حكم إهداء ثواب قراء القرآن للميت

السؤال:
أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع: عبد الله أحمد نايل سوداني، أخونا يسأل ويقول: في رد لسماحتكم مجيبين عن السؤال الآتي: هل يجوز تلاوة القرآن على المتوفى أو إهداء ثوابه له، علمت من ردكم أن هناك خلافًا بين العلماء في هذا الأمر، وكما قلتم: إنه ليس هناك دليل من الشارع على هذه المسألة أرجو من فضيلة مولانا المزيد من الإيضاح في تعليقه على هذه الملاحظات، إذا جاز لنا أن نحج عن المتوفى وأن نتصدق له ألا يعني هذا أن من يحج عن المتوفى أن يؤدي مناسك الحج جميعها المفروضة منها والمسنون، فإذا قام -مثلاً- لصلاة ركعتين عند المقام والسنة، ألا يهدي ثواب هذه الصلاة للمتوفى، وبالتالي: ألا يكون ما قرأه من القرآن في صلاته كان مهداه للمتوفى كسائر أعمال الحج، فضيلة مولانا الدعاء على المتوفى جائز، أليس الدعاء مخ العبادة، وإذا كان القرآن رحمة وشفاء للمؤمنين ألا يكون المتوفى أحوج لهذه الرحمة، وأن القرآن يحتوي على الكثير من آيات الدعاء.
والخلاصة: إذا كانت تلاوة القرآن لا تجوز على المتوفى هذا يعني: ألا نتلو الآيات الشاملة على الترحم له، أرجو إلقاء المزيد من الضوء على هذا الدرب، وجزاكم الله عن الأحياء والأموات خيرًا، أخوكم: عبد الله أحمد نايل. 

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فإني أشكر للسائل عنايته واهتمامه بهذه الأمور الشرعية العظيمة، وأسأل الله لنا وله المزيد من كل خير، أيها الأخ السائل: إن أمور العبادات ليست محل القياس، والعبادات توقيفية كما قال أهل العلم، لا يقال فيها بالرأي المجرد والقياس من عبادة على عبادة، ولكن يتلقى أمر العبادة عن الشارع -عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام- ولا نقيس شيئًا على شيء بدون حجة.
فالرسول ﷺ أقر الحج عن الميت وأذن فيه، وعن العاجز أيضًا -كالشيخ الكبير العاجز- يحج عنه، والصلاة التي يصليها الطائف تبعًا للطواف، يكون ثوابها وثواب الطواف للميت، من غير حاجة إلى أن يهدي الصلاة أو يهدي القراءة؛ لأنه صلى تبعًا للطواف، وهذه الصلاة جازت تبعًا لا استقالًا، ولا يشرع لأحد أن يصلي عن ميت أو يصوم عنه تنفلًا؛ لأن هذا لم يرد في الشرع، والعبادات مثل ما تقدم توقيفية، يقول النبي ﷺ: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد، ويقول الله في ذلك ما هو أعم من هذا: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، ويقول عليه الصلاة والسلام: من أحدث في أمرنا هذا يعني: في ديننا وفي شرعنا ما ليس منه فهو رد يعني: فهو مردود.
فالواجب على أهل الإسلام الاتباع لما جاء به نبيهم -عليه الصلاة والسلام- وليس لهم أن يبتدعوا، فالحج بأعماله الواجبة والمشروعة جاءت عن الشارع فإذا حج عن الميت أو عن العاجز صار الأجر للمحجوج عنه عن النفل والفرض جميعًا حسب ما جاء عن الشارع، ولا نقيس على ذلك فنقول: كما جازت الصلاة تبع الطواف للميت المحجوج عنه نقول: لنا أن نصلي عن الموتى ونصوم عنهم؟! لا، هذا قياس.
الحج عبادة مستقلة، فلا يقاس عليها أن نصوم عنه نافلة أو نصلي عنه نافلة، بل علينا أن نتبع ونقف عند الشرع، وهكذا التلاوة، التلاوة التي يقرأها الإنسان في الصلاة على الميت، والتلاوة في ركعتي الطواف، والتلاوة في الطواف كل هذه تبع، فلا يقاس عليها التلاوة المستقلة كونه يقرأ على الميت فيجعل الثواب للميت، أو يقرأ على القبر أو يقرأ خارج ذلك في أي مكان وينويه للميت، هذا يحتاج إلى دليل.
وإن كان جملة من أهل العلم ذهبوا إلى جواز ذلك وأنه لا بأس به، وقاسوه على الحج، والدعاء والصدقة، لكن مثل ما تقدم، القاعدة الشرعية، عدم القياس وأن علينا أن نتبع ولا نخترع ولا نبتدع في الدين ما لم يأذن به الله، وإذا فتح هذا الباب دخل الناس في البدع ولم يقفوا عند حد، فلهذا قلت سابقًا وأقول الآن: إن الأرجح عدم تثويب التلاوة للميت وعدم الصلاة عنه، وعدم الصوم عنه، إلا إذا كان عليه دين، عليه صوم واجب من رمضان، أو من كفارة أو من نذر فلا مانع من الصوم عنه لقول النبي ﷺ: من مات وعليه صيام صام عنه وليه.
وسئل غير مرة عمن مات وعليه صيام فأفتى المستفتي بأن يصوم عن ميته، هكذا نقول مثلما قال النبي ﷺ: "من مات وعليه صيام يصام عنه"، هذا مشروع بأمر النبي عليه الصلاة والسلام حتى رمضان على الصحيح، إذا مات وعليه صيام ولم يقضه من دون عذر شرع لأوليائه أن يصوموا عنه، كما يصوموا عنه الكفارات والنذور، وبعض أهل العلم خص ذلك بالنذر، والصواب: أنه لا يخص النذر بل يعم، لما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه، هكذا قال عليه الصلاة والسلام: من مات هذا عموم وعليه صيام، صام عنه وليه، فيعم من مات وعليه صوم رمضان، أو صوم كفارة أو صوم نذر.
ومن زعم تخصيص ذلك بالنذر فلا دليل عليه، وليس معه حجة يحسن الاعتماد عليها، ولم يقل ﷺ: من مات وعليه صلاة صلى عنه وليه! ولم يقل: من مات فيقرأ عنه وليه! لكن الدعاء نعم، شرع لنا أن ندعو للأموات ونصلي وندعو لهم، والله يقول في كتابه العظيم مثنيًا على عباده الصالحين بقوله: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10].
فالدعاء أمر مطلوب للميت والحي جميعًا، ولهذا شرع الله صلاة الجنازة لما فيها من الدعاء للميت، فأرجو يا أخي! ألا يشتبه عليك الأمر وأن تطمئن إلى أن السنة أن تلزم ما جاءت به الشريعة وألا تحيد عنه، وألا تزيد عليه في العبادات لأنها توقيفية، والله ولي التوفيق.
المقدم: جزاكم الله خيرًا.
شيخ عبد العزيز ! يكثر بعض إخواننا من كلمة (مولانا)، وقد علقتم ذات مرة في إجابة في حلقة مضت على هذه الكلمة؟
الشيخ: كذلك ينبغي ألا يستعمل هذا؛ لأن الرسول ﷺ قال: لا تقولوا: مولانا فإن مولاكم الله، هكذا رواه مسلم في الصحيح، فينبغي للمؤمن تركها، وقد أجازها بعض أهل العلم، واحتجوا بقوله ﷺ في حق العبد وليقل: سيدي ومولاي، قالوا: هذا دليل على جوازها، لما جازت في حق العبد أن يقولها لسيده، فالأولى في هذا ألا نقيس على العبد، بل هذا خاص بالعبد يقوله لسيده، أما غيره فينبغي له أن يتأدب بالأدب الشرعي فيقول: يا فلان، يا أخي، يا أبا فلان، يا شيخ فلان، ويكفي هذا، ويحتاط لدينه ويبتعد عن الشيء اللي فيه شبهة. نعم.
المقدم: جزاكم الله خيرًا. 

فتاوى ذات صلة