04 من قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

وَحَكَى الْبَغَوِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: لِلَّهِ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْعَوَالِمُ ثَمَانُونَ أَلْفًا، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يَعْلَمُ عَدَدَ الْعَوَالِمِ إلا الله نقله الْبَغَوِيُّ.
الشيخ: وهذا هو الصواب، فكل هذه الأشياء  تخرصات عن بني إسرائيل أو أشباههم لا وجه لها ولا أساس لها، الأمور هذه لا تضبط ولا تحصى إلا من جهة الله ومن جهة الخبر عن رسوله الثابت، وإذا خلا هذا الموضوع عن آية كريمة أو نص من الرسول ﷺ الصحيح فلا يجوز أن يجزم بشيء بل يقال لا يعلمها إلا هو سبحانه.
وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا مِنْ شَرْقِهَا إِلَى مَغْرِبِهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ مِنْهَا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْعَالَمُ كُلُّ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ الْعَالَمِينَ كَقَوْلِهِ: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ۝ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:23، 24]
الشيخ: يعني يشمل العوالم الحية التي لها روح والعوالم الجامدة لأنها كلها عوالم، فالسماء عالم السماوات والأرض والجبال وغيرها.
وَالْعَالَمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَلَامَةِ (قُلْتُ) لِأَنَّهُ عِلْمٌ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ وَصَانِعِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ:
فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وقوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَسْمَلَةِ بما أغنى عن الإعادة. قال القرطبي: إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله رب العالمين ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب كما قال تَعَالَى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [الْحِجْرِ:49، 50].
الشيخ: يعني في رب العالمين الإشارة إلى أنه المتصرف فيهم ومالكهم ومدبر أمورهم فيه ترهيب لهم من عصيانه وأنه قادر على إهلاك من يشاء وتعذيب من يشاء، ثم قال: الرحمن الرحيم ترغيبًا لهم في رحمته واللجأ إليه والاستقامة على أمره وطاعته سبحانه لتحصل لهم الرحمة. ثم جاء بـ مالك يوم الدين للجمع بين الرجاء والخوف.
وَقَوْلُهُ تعالى: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:165] قال: فالرب فيه ترهيب والرحمن الرحيم ترغيب.
وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العقوبة ما طمع في جنته أَحَدٌ وَلَوْ يُعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ من الرحمة ما قنط من رحمته  أحد.
الشيخ: والمقصود من هذا الحث على الخوف والرجاء وأنه ينبغي للمؤمن أن يكون جامعًا بينهما يخاف الله ويخشى غضبه ويخشى الذنوب وعواقبها الوخيمة، فيسير على طاعة ربه جل وعلا والحذر من معاصيه، كما أنه يرجو رحمته ويحسن به الظن بالله حتى لا ييأس، فيكون قلبه متسعًا لهذا وهذا، متسعًا للرجاء وحسن الظن بالله فلا ييأس ولا يقنط، ومتسعًا للخوف والحذر والخشية فلا يأمن ولا يخرج إلى أرض البطالة والمحارم بل يكون بين هذا وهذا.
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
قَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ وَقَرَأَ آخَرُونَ مَالِكِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ متواتر في السبع، ويقال ملك بكسر اللام وبإسكانها، وَيُقَالُ مَلِيكٌ أَيْضًا وَأَشْبَعَ نَافِعٌ كَسْرَةَ الْكَافِ فَقَرَأَ (مَلَكِي يَوْمِ الدِّينِ) وَقَدْ رَجَّحَ كُلًّا من القراءتين مرجّحون من حيث المعنى وكلتاهما صَحِيحَةٌ حَسَنَةٌ، وَرَجَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَلِكِ لِأَنَّهَا قِرَاءَةُ أهل الحرمين ولقوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16] وقوله:  قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ [الأنعام:73].
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَرَأَ: مَلَكَ يوم الدين على أَنَّهُ فِعْلٌ وَفَاعِلٌ وَمَفْعُولٌ وَهَذَا شَاذٌّ غَرِيبٌ جِدًّا وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا غَرِيبًا حَيْثُ قَالَ: حدثنا أبو عبدالرحمن الأزدي، حدثنا عبدالوهاب بن عَدِيِّ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي الْمُطَرِّفِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ وَابْنَهُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كَانُوا يقرءون (مالك يوم الدين) قال ابن شهاب: وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ «مَلِكِ» مَرْوَانُ.
(قُلْتُ) مَرْوَانُ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِصِحَّةِ مَا قَرَأَهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ ابْنُ شِهَابٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَوْرَدَهَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَنَّ رسول الله ﷺ كان يَقْرَؤُهَا (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).
الشيخ: كلها قراءة صحيحة (ملك يوم الدين) و (مالك ) قراءتان صحيحتان معروفتان.
وَمَالِكُ مَأْخُوذٌ مِنَ الملك كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ[مَرْيَمَ:40] وَقَالَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ۝ مَلِكِ النَّاسِ [النَّاسِ:1-2] وَمَلِكٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُلْكِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ وقال قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ وَقَالَ: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً [الْفُرْقَانِ:26] وَتَخْصِيصُ الْمُلْكِ بِيَوْمِ الدِّينِ لَا يَنْفِيهِ عَمَّا عَدَاهُ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَحَدٌ هُنَالِكَ شَيْئًا وَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [النَّبَأِ:38] وَقَالَ تَعَالَى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [طَهَ:108] وقال تَعَالَى: يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هُودٍ:105]الشيخ: وقال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۝ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۝ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:17-19] وهو مالك يوم الدين فلا أحد يدعي الملك ذلك اليوم، كلهم خائف ووجل ومشفق، أما في الدنيا فهناك من يدعي الملك، وهناك من ينازع ومع هذا قال سبحانه: فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى [النجم:25] له الملك في الدنيا والآخرة وهو المتصرف في عباده كيف يشاء جل وعلا، وإن ادعوا في الدنيا ما يدعون فهم مقهورون مربوبون.
الطالب: تعليق الشيخ مقبل على قوله: حدثنا عبدالوهاب بن عدي بن الفضل يقول: حدثنا عبدالوهاب بن عدي صوابه عبدالوهاب عن عدي بن الفضل كما في كتاب المصاحف لأبي داود، وعدي بن الفضل قال ابن معين وأبو حاتم: متروك الحديث، وقال يحيى: لا يُكتب حديثه، وقال غير واحد: ضعيف. انتهى من الميزان.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَقُولُ: لَا يملك أحد معه في ذلك اليوم حُكْمًا كَمِلْكِهِمْ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: وَيَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الْحِسَابِ لِلْخَلَائِقِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُدِينُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أن تَفْسِيرِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى إِقَامَتِهِ، ثُمَّ شَرَعَ يُضعِّفُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَمَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ كلا من القائلين هذا القول وَبِمَا قَبْلَهُ يَعْتَرِفُ بِصِحَّةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ وَلَا يُنْكِرُهُ، وَلَكِنَّ السِّيَاقَ أَدَلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ من هذا، كما قال تَعَالَى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً [الفرقان:26] والقول الثاني يشبه قوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ [الأنعام:73] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَلِكُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ [الحشر:23] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ وَلَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ.
وَفِيهِمَا عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ ملوك الْأَرْضِ؟ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غَافِرٍ:16] فَأَمَّا تَسْمِيَةُ غَيْرِهِ فِي الدُّنْيَا بِمَلِكٍ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً [البقرة:247] وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف:79] إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [المائدة:20] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ.
الشيخ: يعني أناسًا من أمته يدخلون الجنة مثل الملوك على الآسرة.
وَالدِّينُ الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [النور:25] وقال: أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:53] أَيْ مَجْزِيُّونَ مُحَاسَبُونَ، وَفِي الْحَدِيثِ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَيْ حاسب نفسه كَمَا قَالَ عُمَرُ : "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَأَهَّبُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ عَلَى مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ" [الْحَاقَّةِ:18].

الشيخ: المعنى أنه مالك يوم الحساب والجزاء ويطلق الدين على الطاعة إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19] يعني الطاعة والعبادة عند الله الإسلام، ولكن هنا المراد به الحساب، أن الله يجازيهم بأعمالهم ويحاسبهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.

إِيَّاكَ نَعبدوَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
قَرَأَ السَّبْعَةُ وَالْجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ إِيَّاكَ وَقَرَأَ عَمْرُو بْنُ فائد بتخفيفها مع كسر الهمزة وَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ إِيَّا: ضَوْءُ الشَّمْسِ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ أَيَّاكَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ هَيَّاكَ بِالْهَاءِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ كما قال الشاعر:

فَهِيّاكَ وَالأَمرَ الَّذي إِن تَراحَبَت مَوارِدُهُ ضاقَت عَلَيكَ مَصادِرُه

الشيخ: وأما هياك فهذه لها معنى آخر، فهياك يعني احذر، والأمر الذين إن تراحبت.. موارده ضاقت عليك مصادره.
أما هنا فمعناها التخصيص وليس معناها التحذير يعني إياك نعبد وحدك وإياك نستعين مع كسر الهمزة وتشديد الياء هذه قراءة السبعة والجمهور وهي القراءة الصحيحة المعتمدة وما عداها فشاذ، فقراءتها بالتخفيف قراءة شاذة مثل ما قال المؤلف لا وجه لها.
وهياك بالهاء بدل الهمزة أيضاً كذلك شاذة ولا محل لها هنا؛ لأن محلها التحذير.

ونستعين بِفَتْحِ النُّونِ أَوَّلَ الْكَلِمَةِ فِي قِرَاءَةِ الْجَمِيعِ سِوَى يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشِ فَإِنَّهُمَا كَسَرَاهَا وَهِيَ لُغَةُ بَنِي أَسَدٍ وَرَبِيعَةَ وَبَنِي تَمِيمٍ.الشيخ: إلى الآن بعض العرب يقول: نستعين يكسرون النون دائمًا الآن في لغة كثير من العرب والعامة. ولكن اللغة الفصيحة التي قرأ بها السبعة والجمهور نستعين نقوم نفعل نذهب نأتي بفتح حرف المضارعة من الثلاثي قام يقوم وهكذا من الخماسي والسداسي استعان يستعين واستخرج يستخرج، وإنما تضم في حال الرباعي أعلم يعلم أخرج يخرج، أطعم يطعم، وأما الثلاثي والسداسي والخماسي بالفتح استخرج يستخرج واستعلم يستعلم واستعان يستعين وضرب يضرب قام يقوم وأشباهه.
والعبادة فِي اللُّغَةِ مِنَ الذِّلَّةِ يُقَالُ طَرِيقٌ مُعبد وَبَعِيرٌ مُعبد أَيْ مُذَلَّلٌ، وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَمَّا يَجْمَعُ كَمَالَ الْمَحَبَّةِ وَالْخُضُوعِ وَالْخَوْفِ.


الشيخ: يعني غاية المحبة مع غاية الذل وأصل اللغة في العبادة الخضوع والتذلل سواء عن محبة أو عن غير محبة يقال طريق معبد مذلل، قد قطعت في الأقدام وأثرت فيه وبعير معبد كذلك، وفلان عبد فلان لأنه يذل له ويخضع له ويأتمر بأوامره.
أما في الشرع فالعبادة التي لها الأثر وعليها الأجر هي الصادرة عن خوف وعن محبة وعن خضوع للمعبود فإن كان لله فله في هذا الخير العظيم، وإن كان لغيره صار شركًا بالله ، ويقول ابن القيم في هذا المعنى:

وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمـر رسـوله لا بالهوى والنفس والشيطان

فالعبادة التي رتب الله عليها الجزاء هي التي.... العبد... لأمر الله وإخلاصًا له ومحبة له وخضوعًا له واستكانة له .

وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ وَهُوَ إِيَّاكَ وَكُرِّرَ لِلِاهْتِمَامِ وَالْحَصْرِ أَيْ لَا نَعبد إِلَّا إِيَّاكَ وَلَا نَتَوَكَّلُ إِلَّا عليك وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إِلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْفَاتِحَةُ سِرُّ الْقُرْآنِ، وَسِرُّهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ إِيَّاكَ نَعبد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فَالْأَوَّلُ تَبَرُّؤٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَالثَّانِي تَبَرُّؤٌ مِنَ الحول وَالْقُوَّةِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ .

الشيخ: يعني نعبدك وحدك لا بقوتنا، ولكن بحولك وقوتك وإعانتك ربنا فالمعنى نعبدك وحدك مستعينين بك لا حول لنا ولا قوة على ذلك إلا بك يا ربنا فهو المعين وهو الموفق .
س: تعليق الشيخ أحمد على والتفويض إلى الله يقول: كذا في الأصل وينبغي أن تكون وتفويض للتنكير لأنه معطوف على تبرؤ وتعريفه يجعله معطوفًا على ما قبله مباشرة؛ لأنه معرفة وحينئذ يفسد المعنى لأنه تبرؤ من التفويض؟
الشيخ: مثل ما قال، يوهم؛ لأن التبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله يوهم العطف مع الذي يليه والمراد عطف على تبرؤ مثل ما قال الشيخ أحمد، لكن مراد المؤلف هو العطف على تبرؤ، وهو وجود العطف إذا فهم المعنى جاز عطف المعرفة على النكرة والعكس تقول: قام زيد ورجل آخر، لكذا وكذا عطف النكرة على المعرفة، وتقول: قام رجل يساعد فلان، وعمرو بن فلان يعني معه، عطف المعرفة على النكرة، وعطف النكرة على المعرفة، ليس من شرطهما التطابق.

وَهَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هُودٍ:123]، قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا [الْمُلْكِ:29]، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [الْمُزَّمِّلِ:9] وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِيَّاكَ نَعبد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَتَحَوُّلُ الْكَلَامِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُوَاجَهَةِ بِكَافِ الْخِطَابِ وَهُوَ مُنَاسَبَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْنَى عَلَى اللَّهِ فَكَأَنَّهُ اقْتَرَبَ وَحَضَرَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى فَلِهَذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعبد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالثَّنَاءِ عَلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ الْحُسْنَى وَإِرْشَادٌ لِعِبَادِهِ بِأَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ.
الشيخ: وهي ثناء على الله بمعنى أنهم مأمورون بهذا مخبرًا عن نفسه آمرًا لعباده بأن يثنوا عليه بهذا فكأنه قال لهم: قولوا الحمد لله، ولهذا قال بعدها: إياك نعبد فتحول العبد من الثناء إلى المخاطبة للمثنى عليه، إياك نعبد بعدما أثنى عليه وحمده توجه إليه بهذا التوجه إياك نعبد وإياك نستعين.
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالثَّنَاءِ عَلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ الْحُسْنَى وَإِرْشَادٌ لِعِبَادِهِ بِأَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ  كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ عبدالرَّحْمَنِ مَوْلَى الْحُرَقَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يقول اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ إِذَا قَالَ الْعبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ إِيَّاكَ نَعبد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِيَّاكَ نَعبد يَعْنِي إِيَّاكَ نُوَحِّدُ وَنَخَافُ وَنَرْجُوك يَا رَبَّنَا لَا غَيْرَكَ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ عَلَى طَاعَتِكَ وَعَلَى أُمُورِنَا كُلِّهَا.
قَالَ قَتَادَةُ إِيَّاكَ نَعبد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُخْلِصُوا لَهُ العبادة وأن تستعينوه على أموركم. وَإِنَّمَا قَدَّمَ إِيَّاكَ نَعبد عَلَى وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَهُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إليها والاهتمام والحزم تقديم مَا هُوَ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعبد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فَإِنْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ فالداعي واحد وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هَذَا الْمَقَامَ؟ وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنْ جِنْسِ الْعِبَادِ وَالْمُصَلِّي فَرْدٌ مِنْهُمْ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ، أَوْ إِمَامَهُمْ فَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي خُلِقُوا لِأَجْلِهَا وَتَوَسَّطَ لَهُمْ بِخَيْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ للتعظيم.
قيل: إذا كنت داخل الْعِبَادَةِ فَأَنْتَ شَرِيفٌ وَجَاهُكَ عَرِيضٌ فَقُلْ إِيَّاكَ نَعبد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وإن كُنْتَ خَارِجَ الْعِبَادَةِ فَلَا تَقُلْ نَحْنُ وَلَا فَعَلْنَا وَلَوْ كُنْتَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ ألف ألف لاحتياج الجميع إلى الله وفقرهم إليه.
ومنهم من قال: إياك نعبد ألطف في التواضع من إياك عبدنا لما في الثاني من تعظيم نفسه من جعله نفسه وحده أهلا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْبُدَهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ وَلَا يُثْنِيَ عَلَيْهِ كَمَا يَلِيقُ بِهِ، وَالْعِبَادَةُ مَقَامٌ عَظِيمٌ يَشْرُفُ بِهِ الْعبد لِانْتِسَابِهِ إِلَى جَنَابِ اللَّهِ تَعَالَى كما قال بعضهم:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أسمائي
الشيخ: والمعتمد في هذا أن ذكر النون هنا هو ما قاله عن أهل العلم في المعنى الأول وأن المقام مقام إخبار العبد عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين الذين يصلون معه وهكذا غيرهم، ولهذا ناسب أن يأتي بالنون قال: إياك نعبد وإياك نستعين ما قال إياك أعبد، وإياك أستعين يعني يخبر عن نفسه، جاءت الآية بالنون، لأن القارئ والمصلي ونحوهما يخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين ولهذا جاء السياق إياك نعبدوإياك نستعين يعني: إياك نعبد معشر المسلمين معشر المؤمنين وإياك نستعين كذلك فالنون هنا ألطف في المقام وأحسن؛ لأن الإمام يخبر عن نفسه وعن المؤمنين والقارئ كذلك والمصلي كذلك؛ فالمسلمون شيء واحد، فيخبّر عنهم بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[سورة الفاتحة: 5].
وقد سمى الله رسوله ﷺ بِعَبْدِهِ فِي أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [الْكَهْفِ:1] {وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عبداللَّهِ يَدْعُوهُ} [الْجِنِّ:19]، {سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الْإِسْرَاءِ:1] فَسَمَّاهُ عَبْدًا عند إنزاله عليه وعند قيامه فِي الدَّعْوَةِ وَإِسْرَائِهِ بِهِ وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتٍ يَضِيقُ صَدْرُهُ مِنْ تَكْذِيبِ المخالفين حَيْثُ يَقُولُ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعبدرَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الْحِجْرِ:97-99]
وقد حكى الرازي فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَقَامَ الْعُبُودِيَّةِ أَشْرَفُ مِنْ مَقَامِ الرِّسَالَةِ لِكَوْنِ الْعِبَادَةِ تَصْدُرُ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ وَالرِّسَالَةُ مِنَ الْحَقِّ إلى الخلق، قال: ولأن الله يتولى مصالح عبده والرسول يتولى مَصَالِحِ أُمَّتِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ وَالتَّوْجِيهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ لَا حَاصِلَ لَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الرازي بتضعيف ولا رد.
وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: الْعِبَادَةُ إِمَّا لِتَحْصِيلِ ثَوَابٍ أو درء عِقَابٍ، قَالُوا: وَهَذَا لَيْسَ بِطَائِلٍ إِذْ مَقْصُودُهُ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِ، وَإِمَّا لِلتَّشْرِيفِ بِتَكَالِيفِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا أَيْضًا عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ، بَلِ الْعَالِي أَنْ يَعبد اللَّهَ لِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْكَمَالِ، قَالُوا: وَلِهَذَا يَقُولُ الْمُصَلِّي: أُصَلِّي لِلَّهِ، وَلَوْ كَانَ لتحصيل الثواب ودرء العقاب لبطلت الصلاة وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ آخَرُونَ وَقَالُوا: كَوْنُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ لَا يُنَافِي أَنْ يَطْلُبَ مَعَهَا ثَوَابًا وَلَا أَنْ يَدْفَعَ عَذَابًا كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ: أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ إِنَّمَا أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ.
الشيخ: قول الصوفية ليس بشيء؛ فإن الله جل وعلا شرع لعبادة أن يعبدوه وحثهم على أن يرجوه، ورغبهم في الخوف منه وخشيته فخوفه ورجاؤه لا ينافي الإخلاص ولهذا قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء:90] يعني الأنبياء وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وكانوا لنا خاشعين [الأنبياء:90] وقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57] فهو يعبد لذاته وأسمائه وصفاته وخوفا من عقابه وحذر غضبه، ورجاء رحمته وإحسانه ، وليس خوفه ورجاؤه مرادًا ولا معاكسًا للإخلاص له . فهو يخلص له العبادة لهذه الأمور لمحبته له وتعظيمه له وخوفه منه ورجائه وغير هذا.
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالصَّادِّ وَقُرِئَ السِّرَاطَ وَقُرِئَ بِالزَّايِ، قَالَ الْفَرَّاءَ: وَهِيَ لُغَةُ بني عذرة وبني كلب.
الشيخ: والمعنى أن الصاد والزاي والسين أخوات والأفصح بالصاد وهو الطريق الواضح، ثم السين السراط ثم الزاي وأفصحها لغة قريش بالصاد وهو الطريق وهو الطريق الواضح الذي قد قطع بالأقدام واتضح للناس.
 لما تقدم الثناء على المسؤول تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاسَبَ أَنْ يُعَقَّبَ بِالسُّؤَالِ كَمَا قَالَ: فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ وَهَذَا أَكْمَلُ أَحْوَالِ السَّائِلِ أَنْ يَمْدَحَ مسؤوله ثُمَّ يَسْأَلُ حَاجَتَهُ وَحَاجَةَ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ لِأَنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ وَأَنْجَعُ لِلْإِجَابَةِ، وَلِهَذَا أَرْشَدَ الله إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ، وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ حَالِ السَّائِلِ وَاحْتِيَاجِهِ كَمَا قَالَ مُوسَى رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [الْقَصَصِ:24]
الشيخ: وكما قال: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16]، وكما في السؤال الذي علمه النبي ﷺ الصديق: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا فالضراعة للمسؤول والانكسار بين يديه من أعظم الأسباب، فإذا جمع بينهما فأثنى على المسؤول بصفاته وانكسر له وتذلل ثم سأل كان أقرب للإجابة.
وهنا شرع الله الحمد والثناء ثم الاعتراف بأن العبد عبدٌ لله وأنه في حاجة إليه وأنه المستعان سبحانه، ثم أرشد إلى السؤال فقال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، بعد الثناء المناسب وبعد اعتراف العبد بأنه عبد الله والفقير إليه والذليل بين يديه شرع له أن يسأل حاجته وهي طلب الهداية إلى الطريق الموصل إليه فكأنه يقول: يا رب عرفتك، وعرفت أسماءك وصفاتك وأنك المعبود بالحق وأني عبدك فاهدنا الطريق الموصل إليك.
وَقَدْ يَتَقَدَّمُهُ مَعَ ذلك وصف المسؤول كَقَوْلِ ذِي النُّونِ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول كقول الشاعر:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي حَباؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَبَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًـا كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
وَالْهِدَايَةُ هَاهُنَا الْإِرْشَادُ وَالتَّوْفِيقُ، وَقَدْ تَعَدَّى الْهِدَايَةُ بِنَفْسِهَا كَمَا هُنَا اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فَتَضَمَّنُ مَعْنَى أَلْهِمْنَا أَوْ وَفِّقْنَا أَوِ ارْزُقْنَا أَوِ اعْطِنَا وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [الْبَلَدِ:10] أَيْ بَيَّنَّا لَهُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَقَدْ تَعَدَّى بِإِلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النَّحْلِ:121] فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصَّافَّاتِ:23] وَذَلِكَ بِمَعْنَى الْإِرْشَادِ وَالدَّلَالَةِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشُّورَى:52]، وَقَدْ تُعَدَّى بِاللَّامِ كَقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الْأَعْرَافِ:43] أَيْ وَفَّقَنَا لِهَذَا وَجَعَلَنَا لَهُ أَهْلًا.
وَأَمَّا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فيه وكذلك فِي لُغَةِ جَمِيعِ الْعَرَبِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جرير بن عطية الخطفي:
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِـرَاطٍ إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمُ
قَالَ: وَالشَّوَاهِدُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ. قَالَ: ثُمَّ تَسْتَعِيرُ الْعَرَبُ الصِّرَاطَ فَتَسْتَعْمِلُهُ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ ووُصِفَ بِاسْتِقَامَةٍ أَوِ اعْوِجَاجٍ فَتَصِفُ الْمُسْتَقِيمَ بِاسْتِقَامَتِهِ وَالْمُعْوَجَّ بِاعْوِجَاجِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي تَفْسِيرِ الصِّرَاطِ، وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُتَابَعَةُ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ كِتَابُ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ عَنْ سَعْيد وَهُوَ ابن الْمُخْتَارِ الطَّائِيُّ عَنِ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ الزَّيَّاتِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَقَدْ رُوِيَ هذا موقوفا عن علي وَهُوَ أَشْبَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عبداللَّهِ قَالَ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ، وَقِيلَ هُوَ الإسلام.
الشيخ: ولا منافاة لأن من التزم كتاب الله فقد هدي إلى الصراط المستقيم، فأقوال السلف في هذا متقاربة؛ لأن الصراط هو الدين الذي بعث الله به رسوله، وبعث به الرسل هو الصراط المستقيم دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وهو توحيده والإخلاص له وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، ومدار كلام السلف يرجع إلى هذا.
قال الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قُلْ يَا مُحَمَّدُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ يَقُولُ: اهْدِنَا الطَّرِيقَ الْهَادِيَ وَهُوَ دين الله الذي لا اعوجاج فِيهِ.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قَالَ: ذَاكَ الْإِسْلَامُ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عبدالرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ قَالُوا: هُوَ الْإِسْلَامُ.
وَقَالَ عبداللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ اهْدِنَا الصراط المستقيم قال: هو الْإِسْلَامُ قَالَ: هُوَ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قَالَ: هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعِبَادِ غَيْرَهُ.
وَقَالَ عبدالرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: اهْدِنَا الصراط المستقيم قال: هو الإسلام.
وفي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَوَّارٍ أَبُو الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ عبدالرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَعَلَى جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تُعَوِّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ فَإِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ -فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ- فَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِهِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ عَنْ بَقِيَّةَ عَنْ بَحيْرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ به، وهو إسناد حسن صَحِيحٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ قَالَ: الْحَقُّ.
وَهَذَا أَشْمَلُ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قَالَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَاحِبَاهُ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ عَاصِمٌ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلْحَسَنِ فَقَالَ صَدَقَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَنَصَحَ.
الشيخ: يعني أن من اتبع النبي ﷺ واتبع صاحبيه فقد اتبع الصراط المستقيم.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ وَهِيَ مُتَلَازِمَةٌ فإن من اتبع الإسلام فقد اتَّبَعَ النَّبِيَّ ﷺ وَاقْتَدَى بِاللَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدِ اتَّبَعَ الْحَقَّ وَمَنِ اتَّبَعَ الْحَقَّ فَقَدِ اتَّبَعَ الْإِسْلَامَ وَمَنِ اتَّبَعَ الْإِسْلَامَ فَقَدِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ وَحَبْلُهُ الْمَتِينُ وَصِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ، فَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّقَطِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عبداللَّهِ قَالَ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي تَرَكَنَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالَّذِي صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدِي أَعْنِي-اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ-أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ: وَفِّقْنَا لِلثَّبَاتِ عَلَى مَا ارْتَضَيْتَهُ وَوَفَّقْتَ لَهُ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِكَ مِنْ قَوْلٍ وعمل ذلك هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ لِأَنَّ مَنْ وُفِّقَ لِمَا وُفِّقَ لَهُ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَقَدْ وُفِّقَ لِلْإِسْلَامِ وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ وَالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَالِانْزِجَارِ عَمَّا زَجَرَهُ عَنْهُ وَاتِّبَاعِ مِنْهَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْهَاجِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَكُلِّ عبد صَالِحٍ وَكُلُّ ذَلِكَ من الصراط المستقيم.
الشيخ: يعني اتباع كل عبد صالح، والصالح المستقيم على أمر الله ورسوله ويؤدي حق الله وحق عباده.
فإن قيل فكيف يَسْأَلُ الْمُؤْمِنُ الْهِدَايَةَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ؟ فَهَلْ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ أَمْ لَا؟
فَالْجَوَابُ أَنْ لَا، وَلَوْلَا احْتِيَاجُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا إِلَى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعبد مُفْتَقِرٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَحَالَةٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَثْبِيتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَرُسُوخِهِ فِيهَا وَتَبَصُّرِهِ وَازْدِيَادِهِ مِنْهَا وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهَا فَإِنَّ الْعبد لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَرْشَدَهُ تَعَالَى إِلَى أَنْ يَسْأَلَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْ يَمُدَّهُ بِالْمَعُونَةِ وَالثَّبَاتِ وَالتَّوْفِيقِ، فَالسَّعِيدُ من وفقه الله تعالى لسؤاله فإنه تعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ وَلَا سِيَّمَا الْمُضْطَرُّ الْمُحْتَاجُ الْمُفْتَقِرُ إِلَيْهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النِّسَاءِ:136] فَقَدْ أَمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْإِيمَانِ وَلَيْسَ ذلك من باب تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّبَاتُ وَالِاسْتِمْرَارُ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ تَعَالَى آمِرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] وَقَدْ كَانَ الصِّدِّيقُ يَقْرَأُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سِرًّا، فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ اسْتَمِرَّ بِنَا عَلَيْهِ وَلَا تعدل بنا إلى غيره.
الشيخ: وهذا مثل ما قال المؤلف، ليس من باب تحصيل الحاصل، وإن كان المؤمنون قد هداهم الله للصراط المستقيم، وهم يدعون الله في صلواتهم ويطلبونه الهداية فليس هذا من باب تحصيل الحاصل، ولكنه من باب الافتقار إلى الله وطلب الثبات على هذا الصراط والمزيد من البصيرة فيه والفقه فيه فكل إنسان في حاجة إلى أن يثبت على هذا الصراط وأن يستقيم عليه وأن يثبت عليه وأن يزداد علمًا فيه وبصيرة، فإنه ذو شُعب وأعمال وأقوال فعلاً وتركًا فالعبد في حاجة إلى مزيد من العلم والبصيرة في هذا الصراط مع الثبات عليه والبقاء عليه والاستمرار عليه، ولهذا شرع الله لنا طلب الهداية دائمًا لهذا الصراط نسأله الثبات عليه، والإرشاد إلى ما قد يخفى علينا منه، وأن يستمر بنا عليه وألا يزيغ قلوبنا عن هذه الهداية، فالعبد إلى أشد الحاجة دائمًا إلى طلب هذه الهداية.
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ
قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِيمَا إِذَا قَالَ الْعبد اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إِلَى آخِرِهَا أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سأل وقوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مُفَسِّرٌ لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ عِنْدَ النُّحَاةِ وَيَجُوزُ أَنْ يكون عطف بيان والله أعلم.
 والذين أنعم الله عَلَيْهِمْ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً. ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً [النِّسَاءِ:69، 70].
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بِطَاعَتِكَ وَعِبَادَتِكَ مِنْ مَلَائِكَتِكَ وَأَنْبِيَائِكَ وَالصِّدِّيقِينَ والشهداء والصالحين. وذلك نظير مَا قَالَ رَبُّنَا تَعَالَى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قَالَ: هُمُ النَّبِيُّونَ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَالَ وَكِيعٌ: هُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالَ عبدالرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ، وَالتَّفْسِيرُ الْمُتَقَدِّمُ عَنِ ابْنِ عباس رضي الله عنهما أَعَمُّ وَأَشْمَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الشيخ: ولا شك أن هذا تفسير لقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] فإنه جل وعلا أرشد عباده إلى أن يسألوه الهداية إلى صراطه المستقيم، ثم بين ذلك فقال: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]. فأوضح سبحانه أن الصراط المستقيم هو صراط المنعم عليهم، وهم الذين وفقهم الله للعلم والعمل، هم أهل العلم النافع والعمل الصالح، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون المذكورون في سورة النساء في قوله وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] هؤلاء هم المنعم عليهم وهم أهل العلم والعمل الذين وفقهم الله فعرفوا الحق وعملوا به وساروا عليه فصاروا بذلك موصوفين بهذا الوصف العظيم المنعم عليهم، ويدخل فيهم النبي ﷺ والنبيون جميعًا والرسل يدخل فيهم المؤمنون في كل أمة، ويدخل فيهم من يسمى بالمسلمين فالمسلم أعم من المؤمن، وصراط المنعم عليهم هم الذين عرفوا الحق واستقاموا عليه، فاسأل ربك أن يهديك صراطهم حتى تكون سائرًا في سبيلهم وموافقًا لهم في طريقهم.
ثم استثنى المغضوب عليهم والضالين لأنهم ليسوا كذلك، فالمغضوب عليهم عرفوا ولم يعملوا فحادوا عن الطريق، والضالون جهلوا ولم يعلموا وتعبدوا على جهالة فهؤلاء ليسوا من أهل الصراط المستقيم، ليسوا من المنعم عليهم، أما اليهود وأشباههم من علماء السوء؛ فلأنهم عرفوا ولم يعملوا فلم يوفقوا للنعمة الكاملة وأعطوا نعمة ناقصة نعمة العلم دون العمل نعوذ بالله فصار حجة عليهم وصار وبالاً.
والقسم الثاني تعبدوا وعملوا لكن على جهل وعلى غير هدى كالنصارى وأشباههم من الرهبان وعباد السوء فهؤلاء ليسوا من المنعم عليهم، وإنما المنعم عليهم هم الذين تفقهوا في الدين وتبصروا فيه وعرفوا دين الله وحقه ثم عملوا. الله يجعلنا وإياكم منهم.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ (غَيْرِ) بِالْجَرِّ عَلَى النَّعْتِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ  وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِمْ وَالْعَامِلُ أَنْعَمْتَ وَالْمَعْنَى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَصْفُهُمْ وَنَعْتُهُمْ وَهُمْ أَهْلُ الْهِدَايَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرُسُلِهِ وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ غَيْرِ صراط المغضوب عليهم الَّذِينَ فَسَدَتْ إِرَادَتُهُمْ فَعَلِمُوا الْحَقَّ وَعَدَلُوا عَنْهُ وَلَا صِرَاطِ الضَّالِّينَ وَهُمُ الَّذِينَ فَقَدُوا الْعِلْمَ فَهُمْ هَائِمُونَ فِي الضَّلَالَةِ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى الحق. وأكد الكلام بلا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ثَمَّ مَسْلَكَيْنِ فَاسِدَيْنِ وَهُمَا طَرِيقَتَا الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النُّحَاةِ أَنَّ غَيْرَ هَاهُنَا اسْتِثْنَائِيَّةٌ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مُنْقَطِعًا لِاسْتِثْنَائِهِمْ مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ، وما أوردناه أولى لقول الشاعر:
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقِعُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ
أَيْ كَأَنَّكَ جَمَلٌ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ فَحَذَفَ الْمَوْصُوفَ وَاكْتَفَى بِالصِّفَةِ، وَهَكَذَا.
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، أَيْ غَيْرِ صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عليهم. واكتفى بِالْمُضَافِ إِلَيْهِ عَنْ ذِكْرِ الْمُضَافِ، وَقَدْ دَلَّ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أن لا في قوله تعالى وَلَا الضَّالِّينَ زَائِدَةٌ وَأَنْ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ عِنْدَهُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ وَاسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ الْعَجَّاجِ:
فِي بِئْرٍ لَا حُـورٍ سَرَى وَمَا شَعَرَ  

أَيْ فِي بِئْرِ حُورٍ، وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ، ولهذا روى أبو عبيد الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهم وغير الضالين وهذا الإسناد صحيح.
الشيخ: وهذا من باب التفسير لإيضاح المعنى والسند وإن قال المؤلف أنه صحيح لكن فيه الأعمش وقد عنعن.
وكذلك حُكِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَرَأَ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ، فَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا جِيءَ بِهَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهم، وللفرق بين الطريقتين ليتجنب كُل واحد مِنْهُمَا فَإِنَّ طَرِيقَةَ أَهْلِ الْإِيمَانِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالعمل وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالْيَهُودُ فَقَدُوا الْعَمَلَ، وَالنَّصَارَى فَقَدُوا الْعِلْمَ، وَلِهَذَا كَانَ الْغَضَبُ لِلْيَهُودِ وَالضَّلَالُ لِلنَّصَارَى، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ وَتَرَكَ استحق الغضب خلاف مَنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَالنَّصَارَى لَمَّا كَانُوا قَاصِدِينَ شَيْئًا لَكِنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى طَرِيقِهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الْحَقِّ، ضَلُّوا، وَكُلٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ضَالٌّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ أَخَصَّ أَوْصَافِ الْيَهُودِ الغضب كما قال تعالى عنهم مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [الْمَائِدَةِ:60] وَأَخَصُّ أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى عنهم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [الْمَائِدَةِ:77] وَبِهَذَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ والآثار وذلك واضح بين فيما قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ سِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذُوا عَمَّتِي وَنَاسًا فَلَمَّا أَتَوْا بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صُفُّوا لَهُ فَقَالَتْ: يا رسول الله، نأى الْوَافِدُ وَانْقَطَعَ الْوَلَدُ وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ مَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَتْ فَمَنَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعَ وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ تَرَى أَنَّهُ عَلِيٌّ، قَالَ: سَلِيهِ حُمْلَانًا فَسَأَلَتْهُ فَأَمَرَ لَهَا، قَالَ فَأَتَتْنِي فَقَالَتْ: لَقَدْ فعلت فَعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكَ يَفْعَلُهَا فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ وَأَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ منه فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان، وَذَكَرَ قُرْبَهُمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُلْكِ كِسْرَى وَلَا قَيْصَرَ، فَقَالَ يَا عَدِيُّ مَا أَفَرَّكَ؟ أَنْ يُقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَهَلْ من إله إلا الله؟ مَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَهَلْ شَيْءٌ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ ؟ قَالَ: فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر.  وقال: إن الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمُ الْيَهُودُ وَإِنَّ الضَّالِّينَ النَّصَارَى، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ.
قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سلمة عن سماك عن مُرِّيِّ بْنِ قَطَرِيٍّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تعالى غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ قَالَ: هُمُ الْيَهُودُ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ: النَّصَارَى هُمُ الضَّالُّونَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ بِهِ.
الشيخ: وهذا أصح الأسانيد الثلاثة.
 وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ عَدِيٍّ هَذَا مِنْ طُرُقٍ وَلَهُ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
وَقَالَ عبدالرزاق: وأخبرنا مَعْمَرٌ عَنْ بُدَيْلٍ الْعُقَيْلِيِّ أَخْبَرَنِي عبداللَّهِ بن شقيق أنه أخبره مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَشَارَ إِلَى الْيَهُودِ وَالضَّالُّونَ هُمُ النَّصَارَى.
وَقَدْ رَوَاهُ الْجُرَيْرِيُّ وَعُرْوَةُ وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عبداللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ فَأَرْسَلُوهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا مَنْ سَمِعَ من النَّبِيَّ ﷺ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ تَسْمِيَةُ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
 وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عبداللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ قَالَ: اليهود، قُلْتُ: الضَّالِّينَ قَالَ: النَّصَارَى.
وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَلَا الضَّالِّينَ هُمُ النَّصَارَى.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هم اليهود ولا الضالين النَّصَارَى.
الشيخ: وإن كان الأمر فيهم أي في اليهود والنصارى واليهود أخص بالغضب، والنصارى أخص بالضلالة، لأن اليهود علموا ولم يعملوا، فاستحقوا الغضب، كما قال : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ [البقرة:90] والنصارى غلبت عليهم الجهالة في التعبد فصاروا ضالين وكل منهم له نصيب من الغضب والضلال كل منهم مغضوب عليهم وضال؛ ولكن اليهود أخص بوصف الغضب لأن ذنبهم أعظم، وهو أنهم لم يعملوا بعلمهم، والنصارى أخص بوصف الضلالة لجهلهم وهذا يشمل أمثالهم كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، فمن تعبد على جهالة أشبه النصارى ومن خالف العلم أشبه اليهود فيكون له نصيبه من الغضب، وهذا يكون له نصيبه من الضلالة نسأل الله العافية، فليحذر طالب العلم ليحذر غاية الحذر أن يشبه اليهود يعلم ويتبصر ويتفقه ثم يخالف عمله علمه، فهذه مشابهة ظاهرة لأعداء الله اليهود، وليحذر العباد من التعبد على جهالة وليتعلموا وليتبصروا حتى لا يكونوا مشابهين للنصارى.
 وَكَذَلِكَ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَعبدالرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذَا اخْتِلَافًا.
وَشَاهِدُ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَنَّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ، الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي خِطَابِهِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ [الْبَقَرَةِ:90] وَقَالَ فِي الْمَائِدَةِ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعبد الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [الْمَائِدَةِ:60]
الشيخ: يعني جمع لهم بين الغضب والضلالة نسأل الله العافية.
 وَقَالَ تَعَالَى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ۝ كانُوا لَا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ [الْمَائِدَةِ:78، 79]
وَفِي السِّيرَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِوِ بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الشَّامِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الْحَنِيفَ قَالَتْ لَهُ الْيَهُودُ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، فَقَالَ: أَنَا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ أَفِرُّ، وَقَالَتْ لَهُ النَّصَارَى إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُهُ. فَاسْتَمَرَّ عَلَى فِطْرَتِهِ وَجَانَبَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَدِينَ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَ أَحَدٍ مِنَ الْيَهُودِ وَلَا النَّصَارَى، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَتَنَصَّرُوا وَدَخَلُوا فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ أَقْرَبَ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ إذ ذك، وَكَانَ مِنْهُمْ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ حَتَّى هَدَاهُ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ لَمَّا بَعَثَهُ آمَنَ بِمَا وَجَدَ من الوحي .
[مَسْأَلَةٌ]
وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ الْإِخْلَالُ بِتَحْرِيرِ مَا بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ لِقُرْبِ مخرجيهما، وذلك أن الضاد نخرجها مِنْ أَوَّلِ حَافَّةِ اللِّسَانِ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْأَضْرَاسِ، وَمَخْرَجُ الظَّاءِ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ وَأَطْرَافِ الثَّنَايَا الْعُلْيَا، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْحَرْفَيْنِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَجْهُورَةِ وَمِنَ الْحُرُوفِ الرِّخْوَةِ وَمِنَ الْحُرُوفِ الْمُطْبَقَةِ فَلِهَذَا كُلِّهِ اغْتُفِرَ اسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا مَكَانَ الْآخَرِ لِمَنْ لَا يُمَيِّزُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ فلا أصل له، والله أعلم.
الشيخ: وكثير من الناس قد يتكلف في الضاد والظاء والمؤلف يبين أن الأمر في هذا واسع لأن مخرجيهما متقارب فيغتفر تحرير ذلك في غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فلا ينبغي التشديد في ذلك.
[فصل]
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ عَلَى حَمْدِ اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الْمُسْتَلْزِمَةِ لِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَعَلَى ذِكْرِ الْمَعَادِ وَهُوَ يَوْمُ الدِّينِ وَعَلَى إِرْشَادِهِ عَبِيدَهُ إِلَى سُؤَالِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ وَالتَّبَرُّؤِ مِنْ حَوْلِهِمْ وقوتهم إلى إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَتَوْحِيدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَنْزِيهِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ نَظِيرٌ أَوْ مُمَاثِلٌ، وَإِلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُوَ الدِّينُ الْقَوِيمُ وَتَثْبِيتَهُمْ عَلَيْهِ حتى يفضي بهم بذلك إِلَى جَوَازِ الصِّرَاطِ الْحِسِّيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُفْضِي بِهِمْ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ فِي جِوَارِ النَّبِيِّينَ والصديقين والشهداء والصالحين، وَاشْتَمَلَتْ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَكُونُوا مَعَ أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مَسَالِكَ الْبَاطِلِ لِئَلَّا يُحْشَرُوا مَعَ سَالِكِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ وَالضَّالُّونَ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا جَاءَ إِسْنَادُ الْإِنْعَامِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وَحَذْفُ الْفَاعِلِ فِي الْغَضَبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الْمُجَادَلَةِ:14].
وَكَذَلِكَ إِسْنَادُ الضَّلَالِ إِلَى مَنْ قَامَ بِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَضَلَّهُمْ بِقَدَرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [الْكَهْفِ:17] وَقَالَ: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الْأَعْرَافِ:186] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِضْلَالِ لَا كَمَا تقول الْفِرْقَةُ الْقَدَرِيَّةُ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مِنْ أَنَّ العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه وَيَحْتَجُّونَ عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِمُتَشَابِهٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَيَتْرُكُونَ ما يكون فيه صريحا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْغَيِّ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آلِ عِمْرَانَ:7] فَلَيْسَ، بِحَمْدِ اللَّهِ، لِمُبْتَدِعٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ لِيَفْصِلَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ مُفَرِّقًا بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ وَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
الشيخ: يعني وإنما المصيبة تقع من فهم بعض الناس
وكم من عائب قولاً صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
فهذه السورة العظيمة سورة الفاتحة اشتملت على هذه المقاصد التي ذكرها الحافظ، اشتملت على ثناء الله على نفسه وتوجيه عباده إلى أن يثنوا عليه ، فقد وجههم في أولها إلى الثناء عليه لأنه ربهم وإلههم وأنه الرحمن الرحيم، وأنه المستحق للحمد وأنه مالك يوم الدين حتى تستقر هذه الصلة في قلوب عباده ويعرفون بها ربهم وقد تعرف إليهم بهذا أنه المحمود على كل حال وأنه ربهم وإلههم وأنه الرحمن وأنه الرحيم، وأنه مالك يوم الدين، ثم وجههم بعد ذلك إلى أن يقولوا: إياك نعبد وإياك نستعين فيخصوه بالعبادة، ويستعينوا به على كل المهمات؛ لأنهم عبيده وهم الفقراء إليه وهو معبودهم الحق، أرشدهم إلى أن يثنوا عليه، وإلى أن يقروا بأنه المعبود بالحق، وأنه المستعان، ثم وجههم إلى طلب الهداية؛ لأنه يرشد الضال إلى الهداية، فأرشدهم إلى يطلبوها منه إلى صراطه المستقيم وهو طريق واضح نصبه لعباده على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم أوضح أنه هو صراط المنعم عليهم ليس هناك صراط آخر، فهو صراط الله المستقيم وهو صراط الرسل وأتباعهم، وهم المنعَم عليهم، ثم أرشدهم إلى أن يستعيذوا من طريق المغضوب عليهم والضالين وأن يبتعدوا عنه وعن أسبابه حتى لا يحشروا معهم، فمن سلك الطريق القويم حشر مع المنعم عليهم وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، ومن حاذى عن هذا صار مع المغضوب عليهم والضالين مع اليهود والنصارى وأشباههم، فهذا كله من رحمة الله وإحسانه إلى عباده أن وجههم إلى هذا الخير وأرشدهم إليه وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وقد غضب على اليهود وأشباههم لأنهم عرفوا وعلموا ولم يعملوا، وأضل النصارى لجهلهم وابتعادهم عن الهدى وعدم عنايتهم بأسباب النجاة فصاروا ضالين، فهو يهدي من يشاء فضلاً منه، ويضل من يشاء عدلاً منه ، فبيده تصريف الأمور، وأما قول المعتزلة النفاة أن العبد يخلق فعله فهذا من جهلهم وضلالهم ولهذا شابهوا المجوس، ولو تدبروا وعقلوا لعرفوا ما بين الله لهم في كتابه العظيم لكونه يهدي من يشاء ويضل من يشاء والعبد له اختياره والعبد ليس مجبورًا له اختيار وله إرادة، فهذه الحالة للاختيار وهذه الإرادة وهذا العمل تعلق به الثواب والعقاب ولا يخرج عن قدر الله وعما سبق في علمه ، فالتبست عليهم الأمور، وصاروا إلى الباطل، وظنوا أنهم على هدى وأن هذه الأعمال التي فعلوها ليست عن قدر وأنها باختيارهم ومشيئتهم فأخطؤوا  الصواب وحادوا عن طريق الحق، فهي باختيارهم وهي بمشيئتهم وهم مؤاخذون عليها، فقد أصابوا في هذا، ولكن أخطؤوا في إخراجها عن قدر الله وعن علمه السابق وعن مشيئته .
وهكذا كل الطوائف تجدها إذا تأملتها أصابت في شيء وأخطأت في شيء، فالموفقون يأخذون بصواب ما مع الفرق ويتبرئون من خطئه وضلاله وهم أهل  السنة والجماعة، جمعوا بين الحق وابتعدوا عن الباطل، فأخذوا ما عند أولئك من الفرق من الحق والصواب ونادوا به وتبرئوا مما هم فيه من الباطل وما هم عليه من الباطل وابتعدوا عنه وحذروا منه.
فَصْلٌ
يستحب لمن يقرأ الْفَاتِحَةَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهَا آمِينَ، مِثْلَ يس، ويقال أمين بالقصر أيضا، ومعناه: اللهم استجب.
والدليل على استحباب التأمين مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالَ آمِينَ مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ: رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِﷺ إِذَا تَلَا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ آمِينَ حَتَّى يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وزاد فيه: فيرتج بِهَا الْمَسْجِدُ. وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَنَقَلَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ عَنِ الْحَسَنِ وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُمَا شَدَّدَا الْمِيمَ مِنْ آمِينَ مِثْلَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ [الْمَائِدَةِ:2] قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ خَارِجُ الصَّلَاةِ، وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي، وَسَوَاءٌ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لِمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا أَمَّنََ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَلِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ آمِينَ وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ  قِيلَ بِمَعْنَى مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ فِي الزَّمَانِ، وَقِيلَ فِي الْإِجَابَةِ، وَقِيلَ فِي صِفَةِ الْإِخْلَاصِ.
الشيخ: والصواب الأول لظاهر الحديث أنه الزمان إذا توافق أهل الزمان صار هذا من أسباب المغفرة، وفي اللفظ الآخر: فإذا قال ولا الضالين، فقولوا آمين فهذه هي السنة أن يقال آمين واللغات ثلاث: آمين كـ يس، وأمين كأمير، وآمين بالتشديد والأفصح هو الأول والأرجح هو الأول آمين بالتخفيف والمد ومعناه استجب يا ربنا، وأمين لغة ولكنها ليست هي الفصيحة في هذا وأما آمّين فليس لها معنى هنا؛ لأن معنى آمّين أي قاصدين كذا وكذا، أمّ كذا قصده، وقد تؤول معنى آمّين أي قاصدين وجهك، ولكن ليس المراد هنا، إنما المراد هنا طلب الإجابة، فآمين هو أفصحها بالمد والتخفيف بمعنى استجب يا ربنا. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا إِذَا قَالَ-يَعْنِي الْإِمَامَ- وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمُ اللَّهُ  وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مَعْنَى آمِينَ؟ قَالَ رَبِّ افْعَلْالشيخ: وجويبر هذا ليس بشيء، جويبر عن الضحاك سند في غاية السقوط، فليس بشيء.
والعجب من المؤلف كيف يسوقه ويسكت وهو ممن يعرف هذا رحمة الله عليه.
 وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَعْنَى آمِينَ كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ: لَا تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنَا. وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ وجعفر الصادق وهلال بن يساف أَنَّ آمِينَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا وَلَا يَصِحُّ، قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ وَيُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَإِذَا قَالَ يَعْنِي الْإِمَامَ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ الْحَدِيثَ. واستأنسوا أيضا بحديث أبي موسى عند مسلم: وإذا قرأ ولا الضالين فقولوا آمين، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُؤَمِّنُ إِذَا قَرَأَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
الشيخ: ولا منافاة بين الأحاديث، وإذا قرأ ولا الضالين فقولوا آمين معناه لا ينتظر لو لم يؤمن أمن المأمومون، فقوله: إذا أمن فأمنوا دليل على أنه يؤمن أيضاً هو معهم، فقول المؤلف هنا: ومن وافقه فليس بجيد بل هو ضعيف، والصواب أنه يؤمن الإمام والمأموم والمنفرد سنة في الصلاة وخارجها.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَهْرِ بِالتَّأْمِينِ للمأموم في الجهرية، وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّ الْإِمَامَ إِنْ نَسِيَ التَّأْمِينَ جَهَرَ الْمَأْمُومُ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ أَمَّنَ الإمام جهرا فالجديد أن لَا يَجْهَرُ الْمَأْمُومُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ: لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ الْأَذْكَارِ فَلَا يَجْهَرُ بِهِ كَسَائِرِ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ، وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بن حنبل والرواية الأخرى عن مالك لما تَقَدَّمَ «حَتَّى يَرْتَجَّ الْمَسْجِدُ» وَلَنَا قَوْلٌ آخَرُ ثَالِثٌ إِنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ صَغِيرًا لَمْ يَجْهَرِ الْمَأْمُومُ لِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا جَهَرَ لِيُبَلِّغَ التَّأْمِينَ مَنْ فِي أَرْجَاءِ الْمَسْجِدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.الشيخ: والصواب هو القول الأول أن الكل يجهر الإمام والمأموم يجهرون. وهكذا المنفرد إذا صلى وحده لكونه مريضًا أو فاتته الصلاة مع الجماعة في الجهرية. نعم.وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْيَهُودُ فَقَالَ إِنَّهُمْ لَنْ يَحْسُدُونَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَا عَلَى الْجُمُعَةِ التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ آمِينَ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ.
وَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى قَوْلِ آمِينَ فَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ آمِينَ وَفِي إِسْنَادِهِ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ آمِينَ خَاتَمُ رَب الْعَالَمِينَ على عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
الشيخ: ومفردات ابن مردويه في الغالب ضعيفة، ابن مردويه متأخر وله تفسير ويجمع فيه الغث والسمين؛ فلهذا الغالب على مفرداته الضعف.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُعْطِيتُ آمِينَ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الدُّعَاءِ لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُوسَى، كَانَ مُوسَى يَدْعُو وَهَارُونُ يُؤَمِّنُ فَاخْتِمُوا الدُّعَاءَ بِآمِينَ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتَجِيبُهُ لَكُمْ.
(قُلْتُ) وَمِنْ هُنَا نَزَعَ بَعْضُهُمْ فِي الدَّلَالَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ۝ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [يُونُسَ:88-89] فَذَكَرَ الدُّعَاءَ عَنْ مُوسَى وَحْدَهُ وَمِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَارُونَ أَمَّنَ فَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ مَنْ دَعَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَمَّنَ عَلَى دُعَاءٍ فَكَأَنَّمَا قَالَهُ، فَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ لِأَنَّ تَأْمِينَهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بِمَنْزِلَةِ قِرَاءَتِهَا، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ له قراءة رواه أحمد في مسنده.
الشيخ: ولكنه ضعيف، ولهذا كان الصواب قول من قال بوجوب القراءة على الجميع وهذا مما احتج به الجمهور على عدم وجوب القراءة على المأموم ولكنه ضعيف، ولهذا لم يلتفت إليه من قال بوجوبها كالبخاري والشافعي رحمهما الله على المأموم، والعجب من المؤلف كيف سكت عنه، وهو معروف لديه ولدى غيره، وهو خلاف أيضاً مذهب الشافعي الذي هو مذهب المؤلف رحمه الله فهذا من غرائبه رحمه الله.
وكان بلال يقول: لا تسبقني بآمين يا رسول الله. فَدَلَّ هَذَا الْمَنْزَعُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا عبداللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ ليث عن ابن أَبِي سُلَيْمٍ.
الشيخ: "عن" غلط، عن ليث ابن أبي سليم
عَنْ كَعْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضالين، فقال آمين، فوافق آمِينَ أَهْلِ الْأَرْضِ آمِينَ أَهْلِ السَّمَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لِلْعبد مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَثَلُ مَنْ لَا يَقُولُ آمِينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ غَزَا مَعَ قَوْمٍ فَاقْتَرَعُوا فَخَرَجَتْ سِهَامُهُمْ وَلَمْ يَخْرُجْ سَهْمُهُ فَقَالَ لِمَ لَمْ يَخْرُجْ سَهْمِي؟ فَقِيلَ إنك لم تقل آمين.
الشيخ: والليث بن أبي سليم من الضعفاء. ....