ما الرد على حجج كشف المرأة وجهها؟

لقد قرأتُ مقالًا لأستاذٍ في جامعة الأزهر في مصر مضمونه أنَّ غطاء الوجه للمرأة أمرٌ اختياري، ليس بإلزامي، فما قولكم في ذلك؟

الشيخ: أما ما يتعلق بالحجاب فقد تكاثرت أقوالُ أهل العلم في ذلك ما بين مُبيح وما بين مُحرّم، والأدلة الشرعية لمَن تأمَّلها واضحة في وجوب الحجاب والستر، وأن كشف المرأة وجهها ومحاسنها من أعظم الفتن، ومن أعظم أسباب ظهور الفواحش في البلاد، وقد صنَّف العلماء في ذلك رسائل وكتبًا مفيدةً، وبيَّن القرآنُ الكريم هذا المقام، وممن صنَّف في ذلك أبو العباس ابن تيمية وآخرون.
المقصود أنَّ الحجاب أمره مهمٌّ، وقد وقع في هذا العصر من الناس اضطرابٌ واختلافٌ ما بين مُبيح، وما بين محرّم، وقد يكون لكل واحدٍ وجهته وقصده الخير والطيب، ولكن كثيرًا من الناس يميل بهم الهوى إلى الإباحة والتَّساهل، وبعض الناس له نية صالحة وقصد صالح، ولكن هذا مبلغ اجتهاده، وهذا مبلغ علمه، فلا ينبغي للعاقل أن يتساهل في هذا الأمر.
والصواب أنَّ الواجب الحجاب على المرأة في وجهها وشعورها وبدنها؛ لأنها عورة، سمَّاها الرسولُ عورةً، ولأنها فتنةٌ، يقول النبيُّ ﷺ: ما تركتُ بعدي فتنةً أضرّ على الرجال من النِّساء، هكذا جاء في "الصحيحين"، فأمر النساء فتنة، والرجال مفتونون بالميل إلى النساء، والنظر إلى النساء، والنساء مفتونات بذلك، فالواجب البُعد عن الخطر، الواجب أخذ الحيطة، وأخذ الأسباب التي تمنع الخطر، وتحول بين الصّنفين من الوقوع فيما حرَّم الله، أو تُقلل ذلك، والله يقول جلَّ وعلا في كتابه العظيم: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33]، قال أهل التفسير: التَّبرج: إظهار المحاسن والمفاتن، هذا هو التبرج، سُمِّي تبرُّجًا لإظهاره كمثابة الشيء القائم، البرج القائم الذي يُرى من بعيدٍ.
فإظهارها المحاسن والمفاتن أمرٌ يضرُّها ويضرُّ مجتمعها، ويُسبب الفحشاء والمنكر، فإظهار الوجه، الوجه أعظم الزينة، وإذا كان معه الرأس مكشوفًا صارت الفتنة أكبر وأعظم.
ويقول جلَّ وعلا: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53] فجعل الحجاب أطهر لقلوب الجميع، للذكور والإناث جميعًا، ومَن قال: إنَّ هذا خاصٌّ بالنساء بأزواج النبي ﷺ فلقد أبعد النُّجعة، وقد غلط؛ لأنه إذا كانت أزواج النبي ﷺ يُؤْمَرن بالحجاب مع تقواهنَّ وتقدمهنَّ في الخير، وكونهن في القمة في الخير، فغيرهن من باب أولى؛ لأنهن دونهن في هذا الباب، فإذا وجب على الأفضل الحجاب، فوجوبه للمفضول من باب أولى؛ لأنَّ الخطر عليه أكثر.
وقد صح عن عائشة في "الصحيحين" رضي الله عنها أنها قالت في قصة الإفك لما سمعت صوت صفوان بن معطل يسترجع قالت: "وكان قد رآني قبل الحجاب، فلما سمعتُ صوته خمّرتُ وجهي"، فدلَّ ذلك على أنهم كانوا قبل الحجاب يكشفون الوجوه، وبعدما نزلت آيةُ الحجاب غطّوا وجوههم، تخمّروا؛ للبُعد عن الفتنة، وهل يُوجد شيء أعظم من الوجه؟! أي شيءٍ أعظم من الوجه؟! هو أعظم من اليد، وأعظم من القدم، وأعظم من الرأس، الوجه هو مجمع الزينة، يظهر منه جمالها أو دمامتها.
فالواجب على النساء أن يتقين الله، وعلى أوليائهن أن يتَّقوا الله في الحجاب والبُعد عن السفور وعن أسباب الفتنة.
ومَن قال بالجواز فقد غلط، سواء كان حسن القصد أو بخلاف ذلك، مَن قال بالجواز فقد غلط ولم يُعطِ المقام حقَّه من النظر، بل وقف مع أشياء وفاتته أشياء.
ومَن قال: يجوز إذا كان بالعادة، ليس فيه تحسين، لا كحل، ولا كذا، ولا كذا، أما إذا كان فيه الكحل والتزين؛ حرم؛ فهذا شيءٌ لا ضابطَ له.
ومَن يقول: إن المرأة تجتنب هذا وتجتنب هذا، كل هذا شيءٌ لا وجه له، فالجمال لخِلقتها، سواء تحسنت بالكحل أو لم تتحسن بالكحل، فخِلقتها التي خلقها الله عليها من دمامةٍ أو جمالٍ هو المقصود، وإذا كان مع جمال الخِلقة المُزينات بالمكياج والكحل وغير ذلك؛ صارت الفتنةُ أعظم، وصار الفسادُ أكبر.
فالحاصل أنَّ الواجب الاحتجاب والتَّستر والبُعد عن مظانِّ الفتنة، هذا هو الواجب في الوجه وغيره، هذا هو الواجب على النِّساء المؤمنات اللاتي يتقين الله ، وعليهنَّ أن يحذرن هذه الكتب وهذه المقالات التي تدعو إلى السُّفور، وتدعو إلى التحلل والتبرج، فإنها والله ضارَّة غير نافعةٍ، سواء حسن قصد فاعلها أو ساء قصد فاعلها، فمَن حسن قصده فالله يغفر له بما أخطأ فيه، وله أجر الاجتهاد، ومَن ساء قصده جمع الله له الشرين والذّنبين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فتاوى ذات صلة