الحذر من الوقوع في الكفر وأنواعه

والله جل وعلا أبدى وأعاد في كتابه العظيم في موضوع التوحيد، وفي موضوع الشرك، وحذر الناس من الشرك، وأمرهم بالتوحيد في آيات كثيرات، بل كل القرآن في ذلك، إذا تأملت كتاب الله كله في هذا الأمر العظيم، ولا يكون العبد موحدًا إلا إذا أخلص لله العبادة، وخصه بها دون كل ما سواه، ولو كان يقول: لا إله إلا الله في اليوم آلاف المرات، ويقول: أشهد أن محمدًا رسول الله في اليوم آلاف المرات وهو يعبد الأشجار والأحجار ويعبد القبور ما نفعت لا إله إلا الله؛ لأنه يقولها باللسان، وينقضها بالفعل، وكذلك إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله ويسب دينه، ويستهزئ بدينه، ويعصيه ويخالف أوامره، ويعطل شريعته، ماذا تنفعه هذه الشهادة، مثل إنسان يقول: والله إني أحبك، والله إنك عندي عزيز، وهو يظلمك، ويأخذ أموالك، ويلعنك ويشتمك، أين المحبة؟ وأين المعزة وهو يظلمك، ويشتمك، ويأخذ أموالك، ويعصي أوامرك؟ هكذا هؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله ويدعون أنهم مسلمون، هم يحاربون دين الله ورسوله، ويعصون أوامر الله، ويرتكبون محارمه، ويستحلون ما حرم، ويهزؤون بدينه، ويقولون: إن دين محمد لا يصلح لهذا الزمان، لا يصلح انتهى أمره، ويستحلون الخمور والزنا وأنواع الفساد، وتحكيم القوانين الوضعية التي وضعها الرجال في آرائهم، وينسون كتاب الله، وينسون حكم الله، ماذا تنفعهم قول: لا إله إلا الله، قول: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله وهم قد عصوها، وخالفوها وعطلوها بالمعنى، وبذلوا كل وسعهم في محاربتها.

والشرك كما عرفتم صرف بعض العبادة لغير الله، صرف بعض العبادة ما هو كلها صرف بعضها، يكفي إذا صرف بعضها كفى في الشرك، نعوذ بالله، إذا صرف كلها صار أعظم وأقبح، فالذي يتقرب بالقرابين للجن، أو لأصحاب القبور، أو للأشجار والأحجار، أو الأصنام، أو غيرها، ويطلب الغوث منهم والنصرة، أو يسألهم قضاء الحاجة والمدد والغوث، أو يسألهم شفاء المرضى، أو النصر على الأعداء، أو يعتقد أن أصحاب القبور يصرفون هذا الكون ويعطون ويمنعون، أو الأصنام، أو الأشجار، أو الأحجار، هذا كله شرك بالله عز وجل.

ويلتحق بذلك يلتحق بهذا الكفر والشرك من يستهزئ بالدين، يستهزئ بدين الله، يستهزئ بما جاء به الرسول  ﷺ، يهزأ بالصلاة، أو يهزأ بالشهادتين، أو يهزأ بالزكاة، أو يهزأ بالصوم، أو يهزأ بالحج، أو يهزأ بأوامر الله، في إعفاء اللحى وقص الشوارب، أو بأوامر الله في بر الوالدين وصلة الأرحام، أو في أوامر الله في الجهاد في سبيل الله، أو غير ذلك، فالذي يهزأ بالدين ويستنقص الدين ويطعن فيه فهذا كافر بالله، ولو أنه يصوم النهار ويقوم الليل، ولو أنه يشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله كل ساعة، قال الله جل وعلا: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة:65] لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66].

لو أن إنسانًا يصوم النهار، ويقوم الليل، ويشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويبر والديه، ويفعل كل ما أمر الله به ورسوله، ولكن يقول محمد ليس خاتم النبيين -بعده نبي لعله، فلان نبي، فلان ابن فلان نبي مثل مرزأ، فلان الهندي الباكستاني مثل غيره، مثل من قال: إن مسيلمة نبي، أو قال: إن المختار بن أبي عبيد نبي، أو في زماننا، لو قال فلان نبي، ومحمد ما هو خاتم النبيين- كفى في كفره وضلاله، وأنه كافر كفر أكبر وشرك أكبر، ولو أنه فعل كلما أمر الله به ورسوله، ما دام قال: إن محمدًا ليس خاتم النبيين، أو قال محمد ما بلغ الرسالة، قصر ما بلغها كلها، قصر كتم بعض الشيء، صار كافرًا عند جميع أهل العلم، ولو أنه يصوم النهار ويقوم الليل.

فينبغي أن يعلم أن الكفر ليس ببعيد، الكفر والشرك ليس ببعيد عنا، ما بينك وبينه إلا كلمة يقولها تتضمن الاستهزاء، أو تنقصا للدين، وطعنا في الدين، أو كلمة يدعو بها غير الله، ويعبد بها غير الله، أو كلمة يستحل بها محارم الله، لو قال إنسان: إن الزنا حلال، ولو أنه يصوم النهار ويقوم الليل، ولو أنه لا يفتر من ذكر الله، ولا يفتر من الشهادة بأن محمدًا رسول الله ﷺ، ولكنه يقول الزنا حلال، من شاء أن يزني فلا بأس، هذا كافر عند جميع العلماء قاطبة؛ لأنه استحل ما حرم الله، وهكذا لو قال: إن عقوق الوالدين حلال من أراد أن يعق والديه فلا بأس، أو قال: إن الخمر حلال من شرب الخمر فلا بأس عليه، أو قال: إن الربا حلال من أراد أن يرابي فلا بأس عليه، أو قال: إن الكذب حلال وشهادة الزور حلال، من أراد أن يشهد الزور فلا بأس، أو قال: إن أخذ أموال الناس حلال، ولا بأس من دون شبهة من دون شيء لا بأس أن يستحل أموال الناس، ويستحل دماءهم ولا حرج عليه، كل هذا كفر بالله، وهو ردة عن الإسلام، نعوذ بالله، وبهذا يعلم أن معرفة الشرك ومعرفة الكفر بالله وأنواعه أمر مهم جدًا.

قد تكون الحسنة بمئات الحسنات، وقد تكون بآلاف الحسنات على حسب ما يقوم في قلب العبد من الإخلاص لله وتعظيمه وخوفه وخشيته جل وعلا والعناية بحقه سبحانه وتعالى، فعلى حسب إخلاص العبد وتقواه لله وتعظيمه لحرماته تكون مضاعفة الأجور في أعماله كلها، فهذا يعطى عشر حسنات، وهذا جنبه يعطى مئات الحسنات حسب .. في القلوب والأعمال وهذا صلاته مقبولة، وهذا صلاته مردودة، وكلاهما متجاوران، هذا أقبل عليها بقلبه وقالبه وعظمها، وهذا أعرض عنها وغفل عنها وهكذا بقية الأعمال.