من قوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ..)

ودعا رسول الله الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر بن عبدالله رضي الله عنهما يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعهم على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفر، فبايع الناس، ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته قد صبأ إليها يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذي كان من أمر عثمان باطل.
وذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قريبًا من هذا السياق، وزاد في سياقه أن قريشًا بعثوا، وعندهم عثمان ، سهيلَ بن عمرو، وحويطب بن عبدالعزى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله ﷺ، فبينما هم عنده إذ وقع كلام بين بعض المسلمين، وبعض المشركين، وتراموا بالنبل، والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين من عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ، وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوا، فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ، وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبدًا. فأرعب ذلك المشركين، وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة، والصلح.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا هشام، حدثنا الحسن بن بشير، حدثنا الحكم بن عبدالملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى، وحاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم.
قال ابن هشام: حدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له عن ابن أبي مليكة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بايع رسول الله ﷺ لعثمان ، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال عبدالملك بن هشام النحوي: فذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: إن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي، وقال أبو بكر عبدالله بن الزبير الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ: علام تبايعني؟ فقال أبو سنان : على ما في نفسك، هذا أبو سنان ابن وهب الأسدي .
وقال البخاري: حدثنا شجاع بن الوليد أنه سمع النضر بن محمد يقول: حدثنا صخر بن الربيع، عن نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر رضي الله عنهما أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبدالله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، أن يأتي به، ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبدالله ، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر ، وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله ﷺ، وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر رضي الله عنهما.
ثم قال البخاري: وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عمرو بن محمد العمري، أخبرني نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس كانوا مع رسول الله ﷺ قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ، فقال يعني عمر : يا عبدالله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ، فوجدهم يبايعون فبايع، ثم رجع إلى عمر ، فخرج فبايع.
وقد أسنده البيهقي عن أبي عمرو الأديب، عن أبي بكر الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن دحيم، حدثني الوليد بن مسلم فذكره، وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر ، قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، وقال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت. رواه مسلم عن قتيبة عنه.
وروى مسلم عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، عن خالد، عن الحكم بن عبدالله الأعرج، عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة، والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر.
وقال البخاري: حدثنا المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال يزيد: قلت: يا سلمة على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت.
الشيخ: ومعنى المبايعة على عدم الفرار المبايعة على الموت، لكن مقصود الصحابة أن العبارة أنا لا نفر، بايعوه على أن لا يفروا، يعني وإن قتلوا، بايعوه على أنهم يقاتلون، ولا يفرون، حتى يقضي الله بينهم وبين المشركين، ومعلوم أن الذي يقاتل ولا يفر قد ينتهي به الأمر إلى الموت، فلا منافاة بين هذا، وهذا.
وقال البخاري أيضًا: حدثنا أبو عاصم! حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم تنحيت فقال ﷺ: يا سلمة ألا تبايع؟ قلت: قد بايعت، قال ﷺ: أقبل فبايع فدنوت فبايعته، قلت: علام بايعته يا سلمة؟ قال: على الموت. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن يزيد بن أبي عبيد، وكذا روى البخاري عن عباد بن تميم أنهم بايعوه على الموت.
الشيخ: لا منافاة بين أن لا نفر، وبين الموت، المعنى واحد. شف التقريب يزيد بن أبي عبيد أظنه مولى لسلمة.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا عبدالملك بن عمرو، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ، ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد رسول الله ﷺ على جباها، يعني الركي، فإما دعا، وإما بصق فيها، فجاشت، فسقينا، واستقينا.
قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس، ثم بايع، وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس قال ﷺ: بايعني يا سلمة قال: قلت يا رسول الله: قد بايعتك في أول الناس قال ﷺ: وأيضًا قال: ورآني رسول الله ﷺ عزلًا فأعطاني حجفة، أو درقة، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال ﷺ: ألا تبايع يا سلمة؟ قال: قلت يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس، وأوسطهم، قال ﷺ: وأيضًا فبايعته الثالثة، فقال رسول الله ﷺ: يا سلمة أين حجفتك، أو درقتك التي أعطيتك؟ قال: قلت يا رسول الله لقيني عامر عزلا فأعطيتها إياه فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي.
قال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشى بعضنا في بعض فاصطلحنا. قال: وكنت خادمًا لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه، وأجنبه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله، ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة اختلط بعضنا في بعض، أتيت شجرة فكشحت شوكها، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، وتحولت إلى شجرة أخرى فعلقوا سلاحهم، واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زنيم! فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة، وهم رقود، فأخذت سلاحهم، وجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه! قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له: مكرز من المشركين يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ، وقال: دعوهم يكن لهم بدء الفجور، وثناؤه فعفا عنهم رسول الله ﷺ، وأنزل الله وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ الآية [الفتح:24]، وهكذا رواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بسنده نحوه، أو قريبًا منه.
وثبت في الصحيحين من حديث أبي عوانة، عن طارق، عن سعيد بن المسيب، قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فانطلقنا من قابل حاجين فخفي علينا مكانها، فإن كان بينت لكم فأنتم أعلم.
وقال أبو بكر الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، وجدنا رجلًا منا يقال له: الجد بن قيس مختبئًا تحت إبط بعيره، رواه مسلم من حديث ابن جريج عن أبي الزبير به.
الشيخ: عن أبي الزبير.
وقال الحميدي أيضًا: حدثنا سفيان عن عمرو أنه سمع جابرًا قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فقال لنا رسول الله ﷺ: أنتم خير أهل الأرض اليوم قال جابر : لو كنت أبصرت لأريتكم موضع الشجرة، قال سفيان: إنهم اختلفوا في موضعها أخرجاه من حديث سفيان.
الشيخ: قطعها عمر لما خشي الفتنة، وأن الناس يقصدونها قطعها عمر سدًا للفتنة، خوفًا من الفتنة.
س: ألم تكن أخفيت عليهم الشجرة؟
الشيخ: يمكن أخفيت عليهم قبل أن يقطعها عمر .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون الفلاس المحرمي، حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، عن خداش بن عياش، عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر قال: فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره فقلنا: تعال فبايع. فقال: أصيب بعيري أحب إلي من أن أبايع.
الشيخ: وهذا متهم بالنفاق الجد بن قيس.
وقال عبدالله بن أحمد: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا قرة عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل» فكان أول من صعد خيل بني الخزرج، ثم تبادر الناس بعد، فقال النبي ﷺ: كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ، فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، فإذا هو رجل ينشد ضالة، رواه مسلم عن عبيدالله به.
وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة رضي الله عنها: لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة رضي الله عنها: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71] فقال النبي ﷺ: قد قال الله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:72]، رواه مسلم.
الشيخ: وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الذي يبايعون تحت الشجرة من أهل الجنة مشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم وأرضاهم، مثل ما قال في أهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم اللهم ارض عنهم.
س: قوله: إن شاء الله؟
الشيخ: ماذا؟
الطالب: الاستثناء في الحديث الذي رواه مسلم لا يدخل النار إن شاء الله؟
الشيخ: ما أدري والله، يراجع مسلم.
وفيه أيضًا عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أن عبدا لحاطب بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﷺ: كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدرًا، والحديبية ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:10].
الشيخ: وقال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18]، .
س: مبايعة الرسول لسلمة ثلاث مرات؟
الشيخ: الله أعلم للتأكيد عليه ليلزم الحق ليجاهد، ويبايع لأنه قد يخشى عليه من التساهل، ولعله قد يكون هناك صلة بالأعراب، المقصود أن هذا لحكمة بالغة رآها النبي ﷺ، لأسباب اقتضت ذلك، ولما أعطاه الله من الشجاعة، والقوة فإن البيعة مرات تعينه على الإقدام والقوة، واستعمال شجاعته .
كما قال في الآية الأخرى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا.
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۝ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ۝ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا ۝ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفتح:11-14].
يقول تعالى مخبرًا رسوله ﷺ بما يعتذر به المخلفون من الأعراب الذين اختاروا المقام في أهليهم، وشغلهم، وتركوا المسير مع رسول الله ﷺ فاعتذروا بشغلهم بذلك، وسألوا أن يستغفر لهم الرسول ﷺ، وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد، بل على وجه التقية، والمصانعة، ولهذا قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا أي: لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا، ونافقتمونا، ولهذا قال تعالى: بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.
ثم قال تعالى: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص، بل تخلف نفاق بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا أي: اعتقدتم أنهم يقتلون، وتستأصل شأفتهم، وتستباد خضراؤهم، ولا يرجع منهم مخبر، وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا أي: هلكى، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، وغير واحد، وقال قتادة: فاسدين، وقيل: هي بلغة عُمان.
ثم قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر.
ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا أي: لمن تاب إليه وأناب، وخضع لديه.
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الفتح:15].
يقول تعالى مخبرا عن الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية، إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا وقت محاربة الأعداء، ومجالدتهم، ومصابرتهم، فأمر الله تعالى رسوله ﷺم أن لا يأذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم، فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعًا ولا قدرًا، ولهذا قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ.
قال مجاهد، وقتادة، وجويبر: وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية. واختاره ابن جرير.
وقال ابن زيد هو قوله تعالى: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ [التوبة:83]، وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر؛ لأن هذه الآية التي في براءة نزلت في غزوة تبوك، وهي متأخرة عن عمرة الحديبية.
وقال ابن جريج: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ يعني بتثبيطهم المسلمين عن الجهاد قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي: وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا أي: أن نشرككم في المغانم بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: ليس الأمر كما زعموا، ولكن لا فهم لهم.
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:16، 17].
اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يُدعون إليهم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال:
[أحدها]: أنهم هوازن، رواه شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، أو جميعًا، ورواه هشيم عن أبي بشر عنهما، وبه يقول قتادة في رواية عنه.
[الثاني]: ثقيف، قاله الضحاك.
[الثالث]: بنو حنيفة، قاله جويبر، ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري، وروي مثله عن سعيد، وعكرمة.
[الرابع]: هم أهل فارس، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه يقول عطاء، ومجاهد، وعكرمة في إحدى الروايات عنه.
وقال كعب الأحبار: هم الروم. وعن ابن أبي ليلى، وعطاء، والحسن، وقتادة: هم فارس، والروم. وعن مجاهد: هم أهل الأوثان، وعنه أيضا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة، وبه يقول ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبدالرحمن بن إسحاق القواريري، عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال: لم يأت أولئك بعد.
وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن أبيه عن أبي هريرة في قوله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال: هم البارزون، قال: وحدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين ذلف الآنف، كأن وجوههم المجان المطرقة قال سفيان: هم الترك، قال ابن أبي عمر: وجدت في مكان آخر، حدثنا ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة ففسر قول رسول الله ﷺ: تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر قال: هم البارزون يعني الأكراد.
وقوله تعالى: تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ يعني شرع لكم جهادهم، وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أَوْ يُسْلِمُونَ فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار.
ثم قال : فَإِنْ تُطِيعُوا أي: تستجيبوا وتنفروا في الجهاد، وتؤدوا الذي عليكم فيه، يؤتكم الله أجرًا حسنا، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم، يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فمنها لازم كالعمى، والعرج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ.
ثم قال تبارك، وتعالى مرغبا في الجهاد، وطاعة الله ورسوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ أي: ينكل عن الجهاد، ويقبل على المعاش يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار، والله تعالى أعلم.
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ۝ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [الفتح:18، 19].
يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم، وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية، قال البخاري: حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن طارق أن عبدالرحمن قال: انطلقت حاجًا، فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها، وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم.
الشيخ: وهذه الشجرة قطعها عمر لما رأى الناس يأتون إليها، قطعها خشي من الغلو فقطعها .
وقول المؤلف: "ألف وأربعمائة"، وفي الرواية الأخرى: "كانوا أكثر من ألف وأربعمائة"، وفي رواية: "كانوا ألفًا وخمسمائة".
س: قوله: "فأنتم أعلم" على سبيل الإنكار؟
الشيخ: نعم، يعني لستم بأعلم على سبيل الإنكار.
وقوله تعالى: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: من الصدق، والوفاء، والسمع، والطاعة فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ وهي الطمأنينة عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم، وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر، وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز، والنصر، والرفعة في الدنيا، والآخرة.
الشيخ: كل هذا من فضل الله، وكان الصحابة قد اشتد عليهم هذا الصلح لما فيه من بعض الغضاضة، ولكن الله جعله فتحًا، وصبر عليه النبي ﷺ لما فيه من الخير العظيم؛ أمن الناس، وتنقلوا في البلاد، وهاجروا إلى المدينة، ثم فتح الله عليه خيبرا، واستعان بأموالها المسلمون، ثم جاء الفتح العظيم فتح مكة، فصار هذا الفتح فتحًا أمام فتح، وإن كان المسلمون قد شق عليهم ذلك من أجل رجوعهم، ولم يؤدوا عمرتهم، ولأجل شروط الكفار، شرطوا على النبي ﷺ أن لا يقول محمد رسول الله، ويقول محمد بن عبدالله، وأن يقول: باسمك اللهم، ولا يقل بسم الله الرحمن الرحيم، من أجل هذا شق على المسلمين، وشرطوا أن من جاءنا مسلمًا يرد إليهم، ومن جاءهم من المسلمين ما يرد، ومع هذا صبر النبي على هذه الشروط، وجعلها الله فتحًا عظيمًا، وفي هذه دلالة على أن ولاة الأمور ينظرون في المصالح، وإن خفي على بعض الناس حكمته، ينظرون في مصالح المسلمون، وإن كان فيها بعض الغضاضة على المسلمين إذا كان وراءها ما هو أصلح، وأنفع.
ولهذا قال تعالى: وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
الشيخ: وفي هذا منقبة للصحابة أن الله رضي عنهم، والرد على الشيعة، والإمامية المبغضة لأصحاب النبي ﷺ، يقول الله جل وعلا: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ [التوبة:100] هذا وصف الصحابة من الأنصار والمهاجرين ومن سلك سبيلهم، ويقول ﷺ: والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه لا مد أحد الصحابة، ولا نصيفه.
لما أوصى بأصحابه عليه الصلاة والسلام قال: خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم خير الناس قرني ثم الذين يلونهم.. اللهم صل عليه وسلم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى يعني ابن عبيدة، حدثني إياس بن سلمة، عن أبيه قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: أيها الناس، البيعة البيعة نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى رسول الله ﷺ، وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قال: فبايع رسول الله ﷺ لعثمان بإحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئا لابن عفان يطوف بالبيت، ونحن هاهنا، فقال رسول الله ﷺ: لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف.
الشيخ: فعلاً قالوا له: طف، قال: لا أطوف، حتى يأتي النبي ﷺ، فيطوف، لم يطف حتى رجع إلى النبي ﷺ، وهذه الزيادة لو مكث كذا وكذا فيها نظر؛ لأن موسى بن عبيدة هذا ضعيف.
س: من قال بتكفير الصحابة إلا ستة، هل نقول بكفره؟
الشيخ: ما في شك، من كفر الصحابة فهو كافر، هم حملة الشرع، -كالإمامية، وأشباههم- نسأل الله العافية.
س: بالنسبة للحديبية لها اسم ...؟
الشيخ: معروفة إلى الآن.
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ۝ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ۝ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ۝ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۝ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الفتح:20-24].
قال مجاهد في قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا هي جميع المغانم إلى اليوم فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ يعني فتح خيبر، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ يعني صلح الحديبية وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة، والقتال، وكذلك كف أيدي الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم، وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي: يعتبرون بذلك، فإن الله تعالى حافظهم، وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم إنه العالم بعواقب الأمور، وأن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين، وإن كرهوه في الظاهر كما قال : وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216]، وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا أي: بسبب انقيادكم لأمره، واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله ﷺ.