من قوله: ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ..)

الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ۝ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ  [التوبة:67-68].

يقول تعالى منكرًا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، كان هؤلاء يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ أي: عن الإنفاق في سبيل الله، نَسُوا اللَّهَ أي: نسوا ذكر الله فَنَسِيَهُمْ أي: عاملهم معاملة من نسيهم كقوله تعالى: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الجاثية:34]، إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ أي: الخارجون عن طريق الحق الداخلون في طريق الضلالة.

الشيخ: وهذا من ربنا عز وجل تحذير للأمة من صفات المنافقين، ودليل على خبثهم، وضلالهم، وشرهم حتى قال فيهم سبحانه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [التوبة:145]، فالواجب على أهل الإيمان الحذر من صفاتهم الخبيثة فهم يتظاهرون بالإسلام، وهم ضده، وهم على ضده، يعني كفار في الباطن، نسأل الله العافية، ولهذا قال : الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [التوبة:67] يعني عن كل خير عن النفقة في سبيل الله، وعن الجهاد في سبيل الله، وعن الأمر بالمعروف وعن النهي عن المنكر، وعن الصدقات لخبث الطوية وفساد العقيدة، فالواجب الحذر من صفاتهم وأخلاقهم الذميمة، نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ يعني أعرضوا عن الله، وعاملوه معاملة الناسي، فلم يبالوا بأمره فنسيهم جل وعلا، يعني أعرض عنهم، وعاملهم معاملة المنسيين من خبثهم، وضلالهم، وهو سبحانه لا ينسى شيئًا كما قال جل وعلا: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]، وقال: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه:52]، فالمقصود أنه جل وعلا لا تخفى عليه خافية، ولا ينسى شيئًا سبحانه، ولكنه عاملهم معاملة المنسيين؛ لخبثهم وضلالهم أعرض عنهم جل وعلا، وتركهم في ضلالهم يعمهون، فالواجب الحذر من أخلاقهم الذميمة، والتخلق بأخلاق المؤمنين الآتية التي ذكرها في قوله بعد ذلك: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71]، هذه أخلاق المؤمنين، فالواجب الأخذ بها، والحذر من أخلاق المنافقين الذين سخط الله عليهم، وتوعدهم بالدرك الأسفل من النار، نسأل الله العافية.

وقوله: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ أي: على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم خَالِدِينَ فِيهَا أي ماكثين فيها مخلدين هم والكفار هِيَ حَسْبُهُمْ أي: كفايتهم في العذاب، وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ أي: طردهم، وأبعدهم، وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ.

كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [التوبة:69].

يقول تعالى أصاب هؤلاء من عذاب الله في الدنيا والآخرة كما أصاب من قبلهم، وقوله بِخَلَاقِهِمْ قال الحسن البصري: بدينهم، وقوله: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أي: في الكذب، والباطل، أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ أي: بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها؛ لأنها فاسدة، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب.

قال ابن جريج، عن عمرو بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الآية، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه.

قال ابن جريج: وأخبرني زياد بن سعد، عن محمد بن زياد بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه

 قالوا: ومن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال فمن؟، وهكذا رواه أبو معشر عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: فذكره، وزاد قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم القرآن كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الآية، قال أبو هريرة: الخلاق الدين، وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس، والروم؟ قال فهل الناس إلا هم؟، وهذا الحديث له شاهد في الصحيح.

الشيخ: وفي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله، اليهود، والنصارى؟ قال: فمن يعني فمن الناس إلا أولئك، وفي اللفظ الآخر: فارس، والروم؟، قال: فمن الناس إلا أولئك، والمعنى أن هذه الأمة تسلك مسالك من قبلها من فارس، والروم، واليهود بالأخلاق الذميمة، والأعمال السيئة إلا من عصم الله، إلا من رحم ربك.

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [التوبة:70].

يقول تعالى واعظًا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [التوبة:70]أي: ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل قوم نوح، وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض إلا من آمن بعبده ورسوله نوح عليه السلام، وَعَادٍ كيف أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هودًا عليه السلام، وَثَمُودَ كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحًا عليه السلام، وعقروا الناقة، وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ كيف نصره الله عليهم، وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم، وأهلك ملكهم نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله.

 وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وهم قوم شعيب عليه السلام، وكيف أصابتهم الرجفة، وعذاب يوم الظلة، وَالْمُؤْتَفِكَاتِ قوم لوط، وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى، وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم:53] أي الأمة المؤتفكة، وقيل: أم قراهم، وهي سدوم، والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوط عليه السلام، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ أي: بالحجج والدلائل القاطعات، {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل، وإزاحة العلل، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي: بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم الحق فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب، والدمار.

الشيخ: والمقصود الحذر من أعمالهم التي بها هلكوا تكذيب الرسل، وطاعة الهوى، وإتيان الفواحش، فأسباب العذاب والنكال في الدنيا والآخرة طاعة الهوى، والشيطان، وعصيان أمر الله ، فمن أراد السعادة في الدنيا والآخرة فليستقم على أمر الله، وليقف عند حدود الله، وليحذر محارم الله، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر، وليحذر طاعة هواه، وشيطانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

س: الذهاب إلى ديار الذين عذبوا، ما الحكم؟

الشيخ: النبي لما مر عليهم قنع رأسه، وأسرع قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين نسأل الله العافية.

س: ولو كانت من باب العظة، والعبرة؟

الشيخ: مثل ما قال ﷺ: إلا أن تكونوا باكين.

س: قصد السفر إليهم لقصد السياحة، أو الاعتبار؟

الشيخ: ما يجوز إلا إذا دخلها وهو باكي، إذا دخلها وهو باك على ما أصابهم من البلاء، والشر، والفساد، وإلا فالواجب الحذر من دعي إلى المرور إذا دعيت الحاجة يمر مسرعًا، نسأل الله العافية.

س: إذا مر بها، لكن يقصدها؟

الشيخ: ما لها أصل، ما تقصد، لكن من بلي بذلك فليدخل، وهو باكي، وإلا فليحذر، نسأل الله العافية.

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 71].

لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ أي يتناصرون، ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه، وفي الصحيح أيضًا مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى، والسهر، وقوله: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ كقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104] الآية.

وقوله: وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ أي: يطيعون الله، ويحسنون إلى خلقه، وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: فيما أمر، وترك ما عنه زجر، أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ أي: سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي: عز من أطاعه، فإن العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين، حَكِيمٌ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى.

وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72].

يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به، والمؤمنات من الخيرات، والنعيم المقيم في جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أي: ماكثين فيها أبدًا، وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً أي: حسنة البناء، طيبة القرار، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: جنتان من ذهب آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن، وبه قال: قال رسول الله ﷺ: إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلًا في السماء! للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضا أخرجاه في الصحيحين.

وفيهما أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: من آمن بالله، ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، فإن حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها قالوا: يا رسول الله أفلا نخبر الناس؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن، وعند الطبراني، والترمذي، وابن ماجه من رواية زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكر مثله.

وللترمذي عن عبادة بن الصامت مثله. وعن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: أن أهل الجنة ليتراؤون الغرف في الجنة كما ترون الكوكب في السماء أخرجاه في الصحيحين، ثم ليعلم أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له الوسيلة لقربه من العرش، وهو مسكن رسول الله ﷺ من الجنة، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو.

وفي صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة: عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي ﷺ يقول: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة يوم القيامة، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدًا، أو شفيعًا يوم القيامة رواه الطبراني. وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد بن مجاهد الطائي عن أبي المدله عن أبي هريرة قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، والياقوت، وترابها الزعفران. من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، وروي عن ابن عمر مرفوعًا نحوه، وعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: إن في الجنة لغرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها فقام أعرابي فقال:

يا رسول الله لمن هي؟ فقال: لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام، ثم قال: حديث غريب، ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو، وأبي مالك الأشعري كل منهما عن النبي ﷺ بنحوه، وكل من الإسنادين جيد، وحسن، وعنده أن السائل هو أبو مالك الأشعري، فالله أعلم.وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: ألا هل من مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة، وخضرة، وحبرة، ونعمة في محلة عالية بهية قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال: قولوا إن شاء الله فقال القوم: إن شاء الله، رواه ابن ماجه.وقوله تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ أي: رضا الله عنهم أكبر، وأجل، وأعظم مما هم فيه من النعيم، كما قال الإمام مالك رحمه الله عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله ﷺ قال:

إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟

فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا

  أخرجاه من حديث مالك.

 

وقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل الرجائي، حدثنا الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر، ورواه البزار في مسنده من حديث الثوري، وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه صفة الجنة: هذا عندي على شرط الصحيح، والله أعلم.

الشيخ: والله جل وعلا بين في هذه الآيات صفات المؤمنين، وأخلاقهم، وما أعد لهم في الجنة، فجدير بكل ذي نفس رفيعة وكل مؤمن أن يسارع إلى هذه الصفات والأخلاق، وأن يستقيم عليها حتى يلقى ربه، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هذه أخلاق المؤمنين، هذه صفات أهل الجنة، أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، هذه أخلاقهم، وسمعتم جزاؤهم، فجدير بكل مؤمن أن يسارع إلى هذه الأخلاق، وأن يستقيم عليها، وأن يدعو إليها، وأن يتواصى مع إخوانه بها حتى يلقى ربه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يعيذنا وإياكم من صفات الغافلين الهالكين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

س: هل النهي عن الذهاب إلى ديار المعذبين إلا باكياً يقتضي تحريم ذلك بدون بكاء، أو يدل على أن الأصل عدم الذهاب؟

الشيخ: ظاهر الحديث المنع، وأنه لا يجوز.

س: ما رأيكم من قال: إن المرأة تتلذذ في الجنة مثل الرجل، عندهم ناس اسمهم حور؟

الشيخ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ الجنة للجميع، والخير للجميع، والنظر إلى وجه الله للجميع، والرضا للجميع.

س: عندهم حور؟

الشيخ: الحور للرجال، هذا المعروف، الحور مع زوجات الدنيا للرجال ممن دخل الجنة.

س: هل الوسيلة من المقام المحمود؟

الشيخ: المقام المحمود ما يعطيه الله يوم القيامة حين يشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، هذا المقام المحمود.

س: وأطعم الطعام، وأدام الصيام، صيام النفل، أو الفرض؟

الشيخ: عام، ظاهر الحديث الإكثار من الصيام، صوم رمضان لا بد منه، لكن مع هذا يكثر منها الصيام.

س: قد يستشفى من بعض الأماكن التي هي من ديار الهالكين، مثل قرية سدوم، الماء هناك يستخدم لعلاج بعض الأمراض؟

الشيخ: قريب بئر الناقة فقط غيرها ما يجوز، ما يجوز أن يشرب من شيء، ولا يؤخذ من شيء، إلا بئر الناقة فقط.