شرح الأصول الثلاثة 2

فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟

فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته: الليل والنهار، والشمس والقمر، ومن مخلوقاته: السماوات السبع، والأرضون السبع، ومَن فيهنَّ، وما بينهما.

والدليل قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37].

وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54].

والرب: هو المعبود، والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21- 22].

قال ابنُ كثيرٍ رحمه الله تعالى: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.

الشيخ: يقول الشيخُ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التَّميمي رحمه الله، المجدد لما اندرس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، يقول رحمه الله في كتابه "ثلاثة الأصول" التي ألَّفها لتدريس العامَّة وتعليم العامَّة وصغار الطلبة حتى يُلقونها ويحفظوها.....، يقول رحمه الله: فإذا قيل لك أيها الطالب وأيها المسلم: بم عرفت ربك الذي أنت تعبده؟

فقل: عرفته بآياته ومخلوقاته؛ أي: بآياته الكثيرة، وبمخلوقاته الكثيرة التي تدل على أنه الرب العظيم، وأنه الخلَّاق العليم، وأنه المستحق لأن يُعبد، وأنه الذي يخلق ما يشاء، ويُعطي ويمنع، وينفع ويضرّ، بيده كل شيءٍ ، فهو المستحق بأن نعبده بطاعته ودعائه واستغاثته وسائر أعمالنا وعباداتنا؛ لأنَّ الله خلقنا لهذا، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وهذه العبادة هي طاعته، واتِّباع شريعته، وتعظيم أمره ونهيه قولًا وعملًا.

وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت:37]، كل هذه تدل على أنه ربّ العالمين، وأنه الخلَّاق العليم، يأتي الليل بظلامه، ويذهب النهار بضيائه، ثم يجيء النهار ويذهب الليل، وهذه الشمس تطلع على الناس في الدنيا كلها، وينتفعون بها، وهذا القمر كذلك في الليل، وغير هذه من الآيات العظيمة: كالأرض وما فيها من جبالٍ وأنهارٍ وبحارٍ وأشجارٍ وحيوانات. وهذه السَّماوات التي يراها الناس، كلها من آياته الدالة على عظمته، وأنه رب العالمين، وأنه الخلَّاق العليم، وأنه المستحق لأن يُعبد؛ ولهذا قال: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37] يعني: لا تعبدوا هذه المخلوقات، بل اعبدوا الذي خلقها وأوجدها ، فهو المستحق بأن يذلّ له العبد ويخضع له، ويُطيع أوامره، وينتهي عن نواهيه سبحانه وتعالى؛ تعظيمًا وتقديسًا له؛ وخوفًا منه، ورغبةً فيما عنده جلَّ وعلا.

وقال سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ يُخاطب الناس، يعني: إنَّ ربكم أيُّها العباد من الجن والإنس، إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ يعني: خالقكم، وهو معبودكم الحقّ وحده : الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [يونس:3] أي: ثم ارتفع على العرش، وعلا فوقه ، فعلمه في كل مكانٍ، وهو فوق العرش، فوق جميع الخلق، والعرش سقف المخلوقات، وهو أعلى المخلوقات، والله فوقه جلَّ وعلا، استوى عليه استواءً يليق بجلاله، لا يُشابه خلقه في شيءٍ من صفاته، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، وقال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]، وقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا أي: يُغطي هذا بهذا، وهذا بهذا، يَطْلُبُهُ حَثِيثًا أي: سريعًا، وكل واحدٍ يطلب الآخر، إذا انتهى هذا دخل هذا، وهكذا حتى تقوم الساعة: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي: وخلق الشمس والقمر والنجوم، خلقها مُسخرات مُذللات، مُطيعات لأمره سبحانه، ثم قال سبحانه: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54]، فالخلق له، والأمر له، هو الخلَّاق الذي لا يُخالف أمره الكوني الذي هو نافذ في الناس، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، وقوله: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر:50].

فأمر الله الكوني القدري لا رادَّ له؛ ولهذا قال: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54]، فـتَبَارَكَ يعني: بلغ في البركة النِّهاية، وهي صيغة لا تصلح إلا لله، فلا يُقال للعبد: تباركت يا فلان، هذا لا يصلح، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1]، ولكن يُقال له: بارك الله في فلان، أو فلان مبارك، لكن ما يُقال: تباركت علينا يا فلان، أو تباركت يا فلان، ما يصلح؛ هذا لله وحده.

والرب هو المعبود، والْعَالَمِينَ المخلوقات كلها من الجن والإنس، والسماء والأرض، كلها عوالم، وهو ربها ، وهو رب الجميع، وخالق الجميع، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، خلق الجميع: الذين قبلنا، والذين بعدنا، من آدم وما قبله وما بعده، هو الخلَّاق ، ثم قال سبحانه: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا [البقرة:22] فهو خلق الجميع ليتَّقوه ويعبدوه، كما قال تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21].

ثم بيَّن سبحانه بعض أفعاله فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، فجعل الأرض فراشًا للناس، ومهادًا لهم، عليها يسكنون، وعليها يبنون، وعليها ينامون، وعليها يمشون، مُذللة، وأرساها بالجبال، وجعل السَّماء بناءً سقفًا فوقهم، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [الأنبياء:32]، وزينها بالنجوم والشمس والقمر: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً أي: من السَّحاب، والسحاب يُمطر على الناس فَأَخْرَجَ بِهِ فأخرج بهذا الماء –المطر- مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [البقرة:22] أنواع الأرزاق في كل مكانٍ.

هذا المطر يُنبت اللهُ به الثِّمار والأشجار والخيرات الكثيرة، ويُحيي الله به الأرض بعد موتها، فضلًا منه سبحانه وتعالى.

ثم قال تعالى: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] أي: ما دمتم تعرفون أنَّ الله هو خالق هذه الأشياء، هو ربكم، فلا تجعلوا له أندادًا: لا تجعلوا له أشباهًا ونظراء تعبدونها معه، لا صنمًا، ولا جنًّا، ولا ملكًا، ولا غير ذلك.

فالعبادة حقّ الله وحده، ليس له نديد، ولا نظير، ولا مثيل، بل هو الإله الحقّ، والأنداد: الأنظار والأمثال.

وكان المشركون يتَّخذون الأنداد من الأصنام والجنِّ والملائكة، ويعبدونهم من دون الله، ويستغيثون بهم، ويستنصرونهم، فأنكر الله عليهم ذلك، وقضى سبحانه أنه المستحق للعبادة، وبيَّن أنَّ هذه المخلوقات ليس لها حقٌّ في العبادة، ولا قُدرة لها على شيءٍ، الله الذي خلقها وأوجدها.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: الخالق لهذه الأشياء من سماءٍ وأرضٍ وثمارٍ وأشجارٍ ومطرٍ وغير ذلك: هو المستحق للعبادة سبحانه وتعالى، وأن يُطاع. الذي خلق هذه الأشياء –المخلوقات- للعباد ويسَّرها لهم هو المستحق لأن يُعبد ويُطاع سبحانه وتعالى، هو ربّ الجميع، وإله الجميع، كما قال تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163].

وفَّق الله الجميع.

وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل: الإسلام والإيمان والإحسان، ومنه الدعاء، والخوف، والرَّجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، والاستعاذة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها، كلها لله.

والدليل قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

فمَن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مُشرك كافر، والدليل قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117].

وفي الحديث: الدعاء مخّ العبادة، الدليل قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

الشيخ: قد سبق في الدرس الماضي أنَّ الحنيفية ملة إبراهيم التي بعث اللهُ بها الرسلَ جميعًا: أن تعبد الله مخلصًا له الدين، هذه هي الحنيفية التي هي ملة الرسل جميعًا، ومنهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وعلى رأسهم خاتمهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، هي أن تعبد الله مخلصًا له الدين، كما قال تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ۝ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2- 3]، وقال عزَّ وجلَّ: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، وقال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وقال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، إلى غيرها من الآيات الدالة على أنَّ الواجب إخلاص العبادة لله وحده؛ ولهذه العبادة خُلق الناس، وأُنزلت الكتب، وأُرسلت الرسل، كما قال عزَّ وجلَّ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

وهذه العبادة أنواع: فمنها الإسلام بأركانه، فكل ما أمر الله به من أعمال الإسلام عبادة: من صلاةٍ وصومٍ وغير ذلك، كلها عبادة، وكل أوامر الله داخلة في الإسلام، وهكذا الإيمان بأعماله الباطنة: كالإيمان بالله وملائكته، إلى آخره، وكذلك الخوف والمحبة والرجاء، إلى غير ذلك. فكل ما يتعلق بالقلوب من الإيمان، وهي داخلة في العبادة أيضًا.

وهكذا الإحسان من العبادة، وهو أن يعبد الله كأنَّه يراه، هذا من الإحسان، بل هو أعلى العبادة وأعظمها: أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والاستعانة، والاستغاثة، والاستعاذة، والذبح، والنذر، كلها عبادة، وكل ما أمر الله به عبادة، فالواجب على المسلمين إخلاصها لله وحده، فلا يدعوا مع الله الأنبياء، ولا الأولياء، ولا الأصنام، ولا الأشجار، ولا الأحجار، ولا النجوم؛ لأنَّ العبادة حقٌّ لله وحده، قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، وقال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، وقال سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، وقال عزَّ وجلَّ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ۝ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:13-14]، فسمَّى سبحانه دعاءهم شركًا: وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14].

فالواجب على جميع المكلفين إخلاص العبادة لله وحده: رجاء، وخوفًا، واستعانة، واستغاثة، وذبحًا، ونذرًا، وخشيةً لله، وصلاةً، وصومًا، إلى غير ذلك، كله لله وحده، فمَن تقرب لغير الله -من وليٍّ، أو نبيٍّ، أو صنمٍ، أو شجرٍ، أو حجرٍ- بالدعاء، أو بالذبح، أو بالنذر، أو بالصلاة له، أو بالصوم له، ونحو ذلك، فهو مُشرك بالله، وعبد معه سواه، كفعل المشركين الأولين من عُباد القبور، وعباد الأشجار والأحجار والأصنام؛ ولهذا قال عزَّ وجلَّ: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وقال تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة:72]، وقال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۝ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65- 66].

فكل هذه العبادات يجب إخلاصها لله، ومَن صرف منها شيئًا لغير الله: من صنم، أو شجر، أو حجر، أو قبر، أو ما أشبه ذلك؛ فهو مشرك بالله، كما قال تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117].

وفي الحديث: الدعاء مخ العبادة، وفي لفظٍ آخر: الدعاء هو العبادة، وقال سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، فسمَّى الدعاء: عبادة في قوله: أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ يعني: عن دُعائي، فالدُّعاء هو أن يضرع إلى الله: يدعوه، ويسأله النَّجاة، ويسأله الرزق، كل هذا عبادة، فإذا صرفها للصنم، أو للشجر، أو للحجر، أو لميت؛ صار مشركًا بالله عزَّ وجلَّ.

فيجب الحذر من الشرك كله -دقيقه وجليله- وأن تكون العبادةُ لله وحده، لكن دعاء الحي الحاضر القادر، والاستعانة به في الشيء المقدور عليه، لا بأس به، وليس داخلًا في الشرك، دعاء الأحياء القادرين فيما يستطيعونه، والاستغاثة بهم، والاستعانة بهم فيما يستطيعون غير داخلٍ في ذلك، ولا بأس به، فلو قلت لأخيك الحاضر: يا عبدالله، ساعدني على إصلاح السيارة، أعني على إعمار بيتي، أعنّي على قطع هذه الشجرة، أو على حفر هذه البئر. فلا بأس بذلك، كما قال سبحانه في قصة موسى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ الآية [القصص:15]، استغاثه الإسرائيلي على القبطي؛ لأنَّ موسى قادر على إغاثته، يتكلم، حي، يسمع كلامه، قال تعالى: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:21] خاف من الظلمة، فإذا خاف من اللصوص وجعل له حرسًا على الباب، على بيته، وأغلق الباب، أو خاف من الظلمة وابتعد عنهم؛ فلا حرج.

بالسر ينفع مَن دعاه، يقول في سرِّه أنه ينفع ويضرّ، لا بالأسباب الحسية، هذا هو عقيدة أهل الشرك: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، يعتقدون أنه بسرِّهم وشفاعتهم يستطيعون إصدار الأوامر من الله لهم بهذه الشَّفاعة أو بهذا القرب، وهذا من جهلهم وضلالهم -الشافع والمشفوع- فالله سبحانه جعل له الشَّفاعة جميعًا، هو الذي يتصرف في عباده كيف يشاء، فلا يأذن إلا لمن ارتضى شفاعته، ولا يشفع أحدٌ إلا لمن ارتضى له عمله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، فالشفاعة تكون بإذنه، ولمن يرضى قوله وعمله، وهم أهل التوحيد والإيمان.

فالواجب على كل مسلمٍ أن يتَّقي الله، وأنه يخصَّه بالعبادة، وأن يحذر الإشراك به ومعصيته سبحانه، أما الأمور الحسية العادية بين الناس في الحاضرين فيما بينهم فهذه غير داخلةٍ في العبادة؛ لأنها أمور طبعية حسية جارية بين الناس، يتعاونون، إذا حضروا يتعاونون بالمكاتبة، بالهاتف –بالتليفون- ما يُخالف، هذه أمور حسية، مثلما جرى لقصة موسى مع القبطي.

وفَّق الله الجميع.

ودليل الخوف قوله تعالى: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175].

ودليل الرجاء قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].

ودليل التَّوكل قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3].

ودليل الرَّغبة والرَّهبة والخشوع قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

ودليل الخشية قوله تعالى: فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الآية [البقرة:150].

ودليل الإنابة قوله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ الآية [الزمر:54].

ودليل الاستعانة قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وفي الحديث: إذا استعنتَ فاستعن بالله.

ودليل الاستعاذة قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1].

ودليل الاستغاثة قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ الآية [الأنفال:9].

ودليل الذبح قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162- 163]، ومن السنة: لعن الله مَن ذبح لغير الله.

ودليل النذر قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7].

الشيخ: قد سبق أن بيَّن الشيخُ رحمه الله، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، شيخ الإسلام ..... في زمانه، والمجدد لما اندرس من معالم الإسلام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر في هذه الجزيرة رحمه الله، يقول في "ثلاثة الأصول"، وهو كتاب جيد مفيد مختصر، يقول رحمه الله: إنَّ الحنيفية ملة إبراهيم هي أن تعبد الله مخلصًا له الدين. هذا دين إبراهيم، وهو دين الرسل جميعًا، دين الرسل جميعًا أن تعبد الله وحده بكل العبادات، مع إيمانٍ برسله عليهم الصلاة والسلام، والله خلق الخلق لهذا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، فالجن والإنس خُلقوا ليعبدوا الله، فالعبادة حقّه سبحانه وتعالى، يجب أن تخلص له، وهي طاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، هذه هي العبادة: طاعته وطاعة رسوله بفعل الأوامر، وترك النَّواهي.

وهي أنواع، هذه العبادة التي أمرنا بها، وأن نخصَّ الله بها جلَّ وعلا أنواع: منها الصلاة والصوم والحج والجهاد، وغير ذلك من الأوامر التي أمر الله بها، ومنها الدعاء، الإنسان لا يدع إلا الله، لا يدع الأموات، ولا الأحجار، ولا الأصنام، ولا النجوم، يدعو الله وحده، لا يدعو الأنبياء، ولا الأولياء، ولا غير ذلك، الدعاء حقّ الله: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، وفي الحديث: الدعاء هو العبادة.

ومن ذلك: الخوف، وهو أقسام ثلاثة: خوف السر، وهذا خاصٌّ بالله، وهذا خاصٌّ بالله؛ لأنه القادر على كلِّ شيءٍ، وهو الذي يُخاف ويُخشى، كما قال تعالى: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، وقال تعالى: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [التوبة:18]، وقال: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة:44].

فالواجب خشيته سبحانه؛ لأنه مصرف القلوب ومُقلبها، والقادر على كل شيءٍ، وهو الذي ينفع ويضرّ، ويُعطي ويمنع، وهو على كل شيءٍ قدير سبحانه وتعالى.

فالواجب تخصيصه بالخوف، وألا يخاف إلا الله في كل الأمور، ولكن خوف السر يختص به سبحانه، وهو كون الإنسان يخاف من أجل قُدرةٍ خاصةٍ سريةٍ، ليست حسب الحسّ؛ ولذلك يعتقد عبادُ القبور أنَّ بعض الناس له القُدرة على التَّصرف في الكون مع الله جلَّ وعلا، فيخافون لأجل ذلك، كما يخافون الأصنام والجنّ، وهذا هو الشرك الأكبر، يعني: خوف الشَّخص لسرِّه ومعنًى فيه، لا لأسبابٍ حسيةٍ، فهذا هو الشرك الأكبر، كونه يخاف الأصنام أو النجوم أو الأموات أو أشخاصًا آخرين خوف السر، يعتقد فيهم أنهم يتصرفون في الكون، وأنَّ لهم قُدرةً على العطاء والمنع، وزيغ القلوب، وموت النفس بدون أسبابٍ حسيةٍ.

النوع الثاني: خوف الأسباب الحسية، كما قال تعالى في قصة أُحُدٍ لما قيل للنبي ﷺ: إنَّ المشركين قد جمعوا لكم وسيرجعون إليكم. فأنزل الله في ذلك: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، فالشيطان يُخوف الناس من أوليائه، ويعظمهم في صدور الناس حتى يخافوهم، والله يقول: فَلَا تَخَافُوهُمْ [آل عمران:175]، أي: لا تخافوهم واعتمدوا عليَّ، وأعدُّوا العدة، ولا تُبالوا بهم، كما قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71].

فأخذ الحذر والخوف الحسي هذا لا بأس به، لكن الخوف القلبي -خوف السر- هذا هو المنهي عنه، بل يجب الاعتماد على الله، وخوفه سبحانه، والإعداد للعدو.

أما الخوف الحسي، مثل: أن يخاف اللص أو السُّراق فيُغلق بابه، أو يجعل عليه حارسًا، أو يخاف العدو يهجم عليه، فيعد العدَّة من السلاح اللازم، أو للقتال فيعد العدة، كل هذا لا بدَّ منه، لا بد أن يخاف هجمات العدو، لا حرج؛ لأنه خوف حسي، خوف معلوم، يخاف حتى يعدَّ له العُدَّة؛ ولهذا قال تعالى في قصة موسى لما خرج من مصر خائفًا: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:21] يعني: خائفًا من فرعون وجماعته، هذا خوف حسي لا بأس به، كون الإنسان يخاف العدو، يخاف الظلمة يبتعد عنهم، يخاف السراق يبتعد عن شرِّهم بالتَّحرزات؛ بوضع الحرس وإغلاق الباب وغير ذلك، هذه أمور لا بأس بها.

الخوف الثالث: الخوف الطبيعي الذي جُبل عليه الإنسان، وهذا لا حرج فيه، مثل: خوف الإنسان الحية والعقرب والسبع، فيتباعد عنها، مثل الخوف الحسي: يتباعد عن العقرب ويقتلها، ويتباعد عن منطقة السباع حتى لا يتأذَّى بها، هذا أمرٌ لا بدَّ منه، والله جبل الناس على الخوف مما يُؤذي؛ حتى يتحرز منه، يخاف البرد فيلبس الثياب الغليظة، ويخاف من الجوع فيأكل، ويخاف الظمأ فيشرب. هذه أمور طبيعية لا بأس بها.

وهكذا الرجاء عبادة لله، فيرجو الله، ويُحسن به الظن، كما قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، وقال: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40]، فالرغبة إليه ورجاء ما عنده عبادة له سبحانه وتعالى، قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]. فالرغب: الرجاء. والرهب: الخوف.

فالرجاء من الله عبادة، والخوف من الله عبادة: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا يعني: حُسن الظن فيه ..... يعود على العباد بالخير والرحمة، وبدخول الجنة بالمغفرة، يُحسن ظنَّه بربه، ويعمل الأسباب، يأخذ بالأسباب، هذه عبادة، يرجو الله، ويُحسن الظن، ويعمل بالأسباب الشَّرعية.

وهكذا التوكل عبادة، وهو التَّفويض إلى الله، والاعتماد عليه في كل الأمور، مع الأخذ بالأسباب، فتعتمد على الله في السَّلامة من الشر، والعافية من الفتن، وحصول الرزق، وفي دخول الجنة، والنَّجاة من النار، مع الأخذ بالأسباب المشروعة، قال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] يعني: كافيه.

وهكذا الرغبة والرهبة والخشية من الله، كل هذه عبادات، كما قال تعالى عن الأنبياء والصَّالحين: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90] يعني: خائفين، يخشون الله، ويخشعون لعظمته، أي: يذلون، الخشوع: الذل، والخوف من الله رجاء رحمته وخوف عذابه سبحانه وتعالى.

وهكذا الإنابة عبادة، قال تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:54]، والإنابة معناها: الرجوع إلى الله، والتوبة إليه، والاستقامة على طاعته، فهذه عبادة لله، يجب على الناس أن يُنيبوا إلى الله، ويرجعوا إليه، ويتوبوا إليه، ويستقيموا على طاعته.

وهكذا الاستعانة عبادة، كما قال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وفي الحديث: إذا استعنتَ فاستعنْ بالله، فيستعين العبد بالله فتقول: اللهم أعني على ذكرك وشُكرك، اللهم أعني على طاعتك، اللهم أعني على كلِّ خيرٍ. إلى غير هذا، تستعين بالله في كل المهمات.

وهكذا الاستغاثة عبادة: أن تستغيث بالله في الشَّدائد: من عدو، أو تطلب منه إنزال الغيث المبارك، أو يكشف الضرّ، كما قال تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال:9].

وهكذا الاستعاذة عبادة: أن تستعيذ بالله من الشُّرور، وتلجأ إليه، كما قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، وقوله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، فالاستعاذة بالله من الشيطان ومن كل مُؤذٍ ومن كل عدو أمر مأمور به، كما قال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200].

وهكذا الذبح والنذر كلها عبادة، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي أي: ذبحي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]، وقال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:1- 2]، وقال تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]، وقال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ الآية [البقرة:270]، وقال ﷺ: مَنْ نَذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فلْيُطِعْهُ، ومَن نذَرَ أنْ يعصِهِ فلا يَعْصِه.

فالنذر عبادة وطاعة لله، إذا فعله الإنسانُ لزمه الوفاء، والنذر مكروه؛ لأنَّ فيه التزامًا، وفيه مشقة؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: إنَّ النذر لا يأتي بخيرٍ، ولكن إذا نذر طاعةً لزمه الوفاء؛ لقول الرسول ﷺ: مَنْ نذر أن يُطيعَ الله فليُطعه، ومَن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، فإذا نذر عبادةً: من صلاةٍ، أو صوم، أو صدقة، لزمه الوفاء؛ لقوله ﷺ: مَن نذر أن يُطيع الله فليُطعه، ومَن نذر أن يعصي الله فلا يعصه.

وفَّق الله الجميع.

الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة؛ وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.

وهو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكل مرتبةٍ لها أركان:

فالمرتبة الأولى: الإسلام، فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.

فدليل الشهادة قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]، ومعناها: لا معبودَ بحقٍّ إلا الله وحده.

"لا إله": نافيًا جميع ما يُعبد من دون الله.

"إلا الله" مُثْبِتًا العبادة لله وحده، لا شريكَ له في عبادته، كما أنه ليس له شريك في ملكه.

وتفسيرها الذي يُوضحها قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ  ۝ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ۝ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26- 28]، وقوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].

ودليل شهادة أنَّ محمدًا رسول الله قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

ومعنى شهادة أنَّ محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.

ودليل الصلاة والزَّكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5].

ودليل الصيام قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

ودليل الحجِّ قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97].

الشيخ: هذا هو الأصل الثاني، تقدم أنَّ الأصول ثلاثة: أن يعرف الإنسانُ ربَّه ودينه ونبيَّه، وهي التي يُسأل عنها في قبره: عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه عليه الصلاة والسلام.

تقدم الأصلُ الأول وهو الرب، وأنه ربنا وخالقنا جلَّ وعلا، وأنه إذا قيل لك: مَن ربك؟ تقول: ربي الله الذي ربَّاني وربى جميع الناس بنعمه، وهو معبودي، ليس لي معبود سواه.

وتقدم قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ في الفاتحة [الفاتحة:2]، وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الأعراف:54]، إلى غير هذا من الآيات: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62]، فهو ربّ الجميع، وخالق الجميع، وإله الجميع سبحانه وتعالى، وهذا قد أقرَّ به أهلُ الشرك: أنه ربهم وخالقهم، ولكنَّهم لم يخصُّوه بالعبادة، بل اتَّخذوا معه آلهةً يعبدونها معه: كالجن والملائكة والأصنام وغير ذلك، فأرسل الله الرسل، وأنزل الكتب تنهى عن هذا الشيء؛ تنهى عن الشرك، وتدعو إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وتعظيمه وإخلاص العبادة له سبحانه وتعالى.

والأصل الثاني: هو دين الإسلام، وهو ثلاث مراتب بيَّنها الرسولُ ﷺ.....، تعرف دين الإسلام بالأدلة: من الآيات والأحاديث.

والإسلام -وهو الإخلاص لله وحده- يعني: الاستسلام لله بالعبادة، وتخصيصه بها دون كلِّ ما سواه، والبراءة من الشرك وأهله.

تخصّه بجميع أنواع الطَّاعات والعبادة، ويتبرأ من الشرك وأهله، هذا هو الإسلام، يقال: أسلم يُسلم، يعني: انقاد وذلَّ وخضع لله وحده بالعبادة دون كلِّ ما سواه، وتبرأ من الشرك وأهله، قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256]، والكفر بالطاغوت معناه: البراءة من الشرك وأهله، وإنكار ذلك، واعتقاد بطلانه.

وهذه المرتبة -مرتبة الإسلام- لها أركان خمسة، وهناك مرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان، وكلها داخلة في دين الإسلام، دين الإسلام مشتمل نفس الإسلام ونفس الإيمان ونفس الإحسان، الدين الذي شرعه الله لعباده، وأرسل به الرسل جميعًا يُقال له: الدين، الإسلام، يعني: دين الانقياد لله، دين الخضوع لله، دين التَّوجه إليه سبحانه بعبادته، والبراءة من أي دينٍ سواه، هذا هو دين الإسلام.

وينقسم إلى مراتب ثلاثة: مرتبة الإسلام -وهي الأعمال الظاهرة- ومرتبة الإيمان -وهي الأعمال الباطنة- ومرتبة الإحسان؛ وهي الكمال -كمال العبادة- كون الإنسان يُكملها ويعتني بها ولا ينقصها شيئًا.

والإسلام -الذي هو دين الإسلام الظاهر- له أركان خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.

هذه أركان خمسة: الشَّهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقام الصَّلوات الخمس، وزكاة المال، وصوم رمضان، وحج البيت. هذه خمسة أركان، كما قال النبي ﷺ: بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وإقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.

فأول أركان الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وهي الركن الأول، وبها يدخل العبدُ في الإسلام؛ فيشهد أن لا إله إلا الله، أي: لا معبودَ حقّ إلا الله. وهي نفي وإثبات؛ فلا إله: نفي، وإلا الله: إثبات.

معنى قولك "لا إله" تنفي جميع العبادة لغير الله، وقولك "إلا الله" تُثبت العبادة لله وحده، وأنه ليس له شريك: لا ملك، ولا نبي مرسل، ولا صنم، ولا غير ذلك، بل العبادة حقّه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

الشهادة الثانية وهي: أنَّ محمدًا رسول الله، تعرف هذا وهذا: شهادة أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود حقّ إلا الله، كما قال: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30]، أما كلام من دون عملٍ لا ينفع، قول "لا إله إلا الله" وهو لا يُؤمن بتوحيد الله، ولا يخصّه بالعبادة، ما ينفع؛ كالمنافقين يقولونها ولا تُنقذهم، وهم في الدَّرك الأسفل من النار، الذي يقول: "لا إله إلا الله"، ويعبد القبور، ويعبد الأصنام، ما تنفعه، تكون باطلةً، ما تنفعه، كما لم تنفع اليهود، ولم تنفع المنافقين، لا بدَّ أن تقولها وتعمل بمعناها، تخصّ الله بالعبادة دون كلِّ ما سواه.

وتفسيرها يُوضحها في القرآن قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ۝ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:26- 27]، فدلَّ على أنها براءة .....، البراءة من الشرك وأهله، وإيمان بالله وحده، وهكذا قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].

هذا هو التوحيد، هو معنى شهادة "أن لا إله إلا الله"، معناها: ألا يعبد إلا الله، يخصّه بالعبادة: دعائنا، خوفنا، رجائنا، صلاتنا، ذبحنا، نذرنا، كله لله وحده.

وأما الشهادة الثانية: أن محمدًا رسول الله، فدليلها قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: محمدًا عليه الصلاة والسلام تعرفونه؛ لأنه من أنفسهم، وهو من أشرف قبائلهم؛ من بني هاشم: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ أي: يشقّ عليه ما يشقّ عليكم، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ يعني: على هدايتكم وإنقاذكم من النار: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] رأفته ورحمته لأهل الإيمان عليه الصلاة والسلام. وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29].

وبعد هذه الشهادة: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.

شهادة أنَّ محمدًا رسول الله تُوجب الأربعة، هذه الشَّهادة تُوجب عليك هذه الأمور الأربعة:

الأول: طاعته فيما أمر ......

الثاني: تنتهي عمَّا نهاك عنه.

الثالث: تصديقه في أخباره إذا أخبر عن شيءٍ: عن الآخرة والجنة والنار ......

الأمر الرابع: أن لا تعبد الله إلا بكتابه .....؛ لقول النبي ﷺ: مَن عمِل عمَلًا ليسَ عليهِ أمْرُنا فهو رَدٌّ، وفي روايةٍ: مَنْ أحْدَث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ أي: مردود.

ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ هذا دليل التوحيد: وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة:5]، هذا دليل الصلاة والزكاة.

وهكذا قال تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]، وقال تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5].

أما دليل الصيام: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، ثم قال في آخر الآيات: شَهْرُ رَمَضَانَ [البقرة:183- 185]، بيَّن أنَّ الصيام المطلوب في شهر رمضان.

ودليل الحج قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:97]، الحج مرة في العمر، أما الصيام ففي كل سنةٍ في رمضان، إلا المريض يُفطر ويقضي، وهكذا الحائض والنُّفساء تُفطران وتقضيان.

هذه أركان الإسلام الخمسة، وعمده الظاهرة.

وعرفت أنه سُمي "إسلامًا" لأنه انقياد لوجه الله، سمَّى الله الدين "إسلامًا" لأنه انقياد وذلّ لله، وطاعة له، وخضوع بين يديه سبحانه وتعالى، فالمسلم هو الخاضع لله، هو المطيع له، المقيم على طاعته، الصابر على ما شرع الله، الكافّ عمَّا نهى عنه سبحانه وتعالى.

ويأتي ما يتعلق بالمرتبة الثانية وهي الإيمان، والثالثة وهي الإحسان إن شاء الله.

وفَّق الله الجميع.

المرتبة الثانية: الإيمان، وهو بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان

وأركانه ستة: أن تُؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرِّه.

والدليل على هذه الأركان الستة: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:177].

ودليل القُدر قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].

المرتبة الثالثة: الإحسان، وهو ركن واحد، وهو أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

والدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، وقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ  ۝ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ۝ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ۝ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:217-220]، وقوله تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61].

الشيخ: هذه المرتبة الثانية من مراتب دين الإسلام، تقدم أنَّ دين الإسلام ثلاث مراتب، الله بعث نبيَّه ﷺ وبعث الرسل جميعًا بالإسلام، وهذا دين الإسلام ثلاث مراتب:

مرتبة الإسلام: وهي مرتبة الأعمال الظاهرة

ومرتبة الإيمان: وهي مرتبة الأعمال الباطنة القلبية.

ومرتبة الإحسان: وهي الجامعة للأمرين؛ التي تجمع هذا وهذا: الأعمال الظاهرة والباطنة على الكمال، صاحبها يُسمَّى: مُحْسِنًا، ومن المحسنين؛ لأنه جمع صفات المؤمنين وصفات المسلمين، الصفات الظاهرة مع صفات الإيمان.