كتاب التوحيد

يقول رحمه الله: "باب مَن تبرك"، تجوز الإضافة: باب حكم مَن تبرك، ويجوز القطع: باب مَن تبرك بشجرةٍ أو حجرٍ أو نحوهما. يعني: فقد كفر، جواب الشَّرط محذوف تقديره: فقد كفر؛ لأنه فعل فعل الجاهلية، فعل المشركين.

وقول الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ۝ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ۝ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى ۝ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ۝ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:19- 23]، نزلت هذه الآية في إنكار ما عليه أهلُ الشرك، يُبين لهم جلَّ وعلا أنَّ هذه باطلة، وأنها من كيسهم أحدثوها: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ۝ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى يعني: أنفعت أم ضرَّت حتى تعبدوها من دون الله؟! فهي آلهة مُحدَثة اخترعوها وعبدوها من دون الله، فأنكر الله عليهم ذلك؛ ولهذا قال: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى يعني: سموا الملائكة: بنات الله، وسموا اللات قالوا: مُؤنثة الإله، والعزى مُؤنثة العزيز، ومناة مُؤنثة المنان. قال تعالى: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى ۝ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى يعني: جائرة، وجعلوا لله البنات، هذا من عمل المشركين، والله مُنزَّه عن الولد، لم يتَّخذ صاحبةً ولا ولدًا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:1- 3]، لا أنثى ولا ذكر، هو العزيز المنزه المقدس عن الولد والصاحبة ، فأنكر عليهم اتِّخاذ هذه الآلهة ونسبتها إلى الله، كل ذلك باطل.

كما أنكر عليهم ما عبدوه من دون الله في قوله جلَّ وعلا: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18]، وقال جلَّ وعلا عن المشركين أنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فهذا من كيسهم وكذبهم وافترائهم؛ ولهذا أنكر الله عليهم ذلك.

فالواجب على جميع العباد أن يعبدوا الله وحده، وأن يخصُّوه بالعبادة، وألا يعبدوا معه صنمًا ولا شجرًا ولا حجرًا ولا ملكًا ولا نبيًّا ولا جنًّا ولا غير ذلك، العبادة حقّ الله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، هذا هو الواجب على الجميع: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

فالواجب على جميع الثَّقلين -الجن والإنس- أن يعبدوا الله وحده، ويخصّوه بدعائهم، وخوفهم، ورجائهم، وذبحهم، ونذرهم، وصلاتهم، وصومهم، وأن يحذروا ما فعله المشركون: من اتِّخاذ الأصنام من الشَّجر أو الحجر أو صور الملائكة أو الأنبياء أو النجوم أو غير هذا، العبادة حقّ الله وحده: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، وقال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، وقال جلَّ وعلا في كتابه العظيم: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، وقال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۝ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ[الزمر:65- 66].

عن أبي واقدٍ الليثي، هذا من الصحابة الذين أسلموا عام الفتح، قال: خرجنا مع رسول الله إلى حنين ونحن حُدثاء عهدٍ بكفرٍ. الذين أسلموا عام فتح مكة خرجوا إلى حنين، وادٍ معروف بين الطائف ومكة، قاتل فيه النبيُّ ﷺ هوازن.

فمررنا بسدرةٍ فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط. لما مرُّوا بالسّدرة التي يعكف عندها المشركون، ويُعلقون بها أسلحتهم، ظنُّوا أنَّ هذا جائز، وأنه يجوز للمسلم أن يفعل ذلك، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط.

فقال النبيُّ ﷺ: الله أكبر! إنها السنن، عظّم الله، يعني: الله أكبر وأجلّ من أن يجوز في شرعه ذلك، وأن يتّخذ معه الأوثان بعبادة السدرة أو غيرها: الله أكبر! قلتُم والذي نفسي بيده كما قلت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138].

شبَّه قولهم: "اجعل لنا ذات أنواط" بقول بني إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا، فدلَّ على أن اتّخاذ الشجر يُعلَّق عليه السلاح للتَّبرك، أو اتِّخاذ غير الشَّجر: كالبناء على القبور وعبادتها من دون الله، أو اتِّخاذ أصنام من الأصنام، أو ما أشبه ذلك، كله من جنس عبادة المشركين، ومن جنس دين المشركين، فلا يجوز أن يتعلق على صنمٍ أو شجرةٍ أو حجرٍ أو غارٍ أو نجمٍ أو ملكٍ أو غير ذلك، فالعبادة حقّ الله وحده: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

ولهذا قال ﷺ: قلتم والذي نفسي بيده هذا حلف، كان يُقسم عند المسائل المهمة عليه الصلاة والسلام: قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ؛ لأنَّ قولهم: "اجعل لنا ذات أنواط" يعني: نتبرك بها، ونُعلق عليها سلاحنا، ونرجو بركتها، فهذا من جنس قول بني إسرائيل: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ.

لتركبنَّ سنن مَن كان قبلكم يُروى بالفتح: "سَنن"، ويُروى بالضم: "سُنن" يعني: طرق من قبلكم من أهل الجاهلية في عبادة الأصنام والأوثان، والعكوف عند القبور، هذه طريقة الجاهلية، وأنتم قلتُم هذا سلوكًا لمسلك الجاهلية، فدلَّ ذلك على أنَّ اتِّخاذ الأشجار أو الأحجار أو الأصنام للتَّبرك بها ودُعائها، أو الذبح عندها أو لها: أنَّ هذا من دين الجاهلية، وأنَّ هذا طريق الجاهلية، وأنَّ هذه الأمة تسلك مسلك مَن قبلها، وأنه يوجد فيها مَن يُقلد الجاهلية.

فالواجب الحذر من ذلك، الواجب على العبد أن يخصَّ ربَّه بالعبادة والدُّعاء، والخوف والرجاء، والذبح والنَّذر، والاستعانة والاستعاذة، وغير هذا، وألا يتعلق بشجرٍ ولا حجرٍ ولا نجمٍ ولا صنمٍ ولا ملكٍ ولا غير ذلك.

وفَّق الله الجميع.

يقول رحمه الله في كتاب "التوحيد"، وهو كتاب عظيم بيَّن فيه رحمه الله التوحيد والشِّرك ووسائله، وبيَّن فيه مسائل كثيرة لها تعلق بالتوحيد والبدعة.

يقول رحمه الله: "باب ما جاء في الذَّبح لغير الله"، هذا من بيان التوحيد؛ لأنه يُنافي "لا إله إلا الله"، الذبح لغير الله يُنافي كلمة التوحيد؛ لأنَّ الذبح لغير الله عبادة لغير الله: كدعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، والنذر لغير الله، والسجود لغير الله، كلها تُنافي كلمة التوحيد.

فأراد بهذه الترجمة بيان أنَّ الذبح لغير الله مما يُنافي كلمة التوحيد، وأنَّ مَن قال: لا إله إلا الله، وهو يذبح لغير الله، فقد نقضها، كما أنَّ مَن قالها وهو يدعو غير الله، ويستغيث بالأصنام والجنِّ ونحو ذلك قد نقضها، فإنَّ "لا إله إلا الله" تقتضي أنه لا معبودَ حقّ إلا الله، وأنَّ العبادة حقّ الله وحده، فليس لأحدٍ أن يعبد مع الله غيره: بالذبح أو بالنَّذر أو بالاستعانة أو بالاستغاثة أو ما أشبه ذلك؛ ولهذا عقد المؤلفُ هذا الباب ليُبين أنَّ الذبح لغير الله من جملة الشِّرك.

فما يفعله عُبَّاد القبور وعُبَّاد الجنِّ وعُبَّاد الأصنام من الذَّبح لغير الله: ذبح الإبل أو البقر أو الغنم أو غيرها، كله شرك بالله ، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي يعني: ذبحي، يعني: قل يا محمد، "قل" خطاب للنبي ﷺ، يعني: قل يا محمد يا رسول الله للناس: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ العبد ملك لله لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ يعني: أمره الله وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162- 163]، هو أول المسلمين من أمته، النبي هو أول المسلمين من أمته، فكل نبيٍّ هو أول مسلمٍ من أمته، وقال جلَّ وعلا: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:1- 2]، الكوثر: نهر في الجنة يصبّ منه ميزابان في الحوض المورود يوم القيامة، أعطاه الله لنبيه محمدٍ ﷺ، ثم قال: فَصَلِّ يعني: شكرًا لله، وطاعةً لله، وتعظيمًا لله، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ يعني: اعبده بالصلاة، واعبده بالنَّحر، لا تُصلِّ لغيره، ولا تذبح لغيره، بل العبادة لله وحده بالنَّحر والصلاة وغيرها من العبادات: إِنَّ شَانِئَكَ يعني: مُبغضك، الشَّانئ: المبغض هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر:3] هو النَّاقص المبتور.

هاتان الآيتان تدلان على أنه يجب إخلاص الذَّبح لله، كما يجب إخلاص الصلاة لله، فكما لا يُصلَّى لغير الله، لا يُذبح لغير الله: لا للجن، ولا للأصنام، ولا للكواكب، ولا لغيرها من المخلوقات، فالعبادة حقّ الله وحده، فالواجب أن يُصلَّى لله، وأن يُذبح لله، وأن يُنذر لله، ألا يُدعا مع الله غيره .

عن عليٍّ . علي هو ابن أبي طالب، ابن عم النبي ﷺ، وصهره على ابنته فاطمة، وهو رابع الخلفاء الراشدين رضي الله عن الجميع، قُتل سنة أربعين، قتله الخوارج -قبَّحهم الله- سنة أربعين من الهجرة.

يقول : حدَّثني رسولُ الله ﷺ بأربع كلماتٍ: الأولى: لعن اللهُ مَن ذبح لغير الله، الثانية: لعن اللهُ مَن لعن والديه، الثالثة: لعن اللهُ مَن آوى مُحْدِثًا، الرابعة: لعن اللهُ مَن غيَّر منار الأرض.

والشاهد من هذا الحديث قوله: لعن الله مَن ذبح لغير الله، هذا هو الشَّاهد، يدل على أنَّ الذَّبح لغير الله مُنكر عظيم، يستحق صاحبه اللَّعنة؛ لأنه شرك أكبر، الذبح لغير الله شرك أكبر، فاستحق صاحبه أن يُلعن؛ تحذيرًا من ذلك، وتنبيهًا على أنَّ ذلك من الشِّرك الذي يجب الحذر منه، ويجب إخلاص العبادة لله وحده.

وهكذا لعن مَن لعن والديه: الوالدان لهما حقٌّ عظيم من البرِّ والصلة والإحسان؛ ولهذا لعن الرسولُ مَن لعن والديه: لعن اللهُ مَن لعن والديه، الرسول أخبر أنَّ الله لعن مَن لعن والديه، يعني: مَن سبَّهما وشتمهما، والوالدان هم: الأب والأم، والجدّ والجدة، نسأل الله السَّلامة.

الثالث: لعن اللهُ مَن آوى مُحْدِثًا.

فالكلمة الأولى تُوجب إخلاص العبادة لله وحده، وأنه لا يُذبح إلا لله وحده: لا ذباب، ولا غيره، التَّقرب لله جلَّ وعلا.

والجملة الثانية تدل على وجوب برِّ الوالدين، والإحسان إليهما، والحذر من عقوقهما باللَّعن أو غيره.

والجملة الثالثة: يقول ﷺ: لعن اللهُ مَن آوى مُحْدِثًا، آواه يعني: نصره وحماه حتى لا يُقام عليه الحدُّ، فالمحدِث هو الذي يفعل حدثًا في الإسلام: يقتل، أو يسرق، أو يزني، فالذي يُؤويه حتى لا يُقام عليه الحدُّ ملعون، لا بدَّ أن يُمكن من إقامة الحدِّ عليه، فالذي يُؤويه وينصره ويمنع من إقامة الحدود على المجرمين يكون ملعونًا، نسأل الله العافية.

وفي روايةٍ: مَن آوى مُحْدَثًا بفتح الدال، وهي البدعة، المحدَث: البدعة، فالذي يُؤويها وينصر البدعة ويُؤيدها ملعون على هذه الرواية، نسأل الله العافية.

وجاء في الرواية الأخرى: مَن أحدث مُحدثًا، أو آوى مُحدثًا فعليه لعنة الله، فهذا يدل على وجوب الحذر من محدثات الأمور، وهي البدع التي يُحدثها الناس في الإسلام، فالواجب اتِّباع الإسلام، والاستقامة عليه، والحذر من المحدثات، يقول ﷺ في الحديث الصحيح: إياكم ومحدثات الأمور، ويقول ﷺ: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ يعني: مردود عليه.

فالواجب على المسلم أن يحذر الإحداث، ويحذر جميع المعاصي، فلا يُحدث، ولا يأتي المعاصي، يقول ﷺ: مَن أحدث في أمرنا يعني: في ديننا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ، مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ، إياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثةٍ بدعة.

فالواجب على المسلمين التَّقيد بالشرع، والتمسك بالشرع، والحذر من البدع، وهي العبادات المحدثة التي يُحدثها الناس، لا دليلَ عليها، هي البدع، يجب الحذر منها.

وإيواء المحدثين: الذي عليه حدٌّ مثلًا شرعي، فالذي يُؤويه ويمنع من إقامة الحدِّ عليه يكون قد آوى مُحدِثًا، مثل: زنا يمنع أن يُقام عليه الحدّ، سرق يمنع أن يُقام عليه الحدّ، هذا من إيواء المحدثين، فالواجب الحذر من ذلك.

الرابعة: لعن الله مَن غيَّر منار الأرض يعني: المراسيم والحدود التي يُغيرها حتى يشبّه على الناس، حتى يُوقع الناس في الشَّر ملعون، بل يجب أن تُترك الحدود على حالها، فإذا كان بين الشُّركاء حدود فالذي يُغيرها ملعون؛ لأنَّ تغييرها يُسبب الشَّر بينهم، والنزاع بينهم، فلا يجوز تغيير الحدود التي بين المسلمين.

وفي حديث طارق بن شهاب، طارق بن شهاب صحابي صغير، يُخبر عن النبي ﷺ أنَّ رجلًا ممن قبلنا مرَّ على أصحاب صنمٍ، وكان هذا الصنم لا يجوزه أحدٌ -لا يتعدَّاه أحدٌ- حتى يُقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرِّب. يعني: قرِّب لصنمهم، فقال: ما عندي شيء أُقرب، فقالوا: قرب ولو ذبابًا، فقرَّب ذبابًا فخلوا سبيله، فدخل النار.

هذا فيه أنَّ مَن عبد غير الله ولو بالذباب يدخل النار، إذا قرب إلى الصنم إلى آلهة المشركين: ذبابًا أو عصفورًا أو دجاجةً أو حمامةً أو غير ذلك كفر بذلك؛ لأنه ذبح لغير الله، وتعبد لغير الله.

وقالوا للآخر: قرِّب، قال: ما كنتُ لأُقرب لأحدٍ شيئًا دون الله ، فضربوا عنقَه، فدخل الجنة؛ لأنه أصرَّ على التوحيد، واستقام على التوحيد، فدخل الجنة بسبب أنه قُتل شهيدًا.

هذا يدل على أنه يجب الحذر من التَّقريب لغير الله، والعبادة لغير الله بأي شيءٍ، ولو بريال، ولو بدرهم، ولو هللة، لا يتقرب لآلهة المشركين، لا يعبدها بقليلٍ ولا بكثيرٍ: لا بالسجود، ولا بالركوع، ولا بالذباب، ولا بالبيضة، ولا بالحمامة، ولا بالدجاجة، ولا بغير ذلك، يجب أن يكفر بها ويُنكرها ويعتقد بطلانها، قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256]، والطاغوت: كل ما عُبد من دون الله، فيكفر بالصنم، ويُنكر عبادته من دون الله، ولا يُقرب له شيئًا ولو بالكلام، لا يُقرب: لا ذبابًا، ولا حمامًا، ولا درهمًا، ولا دينارًا، ولا غير ذلك، بل يُنكر ذلك، ويُبين للناس أنه لا يجوز، وأن التَّقرب لغير الله يُعدُّ عبادةً ولو قليلة.

وفَّق الله الجميع.

س: ...............؟

ج: يكفر بذلك إلا المكره؛ لأنهم ما أكرهوه، قالوا: قرِّب. فقرَّب، لكن المكره الذي قالوا: تُقرِّب وإلا يُضرب عنقك. يُقرِّب، ولا ينوي العبادة، يُقرب طاعةً لهم فقط، ولا ينوي العبادة، يكون مُكْرَهًا؛ لأنَّ الله قال: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل:106]، والصحابة كانوا يُكرَهون، ورخَّص لهم النبيُّ في أن يُطاوعوا المشركين بغير قلوبهم، باللسان، فإذا سبَّ الدِّين، أو سبَّ الرسول مُكرهًا، وهو مؤمن بقلبه، ما يضرّه، أو ذبح: قرَّب ذبابًا أو دجاجةً أو غير ذلك مُكرهًا، وهو مؤمن بقلبه، لكن مُهدد بالقتل، فهو معذور: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، نسأل الله العافية والسلامة.

 

باب لا يُذبح لله بمكانٍ يُذبح فيه لغير الله

وقول الله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:108].

عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجلٌ أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأل النبيَّ ﷺ، فقال: هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسولُ الله ﷺ: أوفِ بنذرك؛ فإنه لا وفاءَ لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما.

 

الشيخ: يقول رحمه الله في كتابه كتاب "التوحيد"، الكتاب المهم الذي جمع فيه أبوابًا كثيرةً تتعلق بالتوحيد رحمه الله وقدس روحه.

يقول رحمه الله: "باب لا يُذبح لله في مكانٍ يُذبح فيه لغير الله"؛ لأنَّ في هذا تشبُّهًا بأعداء الله، فهذا من قاعدة: "مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم"، ونحن منهيون عن التَّشبه بأعداء الله، فإذا كان لهم مكان يذبحون فيه لأصنامهم لا نذبح فيه؛ لأنا إذا ذبحنا فيه فقد تشبَّهنا بهم، واتّهمنا بعملهم، فلا نذبح في المكان الذي يذبحون فيه لأصنامهم وأوثانهم، قال الله جل وعلا: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:108]، هذا في قصة مسجد الضرار، قال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ۝ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:107- 108].

هذه قصة أهل الضرار: كان جماعةٌ من المنافقين لما خرج النبيُّ إلى تبوك بنوا مسجدًا أعدوه لأبي عامر الراهب، كافر من كفَّار الأوس والخزرج، من كفَّار الأنصار، أعدوه له، أعدَّه له المنافقون إذا جاء حتى يُحارب النبيَّ ﷺ، وأظهروا أنهم بنوه للضُّعفاء في الليلة الشاتية والمطيرة، وأنهم إنما أرادوا الإحسانَ في هذا المسجد، فجاءوا إلى النبي ﷺ عند خروجه إلى تبوك ليُصلي فيه، فقال: نحن على سفرٍ، وإذا رجعنا صلينا فيه إن شاء الله، فلما رجع وكان قرب المدينة نزل عليه الوحي ببيان هذا المسجد، وأنه مسجد ضرار، فأمر النبيُّ بهدمه عليه الصلاة والسلام، فقال الله له: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:108]؛ لأنه بُني على أساس الشَّر والفساد، فدلَّ ذلك على أنَّ المواضع المبنية للشَّر والمعدة للشَّر لا يُصلي فيها المسلمون، بل تجب إزالتها.

وهكذا حديث ثابت بن الضحاك: أنه نذر رجلٌ أن ينحر إبلًا ببوانة. بوانة: موضع، قيل: إنه في أسفل مكة، وقيل: إنه في ينبع، في هضبةٍ في ينبع يُقال لها: بوانة، سأله رجلٌ أن ينحر فيه إبلًا، فاستفصل ﷺ قال: هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبد؟ قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال: أوفِ بنذرك، خاف أن يكون إنما نذر في الموضع تأسيًا بالمشركين، فاستفصل عليه الصلاة والسلام، فلما صار المحلُّ ما فيه محذور أمره أن يُوفي بنذره في المحلِّ الذي عينه.

فدلَّ ذلك على أنَّ المحلات التي فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبد، أو عيدٌ من أعيادهم لا يفعل المسلمون فيه القربةَ؛ لأنَّ فيه تشبهًا بهم، بل يفعلون ذلك في محلات أخرى؛ حتى لا يتشبَّهوا بأعداء الله، وجاءت النصوصُ بالكتاب والسنة بالنَّهي عن التَّشبه بأعداء الله، والحذر من مُشابهة الجاهلية؛ لهذا قال: فإنه لا نذر في معصيةٍ، ولا فيما لا يملك ابنُ آدم يعني: لا يفي بنذرٍ فيه معصية لله، وتشبّه بأعداء الله، ولا يفي بنذرٍ في ملك الغير، يقول: لله عليه أن يعتق عبد فلان، أو يتصدق ببيت فلان. نذر باطل؛ لأنَّ بيت فلان ما هو له، وعبد فلان ما هو له، إنما ينذر فيما يملك، ولا بدّ أن يكون ذلك المحلُّ محلًّا شرعيًّا، ليس محل تشبُّه بأعداء الله.

وفَّق الله الجميع.

س: ضابط التَّشبه؟

ج: على ظاهرها، التَّشبه: فعل فعلهم في زيِّهم، أو في مكانهم، أو في أقوالهم، هذا تشبه، تزيَّ بزي المشركين، نسأل الله العافية.

س: لو نذر لغير الله هل يكفر؟

ج: هذا شرك أكبر، عليه التوبة، هذا شرك أكبر، النذر لغير الله: أن ينذر ويذبح للوثن الفلاني، أو نذر أن يسجد لغير الله، أو نذر أن يُصلي إلى الميت الفلاني، يعبده بذلك، هذا شركٌ أكبر.

س: ولو نذر في مكانٍ يُذبح فيه لغير الله؟

ج: يُوفي في مكانٍ آخر ويكفي.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله.

يقول المؤلفُ رحمه الله، وهو أبو عبدالله محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي التَّميمي الحنبلي، شيخ الإسلام في زمانه، والمجدد لما اندرس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري.

يقول رحمه الله: "باب من الشرك النَّذر لغير الله" يعني: الشرك الأكبر، كالذي ينذر للأصنام، أو للجنِّ، أو للأموات يتقرب إليهم، وينذر أنه يفعل كذا ويفعل: أنه يصوم لهم، أو يتصدق لهم، أو ما أشبه ذلك، أو يذبح لهم، وكان أهلُ الشرك ينذرون لأصنامهم وأندادهم، والله يقول جلَّ وعلا: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، مدح المؤمنين بالوفاء بنذورهم لله ، فإذا نذر طاعةً أوفى بها، وقال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة:270] يعني: فيُجازيكم عليه، وجعل النَّفقة والنَّذر شيئًا واحدًا، كما أنه سبحانه يتقبل الصَّدقة، فيتقبل النذر من عباده إذا نذروا طاعةً له جلَّ وعلا، لكن الرسولَ ﷺ نهى عن النُّذور قال: لا تنذروا؛ فإنَّ النذر لا يردّ من قدر الله شيئًا، النذر: المجازاة، لا ينذر المؤمن، يقول ﷺ: لا تنذروا؛ فإنَّ النذر لا يردّ من قدر الله شيئًا، وإنما يُستخرج به من البخيل، لكن مَن نذر طاعةً وجب عليه الوفاء؛ لأنَّ الله مدح الموفين قال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، فإذا قال: لله عليه مثلًا أن يصوم كذا، أو يُصلي كذا، أو يتصدق بكذا. وجب عليه الوفاء بالنَّذر. لله عليه أن يتصدق بمئة درهم، لله أن يصوم يوم الاثنين، لله عليه أن يصوم كذا، أو يُصلي ركعتين ضحًى. أوفى بنذره إذا كان طاعةً؛ لقوله ﷺ: مَن نذر أن يُطيع الله فليُطعه، ومَن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، فالنذر لله عبادة، والنذر لغيره شرك.

والمؤلف أراد بهذا أن يُبين أنَّ النذور التي تقع من الناس فيها التفصيل: فإن كانت لله فهي طاعة لله يجب الوفاء بها، ولكن يُنهى المسلمُ عن النذور؛ لأنها لا تردّ من قدر الله شيئًا، بعض الناس يحسب أنَّ النذر يردّ من قدر الله، ينذر: إن وهب الله لي ولدًا يكن كذا. ينذر ..... من كذا كذا، هذا غير مشروعٍ، يسأل ربَّه العافية، يسأل ربه، ويتوكل على الله، ويسأل ربه العافية، ولا حاجةَ للنذور؛ ولهذا قال ﷺ: لا تنذروا؛ فإنَّ النذر لا يردّ من قدر الله شيئًا، وإنما يُستخرج به من البخيل، لكن متى نذر طاعةً لزمه الوفاء بها، فإذا قال: لله عليَّ أن أتصدق بمئة درهم، بألف درهم، لله عليَّ أن أعود المريض الفلاني، لله عليَّ أن أُصلي الضحى كذا، لله عليَّ أن أصوم كذا. يُوفي بنذره الذي نذر من العبادة: مَن نذر أن يُطيع الله فليُطعه.

أما إذا نذر معصيةً لا يفي بالمعاصي: مَن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، فلو قال: لله عليَّ أن أشرب الخمر، أو لله عليَّ أن أضرب فلانًا. لا يفي بنذره، وعليه كفَّارة يمينٍ، يُكفِّر عن ذلك كفَّارة يمينٍ، كما جاء في الأحاديث.

أما المباح فهو مُخيَّر -النذر المباح- إن شاء فعل، وإن شاء ترك: لله عليه أن يلبس الثوب الفلاني، لله عليه أن يأكل الطعام الفلاني، إن شاء أكل، وإن شاء ترك، فإن أكل أوفى بنذره، وإن لم يفعل فعليه كفَّارة يمينٍ، هو مُخيَّر.

أما النذر المكروه: نذر أني ما أُصلي الرَّواتب. فهذا نذر مكروه، يُكفر عن يمينه ويُصلي الرَّواتب، أو ترك مُستحبٍّ: نذر أن يترك مُستحبات من الرَّواتب، أو نذر مكروهًا مثل: نذر أشياء مكروهة، فإنه يتركها ويُكفر عن يمينه، أما المعصية فيجب ترك المعصية، ويُكفر عن يمينه.

فالنَّذر له خمسة أحوال: نذر واجب، ونذر سنة، ونذر محرم، ونذر مكروه، ونذر مباح.

فإذا نذر واجبًا أو مُستحبًّا وجب عليه الوفاء، وإذا نذر معصيةً لم يجز له الوفاء، وعليه كفَّارة يمينٍ، وإذا نذر مكروهًا تركه أولى، يترك المكروه، ولا يفعل المكروه، ويُكفر عن يمينه، أما إن نذر مباحًا فهو مُخير: إن شاء فعل المباح، وإن شاء تركه وكفَّر عن يمينه.

وفَّق الله الجميع.

س: ...............؟

ج: مكروه مثلما قال ﷺ: لا تنذروا؛ فإنَّ النذر لا يردّ من قدر الله شيئًا.

س: ................؟

ج: مكروه هذا، وبعض أهل العلم يُحرمه: صوم سنة؛ لأنَّ الرسول نهى عن صوم الدَّهر، لكن الصواب أنه مكروه: مَن صام الدَّهر لا صام ولا أفطر، أو نذر أن يُواصل يومين مُتواصلين، أو ثلاثًا مُتواصلة ما يأكل في الليل، مكروه، يترك نذره ويُكفِّر عن يمينه.

س: ................؟

ج: ما أعرف له أصلًا، لكن الصَّدقة مطلوبة، مستحبَّة.

س: كفَّارة النذر؟

ج: كفَّارة اليمين.

س: ................؟

ج: القرآن على ظاهره، النُّذُر الشَّرعية.

بابٌ من الشرك: الاستعاذة بغير الله

وقول الله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6].

وعن خولة بنت حكيمٍ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: مَن نزل مَنْزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، لم يضرّه شيء حتى يرتحل من مَنْزله ذلك رواه مسلم.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله.

يقول المؤلفُ رحمه الله، وهو الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، المجدد لما اندرس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري، المتوفى سنة 1206 من الهجرة رحمه الله.

يقول: "باب من الشرك الاستعاذة بغير الله" نبَّه بهذا على أنَّ الاستعاذة بغير الله من الشرك، وقد تقدم ما يدل على هذا، تقدم في أول كتاب التوحيد الآيات: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] إلى غيرها، فحقّ الله أن يعبدوه، تقدمت أبواب، لكن هذا من باب التأكيد والإيضاح لما تقدم.

فالاستعاذة بغير الله كالاستعاذة بالجنِّ، أو بغيرهم، أو بفلانٍ، أو بفلانٍ من الشرك الأكبر: "بابٌ من الشرك الاستعاذة بغير الله" يعني: من الشرك الأكبر، فإذا قال: أعوذ بفلانٍ، أو أعوذ بالجنِّ الفلاني، أو أعوذ بجنِّ المحلِّ الفلاني، أو أعوذ بالملائكة، أو بالأنبياء، كل هذا من الشِّرك: "باب من الشرك الاستعاذة بغير الله" يعني: الاستعاذة من شرور الدنيا والآخرة.

وقال الله تعالى في سورة نوحٍ عمَّا قاله الجنُّ: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا، ذكر الله ذلك عنهم مُقرًّا لذلك، وأنَّ التعوذ بالجنِّ مما يزيد الجنّ رهقًا للمسلمين، وشرًّا على المسلمين، وإيذاءً للمسلمين، فالواجب الحذر من ذلك، وألا يُستعاذ بالجنِّ ولا بغيرهم.

وكانت العربُ في جاهليتها إذا نزلوا واديًا قالوا: نعوذ بعزيز هذا الوادي من سُفهاء قومه. فذمَّهم الله وعابهم على هذا: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا يعني: زادوهم ذعرًا وخوفًا بسبب استعاذتهم بهم.

فالواجب على المؤمن أن يحذر ذلك: فلا يستعيذ بالجنِّ، ولا بالملائكة، ولا بالأصنام، ولا بغير ذلك، بل يستعيذ بالله وحده: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200]، فالاستعاذة تكون بالله وبأسمائه وصفاته، لا بالجنِّ ولا بغير الجنِّ.

وفي الصحيح -أي "صحيح مسلم"- من حديث خولة بنت حكيم رضي الله عنها، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، لم يضره شيءٌ حتى يرتحل من منزله ذلك، الراء تُفتح وتُضم: "يضرُّه" بالفاعل إتباعًا للضمة، و"يضرَّه" على الأصل بالفتح، وتُضم: لم يضرُّه شيءٌ حتى يرتحل من منزله ذلك.

هذا من فضل الله، وكرم منه جلَّ وعلا: أنَّ مَن استعاذ بكلمات الله التَّامات أعاذه الله جلَّ وعلا، فالسنة أن يستعيذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، وكلمات الله وصفٌ من صفاته جلَّ وعلا، فالاستعاذة بها استعاذة به ، لا بغيره، فالمستعيذ بكلمات الله، أو بالرحمن الرحيم، أو بعزة الله، أو بقُدرته مُستعيذ بالله، والاستعاذة بالله وبأسمائه وصفاته استعاذة به جلَّ وعلا، داخلة في قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200]، فالمستعيذ بكلمات الله مُستعيذ بالله، والمستعيذ بعزة الله وبقُدرة الله مستعيذ بالله.

وكلمات الله: كلامه، وهي وصفٌ من أوصافه غير مخلوقةٍ، كلمات الله غير مخلوقةٍ، بل هي كلامه جلَّ وعلا، وكلامه كذاته، كلامه ورحمته وغضبه وعلمه كلها صفات له جلَّ وعلا غير مخلوقةٍ، هو بصفاته غير مخلوقٍ، والمخلوقون هم الخلائق المفعولون لله جلَّ وعلا، هم المخلوقون، أما هو سبحانه بأسمائه وصفاته فهو الخالق، وكلماته من صفاته، وغضبه ورضاه من صفاته، وعزته من صفاته، فيقول: "أعوذ بعزة الله وقدرته، أعوذ بكلمات الله التَّامات"؛ لأنَّ التَّعوذ بالصِّفات تعوذ بالموصوف.

وهذا فيه فضل هذه العوذة، وأنَّ مَن تعوذ بكلمات الله لم يضرّه شيءٌ حتى يرتحل من منزله ذلك، وهذا فضلٌ من الله، ونعمة من الله، فليصدق المؤمنُ في ذلك، ويُحسن الظنَّ بربه، وليُكثر من هذه الكلمات إذا دخل المنزلَ -أي منزلٍ- يقول: "أعوذ بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق".

س: ..............؟

ج: ولو بغير النَّفث، إذا قال: أُعيذ أولادي بكلمات الله التَّامة، أو بكلمات الله التَّامات، كفى، كان الرسولُ يُعوذ الحسن والحسين فيقول: أعيذكما بكلمات الله التَّامة من كل شيطانٍ وهامَّةٍ، ومن كل عينٍ لامَّة، ولم يذكر فيه النَّفث، ولو عوَّذهم وهم بعيدون قال: أُعيذ أولادي بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، أُعيذ زوجتي بكلمات الله التَّامات من شرِّ ما خلق، أُعيذ والدي بكلمات الله ما في بأس، ولو بعيدين.

س: ..............؟

ج: مثلما يدعو لهم يقول: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، اللهم أنجهم من النار، اللهم أعذهم من الشَّر، اللهم سلِّمهم من كذا.

س: ...............؟

ج: ما في مانع، تكرار، من باب التأكيد: أعوذ بالله، أعوذ بالله، أعوذ بالله، ما في مانع: أعوذ بكلمات الله التَّامات، أعوذ بالله الكريم، أعوذ بالله الكريم، أعوذ بالله العزيز، أعوذ بالله الرحمن، ما نعلم فيه بأسًا.

س: ...............؟

ج: بشخصٍ آخر ما في بأس، إذا كان بـ"ثُمَّ": أعوذ بالله ثم بك من شرِّ أولادك، من شرِّ غلمانك، من شرِّ زوجتك، لا بأس، إذا أتى بـ"ثُمَّ" لا بأس.

س: ..............؟

ج: التوكل على الصحيح بعض أهل العلم يمنعونه في التوكل، ولكن الصواب أنه إذا جاء بـ"ثُمَّ" زال المحذور.

س: ...............؟

ج: هو معنى التَّوكل: "عليك" يعني: في قضاء الحاجة، في قضاء الحاجة، هذا المراد، مثل: وكلتُك في كذا، توكلتُ على الله ثم عليك، يعني: اعتمدتُ عليك في بيع هذا العقار، في مُلاحظة أولادي، في إصلاح مزرعتي، وما أشبه ذلك بمعنى الاعتماد.

س: ................؟

ج: لا، الصِّفات ما تُسأل، يسأل الله: يا الله، يا رب العالمين، ما يُقال: يا عزة الله، أو: يا وجه الله، أو: يا رحمة الله، لا، الصِّفات لا تُدعا، إنما يُدعا الله وحده جلَّ وعلا.

س: ................؟

ج: محل نظر.

 

باب قول الله تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۝ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف:191- 192]

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13].

وفي الصحيح عن أنسٍ قال: شُجَّ النبيُّ ﷺ يوم أحدٍ، وكُسرت رباعيته، فقال: كيف يُفلح قومٌ شجُّوا نبيَّهم؟! فنَزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128].

وفيه: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانًا وفلانًا، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ الآية.

وفي روايةٍ: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنَزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ.

وفيه: عن أبي هريرة قال: قام فينا رسولُ الله ﷺ حين أُنزل عليه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] قال: يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبدالمطلب، لا أُغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمّة رسول الله ﷺ، لا أُغني عنكِ من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمدٍ، سليني من مالي ما شئتِ، لا أُغني عنك من الله شيئًا.

الشيخ: يقول المؤلفُ رحمه الله، والمؤلف هو أبو عبدالله محمد بن عبدالوهاب بن سليمان رحمه الله في كتابه كتاب "التوحيد"، ذكر هذه الترجمة؛ لأنَّ فيها بيان حقيقة ما يفعله المشركون، وما نُسب إليهم حتى صاروا به مشركين.

يقول جلَّ وعلا: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۝ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ، يُنكر الله عليهم: كيف يقع الشِّركُ من هؤلاء؟ كيف يُشركون مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا من أصنامهم وأوثانهم ومعبوداتهم، وَهُمْ يُخْلَقُونَ مخلوقون مربوبون، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا هم لا يستطيعون نصر مَن عبدهم من دون الله، وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ أيضًا، ولا يستطيعون نصر أنفسهم؟

فمعبوداتهم من دون الله قد اجتمع فيها هذا كله: لا تخلق شيئًا، وهي مخلوقة، ولا تستطيع نصر أنفسها، ولا نصر غيرها، فكيف تُعبد من دون الله؟ ما بين ميت، وجماد من شجرٍ وحجرٍ وصنمٍ، وما بين ميتٍ، وما بين غائبٍ عاجزٍ، ولكنَّهم ابتلوا بفساد العقول، والتقليد الأعمى؛ حتى وقع منهم ما وقع من الشِّرك، فالذي لا يخلق شيئًا، وهو مخلوق، ولا ينصر نفسه، ولا ينصر غيره، جديرٌ بألا يُعبد، جديرٌ بأن يُعرض عنه ولا يُعبد من دون الله، وإنما يُعبد مَن ينصرك ويُعينك ويُؤيد أمرك، وهو الذي خلقك وأوجدك، وبيده كل شيءٍ، وهو الله ، هو الخلَّاق العليم، هو الذي بيده النصر والعطاء والمنع، بيده الرزق، هو الذي يستحق أن يُعبد جلَّ وعلا؛ ولهذا أنكر عليهم سبحانه بقوله: أيشركون هذا استفهام إنكار.

فالباب يُبين فيه المؤلف بطلان عبادة غير الله من المخلوقات: من الشَّجر والحجر والأصنام والأموات وغيرهم، كلها ينطبق عليها هذا الوصف: لا تخلق شيئًا، وهي مخلوقة، ولا تنصر نفسَها، ولا تنصر غيرها، وقال جلَّ وعلا: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ۝ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13- 14].

قال تعالى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ، هو المالك لكل شيءٍ، ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: من الأصنام والأوثان والأشجار والأحجار وغير ذلك مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، كلهم عاجزون، لا يملكون من قطمير، آلهة المشركين لا تملك شيئًا، كل الملك بيد الله جلَّ وعلا، له الملك .

والقطمير: اللفافة التي على النّواة، نواة التمر، يُقال لها: قطمير. والفتيل: ما يكون في شقِّها. والنَّقير: النقر الذي في النَّواة: مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ۝ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ.

وصفهم بأربع صفاتٍ مثلما في الآية الأخرى: وصفهم بأنهم لا يملكون شيئًا، لا يملكون قطميرًا، ثم وصفهم بوصف إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ، ما بين ميتٍ وجمادٍ لا يسمع ولا يُجيب، ولو سمعوا على فرض: وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ما يملكون شيئًا، ما عندهم قُدرة، لو سمعوا ما استجابوا: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ، هذا وصف رابع: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ يعني: يجحدون شرككم ويقولون: تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [القصص:63]، إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ [يونس:29]، ما نعرفهم، ولا نعرف عبادتهم.

هذه حال المشركين مع أوثانهم: عبدوا مع الله مَن لا يملك شيئًا، ولا يستجيب الدُّعاء، ولا يسمع الدعاء، ولا يستجيبه، ويُنكره يوم القيامة ويتبرأ من صاحبه: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [النمل:80]، وقال تعالى: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22].

إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ يُنكرونه ويتبرؤون منه، هذا فيه بطلان عبادة غير الله، وأنَّ المشركين أخسر الناس صفقةً، فصفقتهم خاسرة، لا تنفعهم في الدنيا، ولا في الآخرة، بل عليهم الضَّرر في الدنيا والآخرة.

وفي الصحيح عن أنسٍ -يعني في "صحيح البخاري"- قال: شُجَّ النبيُّ يوم أحدٍ.

شُجَّ يعني: ضُرب في رأسه. الشَّجة تكون في الرأس.

وكُسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام يوم أحدٍ، كُسرت البيضة على رأسه، وجُرحت وجنته عليه الصلاة والسلام، وكُسرت رباعيته، فلما رأى ذلك قال: كيف يُفلح قومٌ شجُّوا نبيَّهم؟!

لما رأى ما فعلوا به عليه الصلاة والسلام قال استبعادًا لفلاحهم: كيف يُفلح قومٌ شجُّوا نبيَّهم؟! فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128] يعني: أنهم عبادي، فهو له التَّصرف سبحانه فيهم، فعلى الرسل البلاغ، وعلى الداعي البلاغ، وعلى العالم البلاغ، والأمر بيد الله جلَّ وعلا، هو الذي ينصر مَن يشاء، ويهدي مَن يشاء، ويُضلُّ مَن يشاء: كيف يُفلح قومٌ شجُّوا نبيَّهم؟! فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.

وفي الصحيح أنه ﷺ كان يسبُّ كفَّار قريش ويلعنهم، منهم: صفوان بن أمية، والسائب بن عمرو، والحارث بن هشام، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.

كان يفعل هذا في صلاة الفجر، إذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه يدعو عليهم؛ لظلمهم، وإيذائهم، وكفرهم، يلعنهم في الصلاة، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ يعني: أنَّ الواجب جهادهم في الله، والصبر على ما شرع الله له، والأمر بيد الله جلَّ وعلا، هو الذي بيده تصريف الأمور ، فكونهم يفعلون ما يفعلون هذا بأمر الله، لله فيه الحكمة.

فالواجب على المسلم الصبر والجهاد والقتال لأعداء الله، والصبر على ما أصابه حتى يفتح الله وينصره جلَّ وعلا.

وهؤلاء الثلاثة تابوا، هداهم الله وأسلموا: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، هداهم الله وأسلموا .

وفي الصحيح عن أبي هريرة : أن النبي ﷺ كان يقول في نذارته لقريشٍ لما أنزل الله عليه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، كان يصعد على الصَّفا ويقول: يا بني كذا، يا بني كذا، لا أملك لكم من الله شيئًا، يُنذرهم ويُحذرهم: يا بني عبد مناف، يا بني قصي بن كلاب، يا بني كذا، لا أملك لكم من الله شيئًا، اشتروا أنفسَكم من الله يعني: وحِّدوا الله، وادخلوا في الإسلام، لا أملك لكم من الله شيئًا، حتى خاطب أقاربه: يا عباس بن عبد المطلب عمه، يا صفية عمة رسول الله، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا فاطمة بنته القريبة لا أُغني عنك من الله شيئًا، يُبين أنَّ الأمر بيد الله، وأنَّ الواجب على الجميع أن يعبدوا الله، وينقادوا لشرعه، وألا يعتمدوا على أنسابٍ أو أجدادٍ أو أسلافٍ، بل الواجب السير على منهج الرسول ﷺ، والقيام بما أوجب الله، وألا يغترّ الناسُ بأسباب شرف آبائه أو أجداده أو عشيرته أو غير ذلك، فالعز والشرف والنَّجاة والسعادة كلها في توحيد الله وطاعته واتِّباع شريعته: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [سبأ:37].

فالمؤمن يتعلق بالله، ويعبد الله، ويستقيم على دينه، ولا يحتج بشرف آبائه وأسلافه، أو يعتمد عليهم؛ ولهذا أمر الله نبيَّه أن يُنذرهم قال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، كان يقوم على الصَّفا ويُنذرهم عليه الصلاة والسلام، ويقول: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، اشتروا أنفسكم من الله يعني: بالتوحيد والإيمان وطاعة الله ورسوله، هذا هو طريق النَّجاة، هذا هو سبيل السَّعادة.

نسأل الله للجميع الهداية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

باب قول الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ[سبأ:23]

في الصحيح عن أبي هريرة ، عن النبي ﷺ قال: إذا قضى اللهُ الأمرَ في السَّماء ضربت الملائكةُ بأجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوانٍ ينفذهم ذلك: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فيسمعها مُسترق السَّمع، ومُسترق السَّمع هكذا بعضه فوق بعضٍ، وصفه سفيان بن عُيينة بكفِّه فحرَّفها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمةَ فيُلقيها إلى مَن تحته، ثم يُلقيها الآخرُ إلى مَن تحته، حتى يُلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشِّهابُ قبل أن يُلقيها، وربما ألقاها قبل أن يُدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيُقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السَّماء.

وعن النَّواس بن سمعان قال: قال رسولُ الله ﷺ: إذا أراد اللهُ تعالى أن يُوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السَّماوات منه رجفة -أو قال: رعدة- شديدة خوفًا من الله ؛ فإذا سمع ذلك أهلُ السماوات صُعقوا، وخرُّوا لله سجدًا، فيكون أول مَن يرفع رأسه جبريل، فيُكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريلُ على الملائكة، كلما مرَّ بسماءٍ سأله ملائكتها: ماذا قال ربُّنا يا جبريل؟ فيقول جبريلُ: قال الحقَّ وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثلما قال جبريلُ، فينتهي جبريلُ بالوحي إلى حيث أمره الله .

الشيخ: الحمد لله، يقول المؤلفُ رحمه الله، وهو الشيخ محمد بن عبدالوهاب، أبو عبدالله، في كتاب "التوحيد"، وهو المجدد لما اندرس من معالم الإسلام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري.

يقول رحمه الله: باب قول الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.

أراد بهذه الترجمة الرد على عُبَّاد الأنبياء وعُبَّاد الملائكة، هذا حال الملائكة عندما يسمعون كلام الله يحصل لهم الفزع والخوف العظيم، كيف يُعبَدون من دون الله وهم مخلوقون مربوبون؟! وهكذا الأنبياء، وهكذا غيرهم، العبادة حقّ الله وحده، لا تجوز لغيره : لا للملائكة، ولا غيرهم، والملائكة مع عظمتهم وما أعطاهم الله من القوة إذا سمعوا كلام الله فزعوا وخرُّوا لله سُجَّدًا، هذا أمر يدل على أنَّ أمرهم عظيم، وأنهم مع عظمهم ومع قُوتهم، مع ذلك عند سماع كلام الله يخشونه ويُعظمونه ويفزعون.

وفي الصحيح عن أبي هريرة : أن النبيَّ ﷺ قال: إذا قضى الله الأمر في السَّماء يعني: إذا أمر بالأمر في السَّماء ضربت الملائكةُ بأجنحتها خَضَعانًا لقوله، يقال: خَضعانًا، وخُضعانًا لقوله.

كأنه سلسلة على صفوانٍ الصّفوان: الحجر الأملس، ينفذهم ذلك يعمّهم ذلك، يسمعون شيئًا يُشبه الضَّرب على الصفوان، ضرب السلاسل على الصفوان، فعندما يسمعون ذلك ويسمعون كلام ربهم جلَّ وعلا يفزعون الفزع العظيم؛ لشدة خوفهم من الله جلَّ وعلا، فإذا فُزع من قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ يعني: إذا زال الفزعُ سأل بعضُهم بعضًا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الحقَّ، وهو العلي الكبير يعني قال: كذا وكذا، فيتحدثون بما سمعوا.

فيسمع مُسترق السمع بعض الكلمات فيُلقيها إلى أصحابه من الكهنة والمنجمين والسَّحرة، ومُسترقو السمع هكذا بعضُهم فوق بعضٍ إلى عنان السَّماء، بعضهم فوق بعضٍ من غير مماسة، كل واحدٍ فوق الآخر إلى السماء، كما قال تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [الجن:8]، فيسمع مُسترقو السمع بعض الكلمات، فيقرّها: فيُمليها على الآخر، والآخر على الآخر، حتى يقرّها الآخرُ في أذن وليه من الجنِّ من الكهنة والعرَّافين والسحرة، فيتحدث الناسُ بهذه الكلمة، ثم يُصدَّق الكاهن والمنجم والرَّمال والعرَّاف بسبب هذه الكلمة التي سمعها مُسترقو السمع.

والمسترقون مثلما وصف سفيان بن عيينة رحمه الله: بعضهم فوق بعضٍ من غير مماسة، فربما أدرك الشِّهاب هذا المستمع قبل أن يُلقيها، وربما ألقاها قبل أن يُدركه، يُرمون بالشُّهب، ولله الحكمة البالغة، إذا أراد ألا يسمعها أحدٌ رماه بالشِّهاب فقتله، وإذا أراد اللهُ الفتنةَ بهؤلاء ألقاها قبل أن يُدركه الشِّهاب.

فهذا فيه الدلالة على أنَّ الكهنة والمنجمين والعرَّافين وأشباههم يكذبون على الناس، كما قال النبيُّ ﷺ: مئة كذبة، وقد يزيدون على ذلك، ويكثر منهم الكذب، فيقول الناسُ: إنا سمعنا منهم كلمةً صدقوا فيها، فيُصدَّقون بتلك الكلمة التي سُمعت من السَّماء، يعني: الكلمة التي سُمعت صارت فتنةً للناس حتى صدَّقوا الكذَّابين من الرَّمالين والعرَّافين والمنجمين والكهنة بسببها.

فالواجب على المؤمن ألا يغترَّ بذلك، وأن يحذر تصديق العرَّافين، وأن يحذر سؤالهم؛ لأنَّ الرسول نهى عن سؤالهم وعن تصديقهم، قال: لا تأتوهم، وقال: مَن أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة كما يأتي، وقال: مَن أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ ﷺ.

فالواجب على المسلمين الحذر من تصديق الكهنة والمنجمين والرَّمالين، والحذر منهم، وأن يحذروا العبادةَ لغير الله، فالملائكة مع عظمتهم وعظم خلقهم يُصيبهم هذا الفزع العظيم عند سماع كلام الله، وهكذا الأنبياء، أشدّ الناس خوفًا من الله الأنبياء.

فالواجب على جميع الناس أن يعبدوا الله وحده، وأن يتَّقوه، وأن يحذروا عبادة غيره، فجميع المخلوقات كلهم أرقاء لله، عبيد لله، فالواجب الحذر: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93]، فالواجب الحذر من عبادة غير الله، ومن تصديق الكهنة والمنجمين والرَّمالين. والواجب الاستقامة على طاعة الله ورسوله، وعبادته وحده دون كلِّ ما سواه.

وهكذا ما جاء في حديث النَّواس بن سمعان، الباب واحد، يُصيبهم عند سماع كلام الله الخوف العظيم، والرعدة الشديدة للسَّماوات، فإذا انتهى الكلامُ تساءلوا فيما بينهم: "ماذا قال ربنا؟" كما تقدم، فيُخبرهم جبرائيل بما شاء الله من ذلك.

فالمقصود هو أنَّ هؤلاء الكهنة والرَّمالين والمنجمين قد يسمعون من مُسترقي السمع كلمةً فيغترّ الناسُ بذلك ويُصدِّقونهم بسبب ذلك، فلا يجوز لأحدٍ أن يُصدقهم بما قد يسمعون من هذه الكلمات، والواجب تكذيبهم، والحذر منهم، وعدم تصديقهم، وإذا كان هكذا فالواجب ألا يعبد إلا الله وحده، إذا كان الملائكةُ يُصيبهم ما يُصيبهم من الفزع العظيم، دلَّ ذلك على أنهم عبيد مخلوقون مربوبون، لا يصلح أن يُعبدوا من دون الله، بل يجب أن يخصّ الله بالعبادة دون كلِّ ما سواه، كما قال جلَّ وعلا: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

وفَّق الله الجميع.

س: ..............؟

ج: هكذا بعضهم فوق بعضٍ من دون مُلاصقةٍ.

س: وهذه الشُّهب التي نراها من وقتٍ لآخر؟

ج: يُرمى بها الشياطين.

 

باب الشَّفاعة

وقول الله : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:51].

وقوله: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44].

وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255].

وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26].

وقوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22].

قال أبو العباس: نفى الله عمَّا سواه كلَّ ما يتعلق به المشركون؛ فنفى أن يكون لغيره ملكٌ أو قسطٌ منه، أو يكون عونًا لله. ولم يبقَ إلا الشَّفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الربُّ، كما قال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، فهذه الشَّفاعة التي يظنّها المشركون هي مُنتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآنُ، وأخبر النبيُّ ﷺ: أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده -لا يبدأ بالشَّفاعة أولًا- ثم يُقال له: ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسلْ تُعطَ، واشفع تُشفَّع.

وقال أبو هريرةَ له ﷺ: مَن أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، فتلك الشَّفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.

وحقيقتها: أنَّ الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دُعاء مَن أذن له أن يشفع؛ ليُكرمه وينال المقام المحمود.

فالشَّفاعة التي نفاها القرآنُ ما كان فيها شركٌ؛ ولهذا أثبت الشَّفاعةَ بإذنه في مواضع.

وقد بيَّن النبيُّ ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ على محمدٍ.

يقول المؤلفُ رحمه الله: "باب الشَّفاعة" لما كانت الشَّفاعةُ أمرها عظيمًا قد تعلق بها عُبَّاد القبور وعُبَّاد الأصنام وغيرهم، واشتبه أمرُها على كثيرٍ من الناس، واعتقدوا فيمَن لا ينبغي الاعتقاد فيه ذلك، وتعلَّقوا بأناسٍ كثيرين وعبدوهم من دون الله بقصد الشَّفاعة، أراد المؤلفُ أن يُبين هذا الأمر العظيم؛ حتى يكون طالبُ العلم على بصيرةٍ.

قال: "باب الشَّفاعة" يعني: باب أحكامها، وبيان ما هو ثابت منها، وبيان ما هو باطل؛ حتى تكون أيُّها الطالب على بصيرةٍ، فالشَّفاعة شفاعتان: منفية، وثابتة.

المنفية: ما يطلبه المشركون من غير الله، هذه باطلة، ما يطلب من غير الله باطلة، وما يطلبه الناسُ من أصحاب القبور أو من الجنِّ كله باطل، أو ما يظنّ الناس أنه حاصل بغير إذن الله، وبغير رضا الله، كله باطل.

فالشَّفاعة التي تُطلب من غير الله، أو بغير إذن الله، أو بغير رضاه، كلها باطلة.

أما الشفاعة المثبتة: فهي التي تُطلب من الله، وتكون بإذنه ورضاه، هذه الشفاعة الثابتة: التي تُطلب من الله، وتكون بإذنه ورضاه، وهي لا تكون إلا لأهل التوحيد، لا تكون لغيرهم، قال الله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام:51]، دلَّ على أنه ليس هناك شفيعٌ إلا بإذنه، فلا شفيع بغير إذنه؛ ولهذا قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، هو أعظم وأجلّ من أن يتقدم إليه أحدٌ إلا بإذنه، يعني: في الآخرة، قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]، وقال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:28] يعني: الملائكة.

فالشَّفاعة المطلوبة التي رضيها الله لعباده وأثبتها تكون بإذنه فيمَن يرضى الله قوله وعمله في أهل التوحيد خاصةً؛ لأنها لأوليائه ولرسله يشفعون، وللملائكة يشفعون فيمَن رضي الله قوله وعمله في أهل التوحيد والإيمان، لا في أهل الشرك، قال تعالى في حقِّهم: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]، إنما الشَّفاعة لأهل التوحيد والإخلاص، كما قال ﷺ لما قيل له: مَن أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه.

فالشفاعة لأهل التوحيد والإيمان، لا لأهل الشرك والكفران؛ ولهذا قال أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: نفى الله عمَّا سواه كلَّ ما تعلق به المشركون؛ فنفى أن يكون لغيره ملكٌ أو قسطٌ منه: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44]، وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، فنفى أن يكون لغيره ملكٌ أو قسطٌ منه، أو يكون عونًا لله، فلا أحد يشفع إلا بإذنه ، ولا أحد يُشفع فيه إلا مَن رضي الله قوله وعمله ، قال تعالى: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23].

فالواجب على المؤمن أن يعتقد هذا، وأن يعبد الله وحده، وأن يستقيم على دينه، وأن يعلم أنه لا شفاعةَ لأحدٍ إلا بإذنه، وأنه لا يُشفع في أحدٍ إلا مَن رضي الله قوله وعمله، فالنبي يشفع يوم القيامة لمن رضي اللهُ قولَه وعملَه، لأهل التوحيد والإيمان، لا لأهل الكفر والنِّفاق، وهو سبحانه يُشفع نبيَّه في أهل الموقف حتى يُقضى بينهم، بعدما يسجد بين يدي ربِّه جلَّ وعلا، ويحمد الله بمحامد عظيمةٍ يأذن له، فيشفع النبيُّ في أهل الموقف حتى يُقضى بينهم، ويشفع في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنةَ، ويشفع في أناسٍ من العُصاة، يحدّ الله له فيها حدًّا، شفع عدة شفاعات يحدّ اللهُ له حدًّا، فيُدخلهم الجنةَ بإذنه سبحانه ورضاه جلَّ وعلا.

ولهذا قال أبو العباس رحمه الله: وحقيقته أنَّ الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة .....؛ ليُكرمه وينال المقام المحمود، هذا فضلٌ من الله؛ أكرم نبيَّه ﷺ وأعطاه المقام المحمود بالشفاعة يوم القيامة لأهل التوحيد والإيمان، لأهل الموقف حتى يُقضى بينهم، ولأهل الجنة حتى يدخلوا الجنةَ، ولأناسٍ كثيرين عُصاة شفع فيهم حتى أدخلهم اللهُ الجنةَ بتوحيدهم وإسلامهم بعدما عُذِّبوا في النار، بعدما طهروا من معاصيهم وسيئاتهم، وهكذا تشفع الملائكةُ، ويشفع المؤمنون، وتشفع الأفراطُ، كل هذا ثابت عن النبيِّ ﷺ، لكن كل هذا بإذنه جلَّ وعلا.

س: ..............؟

ج: لا، ما هي بثابتةٍ، جاءت فيها مراسيل، وبعض أهل العلم اعتقد أنَّ المراسيل يشدّ بعضُها بعضًا، ولكنه ثابت، أصل الكلام ثابت؛ لأنَّ الشيطان ألقى في قراءة النبي ﷺ قبل الهجرة حتى ظنُّوا أنه يُؤيد أباطيلهم ودعاء اللات والعزى، لما قرأ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ۝ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم:19- 20] ألقى الشيطانُ في ذلك ما ظنُّوا أنه من كلام النبي، وليس كذلك: تلك الغرانيق العُلا، وإن شفاعتهن لتُرتجا. قال الله جلَّ وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى يعني: قرأ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52]، فالأمر ثابت، ولكن لفظة "تلك الغرانيق" هي محل النظر، وإلا ألقى الشيطانُ ثابت بالنص: أن الشيطان ألقى حتى ظنُّوا أنه وافقهم على آلهتهم فسجدوا، فلما رأوه على حاله ينهاهم عن عبادة آلهتهم ويُنكرها ويُحذرهم منها رجعوا على حالهم وعلى شركهم وكفرهم، نسأل الله العافية.