23 من حديث (لا يتمن أحدكم الموت..)

67- باب كراهية تمني الموت بسبب ضررٍ نزل بِهِ وَلا بأس بِهِ لخوف الفتنة في الدِّين

1/584- عنْ أَبي هُريرة : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ، إِمَّا مُحسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ البخاري.

وفي روايةٍ لمسلم: عن أَبي هُريْرةَ ، عَنْ رسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: لا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ، وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذا ماتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لا يَزيدُ المُؤْمِنَ عُمرُهُ إِلَّا خَيرًا.

2/585- وعن أنسٍ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ: لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ أَحْيِني مَا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّني إِذا كانَتِ الوفاةُ خَيرًا لي متفقٌ عليه.

3/586- وعَنْ قَيسِ بنِ أَبي حازمٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلى خَباب بنِ الأرَتِّ نَعُودُهُ، وَقَدِ اكْتَوى سَبْعَ كَيَّاتٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَصْحابنا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا ولَم تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا، وإِنَّا أَصَبْنَا مَا لا نجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلا التراب، ولَوْلا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهانَا أَنْ نَدْعُوَ بالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ. ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وهُوَ يَبْني حَائِطًا لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ المُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيءٍ يُنْفِقُهُ إِلا فِي شَيءٍ يَجْعَلُهُ في هَذَا الترابِ. متفقٌ عَلَيْهِ، وهذا لفظ رواية البخاري.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة وما جاء في معناها كلها تدل على أنه ينبغي للمؤمن ألا يتمنى الموت، ولا يدعو به، فإنه كما قال ﷺ إما محسن فلعله أن يزداد، وإما مُسيء فلعله أن يستعتب، يعني: يتوب، وفي اللفظ الآخر: فإنَّ عمر المؤمن لا يزيده إلا خيرًا.

وفي حديث أنسٍ يقول ﷺ: لا يتمنين أحدُكم الموتَ لضرٍّ نزل به، فإن كان لا محالةَ فليقل: اللهم أحيني إذا كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي يعني: يُعلق دعوته بما يختاره الله له من كونه الأصلح.

وهكذا خباب بن الأرت لما أصابه المرض الكثير واكتوى سبع كيات قال: "لولا أنَّ رسول الله نهانا عن تمني الموت لتمنيتُ الموت"، ثم بيَّن أن النبي ﷺ قال: إنَّ المؤمن يُؤجر في كل شيءٍ من عمله في طاعة الله جلَّ وعلا: في وجوه الخير، في مواساة الفقراء، وفي غير هذا، إلا ما يضعه في التراب، يعني: إلا ما يكون في البناء، فهذا لا أجر فيه، وهذا والله أعلم إذا كان يبني ما لا يحتاج إليه، أما إذا كان يحتاج إليه لسكنه أو أهله والغنية عن الناس فهذا يُرجى له فيه الأجر.

والمقصود من هذا كله أن المؤمن يصبر ويتحرى الأجر، ولا يجزع، ولا يسخط عند المصائب، بل يتصبر ويتحمل ويرجو ثواب الله، ويرجو مغفرته ورحمته فيما أصابه، وما أصاب المسلم -حتى الشوكة- من همٍّ ولا غمٍّ، ولا نصبٍ ولا وصب، ولا شيء من الأذى حتى الشوكة يُشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه.

وفي دعاء النبي ﷺ في حديث عمار: اللهم بعلمك الغيب، وقُدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، فهذا دعاء عظيم مُعلَّق: اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، وهو ما جاء في حديث أنسٍ، كان دائمًا يقول: إن كان ولا بدَّ فليقل: اللهم .. هذا دعاء لا بأس به، أما أن يقول: اللهم أمتني، اللهم عجل موتي. لا، ما ينبغي هذا؛ لأن حياته قد يكون فيها خيرٌ؛ قد يُرزق فيها أعمالًا صالحةً، قد يُرزق فيها توبةً، فلا يستعجل.

وفَّق الله الجميع.

68- باب الورع وترك الشّبهات

قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15].

وقال تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

1/587- وعن النُّعمان بنِ بَشيرٍ رضيَ اللَّه عنهما قال: سمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ، وإِنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهما مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَن اتَّقى الشُّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشبُهاتِ وقَعَ في الحَرامِ، كالرَّاعي يَرْعى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَع فِيهِ، أَلا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمهُ، أَلا وإِنَّ فِي الجسَدِ مُضغَةً إِذَا صلَحَت صَلَحَ الجسَدُ كُلُّهُ، وَإِذا فَسَدَتْ فَسدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِي القَلْبُ متفقٌ عَلَيْهِ. ورَوَياه مِنْ طُرُقٍ بأَلْفاظٍ مُتَقارِبَةٍ.

2/588- وعن أَنسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ، فقالَ: لَوْلا أَنِّي أَخافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأكَلْتُها متفقٌ عَلَيْهِ.

3/589- وعن النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: البرُّ حُسنُ الخُلُقِ، وَالإِثمُ مَا حاكَ فِي نفْسِكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلعَ عَلَيْهِ النَّاسُ رواه مسلم.

"حاكَ" بالحاءِ المهملة والكاف، أَيْ: تَرَدَّدَ فيهِ.

الشيخ: هذه الآيات والأحاديث فيما يتعلق بالورع عمَّا يشتبه وترك المشتبهات حذرًا من الوقوع في الحرام، فالمؤمن يبتعد عمَّا حرم الله، وعن كل ما قد يُؤدي إلى ذلك من المشتبهات، قال الله جلَّ وعلا: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15] في الرد على أهل الإفك، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، فالإنسان قد يتعاطى بعض الأشياء يحسبها هينةً، وهي عند الله عظيمة، وقال جلَّ وعلا: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] يعني: لا تخفى عليه خافية، بل يعلم كل ما صدر من العباد، وكل شيء فهو محيط به جلَّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5]، لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12]، فجدير بالمؤمن أن يحذر نقمة الله وغضبه، وأن يحذر المشتبهات التي قد تُؤدي به إلى الحرام.

في حديث النعمان بن بشير الأنصاري يقول أنه سمع النبي ﷺ يقول: الحلال بيّن، والحرام بيّن يعني: أن الحرام قد بيَّنه الله، والحلال قد بيَّنه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، وهناك أمور قد تشتبه: مشتبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس يعني: هناك أمور قد يخفى دليلها، وقد تشتبه على بعض الناس الذين ليس عندهم رسوخ في العلم: وبينهما مشتبهات لا يعلمهنَّ كثير من الناس، ثم بيَّن حكمها فقال ﷺ: فمَن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام يعني: مَن حذرها استبرأ لدينه وعرضه وسلم، ومَن تساهل فيها جرَّه ذلك إلى الوقوع في الحرام، مَن تساهل فيها جرَّه التَّساهل إلى الوقوع في المعاصي الظاهرة.

كالراعي يرعى حول الحمى يُوشك أن يقع فيه الراعي البعيد الغالب أنه يسلم؛ لأنه إذا مالت غنمه أو إبله أمكن أن ينتبه لها قبل أن تصل إلى الحمى لبُعده، أما إذا كان يرعى حول الحمى لو نعس أو غفل رتعت في الحمى، هكذا الإنسان إذا تعاطى المشتبهات يوشك أن يقع في الحرام، بخلاف ما إذا تركها وابتعد عنها.

ألا وإنَّ لكل ملكٍ حمى، ألا وإنَّ حمى الله محارمه كل ملكٍ له حمى في الغالب، للإبل وغيرها، والخيل ونحو ذلك.

ألا وإنَّ حمى الله محارمه حمى الله الذي يجب الحذر منه، ويجب الحذر من انتهاكه: محارم الله، المعاصي هي حمى الله، يجب الحذر من الوقوع فيها.

ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب القلب متى صلح وعمر بالتقوى استقامت الجوارح، ومتى اختلَّ القلبُ وفسد انقادت الجوارح للباطل، فجدير بالمؤمن أن يُعنى بقلبه، ويجتهد في صلاح قلبه وعمارة قلبه بتقوى الله وخشية الله حتى تصلح الأعضاء، حتى يصلح العمل.

ويقول أنس : أن النبي ﷺ مرَّ على تمرةٍ في الطريق فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتُها، في بعض الروايات: يقع في بيته حول فراشه شيء من التمرة فيقول: لولا أني أخشى أن يكون من الصدقة لأكلتها؛ لأنَّ الله حرَّم على النبي ﷺ وأهل بيته الزكاة، قال: إنها لا تنبغي لآل محمدٍ، فيتورع من تمرةٍ يجدها في الطريق أو حول فراشه، يخشى أن تكون من الزكاة فلا يأكلها عليه الصلاة والسلام، وهذا كله من كمال ورعه وكمال إيمانه.

ويقول ﷺ في حديث النواس بن سمعان: البر حُسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس فحسن الخلق من البرِّ: البرُّ حُسن الخلق معناه أنَّ حُسن الخلق من البرِّ مثل: الدين النصيحة يعني: أن حُسن الخلق مع الناس وطيب الكلام والرفق من البرِّ، وسوء الخلق من الإثم، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ما تردد في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس مخافة أن يكون محرمًا اتركه، ولا تأتِ إلا الشيء الواضح الذي تعلم أنه حلال. وفَّق الله الجميع.

4/590- وعن وابصةَ بنِ مَعْبِدٍ قَالَ: أَتَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ فَقَالَ: جِئْتَ تسأَلُ عنِ البِرِّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البِرُّ: مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، واطْمَأَنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، والإِثمُ مَا حاكَ في النَّفْسِ وتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوكَ حديثٌ حسن، رواهُ أحمدُ والدَّارمِيُّ في "مُسْنَدَيْهِما".

5/591- وعن أَبي سِرْوَعَةَ -بكسر السين المهملة وفتحها- عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ : أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأبي إِهاب ابنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَد أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالتي قَدْ تَزَوَّجَ بِهَا، فَقَالَ لَها عُقبةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرضَعْتِني وَلا أَخْبَرتِني، فَرَكبَ إِلى رسُولِ اللَّهِ ﷺ بالمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ ففَارقَهَا عُقْبَةُ ونكَحَتْ زَوْجًا غيرَهُ. رواهُ البخاري.

"إِهَاب" بكسرِ الهمزة، وَ"عزِيزٌ" بفتح العين، وبزاي مكررة.

6/592- وعن الحَسَنِ بن عَليٍّ رضيَ اللَّهُ عنهما قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلى مَا لا يرِيبُك رواهُ الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

ومعناهُ: اتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِيهِ، وخُذْ مَا لا تَشُكَّ فِيهِ.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها في الحثِّ على ترك المشتبهات، والعناية بالأمور الواضحة، وأن يحتاط المؤمن لدينه، وأن يجتهد حتى لا يقدم إلا على شيءٍ واضح قد أحلَّه الله له، وعلى أمرٍ واضحٍ قد حرَّمه الله عليه، فالمؤمن يتحرى الحقَّ، ويجتهد في معرفة أسبابه ووسائله، ولا يكون غافلًا مُعرضًا متساهلًا.

تقدم قول النبي ﷺ في حديث النواس بن سمعان: البرُّ حُسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس الإثم ما حاك في نفسك يعني: تردد في نفسك هل هو حرام أو ما هو بحلال؟ وكرهت أن يطلع عليه الناس لئلا يظنوا بك السوء، يعني: فاجتنبه.

وهكذا حديث وابصة حين قال له: جئتَ تسأل عن البرِّ والإثم، استفت قلبك، البرُّ ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك في الأمور المشتبهة، أما ما وضح دليله فالحمد لله ليس للشك فيه محل، أما ما اشتبهت أدلته فاجتناب المشتبه أولى، فإذا اطمأنت النفس واطمأن القلب فهذا من أسباب الراحة، ومن أسباب وضوح الحقِّ، وإذا كانت هناك شبهة؛ حاك في النفس الأمر الموجود من حلٍّ أو حرمةٍ، وتردد في الصدر؛ دعه، وإن أفتاك الناس وأفتوك على غير بصيرةٍ، أما ما قام عليه الدليل فالحمد لله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، قال : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، فإذا خفي الدليل ولم يوجد الدليل لا من كتابٍ ولا من سنةٍ، واشتبه الأمر؛ فدع المشتبه كما تقدَّم في حديث النعمان: مَن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.

وهكذا حديث الحسن بن عليٍّ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك يعني: دع ما فيه شك وشبهة إلى الشيء الواضح.

وهكذا حديث عقبة بن الحارث أبو سروعة لما أتته امرأة تقول أنها أرضعته وفلانة، استفتى النبي ﷺ فقال: كيف وقد قيل؟، وفي اللفظ الآخر: دعها عنك، فارقها ففارقها عقبة، فدلَّ على أن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع تُقبل إذا كانت ثقةً؛ لأنَّ هذا مما يعلمه النساء في الغالب ويختص به النساء، فإذا شهدت امرأةٌ ثقة أنها أرضعت فلانًا وفلانةً، أو امرأتان أو ثلاث أو أكثر عُمل بذلك وإن لم يكن هناك رجال؛ لأنَّ الرضاعة في الغالب يعرفها النساء، فإذا شهدت امرأة ثقة أنها أرضعت فلانًا مع فلانة، فإن هذه الشهادة يُعمل بها إذا كانت القائلة ثقة. وفَّق الله الجميع.

.......... قال: هذا شيء أخذتُه من فلانٍ تكهنتُ له في الجاهلية، وما أُحسن الكهانة، ولكني خدعتُه فأهدى لي هذا الذي أكلتَ منه، فأدخل يده في فمه وقاء كل شيءٍ ؛ لأنه عرف أن هذا الذي جاء به الغلام منكر خبيث؛ عوض أخذه في مقابل الكهانة المحرمة، فهذا فيه التحرز من الطعام المحرم، وهذا من شدة ورعه قاءه؛ لكونه اعتقد أنه خبيث محرم، فهذا يدل على شدة ورع الصديق وحذره مما به شبهة أو ما هو محرم.

وهكذا عمر من ورعه: كان ضرب للمهاجرين مساعدةً سنويةً -عطايا يُسمونها: العطاء، من بيت المال، كل واحدٍ يُعطى أربعة آلاف مساعدةً له من بيت المال- وجعل لابنه ثلاثة آلاف وخمسمئة، فقال له بعضُ الناس: لماذا نقصت ابنك وهو من المهاجرين؟! قال: لأنه هاجر مع أبيه، ليس بمستقلٍّ، فنقصته بعض الشيء، هذا أيضًا من ورع عمر رضي الله عنه في نقصه مساعدة ابنه السنوية التي ضربها للمُهاجرين في بيت المال، وهذا فيه الدلالة على أنَّ ولي الأمر له أن يُخصص للرعية مساعدةً ماليةً أو شهريةً على حسب سعة المال للمُهاجرين، للفقراء، شهرية أو سنوية، لا بأس بهذا إذا رأى ولي الأمر أن يخصّ الرعية أو المهاجرين منهم أو الفقراء منهم بشيءٍ من بيت المال سنويًّا أو شهريًّا مساعدةً لهم من بيت المال؛ لأنَّ بيت المال للمسلمين وهم منه.

والحديث الثالث حديث عطية السعدي: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا يبلغ العبدُ أن يكون من المتقين يعني الكمال حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس يعني: لا يبلغ حقيقة التقوى وكمالها حتى يدع الشيء الذي لا بأس به حذرًا مما به بأس، يعني: حتى يدع المشتبه مخافة أن يقع في المحرم، هذا من كمال الإيمان، ومن كمال التقوى. وفَّق الله الجميع.

س: فعل الصديق الذي يأكل الحرام ويعلم بعدما أكل هل يقيء؟

ج: إذا قاءه فحسن، وإلا فالظاهر ما هو بلازم؛ لأنه قد يشقّ عليه القيء، وهو معذور ما درى، لكن إذا قاءه تأسيًا بالصديق ، النبي عليه السلام قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء.

س: مَن يتعامل بالربا هل تُقبل هديته أو عطيته؟

ج: إذا كانت أمواله كلها ربا لا، أما إذا كانت له أعمال ربوية وأعمال أخرى فلا بأس؛ مثلما اشترى النبي من اليهود وهم يتعاطون الربا، اشترى منهم طعامًا؛ لأنهم يأكلون الربا، وعندهم أعمال أخرى، أما إذا كان لا، إنسان ما عنده دخل إلا الربا فلا، لا تُقبل معاملته.

س: من كان عنده مال مختلط بين الحلال والحرام هل يخشى عليه من عدم؟

ج: المختلط لا بأس أن يُعامل، وهو عليه أن يتَّقي الله ويحذر.

س: هل يخشى عليه من عدم قبول الدعاء؟

ج: وهو من أسباب عدم قبول الدعاء، أكل الربا وأكل الحرام من أسباب عدم قبول الدعاء.

س: حديث عطية صحيح؟

ج: لا بأس به، جيد.

69- باب استحباب العزلة عند فساد الزمان أو الخوف من فتنةٍ في الدين أو وقوع في حرام وشبهات ونحوها

قَالَ الله تَعَالَى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50].

1/596- وعن سعد بن أَبي وقَّاص قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُول: إِنَّ اللَّه يُحِبُّ العَبدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الْخَفِيَّ رواه مسلم.

والمُرَاد بـ"الغَنِيِّ": غَنِيُّ النَّفْسِ، كَمَا سَبَقَ في الحديث الصحيح.

2/597- وعن أَبي سعيدٍ الخُدريِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَيُّ النَّاسِ أفضَلُ يا رسولَ اللَّه؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفسِهِ وَمَالِهِ في سَبيلِ اللَّه، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ رَجُلٌ مُعتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِن الشِّعَاب يَعبُدُ رَبَّه.

وفي روايةٍ: يتَّقِي اللَّه ويَدَع النَّاس مِن شَرِّهِ متفقٌ عَلَيْهِ.

3/598- وعنه قالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: يُوشِك أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَال المُسْلِم غَنَمٌ يَتتبَّعُ بهَا شَعَفَ الجِبَال وموَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدينِهِ مِنَ الفِتنِ رواه البخاري.

و"شَعَف الجِبَالِ": أَعْلاهَا.

الشيخ: هذه الأحاديث والآية الكريمة فيما يتعلق بالفرار من أسباب الفتن، والحذر من الاجتماعات الضارة، وأنه ينبغي للمؤمن إذا كان وجوده في البلد يُسبب خطرًا على دينه بسبب كثرة الفتن أو الشرور فلا بأس أن يعتزل في شعبٍ من الشعاب، أو في هجرة من الهجر التي ليس فيها فتنة، يفر بدينه من الفتن.

المؤمن مع إخوانه أفضل إذا استقامت الأحوالُ، كونه من الجماعة: يُصلي معهم، ويصوم معهم، ويتحدث معهم أولى وأفضل، لكن إذا عرضت أمور وتغيرت الأحوال وانقسم الناس وصارت الشَّحناء بين الناس هذا هو محل الفرار، يقول ﷺ: إنَّ الله يُحب العبدَ التَّقي الغني الخفي الغني يعني: غني القلب، كما في الحديث الصحيح: ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس، الخفي يعني: الذي لا يُحب الشهرة، لا يتعاطى الشهرة، ولا يتعرض لأسباب الرياء والفخر والشهرة، بل هو ماشٍ بين الناس، وجالس بين الناس، ودارج بين الناس من غير تطلبٍ للشهرة والفخر والخيلاء ونحو ذلك، بل هو راضٍ بحالته التي ليس فيها تعرض للفتنة.

ويقول ﷺ لما قيل له: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن مجاهد في سبيل الله، قيل: ثم مَن؟ قال: مؤمن في شعبٍ من الشِّعاب يعبد الله ويدع الناس من شرِّه، هذا عند العلماء عند الفتنة، عند وجود الفتن وتغير الأحوال في المدن والقرى، كونه يعتزل أفضل له، أما مع الاستقامة ومع وجود التَّعاون على البرِّ والتقوى بين المسلمين فالأولى عدم الاعتزال، وأن يكون مع إخوانه في طاعة الله: في التعاون على الخير، في الإحسان إلى الناس، في نشر العلم، في نشر الدعوة إلى الخير، هذا هو المطلوب، وهذا هو الأفضل، لكن عند خوف الفتنة لاختلاف الشعوب وظهور الفتن بينهم والشحناء كونه في شعبٍ من الشِّعاب يعبد الله ويدع الناس من شرِّه هذا هو الأفضل بعد المجاهد في سبيل الله.

وهكذا الحديث الثالث يقول ﷺ: يُوشك يعني: يقرب أن يكون خير مال المرء غنم يتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر، يفرُّ بدينه من الفتن، كما قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50]، وقد وقع هذا في عهد الفتن في زمن الحجاج وبعده، فالمؤمن يتحرى القرى المناسبة والاجتماعات المناسبة التي يأمن فيها على دينه، ولا يخشى فيها الفتنة، فيفرّ من قريةٍ إلى قريةٍ، ومن بلدٍ إلى بلدٍ يطلب الهدوء والاستقامة والراحة وعدم التعرض للفتنة، أما إذا كانت البلد مستقيمةً، والحالة مستقيمة فلا يخرج ولا ينتقل، بل يكون مع إخوانه في صلاتهم واجتماعاتهم والتَّعاون على البرِّ والتقوى.

ومن هذا حديث حذيفة في "الصحيحين": قلت: يا رسول الله، جاءنا الله بهذا الخير على يدك، فهل بعد هذا الخير من شرٍّ؟ قال: نعم، قلت: يا رسول الله، وهل بعد ذلك الشرّ من خيرٍ؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتُنكر، قلت: يا رسول الله، فهل بعد ذلك الخير الذي فيه دخن شرّ؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلَّمون بألسنتنا يعني: عرب فُصحاء يتكلَّمون بالدعوة إلى البدعة والشر والفساد والكفر والضلال، قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إذا أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ على أصل شجرةٍ حتى يُدركك الموت وأنت على ذلك.

فهذا يُفيد أن الواجب التعاون مع أهل الخير، ومع أهل الهدى، ولزوم جماعة المسلمين، لزوم جماعة أهل الخير، فإذا جاءت الفرقة والاختلاف والتنازع الذي يخشى المرء على دينه انتقل واعتزل إلى جهةٍ أخرى، سواء شِعب من الشِّعاب، أو قرية هادئة، أو بلدة هادئة يأمن فيها على دينه عند الاختلاف والنزاع والفتن. وفَّق الله الجميع.

س: .............؟

ج: الحمد لله في المملكة هدوء والحمد لله، ولا فيها فتن والحمد لله، لكن في بعض البلدان فيها فتن القبور وفتن البدع، فإذا تيسر أن يخرج منها إلى قريةٍ سليمةٍ، مثلما في مصر والشام والعراق وغيرها، فإذا تيسر أن ينتقل منها إلى بلدٍ سليمةٍ لا بأس، طيب، أو في الجزائر وتونس وغيرها فيها شرٌّ عظيم، فإذا تيسر له أن ينتقل إلى بلدٍ سليمةٍ أو قريةٍ سليمةٍ أو هجرةٍ سليمةٍ يُقيم فيها دينه هذا هو المطلوب.

س: ............؟

ج: إذا كان يأمن ولا عليه خطر يجلس حتى يدعو إلى الله ويُعلم الناس، إذا كان يرى أن جلوسه أصلح يجلس حتى يُعلم الناس، ولو وحده.

4/599- وعنْ أَبي هُريرة ، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّه نَبِيًّا إِلا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَال أَصْحابُه: وَأَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلى قَرارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ رواه البخاري.

5/600- وعنه، عَنْ رسولِ اللَّه ﷺ أَنه قَالَ: مِنْ خَير مَعَاشِ النَّاسِ لهم رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرسِهِ في سَبِيلِ اللَّه، يَطيرُ عَلى مَتنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتلَ أَو المَوْتَ مظَانَّه، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيمَةٍ في رَأْسِ شَعَفَةٍ مِن هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطنِ وادٍ مِن هَذِهِ الأوديَةِ، يُقِيم الصَّلاةَ، ويُؤتي الزَّكاةَ، ويَعْبُد رَبَّهُ حتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ، ليسَ مِنَ النَّاسِ إِلا فِي خَيْرٍ رواه مسلم.

"يَطِيرُ" أَي: يُسرع.

"ومَتْنُهُ": ظَهْرُهُ.

"وَالهَيْعَةُ": الصوتُ للحربِ. "وَالفَزَعَةُ": نحوهُ.

وَ"مَظَانُّ الشَّيءِ": المواضعُ الَّتي يُظَنُّ وجودُه فيها.

"والغُنَيمَةُ" بضم الغين تصغير: الغنم.

"الشَّعْفَةُ" بفتح الشِّين والعين: هي أَعْلى الجبَل.

70- باب فضل الاختلاط بالناس وحضور جمعهم وجماعاتهم, ومشاهد الخير, ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم، وحضور جنائزهم، ومواساة محتاجهم, وإرشاد جاهلهم, وغير ذلك من مصالحهم, لمَن قدر عَلَى الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر, وقمع نفسه عن الإيذاء، وصبر عَلَى الأذى.

اعْلم أَنَّ الاخْتِلاط بالنَّاسِ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ المختارُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رسولُ اللَّه ﷺ وسائِرُ الأنبياءِ صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عَلَيْهِمْ، وكذلك الخُلفاءُ الرَّاشدونَ، وَمَنْ بعدهُم مِنَ الصَّحَابةِ والتَّابعينَ، ومَنْ بَعدَهُم من عُلَمَاءِ المسلمينَ وأَخْيارِهم، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ التَّابعينَ ومَنْ بعدَهُم، وَبِهِ قَالَ الشَّافعيُّ وأَحْمَدُ وأَكْثَرُ الفُقَهَاءِ رضي اللَّه عنهم أَجمعين.

قال تَعَالَى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، والآيات في معنى ما ذكرته كثيرة معلومة.

الشيخ: هذه الأحاديث فيها الدلالة على التواضع وعدم التكبر، وأن رعاية الغنم من شأن الأخيار، وأنها فعلها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فينبغي للمؤمن أن يتواضع، وأن يحذر التكبر والتعاظم على الناس، بل يتأسَّى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في التواضع والكسب الحلال والعزلة عن الشرِّ وأهل الشر.

يقول ﷺ: ما بعث الله من نبيٍّ إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتُها في قريشٍ على قراريط، والمعنى: أنَّ الله جلَّ وعلا يُوفق الأنبياء للرعاية حتى يستفيدوا منها فينتقلوا من رعاية البهائم إلى رعاية بني آدم، فإن رعاية الغنم تحتاج إلى عنايةٍ: التماس المرعى الطيب، والطرق الطيبة، والرفق بالرعية، ومُداواة جريحها، والعناية بالحاجة إلى الفحل والنسل، إلى غير ذلك، فالأنبياء عليهم أن يرعوا الأمم بالتعليم والتوجيه والنصيحة، ومواساة الفقير، وغير هذا من وجوه الخير، فينتقل الراعي للغنم إلى رعاية المكلَّفين، فيستفيد من ذلك ما تقدم، كذلك المؤمن يُخالط الناس ويصبر على أذاهم، ويبتعد عن أسباب الشرِّ بحيث لا يرعى حول الحمى، يبتعد عن أسباب الشرِّ.

كذلك يقول ﷺ: خير الناس رجلٌ مؤمنٌ مجاهدٌ في سبيل الله، يطير كلما جاءت هيعة أو صيحة يطلب الجهاد، يطلب الشهادة، والثاني: مؤمن في شعبٍ من الشِّعاب يعبد الله ويدع الناس من شرِّه.

هكذا المؤمنون يتحرون السلامة لدينهم، فالمؤمن الذي يُجاهد في سبيل الله أو يُخالط الناس ويصبر على الأذى لمنفعتهم وتوجيههم وإرشادهم مطلوب، وإذا لم يتيسر ذلك اعتزل في شعبٍ من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شرِّه، لكن مهما أمكن أن يُخالط الناس وأن يصبر على أذاهم وأن يُعلمهم ويُرشدهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر كان هذا هو الأفضل، كما هو عمل الأنبياء، كما قال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، وقال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3]، وفي الحديث يقول ﷺ: المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، فالذي يُخالط الناس ويصبر على الأذى ويدعو إلى الخير ويُعلم الجاهل ويُرشد الضَّال ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هذا أفضل، وهذه طريقة الأنبياء، وأعمال الأنبياء. وفَّق الله الجميع.

71- باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين

قَالَ الله تَعَالَى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215].

وقال تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54].

وقال تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

وقال تَعَالَى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].

وقال تَعَالَى: وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ۝ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف:48- 49].

1/601- وعن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ: إِنَّ اللَّه أَوحَى إِليَّ أَنْ تَواضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحدٍ، وَلا يَبغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ رواه مسلم.

2/602- وعَنْ أَبي هريرة : أَن رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: مَا نَقَصَتْ صَدقَةٌ مِنْ مالٍ، وَمَا زَادَ اللَّه عَبدًا بِعَفوٍ إِلا عِزًّا، ومَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ رواه مسلم.

3/603- وعن أَنسٍ : أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبيانٍ فَسَلَّم عَلَيْهِم وقال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.

الشيخ: هذه الآيات الكريمات والأحاديث النبوية كلها تدل على شرعية خفض الجناح والتواضع وعدم التكبر والتَّفاخر، وأن الواجب على المؤمنين والمؤمنات جميعًا التواضع لله، وخفض الجناح للمؤمنين، وعدم التكبر بالغنى أو بالنسب أو بالشرف أو ما أشبه ذلك، فالناس بنو آدم، وآدم خُلق من ترابٍ، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى الذكر آدم، والأنثى حواء وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13]، للتعارف، ما هو للتفاخر والتكبر، لا، ولكن للتعارف، هذا سبيعي، هذا مطيري، هذا قحطاني، هذا قصيمي، هذا مكي، هذا مدني، إلى غيره، ما هو بالتفاخر والتكبر، ولكن ليتعارف الناس؛ هذا يعرف أن قبيلته كذا، وهذا قبيلته كذا، وهذا جماعته كذا، وهذا بلده كذا: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، أكرم الناس أتقاهم، قيل: يا رسول الله، مَن أكرم الناس؟ قال: أتقاهم مثلما قال ربنا عزَّ وجل، أتقاهم لله، وأقومهم بحقِّه هو الأكرم عند الله، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فلا ينبغي للعاقل أن يغترَّ بماله أو نسبه أو صحته أو وظيفته أو ما أشبه ذلك، يقول ﷺ: تُنكح المرأة لأربعٍ: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك.

يقول جلَّ وعلا: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88]، وقال جلَّ وعلا: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [المائدة:54]، أذلة يعني: يخفضون الجناح، يتواضعون، وقال جلَّ وعلا: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم:32]، وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، لماذا تفخر؟! أنت من طين، من تراب، فلا يليق بك أن تفخر لأنك ولد فلان، أو لأنك تملك كذا، أو عندك كذا، لا، بل عليك التواضع، ومحبة إخوانك في الله، والتعاون معهم على البرِّ والتقوى، والتواصي بالحقِّ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا تغترّ بمالٍ أو حسبٍ أو نسبٍ أو وظيفةٍ مثلما قال ﷺ: الناس بنو آدم، وآدم خُلق من ترابٍ، لا فضلَ لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، وفي اللفظ الآخر: ولا لأسود على أبيض، ولا لأحمر على أسود، ألوانهم وأنسابهم وأموالهم لا تُقربهم عند الله زلفى، ولا ترفعهم عند الله، إنما يرفعهم عملهم الطيب، وأخلاقهم الكريمة، وصلاح أمرهم، هذا هو الذي يرفعهم عند الله.

يقول ﷺ: إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحدٌ على أحدٍ، ولا يفخر أحدٌ على أحدٍ، فهذا هو الواجب على الجميع.

ويقول ﷺ: ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، ولا تواضع أحدٌ لله إلا رفعه، فالتواضع من أسباب الرفعة عند الله ، فلا يليق بالعاقل أن يفخر بأب أو أم أو وظيفة أو قبيلة أو غير ذلك.

كذلك من التواضع: السلام على الصبيان، ونصيحتهم إذا فعلوا ما لا ينبغي، ومن التواضع: السلام على مَن لقيت وإن كنتَ لا تعرفه، النبي مرَّ على صبيانٍ فسلَّم عليهم، وقال ﷺ لما سُئل: أي الإسلام أفضل؟ قال: أن تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف. وفَّق الله الجميع.

س: السلام على النساء؟

ج: كذلك السلام على النساء: السلام عليكن، لا بأس، ورد السلام كذلك، النبي كان يُسلم عليهن، ويرد السلام عليهن، السلام عليهن ما نعلم فيه شيئًا.

س: .............؟

ج: لا، لا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، إذا كان يخشى من قبيلته أو من جماعته تكون فيه مضرَّة، فلا بأس، وإلا فالأصل اعتماد الدين والأخلاق الفاضلة والسمعة الحسنة، وإلا فالنبي ﷺ زوَّج زينب مولاه زيد بن حارثة، وبعدما طلَّقها تزوَّجها النبي ﷺ، وأبو حذيفة ابن الوليد بن عتبة زوَّج سالمًا مولاه عتيقه، زوَّجه بنت أخيه رضي الله عنها، وجماعة تزوَّجوا الموالي.

س: ..............؟

ج: على كل حال يُنصحون.

4/604- وعن أنسٍ قَالَ: إِنْ كَانَتِ الأمَةُ مِن إِمَاءِ أهل المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النبيِّ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَتْ. رواه البخاري.

5/605- وعن الأسوَد بنِ يَزيدَ قَالَ: سُئِلَتْ عَائِشَةُ رضيَ اللَّه عنها: مَا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصنعُ فِي بَيْتِهِ؟ قالت: كَانَ يَكُون في مِهْنَةِ أَهْلِهِ -يَعني: خِدمَةِ أَهلِه- فإِذا حَضَرَتِ الصَّلاة خَرَجَ إِلى الصَّلاةِ. رواه البخاري.

6/606- وعن أَبي رِفَاعَةَ تَميم بن أُسَيدٍ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلى رَسولِ اللَّه ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، فقلتُ: يَا رسولَ اللَّه، رجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عن دِينِهِ، لا يَدري مَا دِينُهُ؟ فَأَقْبَلَ عَليَّ رسولُ اللَّه ﷺ وتَركَ خُطْبَتهُ حَتَّى انتَهَى إِليَّ، فَأُتِيَ بِكُرسِيٍّ، فَقَعَدَ عَلَيهِ، وجَعَلَ يُعَلِّمُني مِمَّا عَلَّمَه اللَّه، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فأَتمَّ آخِرَهَا. رواه مسلم.

الشيخ: هذه الأحاديث كلها تدل على تواضعه ﷺ وعدم تكبره، وأنه كان ﷺ سيد المتواضعين للضعيف والفقير والمسكين والسائل، فجدير بأولي الأمر وجدير بأهل العلم وجدير بكل مسؤولٍ أن يتواضع، وأن يتأسَّى بالنبي ﷺ في قضاء حاجة المساكين، وفي سماع ما يعنُّ لهم من الحاجات، وفي النظر في شؤونهم؛ ولهذا قالت عائشةُ رضي الله عنها: أنه كان في بيته في حاجة أهله ﷺ، لما كان في بيته كان في حاجة أهله، وقضاء شؤونهم، ولا يتكبر أن يقضي حاجة أهل بيته في شؤون البيت فيما تدعو الحاجة إلى أن يتولاه عليه الصلاة والسلام، وكذلك تستدعيه المرأةُ والخادمة فينظر في حاجتها، ويذهب للنظر في حاجتها إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

فالمؤمن جديرٌ به أن يتأسَّى بنبيه ﷺ، ولا سيما ولاة الأمور من الأمراء والعلماء ورؤساء القبائل ورؤساء الحارات وغير هذا؛ أن يهتموا بأمر الضعفاء، وألا يتساهلوا في أمرهم، كان ﷺ يهتم بذلك، ويعتني بالفقير، ويقول ﷺ: إنما تُنصرون وتُرزقون بضُعفائكم، فالواجب على كل مسؤولٍ أن يهتمَّ بهذا الأمر، وأن يتواضع.

ولما جاءه رجلٌ غريب يسأل عن دينه جلس يُعلمه على كرسيٍّ، وجعل يُعلمه عليه الصلاة والسلام، ثم رجع إلى خطبته العامة التي يعظ بها الناس، فهذا يدل على أن الجاهل إذا طلب من أهل العلم التعليم أنه يُعلم، ولو بتخصيص جلسة خاصة حتى يتفقه في دينه، إذا لم تكن الجلسة العامَّة كافية خصَّه بجلسةٍ خاصةٍ حتى يُعلمه ويُفقهه.

والمقصود من هذا كله أن الواجب على أهل العلم وعلى ولاة الأمور: التواضع وعدم التكبر، وعدم الترفع عن قضاء حاجات المحاويج والمساكين، وألا توكل أمورهم إلى مَن لا يرحمهم، بل يجب على ولي الأمر أن يُباشر أمورهم، أو يكلها إلا مَن يثق به ويطمئن إليه أنه يقوم بالواجب؛ براءةً للذمة، وأداءً لحقِّ الضعيف. وفَّق الله الجميع.

7/607- وعن أَنسٍ : أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصابِعَه الثلاثَ، قَالَ: وقال: إِذَا سَقطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْها الأذى ولْيَأْكُلْها، وَلا يَدَعْها للشَّيْطَانِ، وَأَمَر أَنْ تُسْلَتَ القَصْعَةُ قالَ: فَإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أَيِّ طَعامِكُمُ البَركَةُ رواه مسلم.

8/608- وعن أَبي هُريرة ، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: مَا بعثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلا رَعَى الغنَمَ، قالَ أَصحابه: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرارِيطَ لأهْلِ مَكَّةَ رواهُ البخاري.

9/609- وعنهُ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: لَوْ دُعِيتُ إِلى كُراعٍ أَوْ ذِرَاعٍ لأجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِي إِليَّ ذِراعٌ أَو كُراعٌ لَقَبِلْتُ رواهُ البخاري.

10/610- وعن أَنسٍ قَالَ: كَانَتْ نَاقَةُ رَسُول اللَّه ﷺ العَضْبَاءُ لا تُسبَقُ، أَوْ لا تكَادُ تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرابيٌّ عَلى قَعُودٍ لهُ فَسبقَها، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلمِينَ حَتَّى عَرفَهُ النبيُّ ﷺ فَقَالَ: حَقٌّ عَلى اللَّهِ أَنْ لا يَرْتَفِعَ شَيءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلا وَضَعَهُ رواهُ البخاري.

الشيخ: في هذه الأحاديث -كالتي قبلها- تواضع النبي ﷺ وعنايته بالأحكام الشرعية حتى تتأسَّى به أمته: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، فكان عليه الصلاة والسلام يلعق أصابعه، ويأمر بسلت القصعة ويقول: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة، فالسنة للإنسان أن يسلت، إذا كان للطعام أثرٌ في طريقه ومحلِّ أكله سلته وأكله ولعق أصابعه أيضًا، وإذا سقطت اللقمةُ فليُمط ما بها من الأذى وليأكلها: إن سقطت لقمةُ أحدكم فليُمط ما بها من الأذى، إذا علق بها شيء يُزيله ويأكل البقية، كل هذا من التواضع، ومن تعليم الناس الخير، وعدم التكلف، وعدم التكبر.

ويقول ﷺ: لو دُعيتُ إلى ذراعٍ أو كراعٍ لأجبتُ، ولو أُهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلتُ، هذا يدل على التواضع أيضًا، وأن السنة إجابة الدعوة، وقبول الهدية، وكان يقبلها ويُثيب عليها عليه الصلاة والسلام، يعني: يعطي المقابل عليها.

فالمقصود من هذا التواضع، وأنه إذا دُعي أجاب الدعوة ما لم يكن مانعٌ من إجابة الدعوة؛ لظهور منكر، أو وجود المنكر، أو ما أشبه ذلك من الموانع، ولو أُهدي إليه ذراع أو كراع لقبل، فيه قبول الهدية، وأنه من التواضع، وأن يُقابل عليها المهدي، إذا كان مثله يستحق المقابل يُعطيه ما يُقابل هديته.

كذلك حديث رعايته الغنم عليه الصلاة والسلام، هذا أيضًا من التواضع، فالله بعث الأنبياء رُعاة للناس، وموجهين للناس، وهداة للناس، فكان من حكمة الله أن جعلهم يرعون الغنم قبل أن يُوحى إليهم؛ حتى يتعلَّموا من الرعاية للغنم ما ينفعهم في رعاية بني آدم، والرسل أئمة وهداة، فإذا رعوا الغنم استفادوا من ذلك؛ فإنَّ الراعي للغنم ينظر في مصالحها، ويجتهد في الطرق المناسبة والروضات المناسبة التي تنفع الرعية، فهكذا الراعي الصالح: يعتني برعيته، ويُحسن إليهم، ويرفق بهم، ويُواسيهم، ويرحمهم.

فالأنبياء والرسل هم القادة، فإذا رعوا الغنم قبل النبوة والرسالة صار هذا مما يُعينهم على الرفق بالرعية، ورحمة الرعية، والإحسان إليها في دعوته، كل هذا من توفيق الله جلَّ وعلا، ومن رحمته لعباده وإحسانه إليهم .

وفيه أن الأشياء من الدنيا ما تدوم على ما هي عليه، قد يعتريها ما يعتريها، فناقة النبي العضباء ناقة معروفة، كانت لا تُسبق، ومع هذا جاء أعرابي على قعودٍ فسبقها، فشقَّ ذلك على الصحابة، فبين ﷺ أنه حقٌّ على الله ما ارتفع شيءٌ من الدنيا إلا وضعه الله، فالدنيا محل النقص، قد تكون ناقة جيدة، وفرس جيدة، وإنسان جيدًا لا يُسبق، ثم يأتي مَن يسبقه؛ ليعلم كل أحدٍ ضعفه، وأن هذه الدنيا ليس لها الكمال، بل من طبيعتها النقص، فكون الدابة لا تُسبق، أو الفرس لا تُسبق، أو الإنسان لا يُسبق، قد يأتي في يومٍ ما مَن يسبق الفرس، ويسبق الناقة، ويسبق الشخص، فليتواضع ولا يتكبر. وفَّق الله الجميع.

س: ............؟

ج: إذا كانت اليد اليمنى مقطوعة أو مريضة يستخدم اليسرى، يأكل باليسرى ......

72- باب تحريم الكِبْر والإِعجاب

قَالَ الله تَعَالَى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83].

وقال تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا [الإسراء:37].

وقال تَعَالَى: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18].

ومعنى "تُصعر خدك" أيْ: تُمِيلُهُ وتُعْرِضُ بِهِ عَنِ النَّاسِ تَكَبُّرًا عليهم.

"والمرح": التَّبَخْتُرُ.

وقال تَعَالَى: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ إِلَى قَوْله تعالى: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ [القصص:76- 81] الآيات.

1/611- وعن عبدِاللَّهِ بن مسعُودٍ ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مثْقَالُ ذَرَّةٍ مَنْ كِبرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُه حَسَنًا، ونعلهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: إِنَّ اللَّه جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ رواه مسلم.

بَطَرُ الحقِّ: دفْعُهُ وردُّهُ عَلَى قائِلِهِ.

وغَمْطُ النَّاسِ: احْتِقَارُهُمْ.

2/612- وعنْ سلمةَ بنِ الأَكْوع : أَنَّ رجُلًا أَكَل عِنْدَ رسولِ اللَّه ﷺ بشِمالِهِ فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ، قالَ: لا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: لا اسْتَطَعْتَ، مَا مَنَعَهُ إِلا الكِبْرُ. قَالَ: فما رَفَعها إِلى فِيهِ. رواه مسلم.

3/613- وعن حَارثَةَ بنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ متفقٌ عَلَيْهِ. وتقدَّم شرحُه في بابِ ضَعفَةِ المسلمينَ.

الشيخ: هذه الآيات الكريمات والأحاديث كلها فيما يتعلق بالكبر والعجب، المؤمن ينبغي له أن يكون متواضعًا، بعيدًا عن الكبر والإعجاب بنفسه ورأيه.

يقول الله جلَّ وعلا: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا [القصص:83]، ويقول جلَّ وعلا في قصة قارون: يقول له قومه: لَا تَفْرَحْ يعني: لا تبطر لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص:76] يعني: البطرين المتكبرين، أما الفرح بفضل الله ورحمته فلا بأس، قال الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، الفرح بالخير والسرور به والعمل به طيب، لكن الفرح الذي معناه الكبر والتعاظم هذا هو المنهي عنه، قال جلَّ وعلا: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18].

فالواجب على أهل الإيمان التواضع وعدم التكبر، لا في الكلام، ولا في المنظر والصورة، بل يجب التواضع، يقول النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحدٌ على أحدٍ، ولا يفخر أحدٌ على أحدٍ، وقال ﷺ: لا يدخل الجنةَ مَن كان في قلبه مثقال حبَّة خردل من كبرٍ، فقال رجلٌ: يا رسول الله، الرجل يُحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً، أفهذا من الكبر؟ قال النبي: لا، الكبر: بطر الحق وغمط الناس، هذا الكبر: بطر الحق وغط الناس، يعني: دفع الحقّ، بطر الحق: دفعه وردّه وعدم قبوله إذا خالف هواه، وغمط الناس يعني: احتقارهم وتنقصهم، هذا هو المنكر، فالواجب قبول الحقّ وإن خالف هواك، ويجب تقدير إخوانك وإن كانوا فقراء، لا تغمطهم، ولا تحتقرهم حتى ولو كانوا فقراء، يجب أن تعرف قدرهم، فإن الكرامة والعزَّ بالتقوى، لا بالمال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

وأكل رجلٌ مع النبي ﷺ ذات يومٍ، فأكل بشماله، فقال له النبيُّ: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، فقال له النبيُّ: لا استطعتَ، ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه بعد ذلك، يعني: قبل الله دعوةَ النبي لما قال له: لا استطعتَ يعني: عُوقب، يعني: جعلك الله ما تستطيع؛ لأنه كاذب متكبر، فلهذا دعا عليه النبيُّ قال: لا استطعتَ، فما رفعها إلى فيه بعد ذلك، نسأل الله العافية، هذه عقوبة عاجلة.

كذلك يقول ﷺ: ألا أُخبركم بأهل النار، كل عتلٍ جواظٍ مُستكبر، فينبغي للمؤمن الحذر، والعتل: الغليظ الجافي الذي لا يُبالي، والجواظ: الجموع المنوع؛ يجمع الأموال، ويبخل، والمستكبر معروف.

فهذا فيه الحذر من الكبر وعدم إخراج الحقوق من المال، والإعراض عن الدين وعدم التعلم والتَّفقه، فالواجب التفقه في الدين والتعلم والتبصر، وإخراج الحقوق، وعدم منع الحقوق، والحذر من التكبر. وفَّق الله الجميع.

4/614- وعن أَبي سعيدٍ الخُدريِّ ، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: احْتَجَّتِ الجَنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: فيَّ الجَبَّارُونَ والمُتَكَبِّرُونَ، وقالَتِ الجنَّةُ: فيَّ ضُعَفاءُ النَّاسِ ومَسَاكِينُهُمْ، فَقَضَى اللَّهُ بيْنَهُمَا: إِنَّكِ الجَنَّةُ رَحْمَتي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وإِنَّكِ النَّارُ عذَابي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، ولِكِلَيْكُما عليَّ مِلْؤُها رواهُ مسلم.

5/615- وعن أبي هُريرة : أَن رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: لا يَنْظُرُ اللَّه يَوْم القِيامةِ إِلى مَنْ جَرَّ إِزارَه بَطَرًا متفقٌ عَلَيْهِ.

6/616- وعنه قَالَ: قالَ رسُولُ اللَّه ﷺ: ثَلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه يَوْمَ القِيامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كَذَّابٌ، وعائلٌ مُسْتَكْبِرٌ رواهُ مسلم.

"العائِلُ": الفَقِير.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها من الأحاديث والآيات في التَّحذير من الكبر، وأن الواجب على المؤمن أن يتواضع لله، وأن يحذر التكبر بمالٍ أو نسبٍ أو وظيفةٍ أو غير ذلك، يجب عليه التواضع، وتقدم قوله جلَّ وعلا في النار: إنها مثوى المتكبرين.

فالواجب على المؤمن أن يحذر صفات الجبارين والمتكبرين، وأن يحرص على أخلاق المؤمنين من التواضع، والانكسار بين يدي الله، والرحمة للمؤمنين، والتعاون معهم على البرِّ والتقوى.

في الحديث يقول ﷺ: احتجت الجنةُ والنار، فقالت النار: فيَّ الجبَّارون والمتكبرون هذا يُبين أنَّ المتكبرين ممن توعدوا بالنار، وأنهم من أهلها، فالواجب الحذر من صفات الكبر، وتقدم قوله ﷺ: إنَّ الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ.

ويقول ﷺ: مَن جرَّ ثوبه خُيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فهذا فيه الحذر من التكبر؛ من إسبال الثياب والبشت والسراويل، والمقصود الحذر من التكبر، الإسبال محرم مطلقًا؛ لقوله ﷺ: ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار ولو كان من غير تكبرٍ، وقوله ﷺ: ثلاثة لا يُكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يُزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان بما أعطى، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، فالإسبال محرم، وهو من وسائل الكبر أيضًا، فيجب الحذر من صفات المتكبرين.

ويقول ﷺ: ثلاثة لا يُكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يُزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر الزنا محرم قبيح منكر، لكن من الشيخ -من الشيبة- يكون أقبح؛ لضعف الدواعي، وإلا فالزنا محرم في حقِّ الجميع: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، لكنه في حقِّ الشيخ الكبير يكون أقبح، وهكذا الكذب محرم ومنكر، لكن من الملك يكون أقبح؛ لأنَّ الله قد ..... وأعطاه من الدنيا الشيء الكثير، فما الحاجة إلى الكذب؟! إلا أنه سجية وخلق، صار خلقًا له؛ فلهذا استحقَّ الوعيد الشديد.

والثالث: عائل مستكبر، الكبر محرم من الغني والفقير، لكن إذا كان من العائل من الفقير يكون أقبح، أيش الدواعي؟! إلا أنه سجية له، وخلق له، نعوذ بالله، فالغني قد يحمله ماله على الكبر، لكن العائل ما الذي يحمله إلا أنها صفة له، وسجية له قبيحة.

فيجب الحذر من ذلك، نسأل الله السلامة والعافية، وتقدم في الحديث: الكبر: بطر الحقِّ، وغمط الناس هذا الكبر، بطر الحق يعني: ردّ الحق تكبرًا وتعاظمًا، وغمط الناس يعني: احتقار الناس.

7/617- وعن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ اللَّه : العِزُّ إِزاري، والكِبْرياءُ رِدَائِي، فَمَنْ يُنَازعُني في واحدٍ منهُما فقَدْ عذَّبتُه رواه مسلم.

8/618- وعنْه: أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي في حُلَّةٍ تُعْجِبُه نفْسُه، مُرَجِّلٌ رأسَه، يَخْتَالُ فِي مشْيَتِهِ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ في الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيامةِ متفقٌ عَلَيْهِ.

"مُرجِّلٌ رَأْسَهُ" أَي: مُمَشِّطُهُ.

"يَتَجلْجَلُ" بالجيمين أَيْ: يغُوصُ ويَنْزِلُ.

9/619- وعن سَلَمَة بنِ الأَكْوع قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ: لا يزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ في الجَبَّارينَ، فَيُصِيبُهُ مَا أَصابَهمْ رواهُ الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.

"يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ" أَي: يَرْتَفعُ وَيَتَكَبَّرُ.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها من الأحاديث في التَّحذير من الكبر والتَّشديد فيه.

يقول الربُّ جلَّ وعلا: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمَن نازعني واحدًا منهما عذَّبتُه، تقدم قول النبي ﷺ: الكبر: بطر الحقِّ، وغمط الناس، وقوله: ثلاثة لا يُكلمهم الله، ولا يُزكيهم، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولهم عذاب أليم، ذكر منهم: عائل مستكبر.

وفي هذا أنَّ النبي أخبر عن رجلٍ فيمَن قبلنا خرج، قد أعجبته نفسه، يتبختر في مشيته، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فهذا فيه الحذر من التكبر والتعاظم، وأن ذلك من أسباب العذاب العاجل قبل الآجل، تقدم قوله ﷺ: لا يدخل الجنةَ مَن كان في قلبه مثقال حبَّة خردلٍ من كبر، فالكبر خطره عظيم، فالواجب الحذر من ذلك، والحرص على التواضع وازدراء النفس، وأنك ضعيف مسكين لا يليق بك أن ترفع نفسك وأن تتكبر.

وهكذا الحديث الثالث: لا يزال الرجلُ يذهب بنفسه حتى يُكتب من الجبَّارين يعني: لا يزال يترفع ويتعاظم ويتكبر حتى يُكتب مع الجبَّارين، نسأل الله العافية، والمقصود من هذا كله الحذر من الكبر، وأنه ينبغي للمؤمن التواضع: ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزَّا، مَن تواضع لله رفعه، يقوله ﷺ: مَن تواضع لله رفعه، فالتواضع من صفات المؤمنين، ومن صفات الأخيار، ومن صفات الأنبياء، والتكبر من صفات الجبَّارين والظلمة المتوعدين بالعذاب، نسأل الله العافية، وفَّق الله الجميع.

73- باب حُسن الخلق

قَالَ الله تَعَالَى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

وقال تَعَالَى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134].

1/620- وعن أَنسٍ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسنَ النَّاسِ خُلقًا. متفقٌ عَلَيْهِ.

2/621- وعنه قَالَ: مَا مَسِسْتُ دِيباجًا ولا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلا شَمَمْتُ رائحَةً قَطُّ أَطْيَبَ مِن رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَلَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عشْرَ سِنينَ، فَما قالَ لي قَطُّ: أُفٍّ، وَلا قالَ لِشَيْءٍ فَعلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلا لشيءٍ لَمْ أفعَلْهُ: أَلا فَعَلْتَ كَذا. متفقٌ عليه.

3/622- وعن الصَّعبِ بنِ جَثَّامَةَ قَالَ: أَهْدَيْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عليَّ، فَلَمَّا رأَى مَا في وَجْهي قالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلا أَنَّا حُرُمٌ متفقٌ عَلَيْهِ.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة مع الآيتين الكريمتين كلها تدل على فضل حُسن الخلق، وأنه ينبغي للمؤمن أن يكون حسن الخلق، متواضعًا، طيب الكلام مع إخوانه وأهله، هكذا السنة، قال الله جلَّ وعلا في وصف نبيه ﷺ: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، قالت عائشةُ رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن"، كان خلق النبي القرآن، يعني: الائتمار بأوامر القرآن، والانتهاء عن نواهيه، والعمل بما فيه.

وقال الله جلَّ وعلا: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133- 134]، فمدح المتقين بهذه الصفات الأربع: أنهم يُنفقون في السراء وفي الضراء، يتصدَّقون ويُحسنون في الشدائد وفي الرخاء، ويكظمون الغيظ، إذا أُوذوا كظموا الغيظَ، لم يُسارعوا في الانتقام، ويعفون عن الناس، من طبيعة المؤمنين وصفات المتقين العفو والصفح وعدم طلب الانتقام، من كرم أخلاقهم العفو، وقد ينتصرون، وقد يطلبون القصاص، ولكن من صفاتهم الغالبة العفو والسماح وكظم الغيظ والإنفاق في الشدة والرخاء.

قال أنس رضي الله عنه: "كان الرسول ﷺ أحسن الناس خلقًا"، قال: "ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألين من كفِّ رسول الله ﷺ، ولا شممتُ رائحةً أحسن من رائحته عليه الصلاة والسلام"، ولقد خدمه أنسٌ عشر سنين فما سمع منه شيئًا يُؤذيه عليه الصلاة والسلام، بل كان يُحسن الخلق مع أنسٍ، خدمه عشرًا، لما قدم المدينة أتى به أبو طلحة -أتى بأنسٍ- وهو ابن عشر سنين، فقال: يا رسول الله، هذا فتى صالح يُحب أن يخدمك. فخدم النبي عشر سنين، توفي النبي ﷺ وأنس ابن عشرين سنةً: "فما قال لشيءٍ فعلتُه: لماذا فعلته؟ ولا لشيءٍ لم أفعله: لماذا لم تفعله؟" من حُسن خلقه عليه الصلاة والسلام، فهذا فيه الحثّ على حُسن الخلق، وعدم الشدة، وعدم الغلظة.

وأهدى إليه مرة إنسانٌ -وهو الصعب بن جثامة- حمارًا وحشيًّا وهو محرم النبي ﷺ، فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه من التَّكدر قال: إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم يعني: ما رددناه عليك كارهين لك، ولا غضبانين عليك، لا، ولكن رددناه عليك من أجل أنا حرم، والمحرم لا يأخذ الصيدَ، ما يقبل الصيد الحي؛ فلهذا اعتذر إليه.

فمن حُسن الخلق: الاعتذار للصديق والحبيب، إذا فعل شيئًا يخشى أنه تكدر منه يعتذر إليه.

ويقول ﷺ: البرُّ: حُسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك وكرهتَ أن يطلع عليه الناس، فالسنة للمؤمن التواضع وحُسن الخلق وعدم التكبر وعدم الغلظة على الخادم ونحوه، بل يلتمس الأعذار الطيبة، ويُخاطبه بالتي هي أحسن، وكذلك مع الصديق والجليس يُخاطب بالتي هي أحسن. وفَّق الله الجميع.

4/623- وعن النَّوَّاسِ بنِ سمعانَ قَالَ: سأَلتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ عنِ البِرِّ والإِثمِ فقالَ: البِرُّ: حُسنُ الخُلُقِ، والإِثمُ: مَا حاكَ فِي نَفْسِكَ، وكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلعَ عَلَيْهِ النَّاسُ رواهُ مسلم.

5/624- وعن عبداللَّهِ بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما قَالَ: لَمْ يَكُنْ رسولُ اللَّه ﷺ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا، وكانَ يَقُولُ: إِنَّ مِن خِيارِكُم أَحْسَنَكُم أَخْلاقًا متفقٌ عَلَيْهِ.

6/625- وعن أَبي الدرداءِ : أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: مَا مِنْ شَيءٍ أَثْقَلُ في ميزَانِ المُؤمِنِ يَومَ القِيامة مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وإِنَّ اللَّه يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

"البذيُّ": هُوَ الَّذِي يَتَكَلَّم بالفُحْشِ ورديء الكلامِ.

الشيخ: هذه الأحاديث كلها تدل على فضل حُسن الخلق كما تقدم، وأنه ينبغي للمؤمن أن يعتني بحُسن الخلق، وأن يُجاهد نفسه ويُروضها على حُسن الخلق والتواضع وعدم الفُحش والشدة في الكلام والغلظة، بل يُعود نفسه حُسن الخلق وطيب الكلام والعفو والسماح، هكذا المؤمن؛ ولهذا قال ﷺ لما سُئل عن البرِّ والإثم قال: البرُّ: حُسن الخلق، والإثم: ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس.

وقال عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: لم يكن النبي فاحشًا ولا مُتفحشًا، وكان يقول: إنَّ من أحبِّكم إليَّ أحسنكم أخلاقًا.

فحُسن الخلق له شأن عظيم، وفضل كبير، فينبغي للمؤمن أن يُعود نفسه ذلك، ويُجاهد نفسه حتى يكون طيب الخلق، متواضعًا، طيب الكلام مع إخوانه، ومع أهل بيته، ومع أولاده، ومع خدمه وعماله.

وفي الحديث الآخر: ما من شيءٍ أثقل في الميزان من حُسن الخلق، وإن الله يُبغض الفاحش البذي، فهذا فيه الحثّ على حُسن الخلق، ومعناه: طيب الكلام، وانشراح الصدر، والتواضع، وعدم الغلظة، وعدم الجفاء عند المخاطبة، بل يتحمل، قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:133- 134].

وفي الحديث الآخر: إنَّ من أحبِّكم إليَّ وأقربكم عندي منزلةً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، ولا شكَّ أن الله يُعطي على حُسن الخلق ما لا يُعطي على العنف والشدة، فحُسن الخلق مطلوب مع أهل البيت، ومع الأولاد، ومع الزملاء، ومع غيرهم، يُجاهد نفسه في تعويدها على حُسن الخلق والتواضع وعدم الجفاء، رزق الله الجميع التوفيق والهداية.

س: ............؟

ج: الواجب على المؤمن أن يحفظ دينه، وأن يصون دينه، وألا يُسافر إلى بلادٍ يظهر فيها الشر والمنكر؛ لأنَّ هذا من أسباب الشرِّ؛ ولهذا ذهب بعضُ أهل العلم إلى وجوب ذلك، وأنه يجب الكفّ عن هذا السفر كما يجب الكفّ عن السفر إلى بلاد المشركين، إلا لعالم بدينه يُظهر دينه ويدعو إلى الله، فهكذا البلاد الأخرى التي تنتسب للإسلام ولكن تظهر فيها الشرور والمنكرات، ينبغي للمؤمن أن يحذر السفر إليها؛ حتى لا يقع في الباطل والشرِّ، نسأل الله السلامة.