13من قوله: (فصل: في الغيرة وأنواعها وما فيها من محمود ومذموم)

فصلٌ فِي الْغِيرَة وأنواعها وَمَا فِيهَا من مَحْمُودٍ ومذمومٍ

فِي "الصَّحِيحَيْنِ: عَن عبدالله بن مَسْعُودٍ، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: مَا أَحَدٌ أغير من الله، من أجل ذَلِك حرَّم الْفَوَاحِشَ مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن، وَمَا أحدٌ أحبّ إليه الْمَدْح من الله؛ وَلذَلِك مدح نَفسه.

وَفِي رِوَايَةٍ لمُسلمٍ: وَلَيْسَ أَحَدٌ أحبَّ إليه الْعُذر من الله، من أجل ذَلِك أَنْزَلَ الْكِتاب، وأرسل الرُّسُل.

جمع النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث بَين وَصفِه سُبْحَانَهُ بأكمل الْمحبَّة للممادح، وأكمل البُغض للمحارم.

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ: قَالَ سعد بن عُبَادَة: لَو رَأَيْتُ رجلًا مَعَ امْرَأَتي لأضربَنَّه بِالسَّيْفِ غير مُصفحٍ. فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: تَعْجبُونَ من غيرَة سعدٍ؟ وَالله لأَنا أغيرُ مِنْهُ، وَالله أغير مني، وَمن أجل غيرَة الله حرَّم الْفَوَاحِشَ مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن، وَلَا أحدٌ أحبَّ إليه الْعُذر من الله، من أجل ذَلِك بعث الْمُنْذِرين والمبشرين، وَلَا أحدٌ أحبَّ إليه المدحة من الله، من أجل ذَلِك وعد اللهُ الْجنَّة.

وَقَالَ البُخَارِيّ: وَقَالَ عبيدالله بن عَمْرو، عَن عبدالْمَلك: لَا شخص أغير من الله. وَتَرْجم البُخَارِيُّ على ذَلِك: بَاب.

وَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: إنَّ الله يغار، وَغَيرة الله أن يَأْتِي الْمُؤمنُ مَا حرَّم عَلَيْهِ.

وَفِي الصَّحِيح عَن أسماء: أنها سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: لَا شَيْءَ أغير من الله.

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن عَائِشَةَ: أنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: يَا أُمَّة مُحَمَّدٍ، مَا أحدٌ أغير من الله أن يَزْنِي عَبدُه، أو تَزني أمتُه.

وَفِي السُّنَن عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: إنَّ من الْغيرَة مَا يُحِبّهَا الله، وَمن الْغَيرَة مَا يكرهها، فالغيرة الَّتِي يُحِبّهَا الله الْغَيرَة فِي الرِّيبَة، والغيرة الَّتِي يكرهها اللهُ الْغَيرَة فِي غير رِيبَةٍ، وإنَّ من الْخُيَلَاء مَا يُحِبّهَا الله، وَمن الْخُيَلَاء مَا يبغضها الله، فالخُيلاء الَّتِي يُحِبّهَا اختيال الرجل نَفسه عِنْدَ الْحَرْب، وَعند الصَّدَقَة، وَالْخُيَلَاء الَّتِي يبغضها الله اختيال الرجل فِي الْبَغي وَالْفَخْر.

وَقد ثَبت فِي الصِّحَاح: أنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ لعمر: دخلتُ الْجنَّةَ فَرَأَيْتُ امْرَأَةً تتوضأ إلى جَانب قصرٍ، فَقلتُ: لمن هَذَا؟ فَقَالُوا: لعمر بن الْخطَّاب، فَأَرَدْتُ أن أدخله فَذكرتُ غيرتك، فَقَالَ عمرُ بن الْخطَّاب: يَا رَسُول الله، بِأبي وأُمِّي، أوعَلَيْك أغار؟!

وَكَذَلِكَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" حَدِيث أسماء لما كَانَت تنقل النَّوَى للزبير، قَالَت: فَلَقِيتُ رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ نفرٌ من الأنصار، فدعاني، ثمَّ قَالَ: إخ، إخ ليحملني خَلفه، فَاسْتَحْيَيْتُ أن أسير مَعَ الرِّجَال، وَذكرتُ الزبير وغيرته -وَكَانَ أغير النَّاس- فَعرف رَسُولُ الله ﷺ أني قد استحييتُ فَمضى، فَجِئْتُ الزبير فَقلتُ: لَقِيَنِي رَسُولُ الله ﷺ وعَلى رَأْسِي النَّوَى، وَمَعَهُ نفرٌ من أصحابه، فَأَنَاخَ لأركب، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ، وَذكرتُ غَيرتك، فَقَالَ: وَالله لحملك النَّوَى كَانَ أشدَّ عليَّ من ركوبك مَعَه. قَالَت: حَتَّى أرسل إليَّ أبي -أبو بكر- بعد ذَلِك بخادمٍ تكفيني سياسة الْفَرس، فَكَأَنَّمَا أعتقني.

فقد أخبر النَّبِيُّ ﷺ: لَا أحد أغير من الله، وَقَالَ: غيرَة الله أن يَأْتِي الْمُؤمنُ مَا حرَّم عَلَيْهِ، وَهَذَا يعمّ جَمِيع الْمُحرَّمَات، وَقَالَ: وَمن أجل غيرَة الله حرَّم الْفَوَاحِشَ مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن، فَهَذَا تَخْصِيصٌ لغيرته من الْفَوَاحِش.

وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عَائِشَة: لَا أحدٌ أغير من الله أن يَزْنِي عَبده، أو تَزني أمته، فَهَذِهِ الْغيرَة من الْفَوَاحِش.

وَكَذَلِكَ عَامَّة مَا يُطلق من الْغَيرَة إنما هُوَ من جنس الْفَوَاحِش، وَبَيَّن النَّبِيُّ ﷺ أنه أغير من غَيره من الْمُؤمنِينَ، وأنَّ الْمُؤمن يغار، وَالله يُحبّ الْغيرَة، وَذَلِكَ فِي الرِّيبَة، وَمَن لَا يغار فَهُوَ ديوث، وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث: لَا يَدْخل الْجنَّةَ ديوث.

فالغيرة المحبوبة هِيَ مَا وَافَقت غيرَة الله تَعَالَى، وَهَذِه الْغيرَة هِيَ أن تُنتهك محارم الله، وَهِي أن تُؤْتَى الْفَوَاحِش الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة.

الشيخ: والمعنى في هذا أنَّ الواجب على المؤمن أن يغار عند انتهاك محارم الله، فيفعل ما يستطيع من إنكار المنكر، وإقامة الحدّ، ووضع الأشياء التي تحول بين الناس وبين الوقوع في محارم الله، إذا كان إمامًا، أو أميرًا، أو له سُلطة في قبيلته، ونحو ذلك.

فالغيرة لها آثار، ودعواها لا تنفع بدون آثارها، فالغيرة لله هي الغضب لله، وإنكار ما حرَّم الله، والقيام بما يردع عن الفواحش قولًا وعملًا، هكذا تكون الغيرة.

والله له الغيرة الكاملة جلَّ وعلا، فلا أحد أغير منه ؛ ولهذا حرَّم الفواحش، وشرع الحدود، ونهى عن كلِّ ما يُسبب الوصول إلى ما حرَّم الله .

والرسل هم أغير الناس وأعلمهم بالله، وعلى رأسهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك المؤمنون على حسب مراتبهم في الإيمان والعلم والفضل، فكل مَن كان أعلم بالله وأكمل إيمانًا صارت غيرته أكمل وأعظم، ولكن عند وجود الأسباب، أما الغيرة بالتُّهم بدون أسبابٍ فهذا شيء يكرهه الله، يعني: تُهم للمؤمن والمؤمنة بدون حقٍّ، هذا لا يجوز؛ ولهذا شرع الله إقامة الحدود: حدّ القذف؛ ردعًا للناس عن الغيرة الفاسدة التي لا أساسَ لها، ولا سببَ لها.

الغيرة عند وجود الأسباب محمودة، والغيرة عند عدم وجود الأسباب مذمومة، وكل مؤمنٍ وكل مؤمنةٍ عليه نصيبه من ذلك فيما يتعلق بأهله وجيرانه وإخوانه وأحبابه ومُجتمعه؛ حتى يكون نشيطًا في الغيرة الشَّرعية، مُشجِّعًا عليها، حريصًا على حماية مجتمعه وسلامة مجتمعه من ظهور الشَّر فيه؛ ولهذا يقول : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71]، فالأمر والنَّهي من ثمرة الغيرة.

وهكذا قوله سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ الآية [آل عمران:110]، فالأُمَّة المحمدية من فضائلها: العناية بهذا الأمر، واستكمال ما يجب فيه.

س: إذا أنكر وعلم أنه سيُسْجَن؟

ج: ما يلزمه، يتَّقي الله ما استطاع، مثلما قال النبيُّ ﷺ: مَن رأى منكم مُنْكَرًا فليُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وإذا صبر فهذه درجة عالية.

فالغيرة المحبوبة هِيَ مَا وَافَقت غيرَة الله تَعَالَى، وَهَذِه الْغيرَة هِيَ أن تُنتهك محارم الله، وَهِي أن تُؤْتى الْفَوَاحِش الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة.

لَكِن غيرَة العَبْد الْخَاصَّة هِيَ من أن يشركهُ الْغَيْر فِي أهله، فغيرته من فَاحِشَة أهله لَيست كغيرته من زنا الْغَيْر؛ لِأَنَّ هَذَا يتَعَلَّق بِهِ، وَذَاكَ لَا يتَعَلَّق بِهِ إلا من جِهَة بُغضه لمبغضة الله.

وَلِهَذَا كَانَت الْغيرَة الْوَاجِبَة عَلَيْهِ هِيَ فِي غيرته على أهله، وأعظم ذَلِك امْرَأَته، ثمَّ أقاربه، وَمَن هُوَ تَحت طَاعَته؛ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ إذا زنت أن يُلاعنها؛ لما عَلَيْهِ فِي ذَلِك من الضَّرَر، بِخِلَاف مَا إذا زنا غير امْرَأَته؛ وَلِهَذَا يُحدّ قَاذف المرأة الَّتِي لم يكمل عقلهَا ودينها إذا كَانَ زَوجُهَا مُحصنًا فِي أحد الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أحْمَد.

فالغيرة الْوَاجِبَة مَا يتضمنه النَّهْي عَن المخزي، والغيرة المستحبَّة مَا أوجبت الْمُسْتَحبّ من الصيانة، وأما الْغيرَة فِي غير رِيبَةٍ -وَهِي الْغيرَة فِي مُبَاحٍ لَا رِيبَةَ فِيهِ- فَهِيَ مِمَّا لَا يُحِبهُ الله، بل يَنْهَى عَنهُ إذا كَانَ فِيهِ تركُ مَا أمر الله؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ: لَا تمنعوا إماء الله مَسَاجِد الله، وبيوتهن خيرٌ لَهُنَّ.

وأما غيرَة النِّسَاء بَعضهنَّ من بعضٍ: فَتلك لَيْسَ مَأْمُورًا بهَا، لَكِنَّهَا من أمور الطباع: كالحزن على المصائب، وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: كلوا، غارت أمُّكم لما كسرت الْقَصْعَة، وَقَالَت عَائِشَةُ: أولَا يغار مثلي على مثلك؟! وَقَالَت: مَا غِرْتُ على امْرَأَةٍ مَا غرتُ على خَدِيجَة.

وَعَن فَاطِمَة أنها قَالَت للنَّبِي ﷺ: إنَّ النَّاس يَقُولُونَ: إنك لَا تغار لبناتك. لما أراد عليٌّ أن يتَزَوَّج بنت أبي جهل، وخطب النَّبِيُّ ﷺ وَذكر صهرًا لَهُ من أبي الْعَاصِ وَقَالَ: حَدَّثنِي فصدقني، ووعدني فوفَّاني، وَقَالَ: إنَّ بني الْعَاصِ استأذنوني فِي أن يُزَوِّجوا بنتَهم عليًّا، وإني لَا آذن، ثمَّ لَا آذن، إلا أن يُرِيد ابْنُ أبي طَالبٍ أن يُطلق ابْنَتي ويتزوج ابنتهم، وَالله لَا تَجْتَمِع بنتُ رَسُول الله وَبنتُ عَدو الله عِنْد رجلٍ أبدًا.

فَهَذِهِ الْغيرَة الَّتِي جَاءَت بهَا سنةُ رَسُول الله ﷺ، وغيرة الله أَن يَأْتِي العَبْدُ مَا حرم عَلَيْهِ، وغيرته أن يَزْنِي عَبده، أوْ تَزني أمته. وغيرة الْمُؤمن أن يفعل ذَلِك عُمُومًا وخصوصًا فِي حَقِّه.

والغيرة الَّتِي يُحِبّهَا الله: الْغيرَة فِي الرِّيبَة، والغيرة الَّتِي يُبغضها الله الْغيرَة الَّتِي فِي غير ريبةٍ، وَهنا انقسم بَنو آدم أربعة أقسام:

قومٌ لَا يغارون على حُرمات الله بِحَالٍ، وَلَا على حرمهَا، مثل: الديوث، والقوَّاد، وَغير ذَلِك، وَمثل: أهل الإباحة الَّذين لَا يُحرِّمُونَ مَا حرَّم الله وَرَسُوله، وَلَا يدينون دين الْحقِّ، وَمِنْهُم مَن يَجْعَل ذَلِك سلوكًا وطريقًا: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف:28].

وَقومٌ يغارون على مَا حرَّمه الله، وعَلى مَا أمر بِهِ مِمَّا هُوَ من نوع الْحبِّ والكُره، يجْعَلُونَ ذَلِك غيرَة، فَيَكْرَه أحدُهم من غَيره أمورًا يُحِبّهَا الله وَرَسُوله، وَمِنْهُم مَن جعل ذَلِك طَرِيقًا ودينًا، ويجعلون الْحَسَدَ والصدَّ عَن سَبِيل الله، وبُغض مَا أحبَّه الله وَرَسُوله غيرَة.

وَقومٌ يغارون على مَا أمر اللهُ بِهِ، دون مَا حرَّمه، فنراهم فِي الْفَوَاحِش لَا يبغضونها وَلَا يكرهونها، بل يبغضون الصَّلَوَات والعبادات، كَمَا قَالَ تَعَالَى فيهم: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59].

وَقومٌ يغارون مِمَّا يكرههُ الله، وَيُحِبُّونَ مَا يُحِبّهُ الله، هؤلاء هم أهل الإيمان.

س: ...............؟

ج: عدو الله أبوها يعني، وهذا شيء من خصائص النبي ﷺ، الجمع بين اثنتين وثلاثٍ وأربعٍ لا بأس به، كما جاء به النَّص، هذا شيء اختصّ به النبيُّ ﷺ؛ لما يحصل لابنته من التَّأثر، فهي بُضعة منه، يريبه ما يريبها، ويُؤذيه ما يُؤذيها عليه الصلاة والسلام.

فصلٌ

وَمن أسباب ذَلِك مَا وَقع من الإشراك فِي لفظ الْغيرَة فِي كَلَام الْمَشَايِخ أهل الطَّرِيق.

الشيخ: لعلها: الاشتراك، يعني: أنها كلمة مُشتركة، كلٌّ له معنى فيها.

فَإِنَّهُم تكلَّمُوا فِيهَا بمعاني بَعْضهَا مُوَافقٌ لعُرف الشَّارِع، وَبَعضهَا لَيْسَ كَذَلِك، وبعضهم حمد مِنْهَا مَا حَمده الشَّارِع، وَبَعْضُهمْ حمد مِنْهَا مَا لم يحمده الشَّارِع، بل ذمَّه.

وَقد تقدم أنَّ الْغيرَة الَّتِي وصف اللهُ بهَا نَفسَه: إمَّا خَاصَّة، وَهُوَ أن يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ.

وإمَّا عَامَّة: وَهِي غيرته من الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن.

وأما الْغَيرَة فِي اصْطِلَاح طَائِفَةٍ من أهل الطَّرِيق: فَقَالَ أبو الْقَاسِم الْقُشيرِي: الْغيرَة: كَرَاهَة مُشَاركَة الْغَيْر، وإذا وصف الْحقّ بالغيرة فَمَعْنَاه أنه لَا يرضى بمُشاركة الْغَيْر مَعَه فِيمَا هُوَ حقٌّ لَهُ تَعَالَى من طَاعَة عَبده لَهُ.

فَقَوله: (الْغيرَة: كَرَاهَة مُشَاركَة الْغَيْر) أشار بِلَفْظ "الْغَيْر" إلى اشتقاق لفظ "الْغيرَة"، وَهَذَا أَقْرَب، فَإِنَّ الْغيرَة إمَّا من تغير الغائر، وإما من مُزاحمة الْغَيْر.

لَكِن قَوْله: (كَرَاهَة مُشَاركَة الْغَيْر) هُوَ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ، لَيْسَ بمطابقٍ لاصطلاح الشَّارِع، بل هُوَ أعمّ مِنْهُ من وَجهٍ، وأخصّ مِنْهُ من وَجهٍ.

أما كَونه أعمّ: فَإِنَّهُ يَدْخل فِيهِ مُشَاركَة الْغَيْر الْمُبَاحَة: كالمشاركة فِي الأموال والعبادات والطَّاعات، وَهَذِه لَيست غيرَة مَأْمُورًا بهَا، بل بَعْضهَا محرَّم، وَهُوَ حسد، وَيدخل فِيهَا الْمُشَاركَة فِي الْبُضْع، والغيرة على ذَلِك غيرَة مَشْرُوعَة.

وَأمَّا كَونه أخصّ: فإنه يخرج مِنْهُ الْغيرَة الَّتِي لَا يُشَارِكهُ فِيهَا، مثل: غيرَة الْمُؤمن أن يَزْنِي أقاربه، أوْ غيرته أن تُنتهك محارم الله، فَإِنَّ الله يغار من ذَلِك، وَالْمُؤمن مُوَافقٌ لرَبه، فيُحبّ مَا أحبَّ، وَيكرهُ مَا كره؛ وَلِهَذَا وصف غيرَة الله بِمَا يُوَافق اصطلاحه فَقَالَ: غيرَة الله أنه لَا يرضى بمُشاركة الْغَيْر مَعَه فِيمَا هُوَ حقٌّ لَهُ من طَاعَة عَبده. وَهَذِه الْغيرَة أعمّ مِمَّا ذكره النَّبِيُّ ﷺ من وَجهٍ، وأبعد عَن مَقْصُود الْغيرَة الَّتِي ذكرهَا النَّبِيُّ ﷺ من غيرَة الْحقِّ سُبْحَانَهُ، فقد فسر غيرته: أن يَأْتِي الْمُؤمن مَا حرم عَلَيْهِ، وَبِأَن يَزْنِي عَبده، أَوْ تَزني أمته، وَقَالَ: من أجل غيرته حرَّم الْفَوَاحِشَ مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن، فَجعل الغيرة مُطلقَةً مُتَعَلِّقَةً بِفعل الْمُحرَّمَات، وَجعل عظمها وسلطانها فِي إتيان الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن.

وَمَن جعلهَا لنفي الْمُشَاركَة فِي حَقِّه كَانَ دُخُولُ الشِّرك فِي الله فِي بَاب الْغيرَة عِنْدَه أولى من دُخُول الْفَوَاحِش، وَكَانَ اسْتِعْمَال لفظ "الْغيرَة" فِي الشِّرك أولى من اسْتِعْمَال لفظ "الْغيرَة" فِي الزِّنَا.

وأيضًا إذا جعلناها لنفي الْمُشَاركَة فِيمَا هُوَ حقٌّ لَهُ من طَاعَة عَبده؛ فقد يَدْخل فِي ذَلِك مَا يَفْعَله العَبْدُ من الْمُبَاحَات على غير وَجه التَّقَرُّب، فإنَّ هَذَا لم يَفْعَله لله، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ من غيرَة الله الَّتِي وصف الرَّسُولُ بهَا ربَّه.

وأيضًا فالمشاركة فِيمَا هُوَ حقٌّ لَهُ قد لَا يَدْخل فِيهِ فعل الْفَوَاحِش والمحرَّمات إذا لم يَقْصد العَبْدُ بهَا طَاعَةَ غَيره، وإن كَانَ مُطيعًا فِيهَا للشَّيْطَان، وإنما يَدْخل فِيهِ مَا فعله من الطَّاعَات لله وَلغيره، برًّا وَنَحْوه.

وَمَعَ هَذَا فقد يُقَال: بل كل مَا كَانَ من ترك وَاجِبٍ أَوْ فعل مُحرَّمٍ فَفِيهِ مُشَاركَة الْغَيْر مَعَه مَا يسْتَحقّهُ من طَاعَة عَبده.

وعَلى هَذَا فَيَدْخل كلُّ ذَنْبٍ فِيمَا يغار اللهُ مِنْهُ، سَوَاء كَانَ ترك وَاجِبٍ مَا، أَوْ فعل مُحرَّمٍ.

وَهَذَا الْمَعْنى حسن، مُوَافقٌ للشريعة، فَإِنَّ الله يبغض ذَلِك ويمقته، فَيكون لفظ "الْغيرَة" مُرادفًا للفظ "البغض، والمقت، والسّخط"، لَكِن هُوَ أعمّ مِمَّا يَظْهر فِي عُرف الشَّارِع، حَيْثُ جعل غيرته أن يَأْتِي الْمُؤمنُ مَا حرم عَلَيْهِ، وَجعل غيرته أن يَزْنِي عَبده، أوْ تَزني أمته، وَمن غيرته أنَّ حرَّم الْفَوَاحِشَ مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن.

وَهَذِه الْغيرَة أخصّ من مُطلق البُغض، إلا أن يُقَال: ترك للشَّريعة.

وأمَّا تَسْمِيَته "غيرَة" فَهُوَ أَمْرٌ اصطلاحي، والنِّزاع فِيهِ لَفْظِي، ثمَّ إنه ذكر عَن بعض الْمَشَايِخ مذهبين فِي الْغيرَة: أحدهما يتَضَمَّن الْغيرَة مِمَّا لَا يغار اللهُ مِنْهُ، بل يُحِبّهُ. وَالثَّانِي يتَضَمَّن ترك الْغيرَة مِمَّا يغار اللهُ مِنْهُ، وَيُحبّ الْغيرَة مِنْهُ، وَيَأْمُر بذَلِك.

وَكِلَاهُمَا مَذْهَبٌ مَذْمُومٌ مُتَضَمّنٌ: إما لترك مَأْمُورٍ يُحِبّهُ الله، أو لفعل مَكْرُوهٍ يكرههُ الله.

وَذكر من كَلَامه وَكَلَام الْمَشَايِخ مَا هُوَ حسن مَقْبُول، فَاشْتَمَلَ كَلَامُه فِي الْغيرَة على الأقسام الثَّلَاثَة: فالأول من الْغيرَة كَرَاهَة تَوْبَة العاصين، وَعبادَة الْمُقَصِّرِينَ، كَمَا ذكر عَن الشِّبلي أنه سُئِلَ: مَتى يستريح؟ قَالَ: إذا لم أرَ لَهُ ذَاكِرًا.

وَقَالَ: حُكي أنَّ الشِّبلي مَاتَ ابْنٌ لَهُ كَانَ اسْمُه: "أبو الْحسن"، فحزنت أمُّه عَلَيْهِ وَقطعت شعرهَا، وَدخل الشّبلي الْحمام وتنور بلحيته، فَكل مَن أتاه مُعزِّيًا لَهُ قَالَ: أيش هَذَا يَا أبا بكر؟ فَكَانَ يَقُول: مُوَافقَة لأهلي. فَقَالَ لَهُ بَعضُهم: أخبرني يَا أبا بكر لم فعلتَ هَذَا؟ قَالَ: علمتُ أنهم يُعزونني على الْغَفْلَة، وَيَقُولُونَ: آجرك اللهُ تَعَالَى. ففديت ذكرهم لله تَعَالَى على الْغَفْلَة بلحيتي.

قَالَ: وأذَّن الشّبليُّ مرّةً، فَلَمَّا انْتَهى إلى الشَّهَادَتَيْنِ قَالَ: لَوْلَا أنَّك أمرتني مَا ذكرتُ مَعَك غَيْرك.

الشيخ: وهذا مما انتقد وقدح في عقله بسببه، الشّبلي له مواقف غريبة تدل على ضعفٍ في العقل، وضعفٍ في التَّصرف، إن صحَّ عنه ما ذكر عنه من هذا وأشباهه، فإنَّ حلق اللِّحية مُنكر، فكيف يفعله لأجل مُوافقة أهله، أو لأجل إشغال المعزين له، فهكذا قوله في الشَّهادتين، فإنَّ ما بعد الشَّهادتين فيه تعظيمٌ لله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، دعوة لما أمر به، فليس في ذلك شيء يُستنكر.

قَالَ: وَسمع النُّوري رجلًا يُؤذِّن فَقَالَ: طعنة وسمّ الْمَوْت. وَسمع كَلْبًا ينبح فَقَالَ: لبَّيْك وَسَعْديك. فَقيل لَهُ: إنَّ هَذَا ترك للدِّين! فَإِنَّهُ يَقُول للمُؤذن فِي تشهده: طعنة وسم الْمَوْت. ويُلبي عِنْد نباح الْكِلاب، فَسُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: أما الْمُؤَذِّن فإنه يذكرهُ على رَأس الْغَفْلَة، وأمَّا الْكَلْب فَإِنَّ الله يَقُول: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44].

الشيخ: وهذا من الجهل القبيح، هذا من جهلهم وانحراف عقولهم، حتى صاروا كالمجانين، نسأل الله العافية.

وَمثل هَذه الْكَلِمَات والحكايات لَا تصلح أن تُذكر للاقتداء أو سلوك سَبِيلٍ وَطَرِيقَةٍ؛ لما فِيهَا من مُخَالفَة أَمْر الله وَرَسُوله، وَالَّذِي يصدر عَنهُ أمثال هَذِه الأمور إن كَانَ مَعْذُورًا بقصورٍ فِي اجْتِهَاده، أوْ غيبَةٍ فِي عقله، فَلَيْسَ مَن اتَّبعهُ بمعذورٍ، مَعَ وضوح الْحقِّ والسَّبيل، وإن كَانَت سيئتُه مغفورةً لما اقْترن بهَا من حُسن قصدٍ، وَعملٍ صَالحٍ، فَيجب بَيَان الْمَحْمُود والمذموم؛ لِئَلَّا يكون لبسًا للحقِّ بِالْبَاطِلِ.

وأبو الحسن النُّوري وأبو بكر الشّبلي رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا كَانَا معروفين بتغير الْعَقل فِي بعض الأوقات، حَتَّى ذهب الشّبلي إلى المارستان مرَّتَيْنِ، والنُّوري رَحمَه الله كَانَ فِيهِ وَلَهٌ، وَقد مَاتَ بأجمة قصبٍ لما غَلبه الوجد حَتَّى أزال عقله.

وَمَن هَذِه حَاله لَا يصلح أن يُتبع فِي حَالٍ لَا يُوَافق أمر الله وَرَسُوله، وإن كَانَ صَاحبُهَا مَعْذُورًا، أوْ مغفورًا لَهُ، وإن كَانَ لَهُ من الإيمان وَالصَّلَاح والصِّدق والمقامات المحمودة مَا هُوَ من أعظم الأمور، فَلَيْسَ هُوَ فِي ذَلِك بأعظم من السَّابِقين الأوَّلين من الْمُهَاجِرين والأنصار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بإحسانٍ، فإنهم يُتبعُون فِي طَاعَةٍ، وَلَا يُذكرُونَ إلا بالجميل الْحسن، وَمَا صدر مِنْهُم من ذَنْبٍ أو تَأْوِيلٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا أمر اللهُ بِهِ وَرَسُوله لَا يُتبعُون فِيهِ، فَهَذَا أصلٌ يجب اتِّبَاعه.

الشيخ: مقصوده من هذا أنَّ ما ثبت من خطأ وزللٍ لا يتبع فيه قائله، ولو كان من العلماء الكبار، ولو كان من الصحابة، ولو كان من التابعين، الخطأ لا يُتبع فيه أحدٌ، ما دلَّ الكتابُ والسُّنة على أنه خطأ من صاحبه فلا يُتبع فيه، وإنما يتبع في الحقِّ والصواب، هذا لو كان في سلف الأمة في القرون المفضلة، فكيف لو كان من المتأخرين من الصُّوفية وأشباههم؟! من باب أولى أن يطرح ما قالوه أو فعلوه مما يُخالف الحقَّ، وإنما يُؤخذ منهم ما وافق الحقَّ، ويُحمدون عليه، وأما ما خالف الحقَّ فيُنكر عليهم ويُبين بطلانه.

وهو دخل عليهم من قلَّة العلم، دخل على هؤلاء أكثرهم من قلَّة العلم، اهتمُّوا بالأحوال والزُّهد والأشياء التي ارتضوها لأنفسهم من العبادات: كالصوم المستمر، والصلاة، ونحو ذلك، وأعرضوا عن العلم، فوقعوا في جهالات كثيرة.

فحلق اللِّحية منهيٌّ عَنهُ، ومثلة كرهها الله وَرَسُوله، والمعزِّي أو الْمُؤَذّن وإن لم يكن مَعَه كَمَالُ الْحُضُور فَلَا يجوز سبّه وذمُّه على مَا أظهره من ذكر الله، بل يُؤمر بِمَا يكمل ذَلِك من حقائق الْقُلُوب المحمودة، وإن كَانَ ذَاكِرًا لله بِلِسَانِهِ، فأعظم الْمَرَاتِب ذكر الله بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان، ثمَّ ذكر الله بِالْقَلْبِ، ثمَّ ذكر الله بِاللِّسَانِ.

وَقد رُوِيَ أنَّ الْمَلَائِكَةَ حضرت مُحتضرًا لم تَجِد لَهُ حَسَنَةً إلا أنَّ لِسَانه يَتَحَرَّك بِذكر الله، فَكَانَ ذَلِك مِمَّا رَحمَه الله بِهِ.

وَقد قَالَ رجلٌ للنَّبِي ﷺ: أوصني؛ فإنَّ شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ. فَقَالَ: لَا يزَال لسَانُك رطبًا بِذكر الله.

وَقَالَ الله تَعَالَى: أنا مَعَ عَبدِي مَا ذَكرنِي، وَالذكر يكون بِلِسَان الإنسان، وَلَكِن يكون لِقَلْبِهِ من ذَلِك نصيبٌ؛ إذ الأعضاء لَا تتحرك إلا بإرادة الْقَلب، لَكِن قد تكون الْغَفْلَةُ غالبةً عَلَيْهِ، وَذَلِكَ الْكَلَامُ خيرٌ من الْعَدَم، وَالله يُحِبّهُ وَيَأْمُر بِهِ.

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا سمع الْمُؤَذّن لم يغزو، وإلا أغار، وَكثيرٌ من المؤذنين لَا يكون كَامِلَ الْحُضُور، بل المُنَافِقُونَ الَّذين يُظهرون الإيمانَ بألسنتهم دون قُلُوبهم يُقرُّونَ على ذَلِك فِي الظَّاهِر بِأَمْر الله وَرَسُوله، فَكيف بِالْمُؤمنِ؟

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: إذا سَمِعْتُمْ نهاق الْحَمير فتعوَّذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان؛ فإنَّها رَأَتْ شَيْطَانًا، وإذا سَمِعْتُمْ صياح الدِّيكة فَسَلُوا الله من فَضله؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ ملكًا.

وَفِي "سنَن أبي دَاوُد" عَن جَابرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: إذا سَمِعْتُمْ نباح الْكلاب ونهيق الْحمر بِاللَّيْلِ فتعوَّذوا بِاللَّه مِنْهُنَّ؛ فَإِنَّهُنَّ يرين مَا لَا ترَوْنَ.

وَثَبت فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أنه قَالَ: إذا أذَّن الْمُؤَذّنُ أدبر الشَّيْطَانُ وَله ضراط، لَا يسمع التَّأذين، فَإِذا قُضي التَّأذين أقبل، فإذا ثُوب بِالصَّلَاةِ أدبر، فَإِذا قُضي التَّثويب أقبل، حَتَّى يخْطر بَين الْمَرْء وَنَفسه، فَيَقُول: اذكر كَذَا، اذكر كَذَا، لما لم يكن يذكر، حَتَّى يضلَّ الرجلُ، لم يدرِ كم صلَّى.

فَإِذا كَانَ التَّأذين يطرد الشَّيْطَان، ونباح الْكِلاب يكون عَن رُؤْيَة الشَّيَاطِين، كَيفَ يصلح أن يُقَال لهَذَا: "طعنة وسمّ الْمَوْت"؛ لأجل تَقْصِير هَذَا بغفلةٍ فِي قلبه؛ وَلِهَذَا "لبيْك وَسَعْديك"؛ لكَون الْكَلْب يُسبح بِحَمْدِهِ؟! فَإِنَّ هَذِه حُجَّة فَاسِدَة.

أمَّا ذَلِك الغافل فَإِنَّ أجره ينقص بغفلته، كَمَا روى أبو دَاوُد فِي "السّنَن" عَن عمار، عَن النَّبِي ﷺ أنَّه قَالَ: إنَّ العَبْد لينصرف من صلَاته وَلم يُكْتَب لَهُ مِنْهَا إلا نصفهَا، إلا ثلثهَا، إلا ربعهَا، إلا خمسها، إلا سدسها، حَتَّى قَالَ: إلا عشرهَا.

فَلَا ريبَ أنَّ الأجر ينقص بالغفلة، لَكِن اسْتِحْقَاق الْعقُوبَة نوعٌ آخر، وإذا اسْتحقَّ الْعقُوبَة لم يجز أن تكون عُقُوبَتُه مُقَابلَةً لما أظهره من الْحَسَنَة، وأما نباح الْكَلْب إن كَانَ تسبيحًا فصوت الْمُؤَذّن أولى أن يكون تسبيحًا.

فبكلِّ حَالٍ لَا يكون نباحُ الْكِلاب الَّذِي يَقْتَرن بِهِ الشَّيْطَان أدنى من ذَلِك من صَوت الْمُؤَذّن الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لهروب الشَّيَاطِين، فَإِنَّ ذَلِك إن كَانَ لدلالته على الربوبية فصوت الْمُؤَذّن أكمل، وإن كَانَ لعبادته بِمَا يسْتَحقّهُ الرب من الإلهية فصوت الْمُؤَذّن أعظم عبَادَةً لله من نباح الْكَلْب.

فتسبيح كل شَيْءٍ بِحَمْدِهِ يَدْخل فِيهِ الْمُؤَذّن بِكُل حَالٍ أعظم مِمَّا يَدْخل فِيهِ الْكَلْب، فَكيف يَدْخل الْكَلْبُ النَّابح وَيخرج الْمُؤَذّن لنَوْعٍ من الْغَفْلَة؟!

فَهَذَا وَالْكَلب مُحرَّمٌ اقتناؤه إلا لضَرُورَةٍ: من صيدٍ، أوْ حرثٍ، أو مَاشِيَةٍ، وَمَن اقتنى كَلْبًا بِغَيْر هَذِه الثَّلَاثَة نقص كل يَوْمٍ من عمله قِيرَاط، وتلبية الْكَلْب فِي نباحه أمْرٌ مُنكر، لَا وَجهَ لَهُ أصلًا، فَلَا يتبع أحد فِي ذَلِك وإن كَانَ مَعْذُورًا أو مغفورًا لَهُ مشكورًا على حَسَنَات غير هَذَا.

وَكَذَلِكَ الْحِكَايَة عَن الشّبلي أنه لما انْتَهى إلى الشَّهَادَتَيْنِ قَالَ: لَوْلَا أنك أمرتني مَا ذكرتُ مَعَك غَيْرك. فإنَّ ذكر هَذَا فِي بَاب الْغيرَة مُنكر من القَوْل وزور، لَا يصلح إلا أن نُبين أنَّ هَذَا من الْغيرَة الَّتِي يبغض الله صَاحبهَا، بل الْغيرَة من الشَّهَادَة لرسله بالرسالة من الْكُفْر وشعبه، وَهل يكون مُوحِّدًا شَاهدًا لله بالإلهية إلا مَن شهد لرسله بالرِّسالة؟!

وَقد بَينا فِي غير مَوضِعٍ من الْقَوَاعِد وَغَيرهَا أنَّ كلَّ مَن لم يَشْهد برسالة الْمُرْسَلين فَإِنَّهُ لَا يكون إلا مُشْركًا، يَجْعَل مَعَ الله إلهًا آخر، وأنَّ التَّوْحِيد والنُّبوة مُتلازمان، وكل مَن ذكر الله عَنهُ فِي كِتَابه أنه مُشْرِك فَهُوَ مكذب للرسل، وَمَن أخبر عَنهُ أنه مُكذب للرسل فإنه مُشْرك، وَلَا تتمّ الشَّهَادَة لله بالإلهية إلا بِالشَّهَادَةِ لعَبْدِهِ بالرِّسالة.

كَمَا جَاءَ مَرْفُوعًا فِي قَوْله تَعَالَى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]، قَالَ: لَا أُذكر إلا ذُكرتَ معي، وَلَا تتمّ لأُمَّتك خطْبَة وَلَا تشهد حَتَّى يَشْهدُوا أنَّك عَبدِي ورسولي.

وَكَذَلِكَ الْحِكَايَة الَّتِي سَمعتهَا من بعض الْفُقَرَاء: عَن أبي الْحسن الخزفاني أنه قَالَ: لَا إله إلا الله من دَاخل الْقَلب، مُحَمَّد رَسُول الله من القرط.

قَالَ أبو الْقَاسِم: وَمَن ينظر إلى ظَاهر هَذَا اللَّفْظِ يتَوَهَّم أنه استصغر الشَّرْع، وَلَا كَمَا يَخْطر بالبال، إذ الأخطار للأغيار بالإضافة إلى قدر الْحقِّ مُتصاغرة فِي التَّحْقِيق.

وَهَذِه الْحِكَايَة أيضًا من أقبح الْكَلَام وأفحشه، وَذكر هَذَا فِي بَاب الْغيرَة من أنكر الْمُنكر؛ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُقَال: إنَّه استصغار للشَّرْع، بل هُوَ من أكبر شُعب النِّفَاق، وأعظم أركان الْكُفْر، وَصَاحبه إن لم يَغْفر اللهُ لَهُ لحسن قَصده فِي تَعْظِيم الرب، كَمَا غفر للَّذي قَالَ: إذا أنا متّ فأحرقوني، واسحقوني، وذروني فِي اليمِّ. فغفر لَهُ شكّه فِي قُدرته على إعادته؛ لخشيةٍ مِنْهُ، وَلم يتب من مثل هَذَا الْكَلَام، وإلا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مُوجبًا لعَظيم عِقَابه.

وَذَلِكَ أنَّ الإيمان بالرسل عَلَيْهِم السَّلَام لَيْسَ من بَاب ذكر الأغيار، بل لَا يتمّ التَّوْحِيد لله وَالشَّهَادَة لَهُ بالوحدانية والإيمان بِهِ إلا بالإيمان بالرِّسالة، فَمَن جعل الإيمان بملائكة الله وَكتبه وَرُسُله مُغايرًا للْإيمَان بِهِ، وَجعل الإعراضَ عَنهُ من بَاب الْغيرَة المعظمة عِنْد الْمَشَايِخ؛ فقد ضلَّ سَعْيُه، وَهُوَ يَحْسَب أنه يحسن صنعًا، وَمَن لم تكن الشَّهَادَة بالرِّسالة دَاخله فِي ضمن قلبه بِالشَّهَادَةِ بالألوهية فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.

وَفِي مثل هَذَا جَاءَ الحَدِيثُ الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أسماء، عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: إنه أُوحي إليَّ أنَّكم تُفتنون فِي قبوركم مثل وقريبًا من فتْنَة الدَّجَّال: يُؤْتَى الرَّجل فِي قَبره فَيُقَال لَهُ: مَا علمك بِهَذَا الرَّجل الَّذِي بُعث فِيكُم؟ فَأَمَّا الْمُؤمن أو الموقِن فَيَقُول: هَذَا هُوَ مُحَمَّد عبدالله وَرَسُوله، جَاءَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدى، فَآمَنَّا بِهِ واتَّبعناه، وأمَّا الْمُنَافِق أو المرتاب فَيَقُول: آه، آه، لَا أدري، سَمِعتُ النَّاس يَقُولُونَ شَيْئًا فقلتُه.

ثمَّ إنَّك تَجِد هَؤُلَاءِ الَّذين يغلون بزعمهم فِي التَّوْحِيد حَتَّى يعرضون.

الشيخ: النون هذه زائدة: يُعرضوا.

حتى يُعرضوا عَن الْكِتاب وَالسُّنة، ويستخفّون بحُرمتهما.

الشيخ: كذلك.

ويُعظِّم أحدُهم شَيْخَه ومتبوعه أكثر مِمَّا يُعظم الرَّسُول ﷺ، وتجدهم يُشركُونَ بِاللَّه فِي استغاثتهم بِغَيْرِهِ، وخوفهم، ورجائهم لغيره، ومحبَّتهم لغيره، فتجد فيهم من أنواع الشِّرك الجليّ والخفي الَّتِي نهى الله عَنْهَا وَرَسُوله مَا الله بِهِ عليم، وَمَعَ هَذَا فيُعرضون عَمَّا هُوَ من تَمام التَّوْحِيد؛ زعمًا أنَّهم يُحققون التَّوْحِيد.

وأمَّا اعتذار أبي الْقَاسِم عَنهُ بِأَنَّ الأخطار للأغيار بالإضافة إلى قدر الْحقِّ مُتصاغرة؛ فعذرٌ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ أن الشَّاهِد للرسول بالرسالة لم يَجعله ندًّا لله، وَلَا شَرِيكًا لَهُ، وَلَا ظهيرًا حَتَّى يُفاضل بَينهمَا.

هَذَا الْكَلَام يَلِيق بِمَن يَقُول: إنَّ الله ثَالِثُ ثَلَاثَة. أوْ يَجْعَل الله شَرِيكًا وَولدًا، أو بِمَن يستغيث بمخلوقٍ ويتوكل عَلَيْهِ، أو يعمل لَهُ، أوْ يَشْتَغل بِهِ عَن الله، فَيُقَال لَهُ: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]، وَيُقَال لَهُ: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ۝ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الزمر:2- 3]، وَقَوله تَعَالَى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ۝ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:43- 44].

إلى أمثال ذَلِك مِمَّا فِي كتاب الله من الْآيَات الَّتِي فِيهَا تَجْرِيد التَّوْحِيد وتحقيقه، وَقطع مُلَاحظَة الأغيار فِي الْعِبَادَة، والاستغاثة، وَالدُّعَاء، وَالْمَسْأَلَة، والتَّوكل، والرَّجاء، والخشية، وَالتَّقوى، والإنابة، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ من خَصَائِص حقِّ الربوبية الَّتِي لَا تصلح لملك مُقرَّبٍ، وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ.

فَأَمَّا الإيمان بِالْكِتاب وَالرَّسُول فَهَذَا من تَمام الإيمان بِاللَّه وتوحيده، لَا يتم إلا بِهِ، وَذكر الله بِدُونِ هَذَا غير نَافِعٍ أصلًا، بل هُوَ سعي ضالّ، وَعمل بَاطِل، لم يتنازع الْمُسلمُونَ فِي أنَّ الرجلَ لَو قَالَ: أشْهَد أن لَا إله إلا الله، وَلم يُقرّ بأنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله؛ أنه لم يكن مُؤمنًا، وَلَا مُسلمًا، وَلَا يَسْتَحقّ إلا الْعَذَاب، وَلَو شهد أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله لَكَانَ مُؤمنًا مُسلمًا عِنْد كثيرٍ من الْعُلمَاء.

وَبَعْضُهمْ يُفرِّق بَين مَن كَانَ مُعترفًا بِالتَّوْحِيدِ –كاليهود- وَمَن لم يكن مُعترفًا بِهِ، وَبَعْضُهمْ لَا يَجعله مُسلمًا إلا بالنُّطق بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَهِي ثَلَاثَة أقوال مَعْرُوفَة فِي مَذْهَب أحْمَد وَغَيره.

وَهَذَا معنى مَا يُروى فِي بعض الْآثَار: يَا مُحَمَّد، تُذكر وَلَا أُذكر فأرضى، وَأُذْكر وَلَا تُذكر فأقبض يَعْنِي: ذكره بالرِّسالة، وَمَن ذكره بالرِّسالة فقد تضمن ذَلِك ذكر الله.

الشيخ: وهذا بالنِّسبة إلى مَن يأتي بالشَّهادة وهو مُوحِّد، ولكن لا يأتي بشهادة أن لا إله إلا الله، فأشهد أنَّ محمدًا رسول الله وهو مُوحد لله، مُؤمن بأنه لا شريكَ له، ولكنَّه لم يأتِ بلفظ الشَّهادة عند قوله: أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، ولكنه مُقرٌّ بها، ومُؤمنٌ بها، فقد أتى بها في وقتٍ آخر.

وأما مَن جحد لفظ الشَّهادة فقد أجمع العلماءُ على أنه كافر، ولا يكون مسلمًا أبدًا حتى يأتي بالشَّهادتين، إذا كان يستطيع النُّطق بهما، فلا بدَّ من الشَّهادتين نطقًا وعقيدةً، فلو اعتقد أنَّ محمدًا رسول الله ولم ينطق بذلك، أو الشَّهادة بأن لا إله إلا الله ولم ينطق بذلك وأبى يكون كافرًا، حتى ينطق بها، حتى يُقرَّ بذلك، فلا بدّ منهما لفظًا ومعنًى؛ ولهذا كفر اليهود ولو وحَّدوا، ولو قالوا: إنَّهم يُوحدون الله، كفروا بإنكارهم نبوة محمدٍ عليه الصلاة والسلام.

وهكذا النصارى، وهكذا غيرهم ممن كذبوا محمدًا عليه الصلاة والسلام، ولو عبدوا الله، ولو أخلصوا لله، حتى يُؤمنوا بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام.

فلا بدّ من الأمرين: من توحيد الله، والإيمان برسول الله عليه الصلاة والسلام، كما أنه لا بدّ أيضًا من الإيمان بجميع الرسل والملائكة والكتب، إلى غير ذلك، كما هو معلوم.

هذه الأقوال الثلاثة في حقِّ مَن هو مُوحد، ولكن تلفظ بشهادة أنَّ محمدًا رسول الله، ولم يتلفظ بالشَّهادتين، أو أتى بشهادة أن لا إله إلا الله، وهو مُؤمن بأنَّ محمدًا رسول الله، ولكن لم يتلفظ بها، فهذا محل نظرٍ إذا كان قد أتى بها سابقًا، واستقام عليها سابقًا، ولكن عند المطالبة لم يأتِ بذلك، فهذا وجهه، وإلا فالكلام هذا فيه شيء، حطّ عليه إشارة.

فهي أقوال ثلاثة، وهذا الكلام فيه إجمال، وقد أجمع علماءُ السنة على أنه لا بدَّ من الشَّهادتين، هذا أمرٌ لا نزاعَ فيه، لا بدّ من توحيد الله، والإقرار بالشَّهادة، ولا بدَّ من شهادة أنَّ محمدًا رسول الله، والإيمان بها قولًا وعقيدةً.

س: كيف بمَن يشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ولكنه يدعو غير الله؟

ج: ما أتى بها عقيدةً، أتى بها لفظًا، ما يقبل حتى يقولها حقيقةً، عقيدةً.

وأمَّا مَن ذكر الله وَلم يذكرهُ بالرِّسالة، فَإِنَّهُ لَا يكون مُؤمنًا، وَحَيْثُ جَاءَ فِي الأحاديث: يخرج من النَّار مَن قَالَ: لَا إله إلا الله، وأسعد النَّاس بشفاعتي يَوْمَ الْقِيَامَة مَن قَالَ: لَا إله إلا الله مخلصًا من قلبه، وَنَحْو ذَلِك؛ فَلِأَنَّ ذَلِك مُسْتَلْزم الإيمان بالرِّسالة كَمَا بَيَّناهُ فِي غير هَذَا الْمَوضِع، وأنه لَا تصحّ هَذِه الْكَلِمَة إلا من المقرّين بالرِّسالة، وَبِمَا وَقع فِيهِ هَؤُلَاءِ وأمثالهم من ضعف الإيمان بِالْكِتاب وَالرَّسُول، وَبَعض أنواع الضَّلَالَة والجهالة حَتَّى فِي الشِّرك الَّذِي زَعَمُوا أنَّهم فرُّوا مِنْهُ، فنسأل الله مُقَلِّب الْقُلُوب أن يُثبت قُلُوبنَا على دينه.

وَكَذَلِكَ قَول الشّبلي لما سُئِلَ: مَتى تستريح؟ فَقَالَ: إذا لم أرَ لَهُ ذَاكِرًا.

وَذكر هَذَا فِي الْغيرَة الَّتِي هِيَ من طَرِيق أولياء الله وعباده الصَّالِحين من أعظم الْمُنْكَرَات، وَمن القَوْل الَّذِي يبغضه الله وَرَسُوله وأولياؤه من الأوَّلين والآخرين، أيغار الْمُؤمن أن يُذكر الله، أوْ يغار أن تُنتهك محارم الله؟!

وَلَيْسَ لهَذَا القَوْل وَجهٌ يُحمَد بِهِ، وأمَّا قَائِله فَلَعَلَّهُ كَانَ مسلوبَ الْعَقل حِين قَالَ ذَلِك، فقد كَانَ كثيرًا مَا يَزُول عقله، فإن قصد بِهِ أنَّ أحدًا لَا يذكرهُ كَمَا يَسْتَحقّهُ، فَالَّذِي يسْتَحقّهُ هُوَ الْعِبَادَة الَّتِي هِيَ حَقّه على عباده، وَهُوَ لَا يُكلفهم أكثر من طاقتهم، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُؤمَرون بِهِ، ويقبله الله مِنْهُم.

وإن قصد أنَّهم يقصرون فِي الْوَاجِب: فبعض الْوَاجِب خيرٌ من تَركه كُله، وَإِن كَانَ هَذَا لضيقٍ فِي نَفسه، وحرجٍ فِي فُؤَاده، فَهَذَا من الْغيرَة الَّتِي يبغضها الله وَرَسُوله، وَهُوَ شَرٌّ من الحسد.

الشيخ: وهذا من شطحات الصُّوفية، شطحتهم الخبيثة، نسأل الله العافية.

وَمِمَّا يُشبه هَذَا مَا ذكره لَهُ مرّةً بعضُ أصحابنا الْفُقَرَاء، وَفِيه خيرٌ وَدينٌ وَمَعْرِفَةٌ أنه كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَقَامَ آخرُ يُصَلِّي، قَالَ: فَأَخَذَتْنِي الْغيرَة. فَقلت لَهُ: هَذَا حسدٌ وضيق عطنٍ وظلمٌ، لَيْسَ بِغَيْرةٍ، إنما الغيرة إذا انتُهكت محارم الله، وَالله تَعَالَى وَاسع عليم، يسع عباده الأوَّلين والآخرين، وَهُوَ يحبّ ذَلِك، وَيَأْمُر بِهِ، وَيَدْعُو إليه، فَكيف يبغض الْمُؤمن مَا يُحِبّهُ؟

وَهَذَا الْقَدر وَاقعٌ كثير من أرباب الأحوال، حَتَّى يقتل بَعضُهم بَعْضًا، ويعتدي بَعضُهم على بعضٍ، يُؤْذي بَعضُهم بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: هَذَا غيرَة على الْحقِّ. وإنما هُوَ تعدٍّ لحدوده، وظلم لِعِبَادِهِ، وَصدّ عَن سَبيله، وتمثيل فِيهِ للحقِّ تَعَالَى بِالْمَرْأَةِ أو الأمرد الَّذِي يتغاير عَلَيْهِم الْفُسَّاق؛ لضيق الْمَحلِّ غير الإشراك، وَأصل ذَلِك من طلب الْفَساد والعلو فِي الأرض، وَطلب الِانْفِرَاد بالتَّأله، لَا لأجل الله، لَكِن لأجل الاستعلاء فِي الأرض، فَهُوَ من الْكِبر والحسد، من جنس ذَنْبِ إبليس وَفرْعَوْن وأخي ابْن آدم، لَا من أعمال عوام الْخلق، فضلًا عَن مُؤمنيهم، فضلًا عَن أولياء الله الْمُتَّقِينَ.

وَلِهَذَا نجد أمثال هَؤُلَاءِ من أقلّ النَّاس غيرَةً إذا انتُهكت محارمُ الله، وَيكون الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُم فِي تَعبٍ، وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُم فِي رَاحَةٍ، ضدّ مَا نعت اللهُ بِهِ الْمُؤمنِينَ حَيْثُ قَالَ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29]، وَقَالَ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]، فشأنهم من جنس الْخَوَارِج الَّذين قَالَ فيهم النَّبِيُّ ﷺ: يقتلُون أهل الإسلام، وَيدعونَ أهل الأوثان.

الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، فهؤلاء ضالُّون، لا يستريحون إلا إذا رأوا الناسَ غافلين عن ذكر الله، يستريحون إذا غفل الناسُ عن ذكر الله، حتى يتفرَّدوا هم بالعبادة وحدهم، فهذا جهلٌ زائدٌ، نعوذ بالله من الضَّلال البعيد.

وأما الْمَذْهَب الثَّانِي فَإِنَّهُ قَالَ: وَمن النَّاس مَن قَالَ: إنَّ الْغيرَة من صِفَات أهل البداءة، وأنَّ الموحد لَا يَشْهد الْغيرَة، وَلَا يَتَّصِف بِالِاخْتِيَارِ، وَلَيْسَ لَهُ فِيمَا يجْرِي فِي المملكة تحكم، بل الْحقّ سُبْحَانَهُ أولى بالأشياء فِيمَا يَقْضي على مَا يَقْضي.

وَقَالَ: سَمِعتُ الشَّيْخ أبا عبدالرَّحْمَن السّلمِيّ رَحمَه الله يَقُول: سَمِعتُ أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: الْغيرَة من عمل المريدين، فَأَمَّا أهل الْحَقَائِق فَلَا.

قَالَ: سمعتُه يَقُول: سَمِعتُ أبا نصر الأصبهاني يَقُول: سَمِعتُ الشّبلي يَقُول: الْغيرَة غيرتان: فغيرة البشرية على النُّفُوس، وغيرة الإلهية على الْقُلُوب.

قلتُ: أما نفي الْغيرَة مُطلقًا وَجعلهَا من عمل المريدين: فَهَذَا يُضاهي قَول مَن يَشْهد تَوْحِيد الرُّبوبية، وأنَّ الله خَالق كل شَيْءٍ، وربه، ومليكه، لَا يَشْهد تَوْحِيد الإلهية وَمَا يسْتَحقّهُ الرب من عِبَادَته وطاعته وَطَاعَة رسله، فَلَا يُفرق بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر، والأعمى والبصير، والظلمات والنور، وأهل الْجنَّة وأهل النَّار.

وَهَذَا من جنس قَول الْمُشْركين الَّذين قَالُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:148].

فَإِنَّ الْمُشْركين استدلُّوا بِالْقَدرِ على نفي الأمر وَالنَّهْي، والمحبوب وَالْمَكْرُوه، وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة، وَمَن سلك هَذَا المسلك فَهُوَ فِي نوعٍ من الْكُفْر الْبَين.

وَقَول الْقَائِل: "إنَّ الموحِّد لَا يَتَّصِف بِالِاخْتِيَارِ" كَلَامٌ مُجملٌ؛ فَإِن أراد بِهِ أنه لَا يخْتَار بِنَفسِهِ ولنفسه، فقد أحسن، وإن أراد بِهِ أنه لَا يخْتَار مَا اخْتَارَهُ الله وأمر بِهِ وأحبّه ورضيه، وأمره هُوَ أن يختاره ويريده وَيُحِبّهُ؛ فَهَذَا كفرٌ وإلحادٌ، بل الْمُؤمن عَلَيْهِ أن يُرِيد ويختار وَيُحبّ ويرضى وَيَطْلب ويجتهد فِيمَا أَمر الله بِهِ وأحبّه ورضيه وأراده وَاخْتَارَهُ دينًا وَشرعًا.

وَكَذَلِكَ قَوْله: "لَيْسَ لَهُ فِيمَا يَجْرِي فِي المملكة تحكم" إن أراد بِهِ أنه لَا يُعَارض الله فِي أمْرِه وَنَهْيه فَهَذَا حسنٌ وَحقٌّ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أن يرضى بِمَا أمر اللهُ بِهِ، وَيُسلم لله، وَمن ذَلِك التَّسْلِيم لرَسُوله، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، وَقَالَ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:28]، وَقَالَ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد:26]، وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124- 125]، وأمثال هَذَا كثير.

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَن حَالَتْ شَفَاعَته دون حدٍّ من حُدُود الله فقد ضادَّ الله فِي أمْرِهِ رَوَاهُ أبو دَاوُد وَغَيره.

وَقَوله: الموحد لَا يَشْهد الْغيرَة، وَلَا يَتَّصِف بِالِاخْتِيَارِ، فالتوحيد الَّذِي بعث اللهُ بِهِ رسلَه، وَأنْزَلَ بِهِ كُتبه هُوَ أن يُعبد الله وَحده لَا شريكَ لَهُ، فَهُوَ تَوْحِيد الألوهية، وَهُوَ مُسْتَلْزمٌ لتوحيد الرُّبوبية، وَهُوَ أن يُعبد الْحقّ، ربّ كل شَيْءٍ، فَأَمَّا مُجَرّد تَوْحِيد الربوبية -وَهُوَ شُهُود ربوبية الْحقّ لكل شَيْءٍ- فَهَذَا التَّوْحِيد كَانَ فِي الْمُشْركين، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106].

وَكَذَلِكَ إن أراد اعترافه بِأَنَّهُ لَا حولَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللَّه، وشهوده لفقره وعبوديته، وفقر سَائِر الكائنات، وأنَّ الله هُوَ ربّ كل شَيْءٍ، وعالم بِكُل شَيْءٍ ومليكه، لَا يخلق وَلَا يرْزُق إلا هُوَ، وَلَا يُعْطي وَلَا يمْنَع إلا هُوَ، لَا مَانعَ لما أعطى، وَلَا مُعطي لما منع: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:2]، قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر:38]، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:107]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].

فَإِن أراد هذا المشهد فَهَذَا أيضًا من الإيمان وَالدِّين، فالأول الإقرار بالأمر وَالنَّهْي، وَاتِّبَاع ذَلِك هُوَ عِبَادَته، وَهَذَا الإقرار بِالْقضَاءِ وَالْقَدر وشهود الافتقار إلى الله هُوَ استعانته؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الصَّلَاة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، قَالَ اللهُ: فَهَذِهِ الْآيَةُ بيني وَبَين عَبدِي، ولعبدي مَا سَأَلَ.

وعَلى هَذَا يخرج قَول أبي يزِيد: أريد ألا أريد. أَي: أريد ألا أريد بنفسي ولنفسي، بل لَا أُرِيد إلا مَا أمرتني أنت بإرادته، وأما عدم الْإِرَادَة مُطلقًا فمُحال طبعًا، وَطَلَبه مُحرَّمٌ شرعًا، وَالْمُقِرُّ بذلك فَاسد الْعَقل وَالدِّين.

والمريد لجَمِيع الْحَوَادِث الْمَأْمُور بهَا والمنهي عَنْهَا كَافِرٌ بدين الله وَمَا جَاءَت بِهِ رسله، وأما المريد لما أمر أن يُريدهُ ويعمله، والكاره لما نهى عَنهُ، فَهَذَا هُوَ الْمُؤمن الموحد، فَإِن أراد بقوله: (الموحد لَا يَشْهد الْغيرَة، وَلَا يَتَّصِف بِالِاخْتِيَارِ) أنه لَا يخْتَار شَيْئًا أصلًا: لَا مِمَّا أُمِرَ بِهِ، وَلَا مِمَّا نُهي عَنهُ، فَهَذَا مَعَ بُطْلَانه فِي الْوَاقِع وفساده فِي الْعَقل فَهُوَ من أعظم المروق من دين الله؛ إذ عَلَيْهِ أن يُرِيد كلّ مَا يُحِبّهُ الله تَعَالَى ويرضاه لَهُ وَيُحِبّهُ لَهُ، ويستعين الله على هَذِه الإرادة وَالْعَمَل بهَا، فَإِنَّهُ لَا حولَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِهِ.

كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُول: يَا مُقَلِّب الْقُلُوب، ثَبِّت قُلُوبنَا على دينك، وَأصل صَلَاح الْقَلب صَلَاح إرادته وَنِيَّته، فَإِن لم يصلح ذَلِك لم يصلح الْقَلب، وَالْقَلب هُوَ المضغة الَّتِي إذا صلحت صلح لَهَا سَائِرُ الْجَسَد، وإذا فَسَدَتْ فسد لَهَا سَائِرُ الْجَسَد.

الشيخ: وهذا كله يُبين أنَّ كلمات الصُّوفية ومشايخهم كلمات خطيرة، يقع فيها من الالتباس والإبهام والشُّمول وعدم التفصيل ما فيه ضلالٌ وشرٌّ على مَن لم يعرف مُرادهم، ولم يفصل فيما أجملوا، وأنَّ الصواب هو التَّمسك بما جاء في الشرع من الأوامر والنَّواهي، والمدح والذم، والمحبَّة والكراهة، فيكون المؤمنُ مُتقيدًا بما جاء به الشرع: فما مدحه الله وأحبَّه وأثنى عليه أخذ به المؤمن، وأثنى عليه، وأحبَّه، وآثره. وما كرهه الله وأبغضه وأنكره كرهه المؤمن، وأبغضه، وأنكره.

فالمؤمن مُتقيد بما جاء في الشرع، فهو مع الأوامر فعلًا، ومع النَّواهي تركًا، فليس له اختيارٌ، وليس له إرادةٌ إلا ما أراده الله ورسوله، وأمر الله به ورسوله، أما تحكيم العقول وتحكيم الإرادات مطلقًا: فهذا شأن مَن لا إيمانَ له، ولا بصيرة له من ضُلال الصُّوفية وجهلتهم ومارقيهم.

المقصود من هذا أنَّ الواجب التَّقيد بما دلَّ عليه الكتابُ والسنة حبًّا وكراهةً، وإرادةً وتركًا، وأمرًا ونهيًا في جميع الأحوال، فالإيمان بأنَّ الله هو الخلَّاق، الرَّزاق، المحيي، المميت، هذا لا يكفي، هذا أقرَّ به المشركون، ومع ذلك لم يكفهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وحتى يخصّوا الله بالعبادة، وحتى يؤمنوا بأسمائه وصفاته.

فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلهية ويقتضيه، وهكذا توحيد الأسماء والصِّفات يستلزم ذلك، وأما توحيد الإلهية فهو يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصِّفات؛ لأنَّ المعبود بالحقِّ يجب أن يكون مستكملًا لجميع الصِّفات العظيمة: من كونه خالقًا، ورازقًا، ومُدبِّرًا، وله الأسماء الحسنى، والصِّفات العُلا؛ ولهذا استحقَّ أن يُعبد، واستحقَّ أن يُؤله دون جميع المخلوقات .

ولهذا خاطب اللهُ جميع الخلق بأن يعبدوه وحده، ويخصُّوه بالعبادة؛ لأنه لا يكفيهم أن يقولوا: أنَّ الله هو الخالق الرازق، وأنَّ الله ربنا، حتى يعبدوه، وحتى يخصُّوه بالعبادة دون آلهتهم.

ولهذا قال : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، وقال: لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النحل:51]، وقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].

كل هذا خطابٌ لهؤلاء الذين يُقرون بأنَّ الله ربُّهم، وأنَّ الله خالقهم، فلم يكفهم ذلك، ولم يكتفِ الربُّ منهم بذلك حتى يخصّوه بالعبادة، وحتى يُفردوه بها دون كلِّ ما سواه .

وَكَذَلِكَ قَوْله: (لَيْسَ لَهُ فِيمَا يجْرِي فِي المملكة تحكم) إن أراد بِهِ أنه لَا يغار إذا انتُهكت محارم الله، وَلَا يَغْضب لله، وَلَا يَأْمُر بِمَعْرُوفٍ، وَلَا يَنْهَى عَن مُنكرٍ، وَلَا يُجَاهِد فِي سَبِيل الله، فَهَذَا فَاسقٌ مارقٌ، بل كَافِر، وإن أظهر الإسلام فَهُوَ مُنَافِقٌ، وإن كَانَ لَهُ نصيبٌ من الزُّهْد وَالْعِبَادَة مَا كَانَ فِيهِ.

وَمَعْلُوم أنَّ الْمُؤمن لَا يَخْلُو من ذَلِك بِالْكُلِّيَّةِ، وَمن خلا من ذَلِك بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ مُنَافِقٌ مَحْضٌ، وَكَافِرٌ صَرِيحٌ؛ إذ الْمُؤمن لَا بُدَّ أن يكون الله وَرَسُوله أحبَّ إليه مِمَّا سواهُمَا، وَلَا بُدَّ أن يتبرأ من الإشراك بِاللَّه وأعداء الله، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة:4].

وَقَالَ عَن إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَام: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ۝ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ۝ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:75- 77].

وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ۝ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:26- 27].

وَقَالَ تَعَالَى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة:22].

وَقَالَ تَعَالَى: تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ۝ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:80- 81].

وَقَالَ: لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ [المائدة:57].

وَقَالَ: لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الممتحنة:13]، وَهَذَا كثير جدًّا.

وأيضًا فالقائل لذَلِك لَا يثبت عَلَيْهِ، بل لَا بُدَّ أن يكره أمورًا كَثِيرَةً مُضرَّة، وَكَثِيرًا مَا يعتدي فِي إنكارها حَتَّى يخرج عَن الْعَدْل، فَهَذَا خُرُوجٌ عَن الْعَقل وَالدِّين، وَعَن الإنسانية بِالْكُلِّيَّةِ إذا أُخذ على عُمُومه.

وأما إن قَبِلَ ذَلِك فِي بعض الأمور بِحَيْثُ يَتْرك الْكَرَاهَةَ أحيانًا لما كرهه الله، والغيرة أحيانًا إذا انتُهكت محارم الله؛ فَهَذَا نَاقص الإيمان بِحَسب ذَلِك، بل قد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أبي سعيدٍ، عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: مَن رأى مِنْكُم مُنْكرًا فليُغيره بِيَدِهِ، فَإِن لم يَسْتَطع فبلسانه، فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه، وَذَلِكَ أضعف الإيمان، فَإِن لم يكن فِي الْقَلب إنكارُ مَا يكرههُ ويبغضه لم يكن فِيهِ إيمانٌ.

وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: مَن مَاتَ وَلم يغزُ، وَلم يُحدِّث نَفسه بالغزو مَاتَ على شُعْبَة نفاقٍ.

وَتَحْقِيق ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا الآية [التوبة:24].

وَقد ذكر الله فِي سُورَة بَرَاءَة وَغَيرها من صفة الْمُنَافِقين مَا فِيهِ عبرة لهَؤُلَاء، وَوصف الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بقوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71].

وَكَذَلِكَ قَوْله: (بل الْحقّ أولى بالأشياء فِيمَا يقْضى على مَا يقْضى) فِيهِ تَقْصِيرٌ فِي خلق الربِّ وأمره؛ فَإِنَّ قَوْله: (أولى) قد يُفهم مِنْهُ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، بل لَا خَالقَ إلا الله، وَلَا ربَّ غَيره: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ۝ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الآية [سبأ:22- 23].

وأمَّا الأمر فإنه سُبْحَانَهُ أمر الْعِباد ونهاهم، فعلى العَبْد أن يفعل مَا أمرَه بِهِ من الْغيرَة وَغَيرهَا.

الشيخ: ولهذا يقول سبحانه: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54]، فالخلق خلقه، والأمر أمره، فله الخلق، وليس هناك خالقٌ سواه، وهو الخلَّاق العليم: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62]، هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3]، استفهام معناه النَّفي، يعني: لا خالقَ سواه سبحانه، يعني: مَن يوجد الخلائق جميعها: جامدها وناطقها، فهكذا الأمر أمره، ليس لأحدٍ أمرٌ سواه، بل الأمر أمره فيما أمر ونهى جلَّ وعلا، وما قاله الناسُ يرجع إليه، فإن وافق أمره وإلا رُدَّ إليهم، كما قال : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59].

فالشرع شرعه، والأمر أمره، وليس للناس التَّخلف عن ذلك أو الحيدة عن ذلك لأمر فلان أو فلان، إنما الطاعة بالمعروف، وليس للمخلوق طاعة في معصية الخالق : لا العلماء، ولا غير العلماء.

وبهذا يُعلم أنَّ ما يقع لبعض الشيوخ من الصُّوفية أو غيرهم من تقديم أمر مشايخهم ورُؤسائهم، وما يقع لبعض الناس من تقديم أوامر أُمرائهم وشيوخهم على طاعة الله ورسوله: أنَّ هذا غلطٌ عظيم، وفساد كبير، ومخالف لما قال جلَّ وعلا: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] .

فَإِذا كَانَ قد أمره بِأَن يغار لمحارمه إذا انتُهكت، وأن يُنكِر الْمُنكر بِمَا يقدر عَلَيْهِ من يَده وَلسَانه وَقَلبه، فَلم يفعل، فَإِنَّمَا هُوَ فَاسقٌ عَن أمْر ربه، لَا تَارِك لمشاركته؛ إذ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الشّركَة بِحَالٍ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا إله إلا هُوَ وَحده، لَا شريك لَهُ، لَهُ الْمُلك، وَله الْحَمد، وَهُوَ على كل شَيْءٍ قدير.

فالاحتجاج بِكَوْنِهِ أولى من العَبْد بخلقه على ترك مَا أمر بِهِ من محبوبه ومرضيه وطاعته وعبادته فِي الأمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فِيهِ أمران قبيحان، توهم نوع مُشَاركَةٍ من العَبْد لَهُ إذا أطاعه وَعَبده، وإسقاط مَا أمر بِهِ وأحبّه من الْغيرَة.

وَهَذَا الْكَلَام كَأَنَّ قَائِله لم يُغالب الْمَقَادِير بِنَفسِهِ لنَفسِهِ، مثل: الْمُلُوك المتغالبين، والأمم المتعادين من أهل الْجَاهِلِيَّة الَّذين لَيْسَ فيهم مَن هُوَ مُطِيعٌ لله وَرَسُوله بجهاده، بل كِلَاهُمَا مُتَّبع هَوَاهُ، خَارج عَن طَاعَة مَوْلَاهُ، إذا أعْرَضَ الْمُؤمِنُ عَنْهُم، وَلم يُعاون وَاحِدًا مِنْهُمَا: لَا بباطنه، وَلَا بظاهره، إذا كَانَا فِي مَعْصِية الله سَوَاء، فَهُوَ محسِنٌ فِي ذَلِك، وأمَّا إذا كَانَ الأمر عبَادَةً لرَبه، وَهُوَ مستعين بِهِ فِيهِ، فَكيف يكون الإعراضُ عَن هَذَا الأمر طَريقَةَ عباد الله الصَّالِحين، وأولياء الله الْمُتَّقِينَ؟! وَهل الإعراض عَن هَذَا إلا من طَريقَة الْجَاهِلين، الظَّالِمين، الْفَاسِقين عَن أَمْر ربِّ الْعَالمين؟!

وأما قَول الشَّيْخ أبي عُثْمَان: (الْغيرَة من عمل المريدين، فَأَمَّا أهل الْحَقَائِق فَلَا) فَلم يرد وَالله أعْلَم بذلك الْغيرَة على محارم الله، وَهِي الْغيرَة الشَّرْعِيَّة، فَإِن قدر الشَّيْخ أبي عُثْمَان أجلّ من أَن يَجْعَل الْغيرَة الَّتِي وصف اللهُ بهَا نَفسَه، وَكَانَ رَسُوله فِيهَا أكمل من غَيره، وَهِي مِمَّا أوجبه الله وأحبّه من عمل المريدين دون أهل الْحَقَائِق، وإنما يَعْنِي الْغيرَة الاصطلاحية الَّتِي يُسميها هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ: غيرَة، كَما قدَّمْنَاهُ، مثل: الْغيرَة المتضمنة للمُنافسة والحسد، مثل: أن يغار أحدُهم إذا رأى أحدًا سبقه إلى الْحقِّ، أو نَالَ مِنْهُ نَصِيبًا وافرًا، وَنَحْو ذَلِك، فَإِنَّ هَذَا كثير جدًّا فِي السَّالكين.

فَقَالَ الشَّيْخ: إنَّ هَذِه الْغيرَة تعرض للمُريدين حَيْثُ لم يَشْهدُوا الْحَقَائِق، وأنَّ الله هُوَ الْمُعْطِي الْمَانِع، فَأَمَّا أهل الْحَقَائِق الَّذين يَشْهدُونَ أنَّ الله هُوَ الْمُعْطي الْمَانِع، وأنه لَا ربَّ غَيره، فَإِنَّهُم لَا يغارون على مَا وهبه الله عباده من هِباته المستحبَّة أو الْمُبَاحَة، وَلَا يعتبون على الْحَوَادِث كَمَا يَفْعَله مَن يَفْعَله من النَّاس فِي سبِّهم الدَّهْر، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: لَا تسبّوا الدَّهْر؛ فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْر، بِيَدِهِ الأمر، يُقلب اللَّيْل وَالنَّهَار، وَقَالَ: يَقُول الله تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدم؛ يسبّ الدَّهْر، وأنا الدَّهْر، بيَدي الأمر، أُقلب اللَّيْل وَالنَّهَار.

فَهَذَا الَّذِي فسّر بِهِ الشَّيْخ أبو عُثْمَان هُوَ فرقان.

الشيخ: والمعنى في هذا أنَّ بعض الناس قليل العلم، قليل البصيرة من الصوفية وغيرهم، يحسدون الناسَ على ما آتاهم الله من فضله، ويكرهون الغيرة، ويحسدون أهلها إذا سبقوهم إلى الخير، فإذا رأوهم سبقوهم إلى الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، أو سبقوهم إلى الصف الأول، أو سبقوهم إلى غير ذلك من أنواع الخير؛ كرهوا منهم ذلك، وحسدوهم على ذلك، وهذا غلطٌ كبيرٌ، بل الواجب أن يُحبّوا على هذا، وأن يجتهد الإنسانُ في أن يتأسَّى بهم، أما أن يحسدهم، أو يُثبطهم، أو يُكرههم على هذا العمل، أو ما أشبه ذلك مما يدل على حسدٍ وكراهة أن يعمل هذا العمل بأكثر مما عمل الشخص، فهذا ليس من دين الإسلام، بل الواجب التَّسابق في هذا الخير، مع محبَّة الخير لأخيك، وثنائه عليه، وفرحه بسبق أخيه إلى الخيرات.

والغيرة التي شرعها اللهُ للعباد هي الغيرة في إنكار المنكر، والقضاء على أسباب الفساد، فيغار أن تُنتهك محارم الله، ويسعى في إزالة ذلك، والمنع من ذلك؛ ولهذا حرَّم اللهُ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن، فأمَّا أن يغار لأنَّ فلانًا سبقه في هذه الطاعة، أو إلى الصفِّ الأول، أو إلى مساعدة منكوبٍ، أو إلى نصر مظلومٍ، أو ما أشبه ذلك؛ فينبغي له أن يفرح بهذا الشيء، وأن يُسرّ بهذا الشيء، ويُسارع إلى مثله؛ حتى يكون من المتسابقين إلى الخيرات، الله يقول: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، سَابِقُوا [الحديد:21].

وَكَذَلِكَ مَا ذكره الشّبلي أنه قَالَ: الْغيرَة غيرتان: فغيرة البشرية على النُّفُوس، وغيرة الإلهية على الْقُلُوب.

قَالَ الشّبلي: غيرَة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فِيمَا سوى الله، إذا فسّر بِأَنَّ الْبَشَر يغارون على الحظوظ مِمَّا هُوَ من جنس المنافسة والمحاسدة، وَلَيْسَ هَذَا بمحمودٍ.

وأما الْغيرَة الإلهية على الْقُلُوب على مَا يفوتها من محابِّ الْحقِّ ومراضيه، فَهَذَا كَلَامٌ حسنٌ، من أحسن كَلَام الشبلي رَحْمَة الله عَلَيْهِ، فَإِن كَانَ هَذَا يغار على نَفسه فَلَا كَلَامَ، وإن كَانَ يغار من حَال غَيره فَفِيهِ شبه مَا ..... من قَول النَّبِي ﷺ: لَا حسدَ إلا فِي اثْنَتَيْنِ: رجلٌ آتاه الله الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بهَا وَيُعلمهَا، ورجلٌ آتاه الله مَالًا وسلَّطه على هَلَكته فِي الْحقِّ، فَإِنَّهُ أخبر أنه لَا يَنْبَغِي لأحدٍ أن يغبط أحدًا إلا على هَذَا.

الشيخ: وهذا الحسد يُسمونه: حسد الغبطة، وهو أن يتمنى أن يكون له مثل عمل أخيه، ولا يتمنى زواله عن أخيه، إن تمنى زواله عن أخيه صار حسدًا مذمومًا وظلمًا، لكن يربطه بهذا الخير، ويتمنى أن يكون مثله في ذلك، وأن يحصل له مثل ما حصل لأخيه، فإذا رآه يُنفق ويُحسن أحبَّ أن يكون مثله، فإذا رآه يُكثر من قراءة القرآن أحبَّ أن يكون مثله، وإذا رآه يحكم بالحقِّ، ويأمر بالحقِّ، ويدعو إليه أحبَّ أن يكون مثله، فهذا هو الحسد الذي أراده النبيُّ ﷺ: لا حسدَ إلا في اثنتين يعني: لا غبطة.

وَكَذَلِكَ مَا ذكره أبو الْقَاسِم الْقُشيرِي بعد ذَلِك حَيْثُ قَالَ: وَالْوَاجِب أن يُقَال: الْغيرَة غيرتان: غيرَة الْحقِّ على العَبْد، وَهُوَ أن لَا يَجعله لِلْخلقِ فيضنّ بِهِ عَلَيْهِم. وغيرة العَبْد للحقِّ، وَهُوَ أن لَا يَجْعَل شَيْئًا من أحواله وأنفاسه لغير الْحقِّ، فَلَا يُقَال: أنا أغار على الله. وَلَكِن يُقَال: أنا أغار لله. فَإِنَّ الْغيرَة على الله جهلٌ، وَرُبمَا تُؤدِّي إلى ترك الدّين، والغيرة لله تُوجب تَعْظِيم حُقُوقه، وتصفية الأعمال لَهُ.

فَهَذَا كَلَامٌ جيدٌ، لكنه بالاصطلاح الْحَادِث، لَيْسَ هُوَ بالاصطلاح الْقَدِيم، فَإِنَّ النَّبِي ﷺ قد بَيَّن أنَّ غيرَة الله أن يَأْتِي الْمُؤمنُ مَا حرَّم عَلَيْهِ، وَهَذَا يشْتَرك فِيهِ السَّابِقُونَ والمقتصدون، وهم أولياء الله الَّذين لَا خوفٌ عَلَيْهِم، وَلَا هم يَحْزَنُونَ، ثمَّ السَّابِقُونَ يَجْعَل أعمالهم كلهَا لله، فَإِنَّهُم الَّذين لَا يزالون يَتَقَرَّبُون إلى الله بالنوافل حَتَّى يُحِبَّهُمْ، وَمَن أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، وَمنع لله؛ فقد اسْتَكْمَل الإيمان، فَإِذا صانهم عَن الْعَمَل لغيره، فَصَارَت أعمالهم كلهَا لله: تركُوا الْمَحَارِم، وأتوا بالواجبات والمستحبَّات.

وَقد شبّه تنزيههم عَن فضول الْمُبَاح، وَعَن فعل المكروهات، وَترك المستحبَّات: غيرَة من الْحقِّ عَلَيْهِم، فَهَذَا أمرٌ اصطلاحي، لَكِن الْمَعْنى صَحِيحٌ مُوَافقٌ الْكِتاب وَالسُّنة.

وأمَّا قَوْله: (غيرَة العَبْد للحقِّ أن لَا يَجْعَل شَيْئًا من أحواله وأنفاسه لغير الْحقِّ) فَهَذَا غيرَة على نَفسه أن يكون شَيْء من عمله لغير الله.

وَهَذَا أيضًا حَال هَؤُلَاءِ السَّابِقين الآتين بالفرائض والنَّوافل، المجتنبين للمحارم والمكاره، قَالَ الله تَعَالَى: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32].

وَلَا ريبَ أنه يَدْخل فِي هَذَا غيرته إذا انتُهكت محارم الله، فإنه إذا لم يغر لله حِينَئِذٍ، مَعَ أمر الله لَهُ بالغيرة؛ لم يكن عمله الَّذِي اشْتغل بِهِ عَن هَذَا الْحقِّ لله، وَكَانَ للشَّيْطَان.

وَكَذَلِكَ قَوْله: (لَا يُقَال: أغار على الله، وَلَكِن يُقَال: أنا أغار لله) كَلَامٌ حسنٌ جيدٌ، كَمَا قَالَ: الْغيرَة على الله جهلٌ، وَهِي كَمَا قدَّمْنَاهُ حسدٌ وَكبرٌ يُسمونه: غَيرة. فيحبّ أحدهم أن لَا يشركهُ غَيره فِي التَّقَرُّب إلى الله، وابتغاء الْوَسِيلَة إليه، ويُريدون أن يسمّوا ذَلِك باسمٍ حسنٍ؛ لِئَلَّا يذمّوا عَلَيْهِ، ويُسمونه: غيرَة؛ لأنَّ من عَادَة الْبَشر إذا أحبَّ أحدُهم إنسانًا محبَّةً طبيعيةً، سَوَاء كَانَت محبَّته مُحرَّمَةً: كمحبة الْأمرد، وَالْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة، أَو غير مُحرَّمَة: كمحبة أُمٍّ؛ أَنه ببشريته يغار من أن يُشَارِكهُ فِي ذَلِك أحدٌ، فَجعلُوا محبَّتهم لله بِمَنْزِلَة هَذِه الْمحبَّة، وَهَذَا من أعظم الْجَهْل وَالظُّلم، بل محبَّة الله من شَأْنهَا أن يحبّ العَبْد أن جَمِيع الْمَخْلُوقَات يشركونه فِي ذَلِك، كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ: وَالَّذِي نفسي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحدُكم حَتَّى يُحبَّ لأخيه من الْخَيْر مَا يُحِبّهُ لنَفسِهِ.

وَمثل هَذِه الْغيرَة المذمومة مَا ذكره طَائِفَةٌ من السَّلف قَالُوا: لَا تُقبل شَهَادَة الْقُرَّاء. أو قَالُوا: الْفُقَهَاء بَعضُهم على بعضٍ؛ لِأَنَّ بَينهم حسد.

الشيخ: لعلها بالنَّصب.

لأنَّ بينهم حسدًا، كحسد النُّفُوس على زريبة الْغَنم، وَيُقَال: فلَان وَفُلَان يتصاولان على الرياسة تصاول الفحلين، فَلَا ريبَ أنَّ فحول الْبَهَائِم تتغاير وتتحاسد وتتصاول على إناثها، يَطْلب كلٌّ مِنْهَا من الآخر أن لَا يُزاحمه، كَمَا يتغاير الفحول الآدميون على مناكحهم، وَهَذَا فِيمَا أمر اللهُ بِهِ محرم.