32 من حديث (قال يهودي لصاحبه اذهب بنا إلى هذا النبي فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بينات..)

143- باب استحباب المُصافحةِ عندَ اللِّقاء وبشاشةِ الوجهِ وتقبيل يد الرجل الصالح تقبيل ولده شفقةً ومُعانقة القادم من سفرٍ وكراهية الانحناء

1/885- عن أَبي الخطاب قتادة قَالَ: قلتُ لأَنَسٍ: أكَانتِ المُصافَحةُ في أَصْحابِ رسولِ الله ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ. رواه البخاري.

2/886- وعن أنسٍ قَالَ: لَمَّا جَاءَ أهْلُ اليَمنِ قَالَ رسولُ الله ﷺ: قَدْ جَاءَكُمْ أهْلُ الْيَمَنِ، وَهُمْ أولُ مَنْ جَاءَ بالمُصَافَحَة رواه أَبُو داود بإسنادٍ صحيحٍ.

3/887- وعن البراءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: مَا مِنْ مُسْلِمَين يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصافَحَانِ إِلَّا غُفِر لَهما قَبْلَ أنْ يَفْتَرِقَا رواه أَبُو داود.

4/888- وعن أنسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ اللهِ، الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أخَاهُ أوْ صَديقَهُ، أيَنْحني لَهُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: أفَيَلتزمه وَيُقَبِّلهُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَيَأْخُذُ بِيَده وَيُصَافِحُهُ؟ قال: نَعَم رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

الشيخ: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالمصافحة، والمصافحة سنة عند اللقاء مع السلام؛ لما فيها من التَّحبب إلى أخيك، وإظهار المحبة له؛ ولأنها من أسباب التآلف وتقارب القلوب وإزالة الوحشة والهجر؛ ولهذا كانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ كما قال أنس، كانت فيهم المصافحة إذا تلاقوا، وكانوا يُصافحون النبيَّ ﷺ أيضًا إذا لقوه عليه الصلاة والسلام.

قال أنس أيضًا: كان أصحابُ النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفرٍ تعانقوا. وقال الشعبيُّ مثل ذلك: كان أصحاب النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفرٍ تعانقوا.

وفي هذا الحديث الثاني: أن أهل اليمن لما جاءوا جاءوا بالمصافحة، وأنهم أول الوفود الذين أتوا بالمصافحة، والوفود كانوا في سنة عشر وتسع، هذا عام الوفود، هذا يدل على أنهم من أحرص الناس على المصافحة، يعني: وفد اليمن.

وفي الحديث الثالث: أنه ما من مُسلمين يتصافحان إلَّا غفر الله لهما قبل أن يتفرَّقا. وفي لفظٍ آخر: فيتصافحان ويحمدان الله ويستغفران إلَّا غفر الله لهما، هذا فيه شرعية المصافحة، وأنها من أسباب المغفرة، ولا سيما مع حمد الله والاستغفار.

والحديث الرابع ..... من الأخ، لمن لقي أخاه، بل يحرم ..... الكراهة؛ لأنَّ الانحناء نوعٌ من الركوع، ومن وسائل الشرك هذا الانحناء، بل يُقابل أصحابه مُنتصبًا، إلَّا إذا كان أخوه قصيرًا وانخفض لأجل تقبيله أو مُصافحته، لا لأجل تعظيمه، فلا بأس، أو كان مُقعدًا؛ لأنه مقعد وانخفض لأجل أن يُقبل رأسه ويأخذ بيده، أما أن ينحني تعظيمًا له لا، لا يجوز ذلك؛ لأنَّ هذا نوع من الركوع أو .....

كذلك كونه يلتزمه ويُقبله كلما لقيه ترك هذا أولى، إنما يُصافحه ويُسلم عليه، لكن إذا قدم من سفرٍ فلا بأس أن يُعانقه أو يُقبله، كما قبَّل النبيُّ ﷺ بعض الصحابة لما قدموا، كذلك يُروى عنه أنه قبَّل جعفرًا بين عينيه لما قدم من الحبشة، وعند طول الغيبة كذلك ..... لما دخل بيته وعائشة مريضة قبَّل خدَّها، فالتقبيل عند طول الغيبة أو عند القدوم من السفر لا بأس به، وهكذا المعانقة، أما كلما لقيه يُقبله فلا يُشرع هذا، ولكن المصافحة تكفي، والمصافحة فيها خير كثير، وفيها تودد وتحابّ وتآلف، ومن أسباب المغفرة. وفَّق الله الجميع.

5/889- وعن صَفْوان بن عَسَّال قَالَ: قَالَ يَهُودي لِصَاحبه: اذْهَب بِنَا إِلَى هَذَا النَّبيِّ، فَأتَيَا رسولَ الله ﷺ فَسَألاه عَنْ تِسْع آياتٍ بَيِّنات. فَذَكرَ الْحَديث إِلَى قَوْله: فقَبَّلا يَدَهُ وَرِجْلَهُ وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ. رواه الترمذي وغيره بأسانيد صحيحةٍ.

6/890- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قِصَّة قَالَ فِيهَا: فَدَنَوْنا مِنَ النَّبيِّ ﷺ فقَبَّلْنا يَدَه. رواه أَبُو داود.

7/891- وعن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: قَدم زَيْدُ بن حَارثة المَدِينَةَ، وَرسولُ الله ﷺ في بَيْتي، فأتَاهُ فَقَرَعَ البَابَ، فَقَام إليه النبيُّ ﷺ يَجُرُّ ثَوْبَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

8/892- وعن أَبي ذرٍّ قَالَ: قَالَ لي رسولُ الله ﷺ: لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أَنْ تَلْقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ رواه مسلم.

9/893- وعن أبي هُريرةَ قَالَ: قبَّل النَّبيُّ ﷺ الحَسَنَ بْنَ عَليٍّ رضي الله عنهما، فَقَالَ الأَقْرَعُ بن حَابس: إنَّ لِي عَشَرةً مِنَ الْوَلَد ما قَبَّلْتُ مِنهُمْ أحَدًا، فَقَالَ رسولُ الله ﷺ: مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ متفق عليه.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فهذه الأحاديث الخمسة كلها تتعلق بالسلام وتقبيل اليد والرِّجْل إذا دعت المصلحةُ إلى ذلك، وتقبيل الأطفال، تقدمت الأحاديث السابقة في شرعية المصافحة، وأنه يُستحب للمؤمنين إذا تلاقوا أن يتصافحوا، وكانوا إذا لقوا النبيَّ ﷺ صافحوه، وإذا تلاقى الصحابةُ فيما بينهم تصافحوا كما قال أنس لما قيل له: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله؟ قال: نعم. وقال أنسٌ : كان أصحابُ النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفرٍ تعانقوا.

وفي حديث ابن عمر وزيد بن حارثة الدلالة على جواز تقبيل اليد والرِّجْل إذا كان ذلك لتقدير العلم والفضل؛ ولهذا قبَّل اليهود يد النبي ورجله، وقبَّله زيد بن حارثة؛ قبَّل يده ﷺ، وكذلك من حديث ابن عمر: قبَّل يده ورجله، كل هذا يدل على جواز ذلك، لكن على سبيل النُّدرة والقلة إذا دعت الحاجةُ إلى ذلك والمصلحة الشرعية: كتقبيل يد العالم عند الحاجة، والسلطان العادل إذا اقتضت المصلحة ذلك، أو كان من عادتهم ذلك، ويرى أنه إذا لم تُقبل يده أنَّ هذا نقص عليه، وأنه شيء من الاستخفاف في حقِّه، فإذا دعت الحاجةُ والمصلحة إلى ذلك فلا بأس، وإلا فالأفضل ترك ذلك؛ ولهذا كان من عادة الصحابة عدم تقبيل اليد، وإنما يتصافحون، هذا هو الأفضل، مصافحة بلا تقبيل يدٍ ولا رجلٍ، هذا هو الأفضل، إلا عند الحاجة الشرعية، لمصلحة شرعية: مع الوالد، أو مع السلطان، أو مع العالم الذي يرى أن تقبيله فيه مناسبة ومصلحة شرعية، أو من عادة أهل بلده يفعلون ذلك، وإذا تركه واحد اعتبر ذلك احتقارًا وتنقصًا.

فالحاصل أنها تُفعل عند الحاجة والمصلحة الشرعية: تقبيل اليد أو الرِّجل أو الركبة، كل ذلك عند المصلحة والحاجة الشرعية، وإلا فالأصل والأفضل هو الاكتفاء بالمصافحة، وإذا كان قادمًا من سفرٍ عانقه وقبَّله بين عينيه، أو قبَّل رأسه، لا بأس بذلك، ولكن تكون العادة الغالبة المصافحة، هذا هو السنة.

ولا بأس بتقبيل الصبيان كما كان النبيُّ يُقبل الحسن والحسين وهم دون السبع، مات النبي ﷺ والحسن في أول الثامنة، ولما رأى ذلك الأقرع بن حابس التميمي وقال: إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، قال عليه الصلاة والسلام: مَن لا يرحم لا يُرحم، وفي اللفظ الآخر: أوأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة، والمعنى في هذا: أن تقبيل الأولاد الصغار من باب الرحمة، من باب العطف، من باب الإحسان.

هكذا تقبيل الشيخ الكبير والوالد والسلطان من باب التعظيم والإكرام والتقدير، لا من باب التَّبرك، ولا من باب العبادة، ولكن من باب التقدير، ومن باب الاحترام والإكرام، إذا دعت الحاجةُ إلى ذلك فعل ذلك، أما اعتياده دائمًا كلما قابله قبَّل يده فهذا ليس من عادة الصحابة، لا مع النبي ﷺ، ولا مع غيره، وإنما السنة عند المقابلة المصافحة، هذا هو السنة.

وفَّق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

كتاب عيَادة المريض وَتشييع المَيّت والصَّلاة عليه

وَحضور دَفنهِ وَالمُكث عِنْدَ قبرهِ بَعدَ دَفنه

1/894- عن البَراء بن عازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: أمَرنَا رَسُول الله ﷺ بِعيَادة المَريض، واتِّباع الجَنَازَةِ، وتَشْمِيتِ العَاطسِ، وَإبْرار المُقْسِم، ونَصْرِ المَظْلُوم، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلامِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

2/895- وعن أبي هريرة : أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: حَقُّ الْمُسلِمِ عَلَى الْمُسلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلام، وَعِيادَةُ المَريض، وَاتِّباعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعوة، وتَشْميتُ العَاطِسِ متفق عليه.

3/896- وعنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَقُولُ يَوْمَ القيَامَة: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرضْتُ فَلَم تَعُدْني، قال: يا ربِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وأنْتَ رَبُّ العَالَمين؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أمَا عَلمتَ أنَّك لَوْ عُدْتَه لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فلم تسقني، قال: يا ربِّ، كَيْفَ أسْقِيكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمينَ؟! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لو سقيتَه لوجدت ذَلِكَ عِنْدِي؟ رواه مسلم.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة فيها الحثّ على عيادة المريض، واتّباع الجنائز، وتشميت العاطس إذا حمد الله، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، وأنَّ الله جلَّ وعلا يدَّخر للعبد ما أنفقه في سبيله وما فعله لأجله، ويُجازيه عليه ، وهو الذي يقول جلَّ وعلا: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31]، وهو سبحانه يُجازي المحسنين بأحسن من أعمالهم، يقول جلَّ وعلا: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

وفي حديث البراء: أن الرسول أمرهم بسبعٍ من خصال الإسلام، وخصال الإسلام وأعمال الإسلام كثيرة وآدابه، لكن هذه السبع منها عيادة المريض، يعود أخاه إذا مرض في بيته أو في المستشفى يعوده، يسأل الله له الشفاء، يطمئن على صحته، يتأثر المريض بهذا، يسره هذا، يؤثر في قلبه أن أخاه اهتم به وزاره وتأثر من مرضه، فيكون له في قلبه وقع كبير، وأثر عظيم؛ ولهذا شرع الله عيادة المريض، وقال عليه الصلاة والسلام: عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني الأسير، فعيادة المرضى وإطلاق الأسرى ..... وإطعام الجائع كل ذلك مما يُحبه الله جلَّ وعلا، عيادة المريض.

واتباع الجنائز هذه الثانية، اتباع الجنائز للصلاة والدفن جميعًا، للصلاة والدفن كله مشروع، مَن تبعها للصلاة كان له قيراط، ومَن تبعها للدفن مع الصلاة كان له قيراطان، كل قيراط مثل الجبل العظيم من الأجر العظيم.

تشميت العاطس الثالثة، إذا حمد الله يقول له: يرحمك الله، وهو يقول: يهديكم الله ويُصلح بالكم.

الرابعة: إبرار القسم، وفي رواية البراء: إبرار المقسم، يعني: إذا أقسم عليك أخوك تبرّ قسمه، إذا قال: والله تُجيب دعوتي، تجيب دعوته، تبرّ قسمه إذا أمكنك، إذا استطعت ذلك؛ لأنَّ في ذلك إكمالًا للتآلف والتَّحاب والتَّواصل والتَّعارف، فلا تمنعه من إبرار القسم إذا استطعت ذلك.

والخامسة: إجابة الداعي، كونك تُجيب دعوته إذا دعاك لوليمة عرسٍ أو غيرها، تُجيب دعوة أخيك إذا كان ليس هناك مانع شرعي، أما إذا كان هناك مانع مثل: كونه ممن يتظاهر بالمعاصي ولا يُبالي، أو الدعوة فيها معاصٍ، فأنت معذور، لكن إذا كانت الدعوة سليمةً والأخ سليمًا لا يستحق الهجرَ فأجب دعوته، من حقِّ المسلم على أخيه أن يُجيب دعوته، وفي الحديث: مَن لم يُجب الدَّعوة فقد عصى الله ورسوله.

السادسة: نصر المظلوم، إذا كان أخوك مظلومًا تنصره ..... أو شفاعتك أو مالك تسعى لتخليصه من الظلم.

السابعة: إفشاء السلام عند التلاقي، تبدأه بالسلام، وإذا ألقى عليك السلام تُجيبه، إذا سلَّم عليك ترد عليه السلام، وإذا مررت بقومٍ جالسين سلمتَ عليهم، دخلت بيتك تُسلم على أهل بيتك، تُفشي السلام، كل هذا من خصال الإسلام، ومن الأعمال الشرعية التي يُحبها الله، ومن أسباب التآلف بين المسلمين والتحاب.

كذلك حديث أبي هريرة الثاني: حق المسلم على المسلم خمس -وفي رواية مسلم: ست- إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس وحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه هي داخلة في السبع المتقدمة، وفيها زيادة: إذا استنصحك فانصح له، إذا استنصحك أخوك فانصح له، يُشاورك في سلعةٍ يشتريها أو لا تنصح له، يُشاورك في زوجةٍ: أنا خاطب بنت فلان هل تُشير عليَّ بهم؟ إن كان عندك علم تنصح ..... تنصح له بما تعلم: المسلم أخو المسلم، تبدأه بالسلام: إذا لقيتَه فسلم عليه، تبدأه بالسلام، وترد عليه إذا بدأك هو.

وفي الحديث الثالث قوله جلَّ وعلا فيما رواه الرسولُ ﷺ عن ربِّه، والرسول ﷺ يروي عن ربِّه أحاديث، تُسمَّى: الأحاديث القدسية، يروي عن ربِّه أحاديث، منها هذا الحديث: أن الله يقول: يا عبدي، مرضتُ ولم تعدني، يا عبدي، استطعمتُك فلم تُطعمني، يا عبدي، استسقيتُك فلم تسقني، فيقول العبد: يا ربِّ، كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟! وكيف أُطعمك وأنت رب العالمين؟! كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟! فيقول الله جلَّ وعلا: أما علمتَ أنك لو عدتَ عبدي فلانًا حين مرض لوجدتني عنده؟ يعني: بنصره وتأييده سبحانه، مثل: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، فالله مع أوليائه ومع عباده المؤمنين بنصره وتأييده وتوفيقه.

كذلك إذا أطعم أو سقى فهو يجد ثواب ذلك عند الله جلَّ وعلا، فلا يضيع عنده شيء ، فينبغي للمؤمن أن يحتسب هذه الأمور، وأن يرعاها ويهتم بها، وألا يُغفلها؛ لأنها خصال عظيمة، فيها مصالح كثيرة من التآلف بين المسلمين والتَّحاب والتزاور، وإفشاء السلام بينهم، وعيادة المريض، إلى غير هذا من الخصال العظيمة التي فيها نفع الجميع، وتأليف قلوب الجميع، والبعد عن الوحشة والتَّهاجر.

وفَّق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

4/897- وعن أَبي موسى قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: عُودُوا المَرِيضَ، وَأَطْعِمُوا الجَائعَ، وفكُّوا العَاني رواه البخاري.

5/898- وعن ثوبان ، عن النبي ﷺ قَالَ: إنَّ المُسْلِمَ إِذَا عَادَ أخَاهُ المُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ، قِيلَ: يَا رَسولَ الله، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: جَنَاها رواه مسلم.

6/899- وعن عليٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ ملكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّةِ رواه الترمِذِي وقال: حديث حسن.

7/900- وعن أَنسٍ قَالَ: كانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُم النَّبيَّ ﷺ، فمَرِضَ، فأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يعُودهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فقالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فنَظَرَ إِلى أَبِيهِ وهُو عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَطِعْ أَبا الْقاسِمِ، فَأَسْلَم، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يقولُ: الحَمْدُ للَّهِ الَّذي أَنْقَذهُ مِنَ النَّارِ رواه البخاري.

الشيخ: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بعيادة المريض، تقدمت أحاديث في ذلك، وعيادة المريض من السنن العظيمة التي أمر بها المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولها آثار عظيمة في تأليف القلوب، وتأكيد المحبة، وتأثر المريض بزيارة أخيه وعيادته، فينبغي للمؤمن أن يحرص على ذلك، وأن يعود أخاه المريض حسب الطاقة؛ لما فيه من الخير العظيم والفضل الكبير.

يقول ﷺ: عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني، هذا أمرٌ، فدلَّ ذلك على تأكيد عيادته، وتقدم أن من حقِّ المسلم على أخيه أن يعوده إذا مرض، وأطعموا الجائع يعني: تصدَّقوا على الفقير، وفكوا العاني يعني: الأسير، يعني: ادفعوا ما يُسبب فكَّه من أيدي الكفار، وهكذا الأسرى عند المسلمين الفقراء المعسرين ينبغي أن يتعاونوا في فكِّ أسرهم، وقضاء ديونهم إذا كانت فيما أباح الله عزَّ وجل.

وفي حديث ثوبان: أن المسلم إذا عاد أخاه مشى في خرفة الجنة -يعني: جناها- حتى يرجع، فهو من أسباب دخول الجنة، عيادة المرضى من أسباب دخول الجنة، ومن أسباب حصول النَّعيم؛ لما فيها من الخير العظيم.

وفي حديث عليٍّ ، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن عاد أخاه صباحًا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُمسي، ومَن عاده مساءً صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُصبح، وكان له خريف في الجنة يعني: بستان، وهذا أيضًا فيه الحث والتحريض على عيادة المرضى لهذا الفضل العظيم، والحديث لا بأس به؛ رواه أحمد أيضًا وغيره، كما رواه الترمذي.

وقوله: يُصلي عليه سبعون ألف ملكٍ صباحًا ومساءً هذا خير عظيم، يعني: يدعون له، هذه نعمة عظيمة ينبغي للمؤمن أن يغتنمها وألا يُفرط فيها.

وفي الحديث الرابع أنَّ خادمًا له مرض كان يهوديًّا، فعاده النبيُّ ﷺ، كان غلامًا يخدمه قبل أن يأمر بإجلاء اليهود من المدينة؛ لأن اليهود غيَّروا، فقتل بعضَهم، وأجلى بعضهم، يهود بني النضير، وبني قينقاع، وقتل بني قريظة لما نقضوا العهد، وكان عنده خادم صبي غلام منهم، فمرض، فعاده النبي ﷺ، فقال له: أسلم، فجعل ينظر إلى أبويه الغلامُ، فقالا له: أطع أبا القاسم، الله هداهما لأن يقولا له ذلك: أطع أبا القاسم، فأطاعه وأسلم، فخرج النبيُّ ﷺ من عنده يقول: الحمد الله الذي أنقذه من النار.

هذا فيه فوائد: منها جواز عيادة المريض الكافر إذا رأى فيه المصلحة أن يعود المريض الكافر، إذا رجا من ذلك المصلحة، وأن الله يهديه للإسلام، كما عاد النبيُّ هذا الغلام، وكما عاد عمَّه أبا طالب ودعاه للإسلام، فإذا رأى أنَّ في العيادة مصلحةً للكافر عاده ودعاه للإسلام ورغَّبه فيه للدخول فيه قبل أن يهجم عليه الأجل.

وفيه تواضع النبي ﷺ، وكونه عاد غلامًا يهوديًّا كان يخدمه فيه تواضعه ﷺ، وأنه ما كان يتكبر في هذا عليه الصلاة والسلام.

وفيه شرعية أن يعود الرئيسُ والكبيرُ أخاه المريض وخادمه المريض، وألا يترفع على الناس؛ تأسيًا بالمصطفى عليه الصلاة والسلام.

وفيه دعوة الكافر إلى الإسلام في حال صحته وفي حال مرضه، وأنه لا بأس أن يعوده إذا مرض إذا رجا أن يهديه الله على يديه.

وفَّق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله.

145 - باب مَا يُدعى به للمريض

1/901- عن عائشة رضي اللَّه عنها: أَن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذا اشْتَكى الإِنْسانُ الشَّيءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قرْحةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بأُصْبُعِهِ هكَذا -وَوَضَعَ سُفْيانُ بْنُ عُييْنَة الرَّاوي سبابتَهُ بِالأَرْضِ- ثُمَّ رَفَعَهَا وقال: بِسْمِ اللَّهِ، تُربَةُ أَرْضِنا، بِرِيقَةِ بَعْضنَا، يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْن رَبِّنَا متفقٌ عَلَيْهِ.

2/902- وعنها: أَن النبيَّ ﷺ كَانَ يعُودُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بيدِهِ اليُمْنى ويقولُ: اللَّهُمَّ ربَّ النَّاسِ، أَذْهِب الْبَأسَ، واشْفِ أَنْتَ الشَّافي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفاءً لا يُغَادِرُ سقَمًا متفقٌ عَلَيْهِ.

3/903- وعن أَنسٍ : أَنه قَالَ لِثابِتٍ رحمه اللَّه: أَلا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسولِ اللَّه ﷺ؟ قَالَ: بَلى، قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَأسِ، اشْفِ أَنتَ الشَّافي، لا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفاءً لا يُغادِر سَقَمًا رواه البخاري.

الشيخ: هذه الأحاديث فيها بيان كيفية رقية المريض، وما كان يفعله ﷺ في رقية المريض.

رقية المريض مشروعة، كونه يرقي نفسه أو يرقيه أخوه؛ ينفث عليه ويقرأ ما تيسر من القرآن، أو من الدعوات المنقولة عن رسول الله ﷺ، ومن الدَّعوات الطيبة، يقول ﷺ: مَن استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا، وقد رقى النبيُّ ﷺ بعض أصحابه، ورُقي أيضًا، رقاه جبرائيل عليه الصلاة والسلام.

والرقية من أسباب الشفاء، وهي من الأسباب الشرعية التي يُشرع استعمالها في طلب الشفاء، ومن ذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا جيء إليه بإنسانٍ فيه جرح أو محلّ يُؤلمه وضع إصبعه في الأرض هكذا وقال: بسم الله يعني: ..... ريقه في أصبعه ويضعه في الأرض، ثم يضعه على محل الجرح ويقول: بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا يُشفى سقيمنا بإذن ربنا، هذا من أسباب الشفاء، وإذا فعل ذلك وكرر ذلك فلا بأس.

وهكذا كان يمسح بيده اليمنى على محلِّ المرض ويقول: اللهم ربَّ الناس، أذهب البأس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سقمًا، يقال: سُقْمًا، ويقال: سَقَمًا بفتحتين المرض، سقما، وسقما يعني مرض.

وأما الدَّعوات المحفوظة عن النبي ﷺ والتي كان يرقي بها المرضى: اللهم ربَّ الناس، أذهب البأس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سقمًا، ويُستحب أن يُكررها ثلاثًا، كان النبي إذا دعا كرر ثلاثًا ..... الله يشفيك، باسم الله أرقيك، فهذه من الرقية الشرعية التي يُستحب أن يُرقى بها المريض، والراقي يمسح بيده اليمنى على محلِّ المرض ويدعو بهذه الدَّعوات: "اللهم ربّ الناس"، "بسم الله أرقيك"، وإن فعل ما ذكر أولًا من أخذ ريقه على أصبعه وجعله في الأرض –السبابة- ثم وضعها على محلِّ الألم ويقول: "بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفى سقيمنا بإذن ربنا".

وهذه أسباب قد ينفع الله بها وقد لا تنفع، فهي أسباب؛ الرقية والكي وسائر أنواع الطب كلها أسباب، إذا أراد الله النفع بها نفعت، وإن لم يُرد الله النفع بها لم تنفع، ولكنها أسباب، مثلما يتسبب الإنسانُ في الأسباب الأخرى، مثلما يأكل يتَّقي الجوع، ويشرب للظمأ، ويلبس يتَّقي البرد، يتعاطى المبردات ضدّ الحرّ، يتعاطى المدفئات ضدّ البرد، وهكذا يتعاطى الأسباب، وهكذا يُعالج الأمراض بأدويتها وأضدادها، والشفاء بيد الله جلَّ وعلا، وإنما العبد يتعاطى الأسباب ويأخذ بالأسباب.

والحديث الأخير مثلما تقدم هذا علَّمه أنسٌ ثابتًا البناني ..... رب الناس، مذهب البأس .....، اللهم ربّ الناس، أذهب البأس. وفي الرواية الأخرى: اللهم ربّ الناس، مذهب البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، وفيه دعاء آخر ..... يأتي الكلام عليه إن شاء الله. وفَّق الله الجميع.

4/904- وعن سعدِ بن أَبي وَقَّاصٍ قَالَ: عَادَني رسولُ اللَّه ﷺ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعدًا رواه مسلم.

5/905- وعن أَبي عبداللَّهِ عثمانَ بنِ العَاصِ : أَنه شَكا إِلى رسول اللَّه ﷺ وَجعًا يجِدُهُ في جَسدِهِ، فَقَالَ لَهُ رسولُ اللَّه ﷺ: ضَعْ يَدَكَ عَلى الَّذِي يَأْلَمُ مِن جَسَدِكَ وَقُلْ: بِسمِ اللَّهِ ثَلاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِن شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحاذِرُ رواه مسلم.

6/906- وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما، عن النبيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْهُ أَجَلُهُ، فقالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّات: أَسْأَلُ اللَّه الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَك؛ إِلَّا عَافَاهُ اللَّه مِنْ ذلكَ المَرَضِ رواه أَبُو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وقال الحاكِم: حديث صحيح عَلَى شرطِ البخاري.

الشيخ: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بعيادة المريض وما ينبغي أن يُدعا له به، وأن يُنصح به له، تقدمت عدة أحاديث في فضل عيادة المريض، وأن من حقِّ المسلم على أخيه أن يعوده إذا مرض، وفي ذلك من المصالح الشيء الكثير، فإن المريض يتأثر بزيارة أخيه، ويأنس بذلك ويفرح، ويحصل بذلك من التآلف والتعاون على الخير والمحبة والصفاء ما الله به عليم؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني، وقال عليه الصلاة والسلام: للمسلم على المسلم ستّ خصال: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس وحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه خرجه مسلم في الصحيح، وهذه من حقِّ المسلم على أخيه، هذه الست من الحقوق، الفريضة التي من المسلم على أخيه، فعيادة المريض من أفضل الحقوق، ومن أهم الحقوق، والمريض يتأثر بكل ما يشرح صدره، ويُؤنس قلبه، ويحصل بذلك تخفيف من المرض، فإن النفس كلما قويت فرحت، وصار في ذلك دفع لبعض المرض.

وفي هذا أنه لما زار سعدًا عليه الصلاة والسلام لما مرض في حجة الوداع، سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أصابه مرضٌ رضي الله عنه في حجة الوداع، فعاده النبيُّ ﷺ، وقال له سعد: يا رسول الله، حدث بي من المرض ما ترى، وليس لي إلا ابنة واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، هذا الحديث الطويل المعروف، وفيه فوائد؛ لأنه قال: إنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجرتَ بها، حتى ما تجعل في في امرأتك، وقال له: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس، وقال له: إنك لن تعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددتَ به درجةً ورفعةً، ثم دعا له قال: اللهم اشفِ سعدًا، اللهم اشفِ سعدًا، اللهم اشفِ سعدًا، دعا له ثلاث مرات، فشفاه الله وعافاه، وعاش زمنًا طويلًا، وجاهد الفرس جهادًا عظيمًا، وفتح الله على يديه فتوحًا كثيرةً ، ومات سنة ستٍّ وخمسين من الهجرة بعد النبي ﷺ بستٍّ وأربعين سنةً.

ففي هذا عيادة المريض، وأنه يُعاد ويُدعا له: اللهم اشفه، اللهم عافه، اللهم كفِّر سيئاته.

وفي الحديث الآخر قال له: طهور إن شاء الله لبعض المرضى.

المقصود أنه يُدعا له، يقال له: شفاك الله، اللهم اشفِ فلانًا، اللهم اشفِ فلانًا، وإن كرر ثلاثًا كان أفضل وأحسن، وإذا قال: طهور إن شاء الله، كفَّر الله من سيئاته، مع ..... والعافية، كله من الدَّعوات الطيبة.

واشتكى له عثمان بن أبي العاص الثقفي مرضًا ألم به، فأرشده ﷺ إلى أن يضع يده على ما يألم من جسده ويقول: بسم الله ثلاثًا أعوذ بعزة الله وقُدرته من شرِّ ما أجد وأُحاذر سبع مرات، هذا من أسباب الشفاء، إذا أحسَّ بألمٍ في ظهره، في رجله، في يده، في رقبته، في رأسه؛ يضع يده عليه ويقول: بسم الله ثلاث مرات، يُكررها ثلاثًا، ويقول: أعوذ بعزة الله وقُدرته من شرِّ ما أجد وأُحاذر سبع مرات، هذا من أسباب الشفاء، والحديث صحيح؛ رواه مسلم في "صحيحه"، فهذا من أسباب الشفاء، فينبغي للمؤمن أن يستعمله.

وكان أيضًا عليه الصلاة والسلام إذا أصابه مرضٌ جمع يديه عند النوم ونفث فيهما وقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص] والمعوذتين ثلاث مرات كما روت عائشة، ثم يمسح بهما ما أقبل من جسده: رأسه ووجهه وما أقبل من جسده ثلاث مرات، هذا أيضًا من أسباب الشِّفاء.

وهكذا الحديث الثالث: مَن زار مريضًا لم يحضر أجلُه فقال: أسأل الله العظيم، ربّ العرش العظيم أن يشفيك، سبع مرات إلا شفاه الله، وفي بعضها: أسأل الله الكريم، ربّ العرش العظيم أن يشفيك، سبع مرات إلا شفاه الله، والحديث وإن صححه الحاكمُ لكن في سنده ضعف، وليس كما قال الحاكم، ولكن هذا من باب الدعاء، فإذا دعا لأخيه بهذا الدعاء وغيره من الدَّعوات الطيبة فهو مناسب، وإذا لم يحضر الأجلُ نفع الله بالأسباب، وإذا تمت الحسبة انتهى كل شيءٍ، ولكن الدعاء مطلوب، والعلاج مطلوب، والأسباب مطلوبة، والأجل عند الله . وفَّق الله الجميع.

7/907- وعن ابن عباسٍ: أَنَّ النبيَّ ﷺ دَخَل عَلَى أَعْرَابيٍّ يَعُودُهُ، وَكانَ إِذَا دَخَلَ عَلى مَن يَعُودُهُ قَالَ: لا بَأْس، طَهُورٌ إِن شَاء اللَّه رواه البخاري.

8/908- وعن أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ : أَن جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيك، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ رواه مسلم.

9/909- وعن أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ وأَبي هريرة رضيَ اللَّه عنهما: أَنَّهُما شَهِدَا عَلَى رسول اللَّه ﷺ أَنه قالَ: مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبَرُ، صدَّقَهُ رَبُّهُ فَقَالَ: لا إِله إِلَّا أَنَا، وأَنا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: يقول: لا إِله إِلا أَنَا وحْدِي لا شَرِيك لِي، وَإِذَا قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، قَالَ: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا، ليَ المُلْك، وَليَ الحَمْدُ، وإِذا قَالَ: لا إله إِلَّا اللَّهُ، وَلا حَوْلَ وَلا قَوَّة إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: لا إِله إِلَّا أَنَا، وَلا حَوْلَ وَلا قوَّةَ إِلَّا بي، وَكانَ يقولُ: مَنْ قالهَا في مَرَضِهِ ثُمَّ ماتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

الشيخ: هذه الأحاديث أيضًا كالتي قبلها فيما يتعلق بعيادة المريض والدعاء للمريض، وتقدمت الأحاديث الكثيرة الدالة على شرعية عيادة المرضى، وأن المسلم يعود أخاه إذا مرض، ويدعو له بالشفاء والعافية؛ لما في ذلك من المصالح الكثيرة التي منها: تأليف القلوب، وتأكيد التَّحاب والصفاء بين المسلمين، وتألم المؤمن لأخيه، وتأثره لأخيه؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: عودوا المريض بالأمر، عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكُّوا العاني، وقول البراء بن عازب : أمرنا رسولُ الله ﷺ بسبعٍ، منها عيادة المريض، وتقدم أن للمسلم على المسلم ستَّ خصالٍ، منها أنه يعوده إذا مرض.

وفي هذه الأحاديث: في الحديث الأول الدلالة على أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا عاد المريض يقول: لا بأس، طهور إن شاء الله، فيُستحب أن يقول هذا الكلام، للعائد إذا سلَّم يقول له: لا بأس يا أخي، طهور إن شاء الله. يعني: طهور من الذنوب، وتكفير من الذنوب، ويدعو له بما شاء: شفاك الله، مثلما تقدم في حديث سعد: اللهم اشفِ سعدًا، اللهم اشفِ سعدًا، اللهم اشفِ سعدًا، أو يدعو له: اللهم ربَّ الناس، أذهب البأس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادر سقمًا، وهو في هذا أنه قال: طهور لا بأس، يعني: لا بأس عليك، طهور إن شاء الله، فهو كلام قليل لطيف ينفع أخاه إذا قبله الله.

وفي الحديث الثاني أن جبرائيل عاد النبيَّ ﷺ وقد اشتكى، فقال: يا محمد، اشتكيتَ؟ قال: نعم، فقال له جبرائيل: باسم الله أرقيك من كل شيءٍ يُؤذيك، ومن شرِّ كل نفسٍ وعين حاسدٍ، الله يشفيك، باسم الله أرقيك، فهذا دعاء حسن عظيم، فيه التوسل بالله جلَّ وعلا في طلب الشفاء والعافية: باسم الله أرقيك من كل شيءٍ يُؤذيك، من شرِّ كل نفسٍ أو عين حاسدٍ، الله يشفيك يعني: من جميع النُّفوس، ومن جميع الأذى، ومن جميع الحُسَّاد، فهو دعاء عام.

وهكذا الحديث الثالث فيه الإكثار من ذكر الله، وأنه يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويقول: لا إله إلا الله والله أكبر، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ويقول: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: فمَن مات على ذلك مُوقنًا بها دخل الجنة، المعنى: أنه إذا مات على التوحيد الصادق فيه الموقن فإنه لا تبقى معه ذنوب، الموحد الصادق توحيده الصادق وإيمانه الصادق يحمله على التوبة الصادقة، وألا يُصرَّ على سيئةٍ، فإذا مات دخل الجنة؛ لعدم إصراره على الذنوب، بخلاف مَن ..... توحيده، فإنه يُقدم على المعاصي والسيئات، والمعاصي تُضعف الإيمان، وتُضعف التوحيد، وتُسبب دخول النار، وصاحبها إذا مات على ذلك مُعلَّق أمره على المشيئة، حيث قال سبحانه: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، أخبر أنَّ الشرك لا يُغفر، يعني: لمن مات عليه، يقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، ثم قال: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ يعني: يغفر ما دون الشرك من المعاصي لمن يشاء، يعني: إذا مات عليها ولم يتب، أما إذا تاب فالتائب لا ذنبَ عليه، مَن تاب توبةً صادقةً محا الله عنه الذنوب، وكفَّر عنه السيئات، لكن مَن مات على غير توبةٍ، مَن مات على الإصرار فهذا هو الذي أمره مُعلَّق بالمشيئة.

فينبغي للمؤمن أن يكون أبدًا على توبةٍ، في ليله ونهاره يُحاسب نفسه، ويتوب إلى الله من تقصيره وسيئاته توبةً صادقةً، مضمونها الندم على الماضي، والإقلاع من السيئة، والحذر منها، والعزم الصادق على ألا يعود فيها، هكذا التوبة، فإن كانت عنده مظالم للناس ردَّها إليهم، وحرص في ذلك، أو استحلَّهم وطلب منهم العفو والمسامحة؛ حتى لا يموت وعنده حقٌّ للناس، يجتهد في أن يُعطيهم حقوقهم أو يستحلّهم منها ويطلب منهم العفو والمسامحة، فإن حقوق العباد لا تضيع، لا بدَّ أن يُعطوا عنها، ويوصوا عنها ما يليق بكل مقامٍ، والله سبحانه هو الحكم العدل، لا يظلم مثقالَ ذرةٍ، فمَن مات وعليه حقوق لا بدَّ أن تُرد الحقوق إلى أهلها؛ إما بالأخذ من حسناته، وإما بتحميله من سيئاتهم، وإما بتحمل الله ذلك بإرضائهم عنه، إذا تاب توبةً صادقةً أرضاهم الله عنه بما يشاء سبحانه وتعالى، كما يقول سبحانه: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، فلا يليق بالعبد أن يتساهل في هذه الأمور، يجب أن يكون حريصًا على نجاة نفسه وسعادتها بالتوبة الصادقة والإيمان الصادق والعمل الصالح والوقوف عند حدود الله. وفَّق الله الجميع.

148- باب استحباب وصية أهل المريض ومَن يخدمه بالإحسان إليه

والصبر عَلَى مَا يشقّ من أمره

وكذا الوصية بمَن قرب سبب موته بحدٍّ أَوْ قصاصٍ ونحوهما

1/913- عن عِمران بن الحُصَين رضي اللَّه عنهما: أَنَّ امرأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتِ النبيَّ ﷺ وهِي حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا رسول اللَّهِ، أَصبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ علَيَّ، فَدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ وليَّهَا، فقالَ: أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذا وضَعَتْ فَأْتِني بِهَا، فَفعلَ، فَأَمر بِها النبيُّ ﷺ فشُدَّتْ علَيها ثِيابُها، ثُمَّ أَمر بِها فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. رواه مسلمٌ.

149- باب جواز قول المريض: أنَا وجع، أَوْ شديد الوجع

أَوْ مَوْعُوكٌ، أَوْ وارأساه، ونحو ذلك

وبيان أنَّه لا كراهةَ في ذلك إِذَا لَمْ يكن عَلَى سبيل التَّسخط وإظهار الجزع

1/914- عن ابنِ مسعودٍ قَالَ: دَخَلتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهُو يُوعَكُ، فَمسِسْتُه، فقلْتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وعْكًا شَديدًا! فَقَالَ: أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

2/915- وعن سعدِ بن أَبي وَقَّاصٍ قَالَ: جَاءَني رسولُ اللَّه ﷺ يعودُني مِن وَجعٍ اشتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: بلَغَ بِي مَا تَرَى، وأَنَا ذُو مَالٍ، وَلا يرِثُني إِلَّا ابْنَتِي. وذَكر الحديث. متفقٌ عَلَيْهِ.

3/916- وعن القاسم بن محمدٍ قَالَ: قالَتْ عائشَةُ رضي اللَّهُ عنها: وارأْسَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بلْ أَنَا وارأْسَاهُ وذكر الحديث. رواه البخاري.

الشيخ: هذه الأحاديث الأربعة في الأول منها الدلالة على شرعية وصية أهل المريض بالإحسان إليه، والرفق به، وتحمل ما قد يقع من مشقةٍ من تمريضه، وهكذا من قرب أجله؛ لإقامة حدٍّ عليه أو قصاص، يُوصى بالتوبة والاستقامة وكثرة الاستغفار والعمل الصالح؛ حتى يُختم له بالخير؛ ولهذا لما جاءت المرأة الغامدية التي زنت قالت: يا رسول الله، إني زنيتُ فأقم الحدَّ عليَّ. فدعا وليَّها فأمره بالإحسان إليها حتى تضع، قال: فإذا وضعت فأتني بها، وكانت محصنةً، يعني: ثيِّبًا، فلما جيء بها أمر أن تُلفَّ عليها ثيابها، يعني: مسكت عليها ثيابها لئلا تتعرى، ثم رُجمت، وكان ذلك بعدما ولدت وفطمت الصبيَّ كما في الرواية الأخرى.

ففي هذا دلالة على شرعية الإحسان إلى المريض، ووصية أهله بذلك، ومَن قرب أجله لإقامة الحدِّ ونحوه، كما جرى لهذه المرأة.

وفيه أنَّ حدَّ الزاني المحصن الرجم، سواء كان رجلًا أو امرأةً؛ ولهذا رجم النبيُّ ﷺ ماعزًا، كان محصنًا لما اعترف بالزنا، وهكذا رجم اليهودي واليهودية لما اعترفا بالزنا وكانا محصنين، وهكذا الغامدية والجهنية رجمتا؛ لأنهما كانتا محصنتين، يعني: ثيبتين.

وفي الحديث الثاني والثالث والرابع الدلالة على أنه لا بأس أن يقول الإنسانُ: أنا موعوك، أنا مريض، اشتدَّ بي المرض، وارأساه، واظهراه، وابطناه، لا بأس بهذا إذا كان على سبيل الإخبار، ليس على سبيل التَّسخط من قدر الله، ولكن على سبيل الإخبار والتَّوجع؛ ولهذا دخل ابنُ مسعودٍ على النبي ﷺ وهو موعوك، يعني: قد أصابته الحمى، فقال ابنُ مسعودٍ: فمسستُه فإذا هو يُوعك وعكًا شديدًا، فقال له ابنُ مسعودٍ: يا رسول الله، إنَّك تُوعك وعكًا شديدًا! قال: أجل –يعني: نعم- إني أوعك كما يُوعك الرَّجلان منكم يعني: أنه ضُوعف عليه المرض، وهذا معنى حديث أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ ليعظم أجرهم، وتُرفع درجاتهم، ويكونوا أسوةً لمن بعدهم من أتباعهم ..... من الذين بعدهم.

فالأنبياء يتحمَّلون فيشتد بهم البلاء؛ ليتأسَّى بهم أصحابهم وأتباعهم ومَن يتبعهم، وليعظم الله بهذا أجورهم، ويرفع درجاتهم؛ ولهذا في الحديث: أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى المرء على قدر دينه، وقد أُصيب أيوب بالبلاء مدةً طويلةً عليه الصلاة والسلام، وأصاب نبينا عند موته المرض نحو اثني عشر يومًا عليه الصلاة والسلام، وكان في آخر حياته يغمس يده في القدح الذي عنده كما تقدم في حديث عائشة ويقول: إنَّ للموت لسكرات، اللهم أعني على غمرات الموت وسكراته، ويقول: اللهم في الرفيق الأعلى.

واشتكت عائشةُ رأسها ذات يومٍ وقالت: وارأساه، فقال: بل أنا وارأساه، دلَّ على جواز مثل هذا، وقال سعد بن أبي وقاص لما دخل عليه وهو مريض: يا رسول الله، بلغ أن اشتدَّ بي الوجعُ، فهذا يدل على جواز ذلك، وأنه لا بأس أن يقول: أنا مريض، أنا موعوك، أصابتني الحمى، أنا يُوجعني رأسي أو ظهري أو بطني، لا بأس، من باب الخبر فقط، لا من باب التَّشكي على الله وعدم الصبر، ولا من باب التَّسخط وعدم الرضا، ولكن من باب الخبر، والمؤمن يصبر ويحتسب، فإذا رضي كان أعظم، يقول النبي ﷺ: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، ويقول ﷺ: إنَّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمَن رضي فله الرضا، ومَن سخط فله السخط.

فينبغي للمؤمن التَّحمل والصبر على ما قد يُصيبه؛ لما له عند الله من الأجر العظيم، وإذا رضي بذلك وشكر على ذلك صار الأجر أعظم، فإن الدرجات ثلاث: الصبر والرضا والشكر.

فالصبر كونه يصبر على البلاء ولا يجزع، فلا يشقّ ثوبًا، ولا يلطم خدًّا .....، بل يصبر ويحتسب، ولا يفعل ما لا ينبغي.

الدرجة الثانية أعلى: وهي كونه يرضى بذلك، يرتاح لهذا المرض؛ لما فيه من الخير وتكفير السيئات وحطّ الخطايا، فهو مرتاح وراضٍ، لا مُتسخط، وليس معنى الرضا أنه لا يتداوى، لا بأس بالدواء والعلاج وطلب الشفاء من الله، لكنه راضٍ بما قسم الله له، منشرح الصدر، يعلم أنَّ ما أصابه خيرٌ له.

الدرجة الثالثة أعلى: وهي الشكر، وهي أن يعدَّ المرض نعمةً فيشكر الله عليه؛ لأنه تترتب عليه أجور، وحطّ خطايا، وتكفير سيئات، ورفع درجات، فهو من النعم، فيشكر الله عليه، ولا يمنعه ذلك من أن يُعالج ويتعاطى الدواء ويسأل ربَّه العافية، لا يُنافي الرضا والصبر والشكر، فيجتمع الصبر والشكر والرضا مع العلاج والدواء وسؤال الله العافية. وفَّق الله الجميع.