016 الفصل الثالث والسبعون: فيما يقال عند رؤية الفجر

 
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: (الفصل الثالث والسبعون: فيما يُقال عند رؤية الفجر:
روى ابن وهبٍ: عن سليمان بن بلال، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفرٍ فبدا له الفجر قال: سمَّع سامعٌ بحمد الله ونعمته وحُسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا فأفضل علينا، عائذًا بالله من النار يقول ذلك ثلاث مرات ويرفع بها صوتَه.
هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ.
الفصل الرابع والسبعون: في التسليم للقضاء والقدر بعد بذل الجهد في تعاطي ما أُمِر به من الأسباب
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156]، فنهى سبحانه عبادَه أن يتشبَّهوا بالقائلين: "لو كان كذا وكذا لما وقع قضاؤه بخلافه".
وقال النبي ﷺ: وإيَّاك واللو، فإنَّ اللو تفتح عمل الشيطان.
وقال أبو هريرة : قال النبي ﷺ: المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان رواه مسلم.
وعن عوف بن مالك: أن النبي ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضيُّ عليه لمَّا أدبر: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، فقال النبيُّ ﷺ: إنَّ الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمرٌ فقل: حسبي الله ونعم الوكيل.
فنهى النبيُّ ﷺ أن يقول عند جريان القضاء ما يضرّه ولا ينفعه، وأمره أن يفعل من الأسباب ما لا غنى له عنه، فإن أعجزه القضاء قال: "حسبي الله ونعم الوكيل"، فإذا قال: "حسبي الله" بعد تعاطي ما أُمِرَ به من الأسباب قالها وهو محمودٌ؛ فانتفع بالفعل والقول، وإذا عجز وترك الأسباب وقالها، قالها وهو ملومٌ بترك الأسباب التي اقتضتها حكمةُ الله ، فلم تنفعه الكلمةُ نفعها لمَن فعل ما أُمِرَ به).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فهذه الأحاديث في الآداب مع القدر، وفيما يُشرع للإنسان إذا رأى طلوع الفجر، كما كان النبيُّ ﷺ يفعل في السفر.
كان النبيُّ ﷺ في السفر إذا رأى طلوع الفجر قال: سمّع سامع بحمد الله وحُسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا فأفضل علينا، عائذًا بالله من النار يُرددها ثلاثًا عند رؤية الصبح في أسفاره عليه الصلاة والسلام.
وكان يلوم على قول "لو" فيما يُصيب الإنسان، فعلى الإنسان أن يأخذ بالكيس والأعمال التي شرعها الله، ويجتهد، فإذا غلبه الأمر يقول: "حسبنا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل"، أما أن يتعلق بـ"لو" وهو مُفَرِّط ومُضَيِّع ولا يُبالي بالأسباب فهذا غلطٌ.
ولهذا ذمَّ الله الذين قالوا: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران:156]، ذمَّ الذين قالوا: "لو كان أولادهم عندهم ما ماتوا وما قتلوا"، والمقصود أنَّ القتل والموت أمرٌ مكتوبٌ على العبد، سواء خرج في الجهاد، أو بقي في بيت أهله، إذا جاء أجله لم يتأخَّر: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [المنافقون:11]، لكن الإنسان مأمورٌ بالجهاد في سبيل الله، ومأمور بأخذ الأسباب الطيبة، ومأمور بالبعد عن الأسباب الرديئة، فهو يأخذ بالأسباب، ويجتهد في الأسباب النافعة، ويبتعد عن الأسباب الضَّارة، وبعد ذلك إذا غلبه الأمر يقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل".
ولهذا يقول ﷺ: المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ  خيرٌ، ثم قال: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان، وفي اللفظ الآخر: إيَّاك واللو، فإن لو تفتح عمل الشيطان.
فالإنسان يعمل ويجتهد، فإذا غلبه الأمر يقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، لا يركن للقدر، بل يعمل ويجتهد ويأخذ بالأسباب الشرعية، يعني: يشتري، يزرع، يحرث، يتسبّب، يتَّجر، إلى غير هذا، يأخذ بالأسباب، فإذا خسر في سلعةٍ أو أصابته نكبةٌ أو نزل به مرضٌ يقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل"، أما أن يُعطِّل الأسباب ثم يقول: "إنا لله" فهذا غلطٌ، ما هي بمحلها، عليك أن تجتهد أولًا.
وهكذا إذا تعدَّى على أحدٍ ثم غُلِبَ في الحكم، حكم عليه الحاكمُ بما هو الحق، حينها يقول: "حسبنا الله ونعم الوكيل" فما هي في محلها، تكون في محلها لو كنت مظلومًا، أما إذا كنت ظالمًا متعدِّيًا متساهلًا فليس هذا محل هذه الكلمة، وإن كانت كلمةً طيبةً، لكنها قيلت في غير محلها، والواجب عليك التوبة عند ذلك إلى الله، والرجوع إليه، والندم على تفريطك وتقصيرك في أمر الله، أما إذا غلبك القدر بمرضٍ أو موت قريبٍ أو خسارةٍ في سلعةٍ أو ما أشبه ذلك تقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل".
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: حكم قول "لو" مُحرَّم أم مكروه؟
ج: في الحديث النهي عنها، فهي مُحرَّمة؛ لأن الرسول قال: فلا تقل: لو.
س: متى يجوز استعمالها؟
ج: يقولها الإنسانُ في استحباب الخيرات، مثل: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ كما قال النبي ﷺ يوم الحج، حجة الوداع، قال: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ ولجعلتُها عمرةً، لو علمتُ أنَّ فلانًا هنا لجئتُه وأكرمتُه، وما أشبه ذلك، لو علمتُ أنَّ الطريق آمنٌ حجزتُ. ما في بأس، من باب تمني الخير.
س: قَدَرُ الله أم قدَّر الله؟
ج: يُقال: قدَّر الله وقَدَر الله، قَدَرُ الله يعني: هذا قَدَر الله، وقدّر الله: المفعول محذوف، يعني: قدَّر الله هذا الشيء.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى: (الفصل الخامس والسبعون: في جوامع من أدعية النبي ﷺ وتعوّذاته لا غنًى للمرء عنها:
قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبيُّ ﷺ يُحبُّ الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك.
وفي "المسند" و"النسائي" وغيرهما: أن سعدًا سمع ابنًا له يقول: "اللهم إني أسألك الجنة وغرفها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وأغلالها وسلاسلها"، فقال سعد : "لقد سألتَ الله خيرًا كثيرًا، وتعوَّذْتَ من شرٍّ كثيرٍ، وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: سيكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء، وبحسبك أن تقول: "اللهم إني أسألك من الخير كله، ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشرِّ كله، ما علمتُ منه وما لم أعلم"".
وفي "مسند الإمام أحمد" و"سنن النسائي" عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان من دعاء النبي ﷺ: ربِّ أعنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، وانصرني على مَن بغى عليَّ، ربِّ اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، لك رهَّابًا، لك مِطْوَاعًا، لك مُخْبِتًا، إليك أوَّاهًا مُنِيبًا، ربِّ تقبَّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبِّتْ حُجَّتي، واهدِ قلبي، وسدد لساني، واسْلُل سَخِيمةَ قلبي هذا حديثٌ صحيحٌ، رواه الترمذي وحسَّنه وصححه.
وفي "الصحيحين" من حديث أنس بن مالك قال: كنتُ أخدم النبيَّ ﷺ، فكنتُ أسمعه يُكثر أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبُخل والجُبن، وضلع الدين وغلبة الرجال).

الشيخ: اللهم صلِّ وسلِّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فهذه الأحاديث في دعوات النبي ﷺ، وأن دعواته جوامع عليه الصلاة والسلام، كان يتحرَّى جوامع الدعاء؛ لأنَّها جامعة للخير، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: "كان ﷺ يدعو بجوامع الدعاء، ويدع ما سوى ذلك"، مثل: اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، هذا من دعائه ﷺ، اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنك عفوٌّ تُحبُّ العفو فاعفُ عني، اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسرّه، وما أشبه ذلك من دعواته عليه الصلاة والسلام.
ولما سمع سعد بن أبي وقَّاص ابنه يدعو ويتكلَّف في الدعاء: "اللهم إني أسألك الجنة وكذا وكذا وكذا وكذا" يُعدِّد ما فيها من نعيمٍ، "وأعوذ بك من النار وأغلالها وكذا وكذا"؛ قال: "يا بُني، لقد سألتَ الله خيرًا كثيرًا، وتعوَّذتَ بالله من شرٍّ كثيرٍ، وإني سمعتُ النبي ﷺ يقول: يأتي قومٌ يعتدون في الدعاء"، فخاف عليه من هذا، "ويكفيك أن تدعو بالجوامع، تقول: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله .." إلى آخره، تسأل جوامع الدعاء وما يكفيك عن التفاصيل، فهذا هو المشروع للإنسان: أن يتحرَّى جوامع الدعاء، ويدعو به، وفي ذلك الخير الكثير.
ومن ذلك حديث عائشة: اللهم إني أسألك الخير كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشرِّ كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه ومالم أعلم، وأسألك الجنةَ وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، وأسألك من خير ما سألك عبدُك ونبيك ﷺ، وأعوذ بك من شرِّ ما استعاذ منه عبدك ونبيك ﷺ، كل هذا من جوامع الدعاء، اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار.
وهكذا أنس: يحكي عن النبي ﷺ أنه كان يتحرَّى جوامع الدعاء عليه الصلاة والسلام.
فهكذا ينبغي للمؤمن أن يتحرى الدعوات الجامعة، ومن هذا قوله ﷺ: اللهم أعني ولا تُعِنْ عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسّر الهدى إليَّ، وانصرني على مَن بغى عليَّ، اللهم اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، لك رهَّابًا، لك مُخبتًا، إليك أوَّاهًا مُنيبًا، اللهم تقبَّل توبتي، واغسل حوبتي، وثبِّتْ حُجَّتي، وأجب دعوتي، واهدِ قلبي، وسدد لساني، واسْلُل سخيمة قلبي.
ومن دعائه الكثير ﷺ: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، فكان يُكثر أن يدعو بهذا عليه الصلاة والسلام، ويُكثر أن يقول: اللهم إنك عفوٌّ تُحبُّ العفو فاعفُ عني.
فينبغي للمؤمن أن يتحرَّى الأدعية الجامعة ويدعو بها، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو بها.
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: الإطالة الآن في دعاء ختم القرآن، يأخذ السامعُ ساعةً إلا ربعًا أحيانًا، هل هذا من .....؟
ج: الإلحاح في الدعاء والإكثار من الدعاء كله طيب، أَكْثِرْ من الدعاء، فالنبي ﷺ يقول: ما من عبدٍ يدعو الله بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إمَّا أن تُعَجَّل له دعوته في الدنيا، وإمَّا أن تُدخَر له في الآخرة، وإمَّا أن يصرف عنه من الشرِّ مثل ذلك، قالوا: يا رسول الله، إذن نُكثر؟ قال: الله أكثر، فالله يحب الإكثار من الدّعاء.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى في الفصل الخامس والسبعون في جوامع من أدعية النبي ﷺ وتعوّذاته لا غنًى للمرء عنها:
(وفي "صحيح مسلم" عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسولُ الله ﷺ يقول، كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكّها أنت خيرُ مَن زكَّاها، وأنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، ونفسٍ لا تشبع، وعلمٍ لا ينفع، ودعوةٍ لا يُستجاب لها.
وفي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ كان يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمَغْرَم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله؟! فقال: إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف.
وفي "صحيح مسلم" عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان من دعاء النبي ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، ومن فُجاءَة نقمتك، ومن جميع سخطك).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق ببعض أدعية النبي ﷺ، وكان ﷺ كثير الدعاء، وكان يدعو بجوامع الدعاء كما قالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي ﷺ يدعو بجوامع الدعاء، ويدع ما سوى ذلك"، يعني: يدعو بالدعوات الجامعة للخير الكثير.
ومن دعائه ﷺ قوله: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من الهرم، ومن عذاب القبر، هذه دعوة جامعة: العجز والكسل يسدّ الطارقَ عن كل خيرٍ، والجبن والبخل كذلك، الجبن يعني: الإنسان يعرف الحق ولا يقوم به، والبخل بالمال والجاه ونحو ذلك، وهكذا الهرم يُفضي إلى تعبه في نفسه وتعب غيره، وعذاب القبر كذلك .......
اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير مَن زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها، هذه دعوات جامعة، اللهم آتِ يعني: أعطِ نفسي تقوَّاها، وزكّها أنت خير مَن زكَّاها، أنت وليها ومولاها.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا.
اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يُستجاب لها، هذه من دعواته عليه الصلاة والسلام.
ومن دعائه ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، ومن فُجاءة نقمتك، ومن جميع سخطك، أيضًا أربع دعوات جامعة: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، ومن فَجأة نقمتك يُقال: فجأة وفُجاءة ومن جميع سخطك.
وكان أيضًا يتعوذ من الأشياء الآتية كما قالت عائشة، كان في الغالب يأتي بها في آخر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن المأثم والمغرم قيل: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المأثم والمغرم؟! قال ﷺ: إنَّ العبد إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف المأثم يعني: الإثم، يعني: المعاصي، والمغرم يعني: الدَّيْن، والعبد متى غرم وثقل عليه الدَّيْن وعد وأخلف، وحدَّث فكذب، ...... يُخلِف، يُحدِّث بأشياء ولا يفي بها، فيكذب بسبب عجزه عن الوفاء، ومحبة لإرضاء الناس، فيُرضيهم بالكذب، ويعدهم ويخلف، فمن أجل هذا كان يستعيذ ﷺ من المأثم والمغرم.
 ومن دعائه الجامع: اللهم إني أعوذ بك من شرِّ ما عملتُ، ومن شرِّ ما لم أعمل، هذا من دعواته الجامعة.
ومن دعائه الجامع العظيم: اللهم إنك عفو تُحب العفو فاعفُ عني.
فينبغي للمسلم أن يتأسَّى بنبيه ﷺ في الدعوات الجامعة، ويُكثر من الدعاء، ويُلِحُّ في الدعاء؛ لأنَّ الله يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، والمؤمن في حاجةٍ وفي ضرورةٍ إلى رحمة ربه وإحسانه؛ فليُكْثِر من الدعاء.
وفَّق الله الجميع.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى في الفصل الخامس والسبعون في جوامع من أدعية النبي ﷺ وتعوّذاته لا غنًى للمرء عنها:
(وفي الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر ما أسأل؟ قال: قولي: اللهم إنَّك عفوٌّ تُحبّ العفوَ فاعفُ عني، قال الترمذي: صحيح.
وفي "مسند الإمام أحمد" عن أبي بكر الصديق، عن النبي ﷺ أنه قال: عليكم بالصدق، فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنَّه مع الفجور، وهما في النار، وسلوا الله المُعافاة، فإنَّه لم يُؤْتَ رجلٌ بعد اليقين خيرًا من المعافاة.
وفي "صحيح الحاكم" عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ما سُئل الله شيئًا أحبّ إليه من أن يُسأل العافية.
وذكر الفريابي في كتاب "الذكر" من حديث أنس بن مالكٍ قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: أي الدعاء أفضل؟ قال: تسأل الله العفو والعافية، فإذا أُعطيتَ ذلك فقد أفلحتَ).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيما يتعلَّق بفضل الدعاء، وشرعية الدعاء، وما كان يتعاطى ﷺ من الأدعية، كان ﷺ كثير الدعاء والضَّراعة إلى الله بأنواع الدعاء، وكان يستحب جوامعَ الدعاء -الأدعية الجامعة- التي تجمع الخير الكثير، كما تقدَّم في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي ﷺ يدعو بجوامع الدعاء ويدع ما سوى ذلك".
ومن ذلك: حثّه على سؤال العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، فإنَّ العافية تشمل عافية الدين والبدن، الدين والدنيا، فليس هناك شيءٌ أفضل من العافية في الدين والبدن، في أمر الدين والدنيا جميعًا، ولهذا حثَّ على سؤال العافية في الدنيا والآخرة، فالإنسان يسأل ربَّه العافية، ويسأل ربَّه العفو، ولهذا في حديث عائشة قالت: يا رسول الله، إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفوَ فاعْفُ عني.
فالمؤمن يسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، ويسأل الله العفو عن جميع الذنوب، والعفو عمَّا قصَّر فيه، فذلك من أفضل الدعاء.
وكذلك سؤال الله جل وعلا الجامع من الدعاء، مثل: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إني أسألك الجنةَ وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب لها من قولٍ وعملٍ، كل هذه دعوات جامعة.
وهكذا يسأل: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار كان أكثر دعاء النبي ﷺ بهذا الدعاء.
ومن دعائه عليه الصلاة والسلام: في الحديث الصحيح أنه كان يسأل ربَّه رضاه والجنة، ويتعوَّذ به من سخطه والنار، فهذه دعوات جامعة.
وهكذا يتحرَّى المؤمنُ كلَّ الدعوات الجامعة: "اللهم اغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين، اللهم أصلح قلبي وعملي، اللهم اهدني سواء السبيل، اللهم إني أسألك الهدى والسَّداد، اللهم إني أسألك الهدى والتُّقَى، والعفاف والغنى، اللهم ألهمني رشدي، وقني شرَّ نفسي، اللهم قني شُحَّ نفسي"، وأشباه هذه الدعوات الجامعة.
وفَّق الله الجميع.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى في جوامع من أدعية النبي ﷺ وتعوّذاته لا غنًى للمرء عنها:
(وفي "الدعوات" للبيهقي عن معاذ بن جبلٍ قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ برجلٍ يقول: اللهم إني أسألك الصبرَ، قال: سألتَ الله البلاء، فسل العافية، ومرَّ برجلٍ يقول: اللهم إني أسألك تمامَ النعمة، فقال: وما تمام النعمة؟ قال: سألتُ وأنا أرجو الخير، قال له: تمام النعمة: الفوز من النار، ودخول الجنة.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي مالكٍ الأشجعي، عن أبيه قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعَلِّم مَن أسلم أن يقول: اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني، وارحمني.
وفي "المسند" عن بسر بن أرطأة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
وفي "المسند" و"صحيح الحاكم" عن ربيعة بن عامر، عن النبي ﷺ: ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام، أي: الزموها وداوموا عليها).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: ففي هذه الأحاديث وما تقدَّم من الأحاديث الحثّ على الدعوات الجامعة، والترغيب فيها؛ تأسيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام في دعواته الجامعة.
ومن ذلك: إذا سأل الصبر فيسأل ربَّه العافية، ويُقيّد: "اللهم ارزقني الصبر على طاعتك، الصبر على المصائب، الصبر عمَّا حرمتَ عليَّ، اللهم ارزقني العافية في ديني ودنياي"، ويسأل ربَّه الصبر على ما شرع الله له، وعلى ترك ما حرَّم الله عليه، ويسأل ربَّه العافية.
ومن الدعاء العظيم: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة، ويسأل ربه أن يُتم عليه نعمته في دينه ودنياه، وإتمام النعمة: أن تُوفَّق لخير الدنيا والآخرة، فمَن استقام على دين الله حتى يتوفاه الله تمت عليه النعمة، فإنَّ مصيره الجنة، والنَّجاة من النار.
فينبغي للمؤمن أن يُكثِر من الدعوات الجامعة التي فيها جمع الخير كله: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنَّك عفو تُحبُّ العفوَ فاعفُ عني، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، اللهم  أجرني من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وما أشبه ذلك من الدعوات الجامعة: اللهم إني أسألك الهدى والسَّداد، اللهم إني أسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم ألهمني رشدي، وقني شرَّ نفسي، اللهم قني شُحَّ نفسي، اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة ........
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى في جوامع من أدعية النبي ﷺ وتعوّذاته لا غنًى للمرء عنها:
(وفي "صحيح الحاكم" أيضًا عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ قال لهم: أتحبون أيها الناس أن تجتهدوا في الدعاء؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: قولوا: اللهم أعنا على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك.
وفي الترمذي وغيره: أن النبي ﷺ أوصى معاذًا أن يقولها في دبر كلِّ صلاةٍ.
وفي "صحيحه" أيضًا عن أنسٍ قال: كنا مع النبي ﷺ في حلقةٍ، ورجلٌ قائمٌ يُصلي، فلما ركع وسجد تشهَّد ودعا، فقال في دعائه: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيّ يا قيوم"، فقال النبي ﷺ: لقد سألتَ باسمه الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى.
وفي "المسند" و"صحيح الحاكم" أيضًا عن شداد بن أوسٍ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ: يا شداد، إذا رأيتَ الناس يكنزون الذهب والفضة فاكنز هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمةَ على الرُّشْد، وأسألك شكر نعمتك، وحُسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأدعية من الأدعية التي أرشد إليها النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وتقدمت دعوات كثيرة، والمؤمن يدعو بما يسّر الله له من الدعاء، ولو لم يُنقل في الدعوات الطيبة التي لا يُوجد فيها إثمٌ ولا قطيعة رحمٍ، يدعو بها المؤمن لنفسه ولإخوانه المسلمين، وليس له في ذلك شيءٌ محدد، بل كلما احتاج دعا ربَّه: يسأل الله المغفرة، والعفو، والنجاة من النار، ويسأل ربَّه الجنة، ويتعوَّذ به من النار، يسأل ربَّه حُسن الختام، يسأل ربَّه الثبات على الحقِّ، هكذا الدعوات، ولهذا يقول جل وعلا: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] أخلص له الدعاء، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].
ومن الدعوات التي حثَّ عليها ﷺ: اللهم أعني على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك.
هكذا الدعوات الجامعة التي أرشد إليها أصحابَه عليه الصلاة والسلام، وعلَّمها معاذًا أن يدعو بها في دبر كلِّ صلاةٍ، وهي سنة لمعاذٍ ولغير معاذ، فالدعاء في آخر الصلاة قبل أن يُسلِّم: اللهم أعني على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، مع الدعاء المشهور: اللهم إني أعوذ بك من عذاب الجحيم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، وورد عن الصديق أنه قال: يا رسول الله، علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، وفي بيتي، قال: قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنتَ، فاغفر .......... فهذا من الدعوات الطيبة.
ومن ذلك ما أرشد إليه النبيُّ ﷺ لما سمع مَن يدعو ويقول: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم" قال: لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى، ومعنى الأعظم العظيم، وكل أسمائه عظيمة سبحانه وتعالى، وكل أسمائه من أسباب الإجابة.
ولهذا قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، فالإنسان يتوسَّل بأسماء الله: "اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا، أن تغفر لي، وأن تُصلح قلبي وعملي، وأن تهب لي رزقًا مباركًا، وأن تُحسن خاتمتي" وما أشبه ذلك.
ومن هذا الدعاء الذي ذكره النبي ﷺ لشداد بن أوس، وهو دعاء عظيم، قال: إذا كنز الناسُ الذهبَ والفضَّةَ، فاكنز هذه الدعوات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمةَ على الرشد، وأسألك شُكر نعمتك، وحُسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم؛ فإنَّك أنت علام الغيوب هذه دعوات عظيمة ينبغي حفظها والدعاء بها.
وهكذا يأتي بالدعوات الجامعة التي جاءت في الأحاديث، والتي ....... يرى فيها المصلحة له فيدعو بها: "اللهم أصلح قلبي وعملي، اللهم أصلح ذريتي، اللهم أصلح ولاة أمرنا، اللهم اهدهم سواء السبيل، اللهم أصلح لهم البطانة، اللهم أكثر أعوانهم في الخير، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم فقهم في الدين، اللهم اجعلهم هداةً مهتدين" الدعوات الطيبة ....... يدعو بها المؤمن في أوقات الإجابة وفي غيرها.
ومن أوقات الإجابة: ما بين الأذان والإقامة، وهكذا في آخر الصلاة قبل السلام، وفي السجود، كل هذه الأوقات تُرجا فيها الإجابة، وآخر الليل، وفي جوف الليل، وكذلك عند جلوس الإمام على المنبر يوم الجمعة قبل أن تُقْضَى الصلاة، فمن جلوسه على المنبر إلى أن تُقْضَى الصلاة محل إجابة، وهكذا بعد العصر يوم الجمعة، آخر نهار الجمعة، مَن جلس ينتظر المغربَ مُتوضِّئًا ينتظر الصلاة، فهذا الوقت من أوقات الإجابة.
وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: الأدعية المأثورة الصحيحة تُقال بالمعنى في الصلاة؟
ج: ما في بأس، بالمعنى أو باللفظ، في السجود، وفي آخر الصلاة، وفي خارج الصلاة.
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى في جوامع من أدعية النبي ﷺ وتعوّذاته لا غنًى للمرء عنها:
(ففي الترمذي: أنَّ حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي قال: قال له النبيُّ ﷺ: كم تعبد إلهًا؟ قال: سبعة: ستة في الأرض، وواحدًا في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء، قال: أما لو أسلمتَ لعلَّمْتُك كلمتين تنفعانك، فلما أسلم قال: يا رسول الله، علمني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شرَّ نفسي حديث صحيح، وزاد الحاكم فيه في "صحيحه": اللهم قني شرَّ نفسي، واعزم لي على أرشد أمري، اللهم اغفر لي ما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أخطأتُ وما تعمدتُ، ما علمتُ وما جهلتُ وإسناده على شرط "الصحيحين".
وفي "صحيح الحاكم" عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ أبو بكر فقال: هل سمعتِ من رسول الله ﷺ دعاءً علَّمَنِيه؟ قلت: ما هو؟ قال: كان عيسى بن مريم يُعلِّمه أصحابه، قال: لو كان على أحدكم جبلُ ذهبٍ دَيْنًا فدعا الله بذلك لقضاه الله عنه: اللهم فارج الهم، كاشف الغم، مُجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت ترحمني، فارحمني رحمةً تُغنيني بها عن رحمة مَن سواك.
وفي "صحيحه" أيضًا عن أم سلمة، عن النبي ﷺ: هذا ما سأل محمدٌ ربَّه: اللهم إني أسألك خير المسألة، وخير الدعاء، وخير النجاح، وخير العمل، وخير الثّواب، وخير الحياة، وخير الممات، وثبتني، وثقّل موازيني، وحقق إيماني، وارفع درجتي، وتقبّل صلاتي، واغفر خطيئتي، وأسألك الدرجات العلا من الجنة.
اللهم إني أسألك فواتح الخير وخواتمه وجوامعه، وأوله وآخره، وظاهره وباطنه، والدرجات العُلَى من الجنة، آمين.
اللهم إني أسألك خير ما آتي، وخير ما أفعل، وخير ما بطن، وخير ما ظهر، والدرجات العلى من الجنة، آمين.
اللهم إني أسألك أن ترفع ذكري، وتضع وزري، وتُصلح أمري، وتُطهر قلبي، وتُحصِّن فرجي، وتُنَوِّر لي قلبي، وتغفر لي ذنبي، وأسألك الدرجات العُلَى من الجنة، آمين.
اللهم إني أسألك أن تُبارك لي في نفسي، وفي سمعي، وفي بصري، وفي روحي، وفي خَلْقِي، وفي خُلُقِي، وفي أهلي، وفي محياي، وفي مماتي، وفي عملي، وتقبّل حسناتي، وأسألك الدرجات العلى من الجنة، آمين).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث أيضًا كالتي قبلها في الحثِّ على الدعاء، والترغيب في الدعاء، وأن المؤمن يلجأ إلى الله في كل أموره، ولا يستنكف عن الدعاء ولا يستغني، فهو دائمًا في حاجةٍ إلى ربه، وفي ضرورةٍ إلى رحمته وإحسانه وعونه وتوفيقه، فليُكثر من الدعاء، ولا سيَّما في أوقات الإجابة، فإنَّ الله جل وعلا يُحب أن يُسأل؛ لكونه يُحب أن يجود ويُعطي العباد، وهو القائل سبحانه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وهو القائل جل وعلا: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، وهو القائل سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]، ويقول جل وعلا: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ۝ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].
ولما أسلم حصين بن عبيد الخزاعي -والد عمران- علَّمه النبيُّ ﷺ كلمتين، قال: قل: اللهم ألهمني رشدي، وقني شرَّ نفسي، هاتان الكلمتان من جوامع الكلم، أو يقول: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شرِّ نفسي المعنى واحد، فهذا يجمع خير الدنيا والآخرة، فمَن ألهمه الله رشده ووقاه شرَّ نفسه فقد أفلح، وقال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].
يروى أن عبدالرحمن بن عوف كان يطوف ويلح بهذا الدعاء: "اللهم قني شُحَّ نفسي، اللهم قني شُحَّ نفسي"، فقال له بعضُ أصحابه: أكثرتَ من هذا الدعاء! فقال: "أما سمعتَ الله يقول: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9]؟! فإذا وقيتُ شحَّ نفسي فقد أفلحتُ". وشحّها: بخلها وحرصها على المال، فالإنسان قد يُهلكه حرصه، وقد يُهلكه بخله، حرصه على المال قد يُوقعه في الحرام، وأخذ المال بالباطل، والسَّرقات، والخيانة، والغش، وغير هذا، وبخله كذلك قد يحمله على ترك الواجبات، والشح بما لا يضره، فإذا وقاه الله شحَّ نفسه فقد أفلح.
وهكذا كل إنسانٍ يتحرَّى الدعوات: "اللهم فارج الهم، وكاشف الغم، ومجيب دعوة المضطرين، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، اغفر لي وارحمني، وأصلح قلبي وعملي" .. إلى غير ذلك، كل هذا مما ينبغي للمؤمن الدعاء به، فهي دعوات جامعة.
وكان من دعائه ﷺ أيضًا: اللهم اغفر لي ما قدمتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المُقَدِّم، وأنت المُؤَخِّر، لا إله إلا أنت.
ومن دعائه: اللهم إنَّك عفوٌّ تُحبُّ العفو فاعفُ عني.
ومن دعائه عليه الصلاة والسلام: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجُبن، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذب الآخرة.
ومن دعائه: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني إنَّك أنت الغفور الرحيم.
فينبغي للمؤمن أن يتحرَّى الدعوات الطيبة.
ومن دعائه: اللهم يا مقلب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك، ويا مُصَرِّف القلوب، صرِّفْ قلبي على طاعتك.
رزق الله الجميع التوفيق، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى في جوامع من أدعية النبي ﷺ وتعوّذاته لا غنًى للمرء عنها:
(وفي "صحيحه" أيضًا من حديث معاذٍ قال: أبطأ عنا رسولُ الله ﷺ بصلاة الفجر حتى كادت أن تُدركنا الشمسُ، ثم خرج فصلَّى بنا فخفف، ثم انصرف، فأقبل علينا بوجهه فقال: على مكانكم أخبركم ما أبطأني عنكم اليوم: إني صليتُ في ليلتي هذه ما شاء الله، ثم ملكتني عيني فنمتُ، فرأيتُ ربي تبارك وتعالى، فألهمني أن قلتُ: اللهم إني أسألك الطيبات، وفعلَ الخيرات، وتركَ المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تتوبَ عليَّ، وتغفر لي، وترحمني، وإذا أردتَ في خلقك فتنةً فنجني إليك منها غير مفتونٍ، اللهم وأسألك حبَّك، وحبَّ مَن يُحبُّك، وحبَّ عملٍ يُقرِّبني إلى حبِّك، ثم أقبل علينا رسولُ الله ﷺ فقال: تعلموهنَّ وادرسوهنَّ فإنهن حقٌّ، ورواه الترمذي والطبراني وابن خزيمة وغيرهم بألفاظٍ أُخَر.
وفي "صحيح الحاكم" أيضًا عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان النبيُّ ﷺ يدعو: اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف عليَّ كلّ غائبةٍ لي بخيرٍ.
وفيه عن أنس بن مالكٍ : أن رسول الله ﷺ كان يقول: اللهم انفعني بما علمتني، وعلِّمني ما ينفعني، وارزقني علمًا ينفعني).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث كلها تتعلق بالدعاء، بأدعيته ﷺ، وتقدَّم من ذلك جملة من أدعيته ﷺ، فالمؤمن إذا حفظ ما تيسر منها يدعو به، وليجتهد في الدعاء، وهكذا الدعوات الطيبة التي يحفظها وإن لم تُنقل، يدعو بما أحبَّ من الدعوات الطيبة التي ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحمٍ، يدعو بما تيسر من طلب خير الدنيا والآخرة.
ومن ذلك هذا الحديث: أن الرسول ﷺ أخَّر صلاةَ الفجر ذات يومٍ إلى آخر وقتها، ثم جاء فصلَّى بهم وخفف، وأخبرهم أنه رأى ربَّه في النوم، ورؤية ربه في النوم ثابتةٌ من أحاديث، فقد صنَّف الحافظُ ابنُ رجب كتابًا في هذا وسمَّاه "اختيار الأولى في اختصام الملأ الأعلى"، وذكر هذا الحديثَ وغيره، وهي رؤيا منام، أما في اليقظة فلم يره، لمَّا سُئل: هل رأيتَ ربك؟ قال: نورٌ أنَّى أراه!، وفي اللفظ الآخر: رأيتُ نورًا، وقال عليه الصلاة والسلام: واعلموا أنَّ أحدكم لن يرى ربَّه حتى يموت، فالله سبحانه لا يُرى في الدنيا؛ لأنَّ رؤيته نعيمٌ عظيمٌ، أعلى النعيم؛ فادَّخره لأوليائه في الآخرة، فالدنيا ليست دار نعيم، بل هي دار ابتلاء وامتحان، ودار اختبار، ودار عمل، فلهذا ادَّخر الله الرؤيا لأوليائه يوم القيامة وهم في الجنة، ولكن الرسول ﷺ رأى ربَّه رؤية منام، وعلمه وألهمه هذه الدعوات: اللهم إني أسألك فعلَ الخيرات، وتركَ المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبضني إليك غير مفتونٍ، اللهم إني أسألك حبَّك، وحبَّ مَن يُحبك، وحبَّ عملٍ يُقرِّبني إلى حبِّك.
وهكذا من دعائه: اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وارزقني علمًا ينفعني، وزدني علمًا، والحمد لله على كل حالٍ، اللهم قنِّعْني بما رزقتني، وبارك لي فيما أعطيتني، واخلف عليَّ كلَّ غائبةٍ بخير.
هذه الدعوات وما أشبهها كلها دعوات طيبة، يدعو بها الإنسان، مثلما تقدَّم في الدعوات الأخرى: اللهم أعني على ذكر وشُكرك وحُسن عبادتك، اللهم يا مقلب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك، اللهم إنك عفوٌّ تُحب العفوَ فاعفُ عني.
وكان يدعو في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقَّه وجلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسرَّه.
وعلَّم الصديقَ أن يقول في صلاته: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرحيم.
ومن الدعاء العظيم الجامع الذي كان يدعو به النبيُّ ﷺ: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دُنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياةَ زيادةً لي في كل خيرٍ، واجعل الموتَ راحةً لي من كل شرٍّ أخرجه مسلم في "الصحيح"، هذا دعاءٌ عظيمٌ جامعٌ.
ومن دعائه العظيم: اللهم اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدَّمْتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المُقَدِّم، وأنت المُؤَخِّر، وأنت على كل شيءٍ قدير.
ومن دعائه: اللهم إني أعوذ بك من جَهْد البلاء، ومن دَرَكِ الشَّقاء، ومن سُوء القضاء، ومن شماتة الأعداء.
وغير ذلك من الدعوات الصادقة، فالمسلم يدعو بما تيسر في سجوده، وفي آخر التحيات، وفي آخر الليل، وبين الأذان والإقامة، وفي آخر ساعة جمعة بعد العصر وهو ينتظر الصلاة، وهكذا عند جلوس الخطيب على المنبر يوم الجمعة إلى أن تُقضى الصلاة، كل هذه الأوقات فيها دعوات مستجابة، وفي جوف الليل كذلك.
فالمؤمن يتحرى الخير، ويتحرى الكلمات الجامعة، والدعوات الجامعة، يدعو بها بإخلاصٍ وصدقٍ ورغبةٍ فيما عند الله.
نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

الأسئلة:

س: هل ورد أنَّ الرسول ﷺ قال: اللهم أحيني مسكينًا، واحشرني في زُمرة المساكين؟
ج: جاء فيه حديثٌ ضعيفٌ.
 
قال الحافظ ابنُ القيم رحمه الله تعالى في الفصل الخامس والسبعون في جوامع من أدعية النبي ﷺ وتعوّذاته لا غنًى للمرء عنها:
(وفي "صحيح الحاكم" أيضًا عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ أمرها أن تدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك الجنةَ وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ، وأسألك من خير ما سألك عبدُك ورسولك محمد ﷺ، وأعوذ بك من شرِّ ما استعاذ بك منه عبدك ورسولك محمد ﷺ، وأسألك ما قضيتَ لي من أمرٍ أن تجعل عاقبته رشدًا.
وفيه عن أبي هريرة : أن رسول الله ﷺ أوصى سلمانَ الخير فقال له: إني أريد أن أمنحك كلماتٍ تسألهن الرحمن، وترغب إليه فيهنَّ، وتدعو بهنَّ في الليل والنهار: قل: اللهم إني أسألك صحةً في إيمانٍ، وإيمانًا في حُسن خلقٍ، ونجاحًا يتبعه فلاح، ورحمةً منك وعافيةً، ومغفرةً منك ورضوانًا.
وفيه أيضًا عن أم سلمة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم أنت الأول لا شيء قبلك، وأنت الآخر لا شيء بعدك، أعوذ بك من شرِّ كل دابةٍ ناصيتها بيدك، وأعوذ بك من الإثم والكسل، ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى، ومن فتنة الفقر، وأعوذ بك من المأثم والمغرم).

الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيها الحثّ على الدعوات التي دعا بها النبيُّ ﷺ وعلَّمها أصحابه، والدعاء مطلوب، وهو مشروع للمؤمن، وينبغي له أن يُكثر من الدعاء؛ لأن الله يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، ويقول سبحانه: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32]، فهو يحب أن يُسأل جل وعلا، ولأنَّ الدعاء فيه شهادة لله بأنه سبحانه قريب، يسمع دعاء الداعين، ويرحمهم، ويعطف عليهم، فكل هذا من دلائل الدعاء، فلهذا شرع الله لعباده الدعاء؛ لأنه يتضمن إيمانهم به، واعترفهم بوجوده، وأنه غنيٌّ حميدٌ، وأنه الرحمن الرحيم، وأنه المحسن إلى عباده، وأنه هو الذي يقوم بأرزاقهم، ........ سبحانه وتعالى، وهو خالقهم، ورازقهم، والمتكفل بأرزاقهم، ولكن شرع لهم سبحانه مع هذا أن يعبدوه بالدعاء، ويسألوه من فضله جل وعلا .......
وكل دعاءٍ ليس فيه إثمٌ ولا قطيعةُ رحمٍ يدعو به الإنسان، يسأل ربَّه الغنى عن الناس، يسأل ربَّه العافية، يسأل ربه الصحة، يسأل ربه ذريةً صالحةً، يسأل ربه زوجةً صالحةً، يسأل الله العفو والمغفرة، ودخول الجنة والنجاة من النار، إلى غير ذلك، ولا سيما الأدعية التي دعا بها النبيُّ ﷺ إذا تيسَّر حفظها تكون أكثر من غيرها، مثل هذا الدعاء في حديث عائشة: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه ومالم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمتُ منه ومالم أعلم، وأسألك من خير ما سألك عبدُك ونبيك ﷺ، وأعوذ بك من شرِّ ما استعاذ بك منه عبدك ونبيك ﷺ، وأسألك الجنةَ وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، ......... هذه دعوات جامعة.
ومن الدعوات التي علَّمها عائشة: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني، ومن هذا الدعاء الآخر: اللهم إني أسألك إيمانًا في حُسن خلق، وأسألك اللهم الرحمة والعافية، وأسألك إيمانًا يتبعه فلاح، وصلاحًا يتبعه فلاح، كل هذه دعوات طيبة.
فالإنسان يتحرى الدعوات الطيبة التي سمعها من النبي ﷺ، أو هي في نفسها طيبة صالحة، فيدعو بها، ويلح في ليله ونهاره: في جوف الليل، وفي آخر الليل، وفي آخر الصلاة، وفي سجوده، وفي طريقه وهو ماشي، وفي مضطجعه في فراشه، يدعو بما تيسر، مع الذكر: فيذكر الله، ويدعو بما دعا به النبيُّ ﷺ، كل هذا مما يُحبه الله جل وعلا.
وفَّق الله الجميع.