02 من قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)

الشيخ: ونص القرآن: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا [النساء:85].
ثم قال تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ عَكْسُ تَثْبِيتِ الْأَقْدَامِ للمؤمنين الناصرين لله تعالى وَلِرَسُولِهِ ﷺ، وَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: تَعِسَ عبد الدِّينَارِ، تَعِسَ عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ! أَيْ: فلا شفاه الله .
الشيخ: ولهذا قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ بخلاف المؤمن، المؤمن ينصر دين الله فينصره الله، والكافر ضد ذلك، فصار له التعاسة، والعاقبة الوخيمة -والعياذ بالله-؛ لأنه ضد الحق، وضد الخير؛ ولهذا صار له ضد ما للمؤمن من النصر، المؤمن له النصر؛ لأنه نصر الحق، والكافر له الخيبة والندامة والتعاسة؛ لأنه ضد الحق، نسأل الله العافية.
وقوله سبحانه وتعالى: وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أَيْ: أَحْبَطَهَا وَأَبْطَلَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَيْ: لا يريدونه ولا يحبونه فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ.
الشيخ: وهو الحكم العدل ، كرهوا أمر الله؛ فأحبط الله أعمالهم وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها ۝ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لَا مَوْلى لَهُمْ ۝ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ۝ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ [محمد:10-13].
يَقُولُ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الْمُكَذِّبِينَ لِرَسُولِهِ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَيْ: عَاقَبَهُمْ بِتَكْذِيبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، أَيْ: وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ من بين أظهرهم، ولهذا قال تعالى: وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها.
الشيخ: مثل ما جرى لقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط كلهم قص الله أخبارهم، ماذا جرى عليهم راحوا دمروا وأهلكوا وأنجى الله رسله من بين أظهرهم، وهكذا فرعون وجماعته، نسأل الله العافية، وهكذا قارون.
ثُمَّ قَالَ: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لَا مَوْلى لَهُمْ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، حِينَ سَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺوَعَنِ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فَلَمْ يُجَبْ، وَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ هَلَكُوا، وأجابه عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، بَلْ أَبْقَى اللَّهُ تعالى لَكَ مَا يَسُوؤُكَ، وَإِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بها، ولم أنه، ثم ذَهَبَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: اعْلُ هُبَلْ اعْلُ هُبَلْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألا تجيبوه؟ فقالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال ﷺ قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ.
الشيخ: وهبل هذا صنم لهم في مكة (اعل هبل) يعني اعل يا هبل، يعني كأنا نصرنا بك يا هبل، وهذا من الجهل والظلم، ولكن هدى الله أبا سفيان بعد ذلك ودخل في الإسلام وأحسن الله حاله، والحمد لله.
ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ ﷺ: أَلَا تُجِيبُوهُ؟ قَالُوا: وَمَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ أَيْ: فِي دُنْيَاهُمْ يَتَمَتَّعُونَ بِهَا، وَيَأْكُلُونَ مِنْهَا كَأَكْلِ الْأَنْعَامِ خَضْمًا وَقَضْمًا، وَلَيْسَ لَهُمْ هِمَّةٌ إِلَّا فِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يأكل في سبعة أمعاء ثم قال تعالى: وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أَيْ: يَوْمَ جَزَائِهِمْ، وَقَوْلُهُ : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يَعْنِي مَكَّةَ، أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ فِي تَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ سَيِّدُ الْرْسَلِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَهْلَكَ الْأُمَمَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ قَبْلَهُ بِسَبَبِهِمْ وَقَدْ كَانُوا أَشَدَّ قُوَّةً مِنْ هَؤُلَاءِ فَمَاذَا ظَنَّ هَؤُلَاءِ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ بِهِمْ فِي الدنيا والآخرة؟
الشيخ: فلولا لطفته ورحمته لهلكوا عن آخرهم؛ لكنه لطف بهم حتى هدى الله من هدى، والله أكبر، والحمد لله.
فَإِنْه رَفَعَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهُمُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا.
الشيخ: الأمم الماضية تعاقب بالعقوبات العامة، ولكن الله رفع عن هذه الأمة العقوبات العامة.
فَإِنْه رَفَعَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهُمُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لِبَرَكَةِ وُجُودِ الرَّسُولِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، فَإِنَّ الْعَذَابَ يُوَفَّرُ عَلَى الْكَافِرِينَ بِهِ فِي مَعَادِهِمْ، يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ [هود:20].
وقوله تعالى: مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَيِ: الَّذِينَ أَخْرَجُوكَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذَكَرَ أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الْأَعْلَى، عَنِ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْغَارِ وأتاه فالتفت إِلَى مَكَّةَ وَقَالَ: أَنْتِ أَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَأَنْتِ أَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَيَّ، ولولا أن المشركين أخرجوني لَمْ أَخْرُجْ مِنْكِ.
الشيخ: وهكذا قال لما فتح الله عليه مكة بين هذا إنك لأحب أرض الله إلى الله، وأحب البقاع إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت بين أن مكة أفضل البقاع.
فَأَعْدَى الْأَعْدَاءِ مَنْ عَدَا على الله تعالى فِي حَرَمِهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قتل بذحول الجاهلية، فأنزل اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ.
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ۝ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد:14-15].
يقول تَعَالَى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَيْ: على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه بما أنزل فِي كِتَابِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، وَبِمَا جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِطْرَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ أَيْ: لَيْسَ هذا كهذا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى [الرَّعْدِ:19] وكقوله تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ [الْحَشْرِ:20].
الشيخ: وهذا لا شك، لا يستوي من أعطاه الله البينة والبصيرة ليس كالأعمى المتبع للهوى، هذا في نعمة عظيمة أعطاه الله البصيرة واستقام على أمر الله وراقب الله فهو على خير عظيم، وذاك قد غلب عليه الجهل والهوى فهو على شر عظيم، لا يستويان.
ثُمَّ قَالَ : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَثَلُ الْجَنَّةِ أَيْ: نَعْتُهَا.
الشيخ: يعني بهذا نعتها يعني الوصف.
أَيْ: نَعْتُهَا فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قال ابن عباس رضي الله عنهما وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: غَيْرُ مُنْتِنٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أسن الماء إذ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: غَيْرِ آسِنٍ يَعْنِي: الصَّافِي الَّذِي لَا كَدَرَ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عبداللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عبدالله رضي الله عنه: أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تُفَجَّرُ مِنْ جَبَلٍ مِنْ مِسْكٍ.
وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أَيْ: بَلْ فِي غَايَةِ الْبَيَاضِ وَالْحَلَاوَةِ وَالدُّسُومَةِ، وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ضُرُوعِ الْمَاشِيَةِ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أَيْ: لَيْسَتْ كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ وَالْفِعْلِ، لَا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ [الصَّافَّاتِ:47].
الشيخ: الله يجعلنا وإياكم من أهلها، ليس في الجنة من الدنيا إلا الأسماء، الذي في الجنة لا يشابه ما في الدنيا ولا يداني ما في الدنيا.
لَا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ [الْوَاقِعَةِ:19]، بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات:46].
الشيخ: يعني لا يصيبهم صداع ولا تتغير عقولهم، بل خمر لذة للشاربين، فيها الخير العظيم، واللذة من دون صداع ولا مضرة ولا تغيير عقول، بخلاف خمر الدنيا، فيها صداع، وفيها تغيير العقول، وفيها البلاء، نسأل الله العافية.
وفي حديث مرفوع: لم يعصرها الرجال بأقدامهم وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى أَيْ: وَهُوَ فِي غَايَةِ الصَّفَاءِ، وَحُسْنِ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرِّيحِ. وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ.
س: قوله: لم يعصرها الرجال بأقدامهم.
الشيخ: يمكن بعضها يصير كبير ويطأونه حتى يعصر.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فِي الْجَنَّةِ بَحْرُ اللَّبَنِ، وَبَحْرُ الْمَاءِ، وَبَحْرُ الْعَسَلِ، وَبَحْرُ الْخَمْرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ الْأَنْهَارُ مِنْهَا بَعْدُ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبي إياس الجريري، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عبداللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو قُدَامَةَ الْإِيَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عبداللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ الْأَنْهَارُ تشخب من جنة عدن فِي جَوْبَةٍ ثُمَّ تَصَدَّعُ بَعْدُ أَنْهَارًا وَفِي الصحيح: إذا سألتم الله تعالى فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ وَعبداللَّهِ بْنُ الصَّقْرِ السُّكَّرِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا عبدالرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنِي عبدالرَّحْمَنِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ دَلْهَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عبداللَّهِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ دَلْهَمٌ: وحدثنيه أيضًا أبي الأسود، عن عاصم بن لقيط قال: إنَّ لَقِيطَ بْنَ عَامِرٍ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رسول الله ﷺ قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلَامَ نَطَّلِعُ مِنَ الْجَنَّةِ؟ قال ﷺ: عَلَى أَنْهَارِ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَأَنْهَارٍ مِنْ خَمْرٍ ما بها من صُدَاعٌ وَلَا نَدَامَةٌ، وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَمَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَفَاكِهَةٍ لَعَمْرُ إِلَهِكَ مَا تَعْلَمُونَ، وَخَيْرٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَأَزْوَاجٍ مُطَهَّرَةٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَنَا فِيهَا أزواج مُصْلِحَاتٌ؟ قَالَ: الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحِينَ تَلَذُّونَهُنَّ مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ في الدنيا ويلذونكم، غير أن لا تَوَالُدَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عبداللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، أَخْبَرَنِي الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَجْرِي فِي أُخْدُودٍ فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَتَجْرِي سَائِحَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، حَافَّاتُهَا قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ وَطِينُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْه مِنْ حَدِيثِ مَهْدِيِّ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ يزيد بن هارون به مرفوعًا.
وقوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كقوله : يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ [الدُّخَانِ:55]، وَقَوْلِهِ تبارك وتعالى: فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ [الرَّحْمَنِ:52]، وَقَوْلُهُ : وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ أَيْ: مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ. وقوله : كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ أي: هؤلاء الَّذِينَ ذَكَرْنَا مَنْزِلَتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ؟ لَيْسَ هَؤُلَاءِ كَهَؤُلَاءِ، أَيْ لَيْسَ مَنْ هُوَ فِي الدَّرَجَاتِ كَمَنْ هُوَ فِي الدَّرَكَاتِ، وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا أَيْ: حَارًّا شَدِيدَ الْحَرِّ، لَا يُسْتَطَاعُ فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ أَيْ: قَطَّعَ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنَ الْأَمْعَاءِ وَالْأَحْشَاءِ، عياذًا بالله تعالى من ذلك.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ۝ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ۝ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ ۝ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ [محمد:16-19].
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُنَافِقِينَ فِي بَلَادَتِهِمْ وَقِلَّةِ فَهْمِهِمْ، حَيْثُ كَانُوا يَجْلِسُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويستمعون كلامه فلا يَفْهَمُونَ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من الصحابة : مَاذَا قالَ آنِفًا أَيِ السَّاعَةَ، لَا يَعْقِلُونَ ما قال وَلَا يَكْتَرِثُونَ لَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ أَيْ: فَلَا فَهْمٌ صَحِيحٌ، وَلَا قَصْدٌ صَحِيحٌ.
الشيخ: لأنهم يحضرون بأجسام ليس فيها قلوب تريد الحق، فلهذا لا يفهمون ولا يعقلون كما قال : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ [الفرقان:44] هكذا المنافقون يحضرون بأجسامهم وقلوبهم بعيدة عن الحق والهدى، ولهذا يقولون: ماذا قال آنفًا؟ نسأل الله العافية.
ثم قال : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً أَيْ: وَالَّذِينَ قَصَدُوا الهداية وفقهم الله تعالى لَهَا، فَهَدَاهُمْ إِلَيْهَا، وَثَبَّتَهُمْ عَلَيْهَا، وَزَادَهُمْ مِنْهَا وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ أي: ألهمهم رشدهم.
وقوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً أَيْ وَهُمْ غَافِلُونَ عَنْهَا فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أي: أمارات اقترابها، كقوله تبارك وتعالى: هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى ۝ أَزِفَتِ الْآزِفَةُ [النجم:56، 57]، وكقوله جلت عظمته: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] وقوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النَّحْلِ:1] وَقَوْلِهِ جل وعلا: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الْأَنْبِيَاءِ:1].
الشيخ: لأن محمد ﷺ هو نبي الساعة، نبينا هو نبي الساعة، وهو آخر الأنبياء، وليس بعده إلا الساعة، فمن أشراطها بعثته ﷺ، وقد وجد، ثم أشراطها التي بينها من كون الحفاة العراة هم رعاة الناس، وكون الأمة تلد ربتها، وغير هذا، والبقية تجي، بقية أشراطها تقع كما أخبر ﷺ.
فَبِعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؛ لِأَنَّهُ خَاتَمُ الرُّسُلِ الذي أكمل الله تعالى بِهِ الدِّينَ، وَأَقَامَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَى الْعَالَمِينَ.
وقد أخبر ﷺ بِأَمَارَاتِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا وَأَبَانَ عَنْ ذَلِكَ وَأَوْضَحَهُ بِمَا لَمْ يُؤْتَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺمِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي أسمائه ﷺ أَنَّهُ نَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَالْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حازم، حدثنا سهل بن سعد قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بِأُصْبُعَيْهِ هَكَذَا بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ أَيْ: فَكَيْفَ لِلْكَافِرِينَ بِالتَّذَكُّرِ إِذَا جَاءَتْهُمُ الْقِيَامَةُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى [الْفَجْرِ:23]، وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [سَبَأٍ:52].
وقوله : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ هَذَا إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَتَأَتَّى كَوْنُهُ آمِرًا بِعِلْمِ ذَلِكَ.
الشيخ: المقصود لعظم الأمر لمعرفة المعنى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] يعني يتحقق هذا، ويكون في هذا بصيرة، وأنه لا معبود حق إلا الله، أما الاستغفار فشيء آخر، أمره بالاستغفار شيء آخر.
وَلَا يَتَأَتَّى كَوْنُهُ آمِرًا بِعِلْمِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا عَطَفَ عليه قوله : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ.
الشيخ: يأمر الله نبيه أن يعلم أنه لا إله إلا هو، وقد علم، لكن من باب التأكيد عليه وعلى أمته أن يعلموا هذا المعنى، وأنه لا معبود حق إلا الله، حتى يدعو الشرك ويحذروا منه، وهو يعلم كونه يؤمر بذلك، ما هو معناه لا يعلم معناه التأكيد في هذا الأمر لأمته أمر له، وهو أمر لأمته أن يعلموا أنه لا معبود حق إلا الله، فهذه الكلمة هي أساس الدين كما قال تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، فاعلم له ولأمته يعني اعلموا أيها الناس أنه لا معبود حق إلا الله، وأن جميع الآلهة التي يعبدها الناس من دون الله باطلة، والاستغفار شيء آخر، كونه لا يتأتى كونه آمرًا إلا بأن يقول: واستغفر، العبارة فيها نظر.
الطالب: لا يتأتى إلا هو.
الشيخ: واللي عندكم أيش؟
الطالب: ولا يتأتى كونه آمرًا بعلم ذلك..
الشيخ: كأنها مصحفة ولا ينافي أمره له بذلك لا ينافي هذا كونه عالمًا بهذا قبل ذلك، وهو يدعو إليها من حين بعثه الله وهو يدعو إليها، فقوله: فَاعْلَمْ لا يقتضي أنه جاهل بها، ولا ينافي علمه السابق بها، وإنما هو للتأكيد، ليعلم وأمته عظم الأمر، فهو أمر له ولأمته جميعًا، هذه الكلمة ولا يتأتى كأنها فيها تصحيف، ولعلها ولا ينافي ذلك كونه عالمًا بها كونه على بصيرة بها، أمره له بذلك لا ينافي أنه ذو بصيرة بهذه الكلمة، وأنه عاش عليها ودعا إليها، وعلم الناس إياها.
س: ولا يتأتى إلا هو؟
الشيخ: ينظر في النسخ الأخرى، فيها نظر حط عليها إشارة.
وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي، وَجِدِّي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلَّ ذَلِكَ عِنْدِي وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً.
الشيخ: وفي اللفظ الآخر: فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، فإذا كان هو ﷺ يفعل هذا فغيره من باب أولى أن يحرص؛ لأنه مغفور له عليه الصلاة والسلام، ومع هذا يتوب إلى الله ويستغفره، فالذي على خطر ينبغي له أن يكثر أكثر وأكثر، وأن يديم الاستغفار، ويكثر من الاستغفار.