونه يعامل الله ويحسن ويتصدق على أرحامه، يرجو ما عند الله، هذا مال رابح، وفي لفظ مال رايح يعني يروح عليك ثوابه، أو مال ذاهب في الدنيا لكن تجد ثوابه عند الله جل وعلا، وإني أرى أن تضعها في الأقربين فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها بين أقاربه، قسم بيرحاء بين أقاربه وانتفع بها أقاربه، تقاسموها وباعوها بأثمان عظيمة وانتفعوا بذلك، ففي هذا الصلة للرحم بالأرض، بالنخل، بالبيت، بالنقود، يصل الرحم بما يسر الله من نقود، من أراضٍ، من سكن، من سيارة، من غير ذلك بما يسر الله، توصل الرحم بما يسر الله من المال القليل والكثير، كل على حسب حاله فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن:16].

ومن أعظم الوصل للرحم أن تنصحهم وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وأن تجتهد في صلاحهم واستقامة أحوالهم حتى تكون سببا لدخولهم الجنة ونجاتهم من النار، هذا من أعظم الصلة تتفقد أحوالهم وتنصح لهم وتعينهم على الخير، توجههم، ترشدهم، تقف معهم في أعمال الخير، تنصحهم في ترك أعمال الشر، ومن أظهر المعصية وجاهر بها ينصح، فإن استقام وإلا وجب هجره حتى يستقيم، حتى يرجع، حتى يتوب إذا أظهر المعاصي والبدع، أما من كان معصيته سرا فهذا ينصح سرا. وفق الله الجميع.