015 الفصل الثامن والخمسون: في الفأل والطيرة

 
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: (الفصل الثامن والخمسون في الفأل والطيرة:
قال النبي ﷺ: لا عدوى ولا طيرة، وأصدقها الفأل، قيل: وما الفأل؟ قال: الكلمة الحسنة يسمعها الرجل، وكان النبيُّ ﷺ يُعجبه الفأل، كما كان في سفر الهجرة فلقيهم رجلٌ فقال: ما اسمك؟ قال: بُريدة، قال: برد أمرنا.
وقال ﷺ: رأيتُ في منامي كأني في دار عقبة بن رافع، وأُتينا برطبٍ من رطب ابن طاب، فأوَّلتها الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة لنا في الآخرة، وأنَّ ديننا قد طاب.
وأما الطيرة: فقال معاوية بن الحكم: قلت: يا رسول الله، منا رجالٌ يتطيَّرون، قال: «ذلك شيءٌ تجدونه في صدوركم، فلا يصُدَّنَّكم». وهذه الأحاديث في الصحاح.
وعن عقبة بن عامر قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الطيرة فقال: أصدقها الفأل، ولا تَرُدّ مسلمًا، وإذا رأيتم من الطيرة شيئًا تكرهونه فقولوا: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث تتعلق بالطيرة والفأل، بيَّن النبيُّ ﷺ في الأحاديث الصحيحة في "الصحيحين" وغيرهما أنه لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول، وأنَّ هذه من الأشياء التي اعتادها أهل الجاهلية ويعتقدونها، وهي باطلة، فليس هناك شيء يُعدي بطبعه، ولهذا لما قال رجلٌ: يا رسول الله، الإبلُ تكون في الفلاة كالظِّباء، فيأتيها البعيرُ الأجرب فتُجرب؟ قال: فمَن أجرب الأول؟! يعني: مَن أعدى الأول، الذي أنزله بالأول هو الذي أنزله بالأخيرات، ولكن الله جعل الخلطة سببًا، فالاختلاط قد يكون سببًا لانتقال البلاء، ولكن ليس بطبعه، بل بأمر الله وتكوينه وإذنه سبحانه وتعالى وقدره جل وعلا.
ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: لا يُورد مُمرِضٌ على مُصِحٍّ أي: لا يُورد صاحبُ الإبل المِرَاض على صاحب الإبل الصِّحاح.
فهذا في وقتٍ، وهذا في وقتٍ، كل واحدٍ ينفرد.
وقال ﷺ: فرّ من المجذوم فرارك من الأسد، فهذا يُفيد أنه ينبغي البعد عن المخالطة لمن كانت أمراضه في الغالب تنتقل، ولكن يعلم المؤمنُ أنها لا تنتقل بطبعها ولا بذاتها، ولكنه بعلم الله وتكوينه وقدره سبحانه ومشيئته جل وعلا، فالمؤمن يتوقَّى الشر، ويبتعد عن مخالطة الشيء الذي يُخشى منه.
وثبت عنه ﷺ أنه جاءه جماعةٌ فيهم إنسانٌ مجذومٌ، فبايعهم وقال للمجذوم: بايعتُك، ولا حاجةَ إلى مجيئك، وجاء عنه ﷺ أنه أخذ بيد مجذومٍ فأكل معه، وقال: كُلْ بسم الله، ثقةً بالله؛ ليُبين للناس أنَّ هذا ليس بأمرٍ لازمٍ، بل قد يختلط الرجلُ الصحيح مع المريض بالجذام وغيره ويسلم، إنما هي أمورٌ بيد الله، والمرء مأمورٌ بتعاطي أسباب الصحة وأسباب العافية، ولهذا يُنهى عن اختلاطه بمَن ابتلوا بأمراضٍ من عادتها ومن صفتها أنها تنتقل ....... لمن خالطته، ولهذا قال ﷺ: لا يُورد ممرضٌ على مُصِحٍّ، فرّ من المجذوم فرارك من الأسد.
فهو من باب التقوى، ومن باب ترك الأسباب الضَّارة، والأخذ بالأسباب النافعة، مع اعتقاد أنَّ الأمور بيد الله، وأنه سبحانه هو الذي يُدبِّر الأمور، وهو الذي يقضي بانتقال هذا الداء وعدم انتقاله.
فالمؤمن يأخذ بالأسباب مع إيمانه بأنه بيد الله، وأنه سبحانه هو النافع والضار، ومُسبب الأسباب، بيده الأمر كله سبحانه وتعالى.
ولما سُئل ﷺ -قال له معاوية: منا أناسٌ يتطيَّرون؟ قال: ذلك شيء يجده أحدُهم في صدره، فلا يصدَّنَّكم.
فلا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول، العدوى لا تُعدي بطبعها، بل قد يكون اختلاط المريض بالصحيح من أسباب الانتقال.
ولا طيرة: التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، كانوا في الجاهلية يتشاءمون ويرجعون عن حاجاتهم –يتطيَّرون- فالنبي ﷺ أبطلها.
والطّيرة: ما أمضى الإنسان أو ردّ، لا حقيقةَ لها، بل هي باطلة، وشرك من قسم الشرك الأصغر، وفي الحديث الآخر: الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يُذهبها بالتوكل.
ولا هامة: الهامة طائر يصيح في الغالب عند بيوتهم، ويقولون: قد نعى إلى أهل البيت صاحبَهم. ويتطيَّرون منه، ويقال أنَّه البومة، فأبطل النبيُّ ﷺ هذا، وأنه شيءٌ لا حقيقةَ له، بل هو باطل.
كذلك صفر، بعضهم يتشاءم من شهر صفر، أخبر النبيُّ ﷺ أنَّه لا صفر، يعني: ليس فيه تشاؤم، وبعضهم فسَّرها بأنها دابَّة في البطن يُقال لها: صفر، يتشاءمون بها؛ لمخالطة أصحابها، فأبطل النبي ﷺ  ذلك.
ولا نوء، النوء: النجم، والغول: مخبلة الجن، نوعٌ من الجن يعرضون للناس في الصَّحاري، وفي البراري، وفي الطرقات، ويُقال لهم: مخبلة الجن، وهم لا يفعلون هذا بطبعهم، بل بأمر الله وإذن الله وتكوينه .
فمَن ابتلي بشيءٍ من ذلك فليكن عنده من القوة والتوكل على الله ما يكفي حتى يردع أولئك الشياطين، ويُخيب عملهم وسعيهم، ويقول عند الطيرة -إذا أحسَّ بشيءٍ: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك، فالطيرة لا ترد مسلمًا عن حاجته، المسلم يمضي لحاجته، ويتعوذ بالله من شرِّ كل ذي شرٍّ، ولا ترده عن حاجته، بل يقول: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك، وحديث عبدالله بن عمرو: اللهم لا خير إلا خيرُك، ولا طيرَ إلا طيرُك، ولا إله غيرك، هكذا المؤمن: يعتصم بالله، ويتوكل عليه، ويمضي في حاجاته.
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: بعض الناس إذا أصابه حادثٌ في يوم السبت مثلًا يقول: هذا يوم السبت الأسود، أو المشؤوم، فما حكمه؟
ج: ما يقول هذا، السبت والأحد ما عنده شيء، لكن يُقال لها: "أيام نحسات"، كما قال الله في أيام عادٍ أنها "أيام نحسات"، فاليوم الذي أصابه فيه حادث إذا قال أنه "يوم نحس" و"يوم مشؤوم" فهذا عليه هو، بالنسبة إليه هو، كما قال الله في قصة عادٍ: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ [فصلت:16].
س: بعض الإخوة المقيمين مثلًا يقول بعضُهم لبعضٍ: يومك أسود. فما رأيك في هذا؟
ج: لا ينبغي أن يقول مثل هذا، ينبغي له أن يُخفف عليه ويقول: اصبر يا أخي واحتسب. لا يزيد البلاءَ بلاءً، ويقول له: والأمور بيد الله، والإنسان يُؤجر على المصيبة، مثلما قال ﷺ: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته ضَرَّاء صبر فكان خيرًا، وإن أصابته سَرَّاء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، ما يقول: يوم أسود، يوم كذا، ........، يقول: اصبر يا أخي، والأمور بيد الله، واصبر وما صبرك إلا بالله، قل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وما أشبه هذا من الكلام الطيب.
س: لو رأى شخصٌ شيئًا ما يكرهه، من: الغول، أو الجان، يُؤَذِّن في السُّنَّة أحسن؟
ج: يفعل هذا، يدعو الله وإذ ا أذَّن طيب، يطرد الشيطان.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى: (الفصل التاسع والخمسون: في الحمام:
يُذكر عن أبي هريرة أنه قال: "نعم البيت الحمَّام، يدخله المسلمُ، إذا دخله سأل الله الجنَّة، واستعاذ به من النار".
الفصل الستون: في الذكر عند دخول الخلاء والخروج منه
في "الصحيحين" عن أنسٍ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبث والخبائث، وزاد سعيد بن منصور: بسم الله.
وفي "مسند الإمام أحمد" عن زيد بن أرقم قال: قال رسولُ الله ﷺ: إنَّ هذه الحُشوش مُحْتَضَرَةٌ، فإذا أتى أحدُكم الخلاءَ فليقل: أعوذ بالله من الخُبث والخبائث.
وفي "سنن ابن ماجه" عن أبي أمامة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: لا يعجز أحدُكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس، الخبيث المُخبث، الشيطان الرجيم.
وفي الترمذي عن عليٍّ قال: قال رسولُ الله ﷺ: ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيفَ أن يقول: بسم الله، وقالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الغائط قال: غفرانك"، رواه الإمام أحمد وأهل السنن.
وفي "سنن ابن ماجه" عن أنسٍ رضي الله عنه: "كان النبيُّ ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث تتعلق بالآداب الشرعية عند دخول محل الحاجة، أو عند إرادة قضاء الحاجة، كما في البراري، والأسفار، وما يتعلَّق بالحمام، والحديث الذي يتعلق بالحمام: نعم البيت الحمام هذا الحديث ضعيف عند أهل العلم، وأحاديث الحمام كلها ضعيفة، إلا قوله ﷺ: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، فهو حديث جيد، فيه النهي عن الصلاة في الحمام وفي المقبرة، أما نعم البيت الحمام، إذا دخله المؤمنُ استعاذ بالله من النار هذا ضعيفٌ عند أهل العلم.
وأما آداب التَّخلِّي فهي سنة ثابتة عن النبي ﷺ: كان إذا أراد دخول الخلاء قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وفي الأحاديث الأخرى الأمر بذلك.
فالسنة للمؤمن عند إرادة دخول الخلاء، أو محل قضاء الحاجة للبول أو الغائط، وهكذا إذا أراد أن يقضي حاجته في السفر، في البرية، أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث.
والخبث: ذكور الشياطين.
والخبائث: إناث الشياطين.
وقال جماعةٌ من أهل العلم: "الخبث: الشر، والخبائث: أهل الشر"، والشياطين هم أهل الشر، من شياطين الإنس والجن، كان يستعيذ بالله من الخبث والخبائث، أي: من الشياطين كلهم.
وهكذا التسمية عند الدخول: بسم الله، فهي من أسباب حماية المسلم من شرِّ أعدائه الشياطين، وعند خلع ثيابه يقول: بسم الله، وعند جماع أهله يقول: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطانَ وجنّب الشيطانَ ما رزقتنا، وعند دخول بيته يقول: بسم الله، وعند خروجه من البيت: بسم الله، توكلتُ على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هكذا المؤمن يُلاحظ هذه الآداب الشرعية.
وعند الخروج من الخلاء يقول: «غفرانك»، يعني: أسألك غفرانك؛ لأنَّ الإنسان محل تقصيرٍ، وقد أنعم الله عليه بالنعم، ثم يسَّر له إخراج هذا الأذى، فهو في الغالب محل التقصير، فيقول: غفرانك، يعني: إني أنا محل التقصير، لا أقوم بالشكر، لكني أسألك غفرانك عمَّا حصل من التقصير في شكر نعم الله.
وفي رواية ابن ماجه: يقول: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، ولكنه ضعيف، رواية ابن ماجه هذه ضعيفة، والثابت حديث عائشة: أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك، يعني: أسألك غفرانك؛ لأنَّها نعمةٌ عظيمةٌ، فالتَّخلِّي من الأذى نعمةٌ، وأنت محل التقصير، فتقول: غفرانك، يعني: اغفر لي ما أحسّ من التقصير في شكر نعمك.
وفَّق الله الجميع.
 
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: (الفصل الحادي والستون: في الذكر عند إرادة الوضوء:
ثبت في النسائي عنه ﷺ أنه وضع يده في الجفنة وقال: توضؤوا ببسم الله.
وفي "صحيح مسلم" عن جابرٍ في حديثه الطويل، وفيه: يا جابر، نادِ بوضوءٍ، فقلت: "ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ ألا وضوء؟"، وفيه: فقال: خذ يا جابر، فصُبّ عليَّ وقل: بسم الله، فصببتُ عليه وقلتُ: "بسم الله"، فرأيتُ الماء يفور من بين أصابع رسول الله ﷺ.
وفي "المسند" و"السنن" من حديث سعيد بن زيدٍ، عن النبي ﷺ: لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه، قال البخاري: هذا أحسن شيءٍ في هذا الباب.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاةَ لمَن لا وضوء له، ولا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه، رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وفي "المسند" من حديث أبي سعيدٍ ، عن النبي ﷺ: لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث تتعلق بالتسمية عند الوضوء، والوضوء من شرائط الصلاة: لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له، فمَن صلَّى مُحدثًا فصلاته باطلة عند جميع أهل العلم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ .. الآية [المائدة:6]، فلا بدّ من الوضوء لمن كان على حدثٍ، من بولٍ، أو غائطٍ، أو ريحٍ، أو مسّ فرجٍ، أو نحو ذلك مما ينقض الوضوء.
والمشروع له أن يُسمِّي الله عند بدء الوضوء، فإذا أراد أن يبدأ يقول: "بسم الله" عند وضع يديه في الماء.
وقد أجمع العلماء على شرعية التسمية عند الوضوء، واختلفوا في الوجوب، فأكثر أهل العلم على أنَّ ذلك مستحبّ؛ لهذه الأحاديث: سَمِّ الله، وفي عدة أحاديث: لا وضوءَ لمن لم يذكر اسم الله، وإن كان في أسانيدها مقال، لكنَّها "يشُدّ بعضُها بعضًا" كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله، يشدّ بعضُها بعضًا، ويتقوَّى بعضُها ببعضٍ، وتكون من باب الحسن، ومن قبيل الحسن لغيره.
فينبغي للمؤمن عند بدء الوضوء أن يُسمي الله، وإذا لم يكن هناك وَضوء -عند عدم الماء أو العجز عن الماء- فيُسمِّي الله عند التيمم أيضًا، فإذا نسي أو كان جاهلًا فلا شيء عليه، أمَّا التعمد: فلا ينبغي أن يتعمَّد ذلك، وعليه أن يُلاحظ التسمية عند بدء الوضوء؛ لهذه الأحاديث وما جاء في معناها من العُمومات.
وعند الفراغ يتشهَّد، يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين»، فيُسمِّي الله في أوله، ويأتي بالشهادة في آخره.
وفي الحديث الآخر يقول مثل دعاء كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك عند فراغه من الوضوء.
وإذا فعل هذا وهذا فكله خير.
وفَّق الله الجميع.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى: (الفصل الثاني والستون: في الذكر بعد الفراغ من الوضوء:
روى مسلم في "صحيحه" عن عمر بن الخطاب ، عن النبي ﷺ قال: ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيبلغ –أو: فيُسبغ– الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ إلا فُتحت له أبوابُ الجنة الثمانية يدخل من أيّها شاء». وزاد فيه الترمذي بعد ذكر الشهادتين: «اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المُتطهرين.
وفي بعض طرقه -ذكرها أبو داود والإمام أحمد-: فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء فقال: ..... وذكره.
وفي لفظٍ للإمام أحمد: مَن توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال ثلاث مرات: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
وفي "سنن النسائي" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "مَن توضأ ففرغ من وضوئه وقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ طُبع عليها بطابعٍ، ثم رُفعت تحت العرش، فلم تُكسَر إلى يوم القيامة". هكذا رواه من قول أبي سعيد الخدري ، ورواه بقي بن مخلد في "مسنده" من حديثه أيضًا مرفوعًا.
وأمَّا الأذكار التي يقولها العامَّة على الوضوء عند كلِّ عضوٍ فلا أصل لها عن رسول الله ﷺ، ولا عن أحدٍ من الصحابة والتابعين، ولا الأئمة الأربعة، وفيها حديثٌ كذبٌ على رسول الله ﷺ).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيما يتعلق بالذكر عقب الوضوء، والمؤمن يُستحب له عند الوضوء أن يُسمِّي الله عند ابتدائه وعند انتهائه، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين، ويُستحب أن يقول أيضًا دعاء المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك؛ لهذه الأحاديث، منها ما رواه مسلم في "الصحيح" عن عمر بن الخطاب ﷺ، عن النبي ﷺ أنه قال: ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيبلغ الوضوء -أو قال: فيسبغ الوضوء- ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ إلا فُتحت له أبوابُ الجنة الثمانية يدخل من أيِّها شاء.
هذا فضل عظيم يدل على فضل هذا الذكر، وأن المؤمن يأتي بهذا عن نور، وعن إيمان، وعن يقين، وعن رغبة فيما عند الله، قائلًا: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين، فيجمع بين الطهارتين: طهارة الأعضاء بالماء الحسي، وطهارة العقيدة والقلب من الرجس العظيم.
ومن ثوابه أنَّه تُفتح له أبوابُ الجنة الثمانية، يدخل من أيّها شاء، يعني: من أسباب دخول الجنة لمن استقام على هذا التوحيد والإيمان والهدى، واستقام على التوبة حتى الموت، فله هذا النعيم والخير الكثير، ويدخل الجنة من أي أبوابها شاء، وهذه الزيادة عند الترمذي ......: اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين، هكذا جاءت رواية الترمذي الصحيحة، فيستحب أن يقولها المؤمن مع الشهادة.
وهكذا ما جاء في حديث أبي سعيدٍ موقوفًا ومرفوعًا: موقوفًا عند النسائي بإسنادٍ جيدٍ -وهذا في حكم الرفع، لا يُقال من جهة الرأي- عن أبي سعيدٍ: مَن تطهَّر ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك، يُطْبَع عليها بطابعٍ، ثم تُوضَع فوق العرش هذا فضل عظيم.
ورواه بقي بن مخلد -الإمام بقي- في "مسنده" مرفوعًا.
وهو وإن كان موقوفًا في رواية النسائي لكن له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع بالمعنى وإن أوقفه الراوي على أبي سعيدٍ، ولهذا صرَّح بقي رحمه الله في "مسنده" بالرفع.
أما الأذكار التي يقولها عند غسل الوجه، وعند غسل اليدين، وعند غسل القدمين؛ هذه ليس لها أصل، يقول عند غسل الوجه: "اللهم بيِّض وجهي يوم تبيضّ وجوه وتسود وجوه"، وعند غسل اليدين يقول: "اللهم أعطني كتابي بيميني"، وعند غسل القدمين: "اللهم ثبّت قدمي على الصراط"؛ هذه ليست ثابتة، ولا أصل لها في الأحاديث، والدعاء بها لا بأس به في أوقاتٍ أخرى، أما عند الوضوء يُلْزِم الناسَ أنها سنة، لا، لا يلزم الناس أنها سنة، أما إذا دعا في أيِّ وقتٍ كان: يطلب من ربه أن الله يُثبته على الصراط، وأن يُبَيِّض وجهه حينما تسود وجوه وتبيض وجوه، يطلب من ربه في صلاته، في سجوده، في آخر التحيات، لكن ليس هذا مشروعًا عند الوضوء؛ لعدم وجود الدليل عن النبي عليه الصلاة والسلام، والقاعدة: أنَّ العبادات توقيفية، لا يُشرع منها إلا ما جاء به النص.
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: هل يرفع بصره إلى السماء؟
ج: أما رفع النظر فهي رواية ضعيفة؛ لأن في إسنادها رجل مبهم لم يُعرف عند أحمد وغيره.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى: (الفصل الثالث والستون: في ذكر صلاة الجنازة:
في "صحيح مسلم" عن عوف بن مالك قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ على جنازةٍ، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نُزله، ووسِّع مُدخله، واغسله بالماء والثلج والبَرد، ونقِّه من الذنوب والخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنةَ، وأعِذْه من عذاب القبر. قال: حتى تمنيتُ أن أكون أنا ذلك الميت؛ لدعاء رسول الله ﷺ.
وفي لفظٍ: وقِهِ فتنةَ القبر وعذابَ النار.
وفي "سنن أبي داود" عن أبي هريرة قال: صلَّى رسول الله ﷺ على جنازةٍ فقال: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم مَن أحييتَه منا فأحيه على الإسلام، ومَن توفَّيتَه منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تُضلنا بعده.
وفي "سنن أبي داود" أيضًا عن واثلة بن الأسقع قال: صلَّى رسولُ الله ﷺ على رجلٍ من المسلمين، فسمعتُه يقول: اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه فتنةَ القبر وعذابَ النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم.
وسأل مروانُ أبا هريرة: كيف سمعتَ رسول الله ﷺ يُصلِّي على الجنازة؟ قال: اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضتَ روحها، وأنت أعلم بسرِّها وعلانيتها، جئناك شفعاء فاغفر له رواه الإمام أحمد وأبو داود).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالدعاء للميت في الصلاة عليه، فالمشروع في الصلاة على الميت أن يُكبِّر عليه الإمامُ أربعًا، وهكذا المأمومون، يقرأ في الأولى الفاتحة "الحمد"، والثانية يُصلي فيها على النبي ﷺ، ثم يُكبر الثالثة ويدعو للميت: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم مَن أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومَن توفيته منا فتوفه على الإيمان، كما كان النبيُّ ﷺ يدعو، اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه -إن كان متزوجًا- اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.
وهكذا في الدعاء الآخر: اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضتَ روحها إليك، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، وقد جئناك شفعاء فاغفر لها وارحمها.
فيدعو بهذه الدعوات الحسنة التي دعا بها النبيُّ ﷺ وما تيسَّر منها، ثم يُكبِّر الرابعة ويُسلِّم.
والمرأة كذلك، لكن يقول: اللهم اغفر لها وارحمها، وإن كان لا يعرف هل هو رجل أو امرأة يقول: اللهم اغفر للميت سواء كان رجلًا أو امرأةً.
يدعو بهذه الدعوات الطيبة: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، اللهم قِهِ فتنَ القبر وعذابَ النار، كل هذا من الدعوات الطيبة، حتى قال عوف: "تمنيتُ أن أكون ذلك الميت"؛ لما سمع هذا الدعاء من النبي ﷺ.
ويرفع يديه مع كل تكبيرةٍ، هذا هو الأفضل، يرفع يديه في التكبيرات الأربع، ثم يُسلِّم تسليمةً واحدةً بعد التكبيرة الرابعة، يُسلِّم عن يمينه تسليمةً واحدةً، هذا هو السنة، ولا فرق بين الرجل والمرأة، وإذا كانوا عددًا –جماعةً- صلَّى عليهم جميعًا إذا حضروا، اثنان: "اللهم اغفر لهما وارحمهما"، جماعة: "اللهم اغفر لهم وارحمهم"، ولو رجال ونساء يجمعهم جميعًا، هذا هو الأفضل؛ لأنَّ الصلاة مطلوبٌ فيها الإنجاز والإسراع في حمله إلى قبره، فإذا اجتمع جماعةٌ صلَّى عليهم جميعًا؛ لقوله ﷺ: أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحةً فخيرٌ تُقدِّمونها إليه، وإن تكن سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم، فالسنة الإسراع فيها؛ لهذا إذا اجتمع عددٌ صُلِّي عليهم جميعًا، ولا يُصلَّى على كل واحدٍ لحاله، فما دام أنهم قد حضروا جميعًا صلَّى عليهم جميعًا، ولو كانوا كثيرين.
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: هل يشرع أن يرفع صوته بالدعاء لتعليم الناس كما فعل النبي ﷺ؟
ج: إذا رفع بعض الأحيان للتعليم ما في بأس، إذا رفع صوته في التعليم حتى يعلم الناسُ الدعاء فهذا طيب، من باب التعليم، وابن عباس جهر بالقراءة قال: "لتعلموا أنها سنة".
س: كيف يكون الدعاء للصغير؟
ج: الطفل يُكبِّر عليه أربعًا مثل الكبير، ويقول في الدعاء الأخير بعد الثالثة بعدما يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم مَن أحييتَه منا فأحيه على الإسلام، ومَن توفيتَه منا فتوفه على الإيمان، يقول بعده: "اللهم اجعله ذخرًا لوالديه" هذا دعاء عام، "اللهم اجعله ذخرًا لوالديه، وفرطًا، وشفيعًا مجابًا، اللهم عظِّم أجورهما، وثقِّل به موازينهما، وألحقه بالصالحين، واجعله في كفالة إبراهيم عليه السلام، وقِهِ وأهله عذابَ الجحيم"، هذا ما ورد في حقِّ الطفل.
 
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: (الفصل الرابع والستون: في الذاكر إذا قال هُجْرًا أو جرى على لسانه ما يُسخط ربّه :
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: مَن حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله. ومَن قال لصاحبه: تعالَ أُقامرك، فليتصدَّق.
فكل مَن حلف بغير الله فهذه كفارته؛ لأن النبي ﷺ قال: مَن حلف بغير الله فقد أشرك حديث صحيح. وكفارة الشرك التوحيد، وهو كلمة: لا إله إلا الله.
ومَن قال: "تعال أُقامرك" فقد تكلَّم بهُجر وفُحشٍ يتضمن أكل المال وإخراجه بالباطل، وكفارة هذه الكلمة بضدّ القمار، وهو إخراج المال في أحق مواضعه، وهو الصدقة.
وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاصٍ، عن أبيه: حلفتُ باللات والعزى -وكان العهد قريبًا- فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ، فقال: قد قلتَ هُجْرًا، قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وانفث عن يسارك سبعًا، ولا تَعُدْ).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيما يتعلق بنطق اللسان بالخطأ من القول، والهجر من القول، وأنَّ كفارة ذلك التوبة إلى الله، والاستقامة على التوحيد، والإخلاص لله .
فالإنسان في هذه الدار عرضة للآفات والمعاصي والخطايا، كما قال النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوابون.
فالهجر هو: القول الرديء من شركٍ أو سبٍّ أو غيبةٍ أو نميمةٍ أو غير هذا، يُقال له: هُجر، وفي الحديث الصحيح: زوروا القبورَ، ولا تقولوا هجرًا أي: لا تقولوا كلامًا سيئًا.
فمَن قال هجرًا بأن حلف بغير الله، بأن قال: واللات والعزى، أو: والنبي، أو: والأمانة، فليقل: لا إله إلا الله؛ لأنَّ التوحيد هو كفارة الشرك، مَن أشرك فكفَّارته أن يتوب إلى الله، وأن يُوحِّد الله سبحانه وتعالى.
والحلف بغير الله من الشرك كما قال النبيُّ ﷺ: مَن حلف بغير الله فقد أشرك رواه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيحٍ عن عمر رضي الله عنه.
وخرَّج أبو داود والترمذي بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك، وقال ﷺ: مَن حلف بالأمانة فليس منا، وقال ﷺ: مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت.
فالحلف بغير الله من الشرك، وهو من الشرك الأصغر، وقد يكون أكبر على حسب ما يقوم بقلب صاحبه.
فالحلف بقوله: "واللات والعُزَّى" من قسم الشرك الأصغر، قال سعد: "وكنا حديثي عهدٍ بجاهليةٍ" يعني: قالها لأنه حديث عهدٍ بعبادة اللات والعزى، فلهذا بقي عندهم من آثارها حتى بيَّن النبيُّ ﷺ وأرشد إلى الحقِّ.
ومَن قال: تعالَ أُقامرك، فليتصدق يعني: مَن قال: تعال حتى نعمل القمار، فليتب إلى الله، وليتصدق، فكفَّارة كسب الحرام الصدقة بالمال الطيب في وجوه الخير وعلى الفقراء.
والقمار هو: الميسر الذي حرَّمه الله في قوله سبحانه: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، فإذا قال: تعال أقامرك، تعال نعمل قمار، نعمل ميسر، نعمل الربا، نعمل كذا، فليتصدق بدل الحرام، يتصدق بما يسَّر الله: اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ.
وفي حديث سعدٍ زيادة: أن ينفث عن يساره ثلاث مراتٍ ويقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"؛ لأنه من الشيطان، فيتعوذ بالله من الشيطان، مع التوبة إلى الله والندم وقول: "لا إله إلا الله"، فلا إله إلا الله هي أصل الدين أساس الملة، وهي أصل التوحيد؛ لأنَّ معناها لا معبودَ حقّ إلا الله.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى: (الفصل الخامس والستون: فيما يقول مَن اغتاب أخاه المسلم:
يُذكر عن النبيِّ ﷺ أنَّ كفارة الغيبة أن تستغفر لمَن اغتبتَه، تقول: اللهم اغفر لنا وله، ذكره البيهقي في كتاب "الدعوات الكبير"، وقال: في إسناده ضعف.
وهذه المسألة فيها قولان للعلماء -هما روايتان عن الإمام أحمد- وهما: هل يكفي في التوبة من الغيبة الاستغفار للمُغتاب، أم لا بُدَّ من إعلامه وتحليله؟
والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعلامه، بل يكفيه الاستغفار له، وذكره بمحاسن ما فيه في المواطن التي اغتابه فيها.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
والذين قالوا: لا بد من إعلامه، جعلوا الغيبة كالحقوق المالية.
والفرق بينهما ظاهر، فإنَّ الحقوق المالية ينتفع المظلومُ بعود نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها، وإن شاء تصدق بها.
وأما في الغيبة فلا يمكن ذلك، ولا يحصل له بإعلامه إلا عكس مقصود الشارع ﷺ، فإنه يُوغِر صدره ويُؤذيه إذا سمع ما رُمي به، ولعله يهيج عداوته ولا يصفو له أبدًا، وما كان هذا سبيله فإنَّ الشارع الحكيم ﷺ لا يُبيحه ولا يُجوزه، فضلًا عن أن يُوجبه ويأمر به، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها. والله تعالى أعلم).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فهذا الفصل يتعلق بالغيبة، وكيف يتخلص منها المغتاب، الرسول عليه الصلاة والسلام قال: كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه، وقال عليه الصلاة والسلام في خطبته في حجة الوداع يوم النحر: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وهكذا في خطبته في عرفات.
فالواجب على المسلم أن يحذر ظلمَ أخيه في دمٍ أو مالٍ أو عرضٍ، الدم والمال معروفان، والعرض معناه: الكلام في عرضه، يعني: ذمه، "بخيل"، "جبان"، كذا، وكذا، أشياء يكرهها، هذه الغيبة، فالغيبة ذكرك أخاك بما يكره هكذا قال النبي ﷺ، فإنه لما سُئل عنها قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله، إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته.
فلا يجوز ذكر أخوك بما يكره، سواء كان فيه أو ما هو فيه، أما من باب النصيحة بينك وبينه فهذا شيء آخر، إذا كان عنده شيءٌ من النقص –بخل، عنده ظلم لأحدٍ- تنصحه، أما الكلام في عرضه من دون نصيحةٍ ومن دون فائدة هذا يضره ولا ينفعه.
جاء في حديثٍ ضعيفٍ: كفَّارة مَن اغتبتَه أن تستغفر له، لكن الحديثَ لا يصحّ عن النبي ﷺ، ولكن المغتاب على حالين:
حالة يُمكن استحلاله، ويمكن أن يُطلب منه العفو، فهذا يُطلب منه العفو، يقول النبيُّ ﷺ: مَن كان عنده لأخيه مظلمة من عرضٍ أو شيءٍ فليتحلله اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عملٌ صالحٌ أُخذ من حسناته بقدر مظلمته، فإن لم يكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه.
فإذا تيسَّر أن يقول له: "أنا قلتُ كذا وكذا وأبحني" ويغلب على ظنه أنه لا يكون إلا خير، إذا قال هذا الكلام يُبيحه ويُسامحه ويعفو عنه؛ فلا بأس، أما إن كان يغلب على ظنه أنه يسوؤه هذا، وأنه لا يحصل المقصود، وربما أفضى إلى العداوة والشَّحناء، فلا يقل له شيئًا، ولكن يدعو له، ويستغفر له، ويذكره بمحاسن أعماله التي يعلمها منه في المجالس التي ذكره فيها بالغيبة.
هذا هو الصواب: التفصيل، إن كان الذي اغتبته لو طلب السماح سمح، وظنك فيه طيب، ما يكره إذا قلت له هذا الشيء، ويُسامحك، تقول له وتطلب منه السماح، أما إذا كنتَ تخشى شرَّه، أو أن الشر يزداد والعداوة والبغضاء، فلا تقل له شيئًا، ولكن تدعو له، وتستغفر له، وتذكره بالمحاسن التي تعلمها منه، والأخلاق الطيبة التي تعلمها منه في المجالس والأماكن التي اغتبته فيها، حتى تكون هذه بهذه، وبذلك يُغفر لك مع توبتك وإقلاعك وندمك، يُغفر لك هذه السيئة، ولا حاجة إلى إخباره إذا كان إخباره يُخشى منه شرّ وفتنة وعواقب لا تحمد.
وفَّق الله الجميع.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى: (الفصل السادس والستون: فيما يُقال ويُفعل عند كسوف الشمس وخسوف القمر:
في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: إنَّ الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتُموهما فكبِّروا وادعوا الله وصلُّوا وتصدَّقوا.
وفي "صحيح مسلم" عن عبدالرحمن بن سمرة قال: "بينما أنا أرمي بأسهمٍ لي في حياة رسول الله ﷺ إذ كسفت الشمسُ، فنبذتُهنَّ وقلتُ: لأنظرنَّ إلى ما يحدث لرسول الله ﷺ في انكساف الشمس اليوم، فانتهيتُ إليه وهو رافعٌ يديه يدعو، ويُكبِّر، ويحمد، ويُهلل، ويدعو، حتى جُلِّيَ عن الشمس، فقرأ بسورتين، وركع ركعتين".
والنبي ﷺ أمر في الكسوف بالصلاة والعتاقة والمبادرة إلى ذكر الله تعالى والصدقة، فإن هذه الأمور تدفع أسبابَ البلاء).

الشيخ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث وما جاء في معناها كلها تتعلق بخسوف الشمس والقمر، وقد شرع الله جلَّ وعلا للعباد عند خسوفهما أنواعًا من الذكر والعبادة، وبيَّن ﷺ أنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحدٍ من الناس ولا لحياته، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37]، فهن من آياته الدالة على قدرته العظيمة، وأنه رب العالمين، وأنه مستحقّ للعبادة.
فهذه الشمس في نورها وضيائها، وهذا القمر في ضيائه ونوره، إذا أراد الله خسْفَهما خسَفَهما، وذهب هذا النور، إمَّا كله، وإما بعضه، فشرع لعباده عند رؤية ذلك أن يُبادروا بالصلاة والتكبير والذكر والدعاء، ولهذا قال: إذا رأيتُم ذلك فصلّوا وادعوا وكبّروا وتصدقوا وأمر بالعتق، وأمر بالصلاة، وفي اللفظ الآخر: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله واستغفاره، وفي اللفظ الآخر: فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم، وفي اللفظ الآخر: فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره.
هذه السنة للمسلمين، إذا رأوا كسوف الشمس أو القمر بادروا إلى الصلاة والذكر والدعاء والتكبير والعتق والصدقة على الفقراء والمحاويج؛ لأنَّ الله يُخوِّف بهما عباده، يخسفهما تخويفًا للعباد، وتحذيرًا لهم من عقابه وغضبه، فهو سبحانه قادر على كسفهما، وهو قادر أيضًا على كسف نور القلب، إذا تجرأ صاحبُه على المعاصي والشرور وتساهل فهو على خطر.
فالواجب على كل مسلم ومسلمة: الحذر من أسباب غضب الله، وأن يجتهد في أداء فرائض الله، وترك محارم الله، فإذا رأى الآيات استفاد منها، وانتفع بها، وتقوَّى إيمانه، وعظم حذره.
وقد شرع الله أن يُنادى لها: "الصلاة جامعة"، أمر الرسولُ ﷺ أن يُنادى لها: "الصلاة جامعة"، إذا رآها الناس يقول المؤذنُ أو غيرُه: "الصلاة جامعة، الصلاة جامعة" يُكررها مرات حتى يُبَلِّغ الناس.
وتُصلَّى في وقت وجودها، إذا كسفت ضحًى أو ظهرًا أو عصرًا صُلِّيت، وهكذا القمر إذا خسف ليلًا: في أوله، أو في وسطه، أو في آخره صلَّى.
وقد جاءت عن النبي ﷺ أنواعٌ في الصلاة، لكن أثبتها وأصحّها أنه صلَّى ركعتين، في كلِّ ركعة قراءتان وركوعان وسجدتان، هذا أصحّ ما ورد: ركعتين، في كل ركعةٍ قراءتان وركوعان وسجدتان، يُكبِّر ويقرأ، ثم يركع، ويُطيل فيها كلها، ثم يرفع ويقرأ ويطيل، ثم يركع ويطيل، لكن كل قراءةٍ وكل ركوعٍ دون الذي قبله، فالركوع الثاني دون الركوع الأول، والقراءة الثانية دون القراءة الأولى، وهكذا في الركعة الثانية.
ولما فرغ من الصلاة بالناس خطب الناس، وذكَّرهم، ووعظهم عليه الصلاة والسلام، وقال: إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن الله يُرسِلْهما يُخوِّف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله، وإلى دعائه واستغفاره، وفي روايةٍ: فإذا رأيتم ذلك فصلّوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم.
والسنة الجهر فيها بالقراءة، يجهر ولو بالنهار؛ لأنَّ النبي صلَّى لما كسفت الشمسُ وجهر بالقراءة عليه الصلاة والسلام؛ لأنه مجمعٌ يجمع الناس، فالجهر فيه ينفع المأمومين؛ ولما كانت الجمعةُ مجمعًا للناس شرع الله فيها الجهر، وإن كانت في النَّهار، وهكذا الفجر لما كان بعد نوم الليل وبعد راحة الليل شرع الله فيه القراءة جهرةً والتطويل؛ لينتفع المسلمون بذلك -الإمام والمأموم-.
وفي العيد لما كان أيضًا محل اجتماعٍ شرع الله فيه الجهر حتى يسمع الناسُ القراءة، وشرع فيه الخطبة حتى يستفيد الناس، فهكذا الكسوف مظنة كثرة الناس إذا سمعوا المنادي: "الصلاة جامعة"؛ ولأنها دعوة إلى تخويفٍ وحذرٍ واستعدادٍ للآخرة، فصارت جهريةً ليكون ذلك أنفع للناس.
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: هل تُشرع للنساء في المساجد؟
ج: إن صلين في المساجد فلا بأس، وإن صلين في بيوتهنَّ فلا بأس، كله طيب. وبيوتهنَّ خيرٌ لهن، وإن حضروا المساجد فلا بأس.
س: إن قضيت الصلاةُ ولم تنجلِ الشمس؟
ج: يشتغلون بالذكر والدعاء والتكبير، ولا تُعاد الصلاة.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى: (الفصل السابع والستون: فيما يقول مَن ضاع له شيءٌ ويدعو به:
ذكر علي بن المديني: عن سفيان، عن ابن عجلان، عن عمر بن كثير بن أفلح قال: كان ابنُ عمر يقول للرجل إذا أضلّ شيئًا: "قل: اللهم ربّ الضالة، هادي الضَّالة، تهدي من الضلالة، ردَّ عليَّ ضالتي بقدرتك وسلطانك، فإنَّها من عطائك وفضلك".
وفي وجهٍ آخر: سُئل ابن عمر عن الضَّالة فقال: "يتوضأ ويُصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول: اللهم رادَّ الضَّالة، هادي الضَّلالة، تهدي من الضَّلال، ردّ عليَّ ضالتي بعزك وسلطانك، فإنها من فضلك وعطائك". قال البيهقي: هذا موقوفٌ، وهو حسنٌ.
وقد قيل: إنَّ مَن ضاع له شيءٌ فقال: "يا جامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، ردَّ عليَّ ضالتي، ردّها الله تعالى عليه").

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فهذه الآثار فيما يتعلق بالضَّالة، والضَّالة ما يضيع للإنسان من حيواناتٍ وغيرها، والغالب أنها تُطلق على الحيوان فيُقال له: ضالة، كالإبل والبقر والغنم، أما ما عاداها كالنقود فيُقال لها: لُقَطَة.
ومَن ضلَّ له شيءٌ من الحيوان أو النقود شُرع له أن يسأل ربَّه أن يردها عليه، فهو سبحانه يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، فليجتهد في الدعاء، وليفعل الأسباب الأخرى: فيسأل الناس، ويبحث مع مَن يظن أنه اطلع.
فيفعل الأسباب ويدعو ربَّه أن يرد عليه ضالته، فهو سبحانه القادر على كل شيء، ويقول: "اللهم ربَّ الضالة رُدّها عليّ، فهي من نعمتك وإحسانك، اللهم يسِّرها لي، اللهم احفظها عليَّ"، وما أشبه ذلك، سواء كانت حيوانًا أو مالًا آخر. مع فعل الأسباب: يسأل مَن يظن أنَّ عنده خبرًا: هل رأيتَ الدابة كذا؟ هل رأيتَ كذا؟ هل رأيتَ البساط الذي سقط مني؟ أو النقود؟ فمع سؤال الله يسأل الناس ما يعلمون؛ لأنَّه قد يجدها إنسانٌ ولا يُعرِّفها، فإذا سمع السؤال بيَّن ما عنده، وإلا فالواجب على مَن وجد لقطةً أن يُعرِّفها سنةً كاملةً في مجامع الناس، كل شهر مرتين، ثلاثة، أكثر: مَن له كذا؟ مَن له مال؟ مَن له لقطة؟ مَن له بساط؟ مَن له كذا؟ حتى يأتي مَن يعرفه بهذه الصفات.
وهكذا الشاة: فإذا وجد رأسًا من الغنم يُعرِّفه: مَن له الشاة؟ مَن له العنز؟ مَن له كذا؟ فإذا جاء صاحبُها ووصفها بصفاتها الدقيقة أعطاه إياها.
أمَّا البقر والإبل ما تُعرَّف، تُترك؛ لأنَّ الإبل والبقر ترعى وتدفع عن نفسها، فلا تُلتقط.
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: يقول: يتوضأ ويُصلي ويتشهد؟
ج: هذا من كلام ابن عمر، ما عليه دليل، والعبادات توقيفية عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، هذا لو صحَّ عن ابن عمر ما فيه دليل، لكن في صحته نظر.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى: (الفصل التاسع والستون: في أحبِّ الكلام إلى الله بعد القرآن:
ثبت في "صحيح مسلم" عن سمرة بن جندب قال: قال رسولُ الله ﷺ: أحبّ الكلام إلى الله تعالى أربع، لا يضرّك بأيهنَّ بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وفي أثر آخر: أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وفي أثرٍ آخر: أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده.
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث والأدعية كلها تدل على شرعية التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، وأنه أحب الكلام إلى الله بعد القرآن، فأحب الكلام إلى الله بعد القرآن: الإكثار من التسبيح والتحميد والتكبير وقول "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وشُرع للمؤمن أن يشغل وقته بهذه الأذكار مع القرآن الكريم، فالقرآن الكريم هو أحبّ الكلام إلى الله، وهو كلام الله جل وعلا، فهو أفضل الذكر.
وأفضل الذكر بعد القرآن هذه التَّهليلات والتَّسبيحات، فيقول النبي ﷺ: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، ويقول عليه الصلاة والسلام: أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر فينبغي الإكثار من هذه الكلمات الخفيفة بحمد الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وفي "الصحيحين" يقول ﷺ: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم فينبغي الإكثار منها.
وفي "الصحيحين" أيضًا أن النبي ﷺ قال لجويرية بعدما خرج من عندها بعد صلاة الفجر، ثم عاد إليها بعد طلوع الشمس، قال: لا زلتِ في مصلاك منذ فارقتُك؟ قالت: نعم. فهي تذكر الله وتُهلل وتُسبِّح، قال: لقد قلتُ بعدك كلماتٍ لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن، أربع كلماتٍ ثلاث مرات: سبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته هذه الكلمات يُستحب تكرارها ثلاثًا دائمًا.
وفي "السنن" عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: الباقيات الصَّالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله هذه كلمات عظيمة.
الباقيات الصالحات يعني: من الباقيات الصالحات.
نسأل الله أن يُوفِّق الجميعَ للإكثار من ذكره وشكره.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى: (الفصل السبعون: في الذكر المُضاعف:
في "صحيح مسلم" عن جويرية أم المؤمنين: أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرةً حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلتِ على الحال التي فارقتُك عليها؟ قالت: نعم، فقال النبي ﷺ: لقد قلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهنَّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته.
وعن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأةٍ، وبين يديها نوى أو حصًى تُسبح به، فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك. رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فهذان الحديثان فيما يتعلق بالأذكار المضاعفة التي عددها قليل ويحصل بها الأجر العظيم، إلى جانب ما ذكره المؤلفُ من حديث جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها: أن النبي ﷺ خرج من عندها بعد صلاة الفجر وهي في مصلاها، ثم عاد إليها وهي في مصلاها، فقال: لا زلتِ على الحالة التي فارقتُكِ عليها؟ قالت: نعم، قال: لقد قلتُ بعدك أربع كلماتٍ ثلاث مراتٍ، لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهنَّ: سبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، فلا ...... هذه الكلمات؛ لأن لها شأنًا عظيمًا، يُكثر منها الإنسان ويكررها ثلاث مراتٍ، صباحًا ومساءً، وفي كل وقتٍ.
وهكذا الحديث الآخر وهو: أنه ﷺ دخل على امرأةٍ تعُدّ التسبيح بالحصى أو بالنوى، فقال: ألا أُخبرك بما هو أفضل من ذلك؟ ثم علَّمها أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما خلق بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالق، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، والله أكبر مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك، هذا أيضًا يُضاعف، وينبغي الإكثار من هذا التسبيح، ومن هذا التكبير؛ لما فيه من المضاعفة والاختصار.
وفيه جواز العد بالحصى والنوى عند التسبيح، ولكن بالأصابع أفضل، كما كان النبيُّ ﷺ يعُدّ بأصابعه، وكما كان يَعُدّ الصحابة، فالعد بالأصابع أفضل.
ويُستحب للمؤمن أن يقول في كل يوم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مئة مرة، فإذا قالها في أول النهار كان ذلك أفضل، قال ﷺ: مَن قالها كانت له عدل عشر رقاب، يعني: يعتقها، يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" مئة مرة، يكون عدل عشر رقاب يعتقها، وكُتب له بها مئة حسنة، ومُحي عنه مئة سيئة، وكان في حرزٍ من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عمل أكثر من عمله.
وقال أيضًا: مَن قال: سبحان الله وبحمده، حين يُصبح مئة مرة، وحين يُمسي مئة مرة غُفِرَتْ خطاياه، فهذا فيه فضلٌ عظيم، فيُكثر من التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، فإذا قال: سبحان الله وبحمده مئة مرة صباحًا ومساء فهذا من تكفير السيئات.
وهكذا إذا قال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما خلق بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالق، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، والله أكبر مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك.
وهكذا: سبحان الله العظيم وبحمده عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، ففي هذا فضل عظيم.
وهكذا قوله ﷺ: «الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» هذه من الباقيات الصالحات، يعني من جملة الباقيات الصالحات أن يقول هذا الذكر.
ويقول ﷺ: أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويقول ﷺ: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحبّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس هذا فيه فضل هذه التسبيحات وهذا الذكر، فالمؤمن يشغل نفسه بهذه الأذكار، وبقراءة القرآن، وبالدعاء فيما تيسَّر من الأوقات، ولا سيَّما الصباح والمساء.
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: استعمال السبحة في التسبيح؟
ج: لا حرج، لكن الأصابع أفضل.
 
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: (الفصل الحادي والسبعون: فيما يُقال لمَن حصل له وحشة:
رُوينا في "معجم الطبراني" عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه: أنَّ رجلًا اشتكى إلى رسول الله ﷺ الوحشة، فقال: قل: سبحان الله الملك القدوس، ربّ الملائكة والروح، جُللت السموات والأرض بالعزة والجبروت، فقالها الرجلُ فأذهب الله عنه الوحشة.
الفصل الثاني والسبعون: في الذكر الذي يقوله أو يُقال له إذا لبس ثوبًا جديدًا:
عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا استجدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه: قميصًا، أو إزارًا، أو عمامةً، يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صُنِع له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنع له، قال أبو نضرة: وكان أصحابُ رسول الله ﷺ إذا رأى أحدُهم على صاحبه ثوبًا قال: "تبلي ويخلف الله تعالى". ذكره البيهقي.
وعن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: مَن لبس ثوبًا جديدًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيما يتعلَّق بعلاج الوحشة، وفيما يقول إذا لبس ثوبًا جديدًا:
الوحشة: ثبت فيها عن النبي ﷺ التَّعوذ: أعوذ بكلمات الله التامَّات من شرِّ ما خلق، أعوذ بكلمات الله التامَّة من كل شيطانٍ وهامَّةٍ، ومن كل عينٍ لامَّةٍ، وكان يُعَوِّذ الحسنَ والحسينَ بهذا عليه الصلاة والسلام، فيقول: مَن نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، لم يضره شيءٌ حتى يرحل من منزله ذلك، وقال: مَن قال: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات صباحًا لم يضره شيءٌ حتى يُمسي، ومَن قالها مساءً لم يضره شيءٌ حتى يُصبح.
أما حديث البراء الذي ذكره المؤلف عن الطبراني: سبحان الله الملك القدوس، ربّ الملائكة والروح، جُللت السموات والأرض بالعزة والجبروت فهو حديث ضعيفٌ كما ذكر أهل العلم، وليس بصحيحٍ.
والمؤلف في هذا يتساهل رحمه الله كثيرًا.
فالمقصود أن علاج الوحشة التَّعوذ بكلمات الله التامَّات، وقراءة آية الكرسي، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين، هذا هو العلاج الذي أرشد إليه النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة.
ويُستحب لمن استجد ثوبًا أن يقول: الحمد لله، أنت كسوتنيه، اللهم إني أسألك من خيره وخير ما صُنع له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنع له.
وكان بعضُ السلف إذا لقي أخاه عليه ثوبًا جديدًا قال: "تبلي ويخلف الله" يعني: يطول عمرك حتى تبليه ويخلف الله غيره، وهذا من باب الأدب مع الإخوة، والعناية بالإخوة، فإذا قال: "تبلي ويخلف الله" أو ما أشبه ذلك فلا بأس، كل هذا لا بأس به، لكن يحمد الله ويقول: الحمد لله الذي كساني هذا، أو يقول: الحمد لله، أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صُنع له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنع له.
وفَّق الله الجميع.