02 من حديث: (نهى عن جلود السباع)

بَابُ النَّهْيِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ

50- عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ابْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ.

رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: أَنْ تُفترش.

51- وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ : أَنَّهُ قَالَ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ النُّمُورِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد.

وَلِأَحْمَدَ: أُنْشِدُكُم اللَّهَ، أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رُكُوبِ صُفَفِ النُّمُورِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ.

52- وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ : أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ : أُنْشِدُكَ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.

53- وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَمَيَاثِرِ النُّمُورِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.

54- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وهذه النصوص تمنع من استعمال جلد ما لا يُؤكل لحمه في اليابسات، وتمنع بعمومها طهارته بذكاةٍ أو دباغٍ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي تَطْهِيرِ الدِّبَاغِ

55- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَولَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ! فَقَالَ: إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا.

رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، إلَّا أنَّ ابْنَ مَاجَهْ قَالَ فِيهِ: عَنْ مَيْمُونَةَ، وجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهَا، وَلَيْسَ فِيهِ لِلْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ ذِكْرُ الدِّبَاغِ بِحَالٍ.

وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: إنَّ دَاجِنًا لِمَيْمُونَةَ رضي الله عنها مَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ أَلَا دَبَغْتُمُوهُ؛ فَإِنَّهُ ذَكَاتُهُ؟.

وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ إنَّمَا يَعْمَلُ فِيمَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَعَ غَيْرِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ أَسَانِيدُ صِحَاحٌ.

56- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ.

رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: قَالَ إِسْحَاقُ: عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ: إنَّمَا يُقَالُ: "إِهَابٌ" لِجِلْدِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.

57- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنْ سَوْدَةَ رضي الله عنها -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ- قَالَتْ: "مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْتَبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا".

رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبُخَارِيُّ وَقَالَ: إنَّ سَوْدَةَ مَكَانُ عَنْ.

58- وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُنْتَفَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.

وَلِلنَّسَائِيِّ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَقَالَ: دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا.

وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: طَهُورُ كُلِّ أَدِيمٍ دِبَاغُهُ.

قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ.

بَابُ تَحْرِيمِ أَكْلِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ وَإِنْ دُبِغَ

59- عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَة بِنْتِ زَمَعَةَ رضي الله عنها، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاتَتْ فُلَانَةُ -تَعْنِي الشَّاةَ- فَقَالَ: فَلَوْلَا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا، قَالُوا: أَنَأْخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ؟! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ [الأنعام:145]، وَأَنْتُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ، أَنْ تَدْبُغُوهُ فَتَنْتَفِعُوا بِهِ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهَا، فَسَلَخَتْ مَسْكَهَا، فَدَبَغَتْهُ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي نَسْخِ تَطْهِيرِ الدِّبَاغِ

60- عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ رضي الله عنه قَالَ: كَتَبَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ.

رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُم الْمُدَّةَ غَيْرُ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُد، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ: إنِّي كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ.

وَلِلْبُخَارِيِّ فِي "تَارِيخِهِ": عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَشْيَخَةٌ لَنَا مِنْ جُهَيْنَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَيْهِمْ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ.

وأكثر أهل العلم على أنَّ الدباغ مطهر في الجملة؛ لصحة النصوص به، وخبر ابن عكيم لا يُقاربها في الصحة والقوة لينسخها.

قال الترمذيُّ: وسمعتُ أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث؛ لما ذكر منه: "قبل وفاته بشهرين"، وكان يقول: هذا آخر أمر رسول الله ﷺ، ثم ترك أحمدُ هذا الحديثَ لما اضطربوا في إسناده؛ حيث روى بعضُهم فقال: عن عبدالله بن عكيم، عن أشياخٍ من جُهينة.

بَابُ نَجَاسَةِ لَحْمِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ لحمُه إذَا ذُبِحَ

61- عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا أَمْسَى الْيَوْمُ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ خَيْبَرُ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا هَذِهِ النَّارُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، فَقَالَ: أَهْرِيقُوهَا، وَاكْسِرُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْ نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ: أَوْ ذَاكَ.

وَفِي لَفْظٍ: فَقَالَ: اغْسِلُوا.

62- وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَبْنَا مِنْ لَحْمِ الْحُمُرِ -يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ- فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ -أَوْ نَجِسٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

هذه الأبواب الأربعة فيما يتعلق بجلود ما لا يُؤكل لحمه، وذكر في حديث جلود السباع، وكان المناسب من المؤلف أن يُبوب في باب حكم جلود السباع والافتراش واللبس لها، هو عدل عن ذلك إلى حكم جلود ما لا يُؤكل لحمه، وكذلك ما يتعلق بتطهير الدباغ، وكذلك ما يتعلق بتحريم أكل جلد الميتة، وما يتعلق أيضًا بنسخ تطهير جلود الميتة بالدباغ، فهذه الأحاديث المتعلقة بالأبواب الأربعة.

الباب الأول: يتعلق بجلود السباع، والأحاديث في ذلك مُتعاضدة ومُستفيضة في النَّهي عن جلود السباع، افتراشًا، ولباسًا، فلا تفرش، ولا تُلبس، والحكمة في ذلك والله أعلم إما لما فيها مما يكسبه لبسها وافتراشها من الخُيلاء، أو التَّشبه بالأعاجم، أو ما تكسبه أيضًا من صفات تلك السباع؛ وهي الجفاء والغلظة، كما قيل ذلك في حكمة تحريم أكلها.

وبكل حالٍ، مهما تنوعت الحِكَمُ، ومهما جهلنا عينَها، فالأحاديث كلها تدل على تحريم استعمال جلود السباع: كالنمر، والأسد، والذئب، ونحو ذلك، فلا تُفترش، ولا تُلبس؛ لنهي الرسول عنها عليه الصلاة والسلام، والحكمة في ذلك مثلما تقدَّم اختُلف فيها، ولا يضرّنا أن نجهل الحكمة، فإن الحكم يجب قبوله، والأخذ به مطلقًا، وإن لم تعرف الحكمة، فنحن عبيد مأمورون، علينا أن نمتثل أمر الله، وأن ننتهي عن نهيه ، وإن لم نعرف الحكمة والعلة التي من أجلها جاء الحكم.

ولكن ذكر العلماءُ في ذلك أسرارًا وحِكَمًا، منها ما تقدَّم من كونها تُكسب الخيلاء والتَّكبر، ولا سيما جلود النمر، فإنَّ فيها نقوشًا وجمالًا، وكذلك تُكسب أيضًا جفاء وغلظة في صفة مَن هي جلود له، كما قيل ذلك في تحريم لحومها، وهي أيضًا في الغالب يكون فيها تشبّه بالأعاجم؛ لأنهم اعتادوا ذلك، وجعلوه سجيةً لهم، فالمؤمن يتباعد عن مُشابهتهم فيما هو من خصائصهم.

وبكل حالٍ، فالواجب تجنّبها، وألا يُتَّخذ منها فراشٌ ولا لباسٌ، سواء كانت السباع نمورًا، أو أسودًا، أو ذئابًا، أو فهودًا، أو غير ذلك؛ لهذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة المتعاضدة عن النبي ﷺ.

وأما ما يتعلق بجلد الميتة: فقد ثبتت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأنَّ جلدها يطهر بالدبغ، ولهذا قال ﷺ: إذا طهر الدباغ فقد طهر، خرجه مسلم وغيره، وقال: دباغ الجلود طهورها، فإذا دُبغ الإهاب، وهو إهاب ما يُؤكل لحمه كما قال النَّضر بن شُميل، جلود الميتة التي يُؤكل لحمها لو ذُكيت: كالإبل والبقر والغنم والضباء ونحو ذلك، فإذا ماتت وأُخذ جلدها ودُبغ فلا بأس أن يُنتفع به في الرطب واليابس على الصحيح، خلافًا لمن قال: "يُنتفع به يابسًا"، الصواب أنه يُنتفع به يابسًا وغير يابسٍ؛ ولهذا اتَّخذت ميمونةُ وسودةُ قربةً استعملوها في الماء، وكانت ميتة، لكن طهرت بالدباغ، ولما توقَّفوا في ذلك قالوا: "إنما حرم عليكم أكلها"، فدلَّ ذلك على أنَّ الجلد لا يُؤكل إذا دُبغ، لكن يُستعمل، والمحرم أكل الميتة، أما استعمال جلدها إذا دُبغ فلا حرج في ذلك.

وأما حديث عبدالله بن عُكيم برواياته، المحتجّ به على النسخ بتطهير الدباغ، فهو حديثٌ مضطرب كما قال أحمد وغيره، اضطرب الناسُ فيه، واختلفت روايتُه في سنده ومتنه، وعلى فرض صحَّته فإنه محمولٌ على الإهاب قبل الدّبغ، لا بعد الدبغ، ولهذا قال بعضُهم: إنما يقال: "إهاب" قبل الدبغ، فإذا دُبغ سُمي: جلدًا، لا إهابًا، فهذا لو صحَّ فمحمولٌ على الإهاب قبل أن يُدبغ، فهو منهيٌّ عنه.

وهكذا عصبها ولحمها نجس، لا يُستعمل، فهذا هو المراد بحديث عبدالله بن عكيم لو صحَّ.

وأما الجلود التي تُدبغ: فأحاديثها ثابتة ومحكمة، وليس فيها نسخٌ، بل هي صحيحة ثابتة تدل على إباحة جلود الميتة المأكول لحمها بالدبغ.

وأما جلود الميتات التي لا يُؤكل لحمها: كجلود السباع، تقدم الكلام فيها، وأنها مُحرَّمة، وهكذا الجلود الأخرى: كالحمر، والبغال، ونحوها مما ليس بسبعٍ، اختلف الناسُ في جلدها: هل يطهر أو ما يطهر؟ على أقوالٍ، والأظهر والأقرب والله أعلم أنها لا تطهر؛ لأنها مُحرَّمة، فوجب تركها بالكلية: جلدها ولحمها، وإنما جاء السؤال وجاء البحثُ في الميتات التي يُؤكل لحمها بالذّكاة، فهذا هو الأظهر.

ولهذا قال بعضُهم: إنما يُقال "إهاب" لما يُؤكل لحمه، فالأقرب أن تلك الحيوانات التي لا تُؤكل لا يُتعرض لها: لا لجلدها، ولا لغيره، بل هي جيفة تُطرح، وإنما الذي يُنتفع به بالدبغ هو جلد الميتة التي يطهر لحمُها: كالإبل، والبقر، والغنم، ونحوها، والحمر الوحشية، ونحو ذلك.

وأما ما يتعلق بالنّجاسة: فإن لحومها نجسة –أي: الميتة- لحمها وشحمها كله نجس، ولهذا قال ﷺ لما ذبحوا الحُمُر: ألا إنَّ لحمها رجس، بيَّن ﷺ أنها نجس، ولحومها وشحمها وأمعاؤها كلها نجسة، فلا يجوز الانتفاع بشيءٍ منها، سواء ذُبحت أو ماتت حتف أنفها: كالبغال، والحمير، والكلاب، والسنانير، وأشباهها، كلها محرمة الأكل، ونجسة إذا ماتت، زيادة على نجاستها في الحياة والله أعلم.

الأسئلة:

س: تبويب المصنف "باب تحريم أكل جلد الميتة" المراد أكل نفس ذاك الجلد يعني؟

ج: ذاك الجلد نعم.

س: والغراب؟

ج: كذلك الغراب والحدأة، كلها محرمة.

س: عرق البغال والحمار؟

ج: العرق لا بأس على الصحيح، عرقها وسؤرها لا بأس؛ لأن الرسول ﷺ كان يركبها عاريةً عليه الصلاة والسلام، وكان يُركبها الناس.

س: وكذلك إذا ابتلت بالماء؟

ج: كذلك، مثل: الهر: إنه من الطوافين عليكم، لكن قال في أبوالها وأرواثها: نجس مثل بني آدم، بني آدم طاهر، وروثه وبوله نجس.

س: إذا لمس الكلب .....؟

ج: الظاهر مثل غيره يغسلها، الصواب أنه نجس، ولهذا قال النبيُّ ﷺ: طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلبُ غسله سبع مرات، أما إذا لمسه وهو يابس فلا يضرّ.

س: الأحاديث الأولى ما الحكم عليها؟

ج: صحيحة كلها، في بعضها شيء من اللين: كرواية بقية بن الوليد عن بحير بن سعيد، لكن بقية في المتابعة لا بأس، وفي الجملة كلها صحيحة.

س: يغسل يده سبعًا؟

ج: هذا هو الأظهر؛ إلحاقًا له بالولوغ.

س: الصوف الذي على الجلد يتبع الجلد؟

ج: لا، ما يتبع، الصحيح ما يتبع، لو ماتت يُؤخذ صوفها، صوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز لا بأس، الصحيح لا يحله الحياة.

س: إذا كان متّسمًا به، مثل: الآن يُباع في الأسواق جلد غنم؟

ج: المقصود لا بأس، دبغ الجلد وأخذ الشعر لا بأس به.

س: ................؟

ج: ما ينبغي ..... التي قالها الناسُ ما ينبغي، أقل أحواله الكراهة؛ لأنه أولًا: إضاعة مال، ثانيًا: قد يظن الظانون أنه صور، فيكون سببًا للتصوير وإقامة الصور في البيوت، ثالثًا: أنَّ هذا ..... لم يفعله مَن سبقنا، ولا ينبغي للمؤمن أن يُحدث شيئًا يجرّ إلى شرٍّ، يجرّ إلى التصوير، يجرّ إلى إضاعة المال، ثم هناك أمر رابع: قد يفعلها بعضُ الناس من البادية وعديمي البصيرة، يعتقدون أنَّ في تعليقها وجعلها محنطات ما يدفع الجنَّ، أو يدفع كذا، أو يدفع كذا، كما يفعل بعضُ الناس في رأس الذئب، وشعر الذئب، عقيدة فاسدة، فالمقصود أنَّ هذا ما ينبغي، أقل حاجة الكراهة.

س: يأخذون شيئًا من جلد الذئب؟

ج: يعتقد بعضُهم اعتقادات خبيثة.

س: بعضهم يسأل عن اقتناء قطعة من الجلد يجعلها في البيت؟

ج: هذا غلط، هذا منكر، إذا كان هذا القصد فهذا منكر ..

أَبْوَابُ الْأَوَانِي

بابُ ما جاء في آنية الذهب والفضَّة

63- عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهما؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ.

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ لِبَقِيَّةِ الْجَمَاعَةِ إلَّا حُكْمَ الْأَكْلِ مِنْهُ خَاصَّةً.

64- وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إنَّ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِمُسْلِمٍ: إنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.

65- وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ فِضَّةٍ: كَأَنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.

66- وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: "نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشُّرْب فِي الْفِضَّةِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ". مُخْتَصَرٌ مِنْ مُسْلِمٍ.

بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّضْبِيبِ بِهِمَا إلَّا بِيَسِيرِ الْفِضَّةِ

67- عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءِ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ إنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

68- وَعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَلِأَحْمَدَ: عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: رَأَيْتُ عِنْدَ أَنَسٍ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ، وفِيهِ ضَبَّةُ فِضَّةٍ.

بَابُ الرُّخْصَةِ فِي آنِيَةِ الصُّفْرِ وَنحوها

69- عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: "أَتَانَا النبيُّ ﷺ، فَأَخْرَجنا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.

70- وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي مِخْضَبٍ مِنْ صُفْرٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

بَابُ اسْتِحْبَابِ تَخْمِيرِ الْأَوَانِي

71- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ فِي حَدِيثٍ لَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إنَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضَ عَلَيْهِ عُودًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ.

بَابُ آنِيَةِ الْكُفَّارِ

72- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: "كُنَّا نَغْزُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ، فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا، وَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد.

73- وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد: إنَّ أَرْضَنَا أَرْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ؟ قَالَ: إنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ، وَاطْبُخُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا.

وَلِلتِّرْمِذِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قُدُورِ الْمَجُوسِ، فقَالَ: أَنْقُوهَا غَسْلًا، وَاطْبُخُوا فِيهَا.

74- وَعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ إلَى خُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، فَأَجَابَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

والإهالة: الودك، والسّنخة: الزنخة المُتغيرة.

وقد صحَّ عن النبي ﷺ الوضوء من مُزادة مُشركةٍ، وعن عمر الوضوء من جرَّة نصرانية.

وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى المنع من استعمال آنية الكفَّار حتى تُغسل إذا كانوا ممن لا تُباح ذبيحته، وكذلك مَن كان من النصارى بموضعٍ مُتظاهرًا فيه بأكل لحم الخنزير، مُتمكنًا منه، أو يذبح بالسنّ والظفر ونحو ذلك، وأنه لا بأس بآنية مَن سواهم؛ جمعًا بذلك بين الأحاديث.

واستحب بعضُهم غسل الكل؛ لحديث الحسن بن علي ، قال: حفظتُ من رسول الله ﷺ: دع ما يريبُك إلى ما لا يريبُك.

رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصحَّحه.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

هذه الأبواب المتعددة فيما يتعلق بالأواني من الذهب والفضّة، وفيما يتعلق بالأواني من الصّفر والنّحاس ونحو ذلك، وفيما يتعلق باستعمال أواني المشركين.

الأول: ما يتعلق بأحاديث الذهب والفضة: قد ثبتت الأحاديثُ عن رسول الله ﷺ دالّة على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة، أو ما دُهن بذلك، أو فيه شيء من ذلك، فوجب على أهل الإسلام أن يتركوا ذلك، وأن يجتنبوه؛ لأنَّ النبي ﷺ حذَّر من ذلك، وأخبر أنها لهم في الدنيا ولأهل الإسلام في الآخرة، فدلَّ ذلك على وجوب اجتنابها، وعدم استعمالها، فلا يُشرب فيها، ولا يُؤكل فيها، ولا تُتخذ في البيت؛ لأنَّ اتِّخاذها وسيلةٌ إلى استعمالها، ووجب تركها.

ويدخل في ذلك كلُّ ما يُستعمل للأكل والشرب، وما يُعين على ذلك: كالملاعق، وأكواب الشاي والقهوة، والشّوك الذي يقدم به اللحم، وما أشبه ذلك، كل هذه في حكمها.

والحكم في ذلك والله أعلم: أن في هذا نوعًا من الترفُّه والزيادة التي اعتادها الكفارُ وتساهلوا فيها؛ لأنهم لا يُبالون بأمر الآخرة، ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبّه بهم ويقتدي بهم في هذه الحال التي فيها التَّرفه الزائد، والتوسع الزائد.

وقال آخرون من أهل العلم: العلَّة في هذا أنَّ في هذا كسرًا لقلوب الفقراء؛ لأنَّ هذا يشقّ على الفقراء، إذا رأوا هؤلاء تنكسر قلوبُهم، إذا رأوهم محتاجين، وهؤلاء يلعبون بالأواني من الذهب والفضَّة.

وقال أهلُ العلم في الثالثة: أنها قد تُكسب مُستعمليها الفخر والخيلاء والتَّكبر.

وبكل حالٍ، فالحكم مُناطٌ بأمر الرسول ﷺ، وبما جاء به الشرع، سواء علمنا العلَّة أو ما علمنا العلَّة، فالواجب تركها، وعدم استعمال أواني الذهب والفضة، وما فيه شيء من ذلك، وما هو مطلي بشيء من ذلك؛ طاعةً لله ورسوله، وحذرًا من مغبّة ذلك، وفي هذا ..... من العلل لا مانع من كون هذه علل كلها مجتمعة؛ لأنَّ فيها تشبُّهًا بالكفار، ولأنَّ فيها كسرًا لقلوب الفقراء، ولأنها تُكسب الخيلاء والتَّكبر، وإلى غير هذا من العلل التي ذكرها غيرُهم من أهل العلم.

أما ما يتعلق بالضبة فلا بأس، إذا كان في القدح كسرٌ أو شرخٌ فضبب بشيءٍ من الفضة القليل فلا بأس؛ لأنه ﷺ ضبب قدحَه بشيءٍ من الفضة، كما ذكر أنس، كما رواه البخاري في "الصحيح": أن قدح النبي ﷺ انكسر، فاتَّخذ مكان الشعب سلسلة الفضة ليربط، فلا بأس بذلك.

وأما ما زاد على ذلك: كأن يكون مطليًّا، أو تكون الضبة كبيرةً وواسعةً، فلا يجوز؛ سدًّا للباب، حسمًا لمادة التَّساهل بهذه الأواني.

أما ما يتعلق بالصفر والحديد والنحاس، أو الحجر، أو الجذع، أو الخشب، أو الحجر، أو ما أشبه ذلك فلا بأس، وقد ثبت عنه ﷺ أنه توضأ في تورٍ من صفرٍ، وثبت عنه أنه توضأ في إناءٍ من الحجر.

فإذا اتّخذت أواني من غير الذهب والفضة فلا بأس، سواء كان من جذوع النخل، أو من أنواع الخشب كلها، أو من الحجر، أو من الحديد، أو من الصفر، أو من غير ذلك، فلا بأس، المهم غير الذهب والفضّة.

وفي الأحاديث الأخرى الدلالة على جواز استعمال أواني الكفار، فالله جلَّ وعلا أباح لنا طعامَ أهل الكتاب، وطعامهم يكون في أوانيهم، فدلَّ ذلك على أنَّ أوانيهم حِلٌّ لنا، فلا بأس أن نستعملها، ولكن إذا كانوا يستعملون النّجاسات أو الخمور فإنها تُغسل، إذا كانت أوانيهم ممن يُظن بهم أنهم يستعملون فيها ما لا ينبغي -كالمستعملين للخمر أو الخنزير أو ما أشبه ذلك- تُغسل، كما قال النبي ﷺ، وفي روايةٍ: واستعملوها، فإذا استولوا على أوانيهم في السبي، أو بالعارية، أو بغير ذلك، أو بالشراء، فإنها تُغسل والحمد لله، ويكفي الغسل فيها.

كذلك تخمير الأواني يُستحب، سُنّ للمؤمن عند النوم أن يُغلق بابه، كما قال النبيُّ ﷺ: أغلق بابك واذكر اسم الله، أو أوكِ سقاءَك واذكر اسم الله، غطِّ إناءك واذكر اسم الله، فالسنة عند المبيت أن تُغطى الأواني، وأن تُخمّر، وأن تُوكأ الأسقية، وأن تُغلق الأبواب -الأبواب الخارجية- من باب الأخذ بالأسباب.

ولهذا قال ﷺ: إنَّ في السنة ليلةً ينزل فيها وباء، فهذا من باب التَّوقِّي، وجاء في بعض الروايات الأخرى: إذا لم يُغطه كفأه، يكفأه، يكفأ الإناء، أو يُغطيه، والسِّقاء يوُكئه.

هذا كله من باب تعاطي الأسباب، والأخذ بالحيطة، والله جلَّ وعلا شرع لعباده تعاطي الأسباب في طلب الرزق، وفي اتِّقاء الشرور والأمراض، وهكذا العلاج من الأمراض من بذل الأسباب، قبل ما يُعالج يتَّقي أيضًا أسباب الشر بالأسباب التي أباحها الله سبحانه وتعالى، حتى قال: ولو أن تعرض عليه عودًا، إذا ما تيسر غطاء كامل إذا وضع عودًا على وجه الإناء كفى.

وفَّق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

الأسئلة:

س: الجمع بينهما؟

ج: مثلما تقدم، الشيء الذي لا يظن فيه النّجاسة، مثلما أباح الله لنا طعامَ أهل الكتاب، وأجاز لنا أكل طعامهم بأوانيهم، فإذا كان يخشى منها تُغسل جمعًا بين النصوص، فالأواني السليمة التي ليس فيها شيء نأكل من طعامهم ونشرب، ولا حاجة إلى غسلها، مثلما توضأ عمر من جرَّة نصرانية، ومثلما توضأ النبيُّ ﷺ من مُزادة امرأةٍ مُشركة، ..... المزادة والأواني التي فيها الماء، فلا حاجةَ إلى تطهير ما هو طاهر.

أمَّا أواني يشكّ فيها، قدور أو أواني يشكّ فيها تُغسل؛ لقوله ﷺ: دع ما يريبُك إلى ما لا يريبك، و مَن اتَّقى الشّبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، من باب الحيطة.

أما إذا علم أنَّ فيها نجاسةً؛ علم أنها يُشرب فيها الخمر، أو يطبخون فيها الخنزير، يجب غسلها وجوبًا.

س: ..... على سبيل الاستحباب إذا لم يعلم؟

ج: إذا لم يعلم على سبيل الاستحباب، نعم.

س: ............؟

ج: في بعض الروايات: إطفاء المصابيح، نعم ...

س: الإناء يُغطَّى ولو لم يكن بداخله شيء؟

ج: ولو ما فيه شيء يُغطَّى، أو يُكفأ؛ لأنه قد ينزل شيء يجلس فيه.

س: استعمال الآن بيع الأقلام التي تكون فيها الريشة ذهب، أو المقابض التي في بعض الأبواب ذهب مُموه، ليس ذهبًا خالصًا؟

ج: الأحوط تركها، قد يقال أنَّ بعض أهل العلم يرى أن الشيء اليسير يُغتفر، كالشيخ تقي الدين رحمه الله وجماعة، لكن ترك هذا أحوط؛ سدًّا لباب التَّساهل، إذا احتاط الإنسانُ في هذا يكون أولى.

س: أقلام الفضّة؟

ج: الفضة أخفّ، لكن إذا احتاط في الجميع يكون أحسن، الذهب أشد.

س: شرب آسار الكفار؟

ج: ما يضرّ، مثلما توضأ النبيُّ من مُزادة امرأة مشركة، إذا كان ماء، شربت من ماء عندهم ما يضرّ، ما دمتَ لا تعلم إلا خيرًا.

س: التَّضبيب بالذهب؟

ج: لا، فقط بالفضة خاصَّة.

س: البشوت، الزر الذي فيها إذا ثبت أنه ذهب؟

ج: .....، لكن الذي عرفناه ودرسناه كثيرًا أنه نوعٌ ليس من الذهب، يُستعمل للجمال، ليس من الذهب.

س: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؟

ج: يعني: ما تشكّ فيه إلى ما لا تشكّ فيه ...

س: استعمال أوانٍ من النحاس الغالي: كالألماس وغيره؟

ج: أما من حيث المعنى ما ينبغي؛ لأنَّ العلة التي من أجلها حرم الذهب والفضّة تشمل هذا، بالنسبة إلى بعض أهل العلم الذين يقولون: فيه كسرٌ لقلوب الفقراء، أو يُكسبه الفخر والخيلاء، قد تُكسبه هذه الفخر والخيلاء، ثم أيضًا هي نوعٌ من التَّرف الزائد، فالأولى والأحوط ترك ذلك، أما التَّحريم فالله أعلم، لكن الأظهر والأقرب أنه لا ينبغي ذلك، فإن هذا فيه نوع من التَّرف الزائد، وربما أيضًا أفضى إلى عواقب وخيمة، وربما عُوقِب.

أَبْوَابُ أَحْكَامِ التَّخَلِّي

بَابُ مَا يَقُولُ الْمُتَخَلِّي عِنْد دُخُوله وَخُرُوجه

75- عَنْ أَنَسِ بْن مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي "سُنَنِهِ": كَانَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ.

76- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ.

77- وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

بَابُ تَرْكِ اسْتِصْحَابِ مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تعالى

78- عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَقَدْ صَحَّ: أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِهِ كَانَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.

بَابُ كَفِّ الْمُتَخَلِّي عَنِ الْكَلَامِ

79- عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ.

80- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ، كَاشِفَيْنِ عن عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ.

رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.

بَابُ الْإِبْعَادِ وَالِاسْتِتَارِ لِلمُتَخَلِّي فِي الْفَضَاءِ

81- عَنْ جَابِرِ بن عبدالله رضي الله عنهما قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ لَا يَأْتِي الْبَرَازَ حَتَّى يَغِيبَ فَلَا يُرَى". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

وَلِأَبِي دَاوُد: "كَانَ إذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ".

82- وَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْن جَعْفَرٍ قَالَ: "كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَايِشُ نَخْلٍ". رَوَاهُ أَحْمَد، وَمُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ.

وَحَايِشُ نَخْلٍ: أَيْ جَمَاعَتُهُ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.

83- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

هذه الأحاديث كلها تتعلق بآداب قضاء الحاجة، وقد ترجم له المؤلفُ بـ"أدب التَّخلي"، وترجم له الحافظُ ابن حجر: "آداب قضاء الحاجة"، وترجم له في "العمدة": "باب دخول الخلاء والاستطابة"، فللعلماء في هذه الأحاديث تراجم متعددة، ومن أحسنها باب "آداب قضاء الحاجة"، يعني حاجة الإنسان: كالبول والغائط، فهذه الحاجة لها آداب بيَّنها الرسولُ ﷺ.

فمن آدابها أن يُقدّم رجله اليسرى عند الدّخول -عند دخول المحلّ المعدّ لذلك- ومن آدابها أن يقول عند الدخول: "بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث"؛ لحديث أنسٍ: كان النبيُّ ﷺ إذا دخل الخلاءَ، يعني: إذا أراد دخول الخلاء، كما في الرواية الأخرى: إذا أراد أن يدخل يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، والخُبُث: جمع خبيث، وهم ذكور الشياطين، والخبائث: جمع خبيثة، وهي إناث الشياطين، وقيل بتسكين الخُبْث: وهو الشر، والخبائث: أهله، والمعنى التَّعوذ بالله من الشر وأهله، من الشياطين وغير الشياطين، وهذا مُستحبٌّ عند دخول الخلاء مع تقديمه رجله اليسرى، وعند الخروج يُقدّم اليمنى ويقول: غُفرانك، كما في حديث عائشة، رواه الخمسة إلا النسائي -يعني في "السنن"- ورواه النسائي في "عمل اليوم والليلة"، ولهذا عزاه الحافظُ إلى الخمسة، فالنسائي له أيضًا، لكن في "عمل اليوم والليلة"، وهو حديثٌ لا بأس به، وهو يدل على استحباب قول هذا الكلام عند الخروج: غفرانك.

والعلة في ذلك والله أعلم كما قال أهلُ العلم: أن قضاء الحاجة فيه تخفيف وتيسير وطوع لثقل الأذى، فناسب عند ذلك تذكر الذنوب وثقلها وعاقبتها الوخيمة، فشرع له أن يقول: غفرانك.

وقال بعضُهم: وجه ذلك والله أعلم أنَّ العبد قليل الشكر، كثير الغفلة، فخروج الأذى من نعم الله العظيمة، الذي مَنَّ بإدخاله ثم بإخراجه، وكفاه شرَّ أذاه، فيتذكر المؤمنُ نِعم الله عليه وتقصيره بالشكر فيقول: غفرانك، يعني عمَّا يحصل مني من تقصيرٍ في شُكر نعمك، وعمَّا يحصل مني من معاصٍ وثقلها، والاستغفار هنا له مناسبتان: شكر النعم، وتذكر ثقل الذّنوب.

كذلك مما يتعلق بالموضوع أنه ما ينبغي لمن كان على الحاجة أن يتكلم ..... له الكلام، ولهذا لما سلَّم بعضُ الناس على النبي ﷺ وهو يقضي حاجته لم يردّ عليه، والأفضل أن يُمسك عن الكلام، ولا يردّ السلام، ولا يتكلم في تلك الحالة -قضاء الحاجة- لأنه محلّ قذر، وحالة قذرة، فيُنزه ذكر الله عندها ، اللهم إلا للضَّرورة: كضرورةٍ لا بدّ منها، فتزول الكراهة، يعني إذا اشتدت الحاجةُ إلى ذلك: إما كفيف يُنبه ألا يقع في حفرةٍ، أو حادث حريق، أو شيء تدعو الحاجةُ إلى التَّنبيه عليه فلا بأس.

كذلك الاستتار سنة، وأن يستتر بحائطٍ، أو حائش نخلٍ، أو بشيءٍ آخر عن نظر الناس إلى عورته، ولا سيما إذا كان في مكانٍ قد يُنظر إليه، ويتحرى المكان الذي يستره إذا كان في الصّحراء؛ حتى لا تُرى عورته.

أما حديث أنس أنه كان يقول إذا خرج من الخلاء: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني رواه ابن ماجه، وهو حديثٌ ضعيفٌ، وجاء في بعض الروايات: الحمد لله الذي أذاقني لذَّته، وأبقى لي منفعته، وأخرج عني أذاه، هو كلام حقٍّ، لكنه ليس بثابتٍ عن النبي ﷺ، وإنما المحفوظ: غفرانك.

وكان النبيُّ ﷺ إذا أراد قضاء حاجته ابتعد حتى لا يُرى عليه الصلاة والسلام؛ لحديث المغيرة في "الصحيحين" أنه قال: خذ الإداوة، فانطلق حتى توارى عني وقضى حاجته عليه الصلاة والسلام، كان يتوارى عن الناس، يبتعد عن الناس حتى يقضي حاجته، ثم يرجع عليه الصلاة والسلام.

هذه هي السنة في المنازل؛ يكون في محلٍّ مستورٍ، وفي الصحراء يبتعد، ولا ينبغي الكلام حال قضاء الحاجة، إلا من حاجةٍ، ولا ..... بذكر الله، الأفضل له ألا يقول ذكر الله، وإن كان حديثُ أنسٍ فيه مقال: "أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه"، فيه كلامٌ لأهل العلم: منهم مَن ضعَّفه وأعلَّه، ومنهم مَن صحَّحه، ولكن الأفضل إذا تيسر له ألا يدخل بشيءٍ فيه ذكر الله، فإن لم يتيسر فلا حرج، فإنَّ الكراهة تزول للحاجة، لا سيما مع إعلال الحديث وما فيه من الكلام المعروف.

وكذلك لا يجوز له كشف عورته حيث يراه الناس، بل يصبر حتى يقرب من محلِّ قضاء الحاجة، وحتى يدنو من محلِّ قضاء الحاجة، فيرفع ثيابه شيئًا حتى لا تُرى عورته، ولا يراها أحد.

والحديث وإن كان فيه كلامٌ -حديث أبي سعيدٍ فيه ضعفٌ- لكن المعنى صحيح، يدل عليه حديث أنس: "أن النبي ﷺ سلَّم عليه بعضُ الناس وهو يقضي حاجته فلم يردّ عليه"، والكلام في هذه الحال تركه أولى، أما كشف العورة فلا يجوز، كونه يمشي مكشوف العورة بحيث يراه أحدٌ من أصحابه أو غير أصحابه؛ فهذا يدل على الوقاحة وقلّة الحياء، ولا يجوز، بل الواجب التَّستر، ولو عن أصحابه؛ حتى لا تُرى عورته، ولهذا في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك، قالوا: يا رسول الله، الرجل يكون خاليًا؟ قال: الله أحقّ أن يُستحيى منه، فينبغي حفظ العورات إلا عند الحاجة: كقضاء الحاجة، وجماع الأهل، ونحو ذلك.

وفَّق الله الجميع.

الأسئلة:

س: الواحد أحيانًا يذكر آيةً في أثناء .....؟

ج: التذكر ما يضرّ، لكن لا يتكلم ..

س: كلمة "غفرانك" لو كررها؟

ج: لا أعلم فيه بأسًا، الحمد لله.

س: بالنسبة لـ"بسم الله" داخل الدورة، يُسمِّي أحيانًا؟

ج: إذا دعت الحاجةُ إلى الوضوء داخل الدورة، فبعض المحلات تكون المغاسلُ داخلًا، فيُسمَّى عندها؛ لأنَّ بعض أهل العلم يرى وجوبها، والوجوب يُزيل الكراهة.

س: ............. يُردد الأذان إذا كان في الخلاء؟

ج: لا يُجيبه، لا.

س: يجوز التَّرديد بعد الخروج؟

ج: بعض أهل العلم يقول: يقضي، ولكن ما عليه دليلٌ واضح.

س: أحيانًا الرجل يُنادى وهو في الحُشِّ؟

ج: إذا دعت الحاجةُ للجواب فلا بأس، إذا كان فيه مصلحة، أما الشيء العادي اتركه.

س: يبحث عنه فيظنّه أنه خارج؟

ج: إذا دعت الحاجةُ لا بأس، يتكلم يقول: نعم، نعم، أو يتنحنح، يفهمون أنه موجود.

س: لو أجاب الأذانَ بقلبه؟

ج: القلب ما في مانع، القلب في أي مكان، لكن ما يُسمَّى: جوابًا.

س: إذا مات قال: يا فلان .....؟

ج: هذا يحتاج إلى مُراجعة سنده .....، أما المرائي فلا حدَّ لها، مَن رأى الصالحين والأخيار كما يُزار ..... رحمه الله، تدل على أنَّ هناك شيئًا من الالتقاء، حتى ولو ..... النائم تلتقي بالأرواح.

بَابُ نَهْيِ الْمُتَخَلِّي عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا

84- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَمُسْلِمٌ فِي رِوَايَة الْخَمْسَة إلَّا التِّرْمِذِيَّ: إنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدٌ من الْغَائِطِ فَلَا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوثِ وَالرِّمَّةِ. وَلَيْسَ لِأَحْمَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْأَحْجَارِ.

85- وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قال: إذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا.

قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَة، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

باب جواز ذلك بين البُنيان

86- عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قَالَ: "رَقيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى حَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ". رَوَاهُ الْجَمَاعَة.

87- وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ.

88- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِفُرُوجِهِمْ، فَقَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا، حَوِّلُوا مَقْعَدَتِي قِبَلَ الْقِبْلَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.

89- وَعَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَبُولُ إلَيْهَا، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ؟! قَالَ: بَلَى، إنَّمَا نُهِيَ عَنْ هَذَا فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

بَابُ ارْتِيَادِ الْمَكَانِ الرَّخْوِ وَمَا يُكْرَهُ التَّخَلِّي فِيهِ

90- عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: مَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى دَمَثٍ إلَى جَنْبِ حَائِطٍ فَبَالَ، وَقَالَ: إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد.

91- وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ"، قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ الْبَوْل فِي الْجُحْرِ؟! قَالَ: يُقَالُ: إنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ.

رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُد.

92- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ، قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ.

رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد.

93- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْحِمْيَرِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ.

رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ: هُوَ مُرْسَلٌ.

94- وَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأ فِيهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوِسْوَاسِ مِنْهُ.

رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: "ثُمَّ يَتَوَضَّأ فِيهِ" هي لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد فَقَطْ.

95- وَعَنْ جَابِرٍ ، عَن النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فهذه الأحاديث فيما يتعلق باستقبال القبلة واستدبارها، وفيما يتعلق بالارتياد لمحل قضاء الحاجة.

في الحديث الأول الدلالة على أنه ينبغي لقاضي الحاجة ألا يستقبل القبلة بغائطٍ ولا بولٍ، وأن يجعلها عن يمينه أو شماله، وما ثبت هذا عن رسول الله ﷺ من حديث أبي أيوب الأنصاري، ومن حديث أبي هريرة، ومن أحاديث أخرى تدل على تحريم ذلك، وأن الواجب على المؤمن أن ينحرف عنها عند قضاء الحاجة، فيجعلها عن يمينه، أو عن شماله.

واختلف العلماء في هذه المسألة: هل هذا عامّ أو يختصّ بالصحراء؟

فذهب قومٌ إلى أنه يختص بالصحراء، أما في البيوت فلا حرج، وهذا هو الذي ذهب إليه البخاريُّ رحمه الله وجمعٌ من أهل العلم، واحتجُّوا بما ذكره ابنُ عمر: أنه رأى النبيَّ ﷺ كان يومًا في بيت حفصة وهو على حاجته، مُستدبرًا الكعبة، مستقبلًا الشام. وفي حديث جابرٍ رآه قبل أن يموت بسنةٍ أن يستقبلها. وحديث عائشة أيضًا المذكور هنا.

ولكن أحاديث النَّهي أكثر وأصحّ من بعض هذه الأحاديث التي فيها الجواز بداخل البناء، فإذا تيسر للمؤمن أن يكون مقعده إلى غير القبلة ولو في البناء فهو أحوط وأفضل، وإن لم يتيسر فلا حرج في البناء خاصَّةً؛ لأن حديث ابن عمر ثابتٌ في "الصحيحين"، وحديث ابن عمر كذلك في فعله حين أناخ الراحلة وبال إليها يدل على أنَّ ذلك جائز في البناء ونحوه، وإنما التَّحريم الذي لا شكَّ فيه إذا كان في الصَّحراء، وهذا هو الجمع بين الأحاديث في الصّحراء؛ لا شك في التَّحريم.

وأما رواية النسخ، وأنه قبل أن يموت كان يستقبلها، فهو حديثٌ في سنده نظر؛ لأنه من رواية ابن إسحاق، فلا يُقاوم الأحاديث الصَّحيحة الثابتة.

والحق والصواب أنه يُنهى عن ذلك في الصّحراء، وأما في البناء فلا حرج، لكن تركه أفضل حتى في البناء؛ خروجًا من خلاف العلماء، وعملًا بالأحاديث الكثيرة الصحيحة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام.

ولا بأس على المؤمن عند الحاجة أن يبول أو يقضي حاجته إلى القبلة إذا كان في داخل البناء، كما في حديث ابن عمر وما جاء في معناه؛ جمعًا بين الأخبار، ولكن -مثلما قال أبو أيوب- إذا تيسر الانحرافُ عنها ولو في البناء فهو أفضل، ولهذا قال أبو أيوب: "فقدمنا الشام، ووجدنا مراحيض قد بُنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها" أي: نميل عنها إلى غير جهة القبلة، "ونستغفر الله" يعني: نستغفر الله عمَّا قد يقع من التَّقصير في ذلك وعدم القُدرة على الانحراف الكامل، أو نستغفر الله لمن فعل ذلك؛ لأنهم قصَّروا حيث جعلوها إلى القبلة، فهو محتمل كلامه رحمه الله.

فالحاصل أن استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء ممنوع، أما في البناء فتركه أفضل، وليس كالصحراء؛ جمعًا بين الأخبار التي وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

وأما ما يتعلق بالارتياد: فينبغي للمؤمن أن يرتاد لبوله، إن أراد أن يبول أو يقضي حاجته أن ينظر المحل المناسب ..... الصلب، بل لين؛ حتى إذا بال فيه لا يرتدّ إليه بوله، ولا يناله من رشاشه شيء، وكذلك المحلّ الخفي البعيد عن أنظار الناس؛ حتى لا تُرى عورته، ولهذا كان النبيُّ ﷺ إذا أراد أن يقضي حاجته أبعد المذهب حتى لا يُرى ولا يُسمع منه صوتٌ عليه الصلاة والسلام.

وهكذا إذا أراد أن يقضي حاجته يتحرى المكان الذي لا يتأذَّى فيه أحد، فإذا كان طريقًا أو ظلًّا يُستظلّ به، أو مثله مُشمس في الشتاء يجلسون فيه؛ يتباعد عن هذه الأشياء التي قد تضرّ الناس، فيتحرى لبوله وقضاء حاجته أماكن بعيدة عن مجالس الناس، وبعيدة عن نظر الناس؛ حتى لا يُؤذي أحدًا ببوله ولا بحاجته؛ كالطرق، والمياه، وحانات المياه، ونحو ذلك يجتنبها المؤمن.

وهكذا المتشمّس والمستظلّ تحت الشجر التي يتّخذها الناس ظلًّا، أما إذا كان ليس لأحدٍ ولا ينتفع به أحدٌ فلا بأس أن يقضي حاجته تحته: كالأشجار التي في البرّ ونحو ذلك، قضى حاجته تحتها عن الشمس فلا حرج في ذلك.

كذلك حديث عبدالله بن مغفل في البول في المستحمّ، فينبغي للمؤمن ألا يبول في مُستحمّه، ويبول في محلٍّ آخر، في الجُحر -جحر الحمام- حتى لا يُصيبه شيء من الرشاش، لكن إن بال في المستحم فإنه يريق عليه الماء، يصبّ عليه الماء أولًا، ثم لا بأس أن يستنجي عليه لئلا يناله شيء.

فالحاصل أن المستحم هو محل الوضوء أو الحمام، فإذا بال فيه فليصبّ عليه ماء حتى يذهب بأثر البول، وإن بال في الجحر كان ذلك أسلم؛ حتى لا يكون في المستحم شيء من سيلان البول، وربما تأذَّى به أحد، وربما نسي أن يصبّ عليه ماء، فإن عامَّة الوسواس منه، يعني: عامَّة ما يُصيب الوساوس من هؤلاء الذين يتساهلون فيُصيبهم الوسواس: هل جاءه شيء؟ هل أصابه شيء من الرشاش؟ ...... عمله، فإذا احتاط وصبّ عليه الماء، أو بال في مكانٍ آخر؛ كان هذا أبعد من الوساوس والله أعلم.

الأسئلة:

س: مَن قال بنسخ الاستدبار دون الاستقبال؟

ج: لا، الأمر واسع في هذا البناء.

س: يقال: إنه مخصوصٌ بالبناء؟

ج: محل نظرٍ ..... الكراهة، ولكنه ينبغي، يعني من باب الاحتياط والبُعد عن الخلاف؛ لأنَّ الرسول فعله ﷺ ليُبيّن الجواز للأمة عليه الصلاة والسّلام.

س: الماء الراكد في الشمس؟

ج: ما في بأس، الشمس لا بأس، الماء المشمس فيه أخبار باطلة، ما هي صحيحة، كذلك البول في الماء الراكد يُنهى عنه، مثلما نهى النبيُّ ﷺ في حديث أبي هريرة عن البول في الماء الراكد؛ لأنَّ الماء الراكد يتأثر، فإذا بال فيه الناسُ تتابعت عليه الأبوال، وقد يتغير، فيكون نجسًا، فلهذا سدَّ النبي ﷺ الذَّريعة، ونهى عن البول في الماء الراكد؛ لئلا ينجر ذلك إلى تنجيسه وتقذيره.

س: في رواية جابرٍ .....: أوقد فعلوها؟! حوِّلوا مقعده؟

ج: هذا الحديث إن صحَّ وسلم من العلَّة ...... لا يُقاوم الأحاديث الصَّحيحة ..... القاعدة أنه إذا تعارضت الأخبار ..... يقال له: محفوظ، وما خالفه يُقال له: شاذّ.

س: ضعيف؟

ج: محل نظرٍ، يحتاج إلى تأمُّل أسانيد أحمد وابن ماجه وغيرهما.

س: إذا كان في الإنسان بولٌ لا يعلم موضعه؟

ج: يتحرى ويغسل ما أصابه، يتحرى موضعَه من جسده أو من ثوبه ويغسل، فإن خفي عليه يغسل الثوبَ كله والحمد لله.

س: ما يكفي الرَّش؟

ج: لا، البول ما يكفي فيه الرش، هذاك المذي وبول الصبي الصغير الذي .....

طالب: هناك تعليق.

الشيخ: حديث عائشة؟

الطالب: نعم، يقول: رواه خالد ابن أبي الصَّلت الحذّاء، واختلف الرواةُ عنه فيه، وقال ابنُ القيم: هذا الحديث لا يصحّ، وإنما هو موقوفٌ على عائشة رضي الله عنها، حكاه الترمذيُّ في كتاب "العلل" عن البخاري، وقال بعضُ الحفَّاظ: "هذا حديثٌ لا يصحّ، وله علَّة لا يُدركها إلا المُعتنون بالصناعة، المُعانون عليها"، وذلك أنَّ خالد ابن أبي الصَّلت لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده، قال: خالفه فيه الثقة الثَّبت صاحب عراك بن مالك، المُختص به، الضابط لحديثه جعفر بن ربيعة الفقيه، ورواه عن عراك، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تُنكر ذلك، وبيّن أنَّ الحديث لعراك عن عروة لا يُجاوز به عائشة.

الشيخ: على كل حالٍ، مهما كان حاله له طرق، إن كان موقوفًا انتهى الموضوع، وإن كان صحّ رفعُه فهو من جنس حديث جابر، والحديث الصحيح مُقدَّمٌ عليه، ثم ممكن أيضًا حمل آخر؛ وهو أنَّ هذا في البيوت والأبنية، أراد بذلك البيوت والأبنية كما قال ابنُ عمر،  وكما في رواية ...... لو صح.

الطالب: وجعفر بن ربيعة هو الحجّة في عراك، مع صحة الأحاديث عن النبي ﷺ وشهرتها في خلاف ذلك، وقال ابنُ أبي حاتم في كتاب "المراسيل" عن الأثرم: سمعتُ أبا عبدالله الإمام أحمد رحمه الله، وذكر حديث خالد ابن أبي الصَّلت، عن عراك، عن عائشة، عن النبي ﷺ، فقال: مُرسل، وقلتُ له: عراك قال: سمعتُ عائشة، فأنكر وقال: عراك من أين يسمع عائشة؟! ما له ولعائشة؟! إنما يروي عن عروة، هذا خطأ، وقد ادَّعى ابنُ حزم أن خالد ابن أبي الصلت مجهول، وتعقّبه ابن المفوز فقال: هو مشهور بالرواية، معروف بحمل العلم، لكن حديثه معلول.

بَابُ الْبَوْلِ فِي الْأَوَانِي لِلْحَاجَةِ

96- عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رَقِيقَةَ، عَنْ أُمِّهَا قَالَتْ: "كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.

97- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "يَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى إلَى عَلِيٍّ، لَقَدْ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَبُولَ فِيهَا، فَانْخَنَثَتْ نَفْسُهُ وَمَا شَعرْتُ، فَإِلَى مَنْ أَوْصَى؟". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

انْخَنَثَتْ: أَيِ انْكَسَرَتْ وتَثَنَّتْ.

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبَوْلِ قَائِمًا

98- عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إلَّا جَالِسًا".

رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ.

99- وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: "نَهَى النبيُّ ﷺ أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

100- وَعَنْ حُذَيْفَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْتَهَى إلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

وَالسُّبَاطَةُ: مَلْقَى التُّرَابِ وَالْقمائم، ولعله لم يجلس لمانعٍ كان بها، أو لوجعٍ كان به، وقد روى الخطابيُّ عن أبي هريرة : أن النبيَّ ﷺ بال قائمًا من جُرحٍ كان بمأبضه، ويُحمل قول عائشة رضي الله عنها على غير حال العُذر.

والمأبض: ما تحت الركبة من كل حيوانٍ.

ورُوي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: "كانت العربُ تستشفي بوجع الصّلب بالبول قائمًا"، فنرى أنه لعله كان به إذ ذاك وجعُ الصّلب.

بَابُ وُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ أَوِ الْمَاءِ

101- عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَإِنَّهَا تَجْزِي عَنْهُ.

رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ حَسَنٌ.

102- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ: وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كثيرٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

103- وَعَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

بَابُ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِدُونِ الثَّلَاثَةِ

104- عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قِيلَ لِسَلْمَانَ : قد عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ سَلْمَانُ : "أَجَلْ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ ببَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، وأَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وأَنْ يَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ، أَوْ بِعَظْمٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ.

105- وَعَنْ جَابِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

106- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.

وهذا محمولٌ على أنَّ القطع في الوتر سنة فيما إذا زاد على ثلاثٍ؛ جمعًا بين النصوص.

بَابٌ فِي إلْحَاقِ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْأَحْجَارِ بِهَا

107- عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ فَقَالَ: بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.

108- وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: "أَمَرَنَا -يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ- أَنْ لَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ وَلَا عَظْمٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.

ولولا أنه أراد بالحجر وما كان نحوه بالإنقاء لم يكن لاستثناء العظم والروث معنى، ولا حسن تعليل النَّهي عنهما بكونهما من طعام الجنِّ، وقد صحَّ عنه التعليل بذلك.

بَابُ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِالرَّوثِ وَالرِّمَّةِ

109- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بَعْرَةٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد.

110- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ بِعَظْمٍ، وَقَالَ: إنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُسْتَنْجَى بِمَطْعُومٍ وما لَهُ حُرْمَة

111- عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِم الْقُرْآنَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إخْوَانِكُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ.

وفيه تنبيهٌ على النَّهي عن إطعام الدَّواب النَّجاسة.

112- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إدَاوَةً لِوُضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: قلتُ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضُ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلَا بِرَوْثَةٍ، فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي، حَتَّى وَضَعْتُ إلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، حَتَّى إذَا فَرَغَ مَشَيْتُ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ -وَنِعْمَ الْجِنُّ- فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إلَّا وَجَدُوا عليهما طَعَامًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

بَابُ مَا لَا يُسْتَنْجَى بِهِ لِنَجَاسَتِهِ

113- عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذِهِ رِكْسٌ أي: نجس.

رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وابنُ ماجه، وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ فِيهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: ائْتِنِي بِحَجَرٍ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فهذه الأحاديث العديدة كلها تتعلق بآداب قضاء الحاجة من البول والغائط، دلَّت هذه الأحاديث وما جاء في معناها على أنه لا بأس بأن يبول الإنسانُ في إناءٍ، ولا سيما في الليل، أو عند المرض، أو عند العجز لذهابه إلى محلِّ قضاء الحاجة، كان النبيُّ ﷺ يذهب إلى حاجته، ويقضي حاجته في محلِّها، لكن إذا دعت الحاجةُ إلى ذلك؛ لمرضٍ، أو بالليل، أو لبُعد الكنيف، فلا مانعَ من اتِّخاذ إناء يبول فيه؛ لهذه الأحاديث التي دلَّت على ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام.

وفي الأحاديث الدلالة أيضًا على أنه يُشرع للمؤمن في حال استجماره أن يتحرى ثلاثة أحجارٍ فأكثر، ليس فيها روث، ولا عظم، ولا نجاسة، ولا شيء محترم من الأطعمة ونحو ذلك، حتى يتنزَّه بها، ويتنظَّف بها.

ودلَّت على أنه لا يجوز الاستنجاء بأقل من ثلاثةٍ، أما الزيادة فتُفعل عند الحاجة، إن كانت الثلاثة استطاب بها وكفت؛ لأنَّ الرسول ﷺ نهى أن يُستطاب بأقلّ من ثلاثة أحجارٍ، كما في حديث عائشة وسلمان وغيرهما، وإن لم تَكْفِ زاد رابعًا وخامسًا، إلى غير ذلك؛ حتى يُزيل الأذى، وحتى ينقي المحلّ.

ودلت الأحاديثُ على أن السنة أنه يقطع على وترٍ، فالإيتار في الثلاثة، لا يُجزئ أقلّ من ثلاثٍ، لكن متى زاد وأتى بالرابعة شُرع له أن يأتي بخامسةٍ؛ حتى يقطع على وترٍ، وإن أتى بسادسةٍ شُرع له أن يقطع على وترٍ فيأتي بسابعةٍ.

وفيها الدلالة على أنه لا يجوز الاستنجاء بالعظام، ولا بالأرواث، ولا بالنَّجاسات، بل يجب أن تكون العظام ونحوها طاهرة: كاللبن، والخشب، والقطن، وغير ذلك مما تكون فيه خشونة، مع كونه طاهرًا.

وفيه من الفوائد: أن الرسول ﷺ اجتمع بالجنِّ، ودعاهم إلى الله، وعلَّمهم، وأنهم سألوه الزاد لهم ولدوابهم، فسألوا الله أن لا يجدوا عظمًا ذُكر اسمُ الله عليه إلا ووجدوا عليه لحمًا لهم، وهكذا البعر يجدون فيه قوّة لدوابهم، ونهى عن الاستنجاء بالعظام والأرواث، فهذا يدل على أنه لا يُستنجى بها؛ لأنها لا تُطهِّر كما في الحديث الآخر: إنهما لا يُطَهِّران، ولأنهما زاد الجنّ ودوابهم.

وفيه من الفوائد أيضًا: أن المؤمن يتحرى في هذه الأمور، فإن استجمر بالحجارة كفت، وإن استجمر بغيرها بما يُقام مقامها من التراب أو اللبن، فإنَّ الرسول ﷺ إنما استثنى العظم والروث، فدلَّ ذلك على أنَّ ما سواهما من الأشياء الطاهرة الجامدة الخشنة المزيلة للأذى تحصل بها الكفاية.

ودلَّت الأحاديثُ على أنه يُكتفى بالاستجمار عن الماء، وأنه يكفي، وأنه مُطَهِّر، فإذا اقتصر عليه كفى، وإذا اقتصر على الماء كما يأتي كفى، وإن جمع بينهما فذلك أكمل وأفضل وأتمّ إنقاءً.

وفيه من الفوائد أيضًا: جواز البول قائمًا، ولكن كونه يبول جالسًا أفضل؛ لقول عائشة: "ما كان يبول إلا جالسًا"، يعني هذا هو الغالب، وخفي عليها رضي الله عنها -كما خفي عليها أشياء أخرى- خفي عليها بوله قائمًا الذي رواه حُذيفةُ في "الصحيحين"، وحديث حُذيفة أصحّ من حديثها.

فالبول قائمًا لا بأس به مع الأمن من رؤية العورة، ومع الأمن من رشاش البول، أما تأويله على أنه كان به كذا وكذا فلا دليلَ عليه يثبت، والأصل جواز هذا، وأما النَّهي عنه فلا يثبت، النَّهي عن البول قائمًا لا يثبت، فدلَّ ذلك على أنَّ البول قائمًا جائز، كما رواه الشيخان من حديث حُذيفة، لكن مع مراعاة الستر والبعد عن رؤية عورته، والبول جالسًا أستر وأسلم كما في حديث عائشة وما جاء في معناه.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

الأسئلة:

س: ............. هل يجوز هذا؟

ج: إذا كان يراه الناسُ لا، ينبغي أن يلتمس مكانًا ما يراه الناسُ فيه، يقضي حاجته، ويستجيب، ويكفي عن الماء، أما أن يكشف عورته عند الناس، لكن اضطرَّ إلى ذلك؛ فينبغي للناس أن يغضُّوا أبصارهم إذا كان ما يوجد مكان، فعليه أن يبول، لا يُصلي وهو حاقن أو حاقب، لا بد أن يبول ويقضي حاجته ويستنجي، وإن كشف عورته للضَّرورة، لكن يجب على الناس أن يغضُّوا أبصارهم، أما هو فإن وجد مكانًا يلزمه، إذا وجد مكانًا يكشف فيها عورتَه لقضاء حاجته واستنجائه وجب عليه ذلك.

ولهذا كان النبيُّ يذهب ويبتعد عن الناس إذا أراد قضاء الحاجة، وهكذا عند الاستنجاء أو عند الاستجمار في محلٍّ لا تُرى عورته، هذا الواجب عليه، فإذا اضطرَّ إلى ذلك وأن لا محيصَ فالواجب على مَن حوله أن يغضُّوا أبصارهم.

س: ....... أن بوله عليه الصلاة والسلام كان به جرح؟

ج: ما أعرف، ما ثبت، رواية الخطاب ..... ليس بثابتٍ، توهما ..... ما تنفع في هذا.

س: يشترط في هذا التَّنزه؟

ج: لا بد أن يتنزَّه من ذلك، إذا ما كفت الثالثةُ يزيد رابعةً وخامسةً حتى يقضي، حتى ينقي المحلّ.

س: إذا زاد عن الثلاث ولم يُوتر؟

ج: يعني: الوتر أفضل.

س: وإن لم يُوتر؟

ج: فلا حرج.

س: المقصود عدد المسحات أو عدد الحجارة؟

ج: المقصود تعدد المسح، فلو وجد حجرًا كبيرًا فيه شعب ومسح بها كفى إذا زال الأمرُ.

س: يرى بعضُهم: إذا استنجى بالحجر، ثم احتلم المني، فكان في الثوب؛ أنه ينجس؟

ج: لا، الصحيح أنَّ هذا لا يُطَهِّر، النبي ﷺ قال: فإنَّهما لا يُطَهِّران في العظم والروث، فدلَّ على أنَّ الاستجمار الشرعي يُطهّر إذا أنقى المحلّ، عفا الله عن الباقي .

س: إذا وجد الماء، إذا كان الماء موجودًا واستنجى بالـ .....؟

ج: يجوز ولو مع وجود الماء، لكن ما حصل ......، ولو جمع بينهما كان أكمل وأكمل.

س: يجوز البول قائمًا بدون عذر؟

ج: نعم، إذا كان مستور الحال، ما يُظهر عورته، لكن الجلوس أفضل.

س: العظم لا يُطَهِّر للنهي عنه، أو لأنه لزج؟

ج: النبي قال: فإنَّهما لا يُطَهِّران، وقال: إنهما زاد إخوانكم، فأخبر النبيُّ ﷺ أنهما لا يُطَهِّران؛ لعلتين: كونه زاد الجن، وكونه عظم، وهكذا الروث لعلتين.

بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ

114- عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وعن مُعاذة، عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: "مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول، فإنا نستحي منهم، وإن رسول الله ﷺ كان يفعله".

رواه أحمدُ، والنَّسائيُّ، والترمذيُّ وصححه.

115- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108]، قَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

بَابُ وُجُوبِ تَقْدِمَةِ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى الْوُضُوءِ

116- عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَرْسَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْمِقْدَادَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْمَذْيَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

117- وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ، قَالَ: يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي. أَخْرَجَاهُ.

وحكم هذا الخبر في ترك الغُسل من ذلك منسوخ، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.

أَبْوَابُ السِّوَاكِ وَسُنَنِ الْفِطْرَةِ

بَابُ الْحَثِّ عَلَى السِّوَاكِ وَذِكْرِ مَا يَتَأَكَّدُ عِنْدَهُ

118- عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا.

119- وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

120- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ.

وَلِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا: لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ.

قَالَ: وَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جَابِرٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

121- وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بن هانئٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: "بِالسِّوَاكِ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ.

122- وَعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.

وَالشَّوْصُ: الدَّلْكُ.

وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: "كُنَّا نُؤْمَرُ بِالسِّوَاكِ إذَا قُمْنَا مِنَ اللَّيْلِ".

123- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَرْقُدُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا فَيَسْتَيْقِظُ إلَّا تَسَوَّكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد.

بَابُ تَسَوُّكِ الْمُتَوَضِّئِ بِأُصْبُعِهِ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ

124- عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَنَّهُ دَعَا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، فَأَدْخَلَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فِي فِيهِ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَاحِدَةً، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، وَقَالَ: "هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.

بَابُ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ

125- عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

126- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: "يَسْتَاكُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ".

127- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وفيه احتجَّ مَن كره السواكَ للصائم بعد الزوال.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأبواب اشتملت على مسائل: منها ما يتعلق بالاستنجاء بالماء، والاستنجاء يكون بالماء، ويكون بالحجارة ونحوها، ويكون بهما جميعًا، والأفضل والأكمل ما كان بهما جميعًا.

وكانت العربُ يغلب عليها الاستجمار وعدم استعمال الماء، والنبي ﷺ كان يفعل هذا وهذا، تارةً يستجمر بالحجارة ويكتفي، وتارةً يستنجي بالماء مع ذلك، ومن ذلك حديث أنسٍ أنه ﷺ استنجى بالماء، متفق عليه، والظاهر أنه استنجى بالماء بعدما استجمر بالحجارة؛ لأنه كان له عادته المعروفة، فيتجفف بالحجارة ونحوها، ثم يستنجي بالماء؛ لأنَّ ذلك أبلغ في الإنقاء، وأبلغ في الطَّهارة والنَّظافة.

وتقدم في أحاديث الاستجمار ما يدل على أنه اكتفى به، وأنه استطاب بثلاثة أحجارٍ فأكثر، وأنه تجزي عن الماء، وهذا محل إجماعٍ من أهل العلم؛ أنه إذا استنجى بثلاثة أحجارٍ فأكثر وأنقى المحلَّ أجزأه عن الماء، فإن استنجى بالماء وحده أجزأه، فإن جمع بينهما كان ذلك أكمل في الإنقاء وأفضل، كما في قصة أهل قباء؛ فإنه جاء في بعض الروايات عنهم أنهم كانوا يجمعون بين هذا وهذا، وإن كان المشهورُ أنهم كانوا يغسلون أدبارهم بالماء –يعني: الفرج والدبر- من آثار البول والغائط.

فهذه الأحاديث التي ذكرها المؤلفُ كلها دالة على شرعية الاستنجاء، وأن الواجب على المؤمن أن يفعل ما شرعه الله من استنجاء، أو استجمار، أو جمع بينهما؛ لإزالة أثر النَّجاسة والتَّطهر منها.

وتقدم في حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن العظم والروث، وقال: إنهما لا يُطَهِّران؛ فدلَّ على أن الاستنجاء والاستجمار كلاهما يُطَهِّر، وأن ما يقع بعد الاستجمار من آثارٍ يسيرةٍ مما يُعفى عنه، وهو محسوبٌ بالطهارة مع ذلك.

وإن كان كثيرٌ من الناس قد يستنكر الاستجمار؛ لأنه لم يعتده، فالسنة ثابتة بذلك، وأنه إذا استجمر بالحجارة، أو باللبن، أو بالمناديل الخشنة، أو غيرها من هذه الأشياء الطاهرة الجامدة المزيلة للأثر؛ أنه يكتفي بذلك، لكن بشرط أن يكون ذلك ثلاث مسحات فأكثر حتى يُنقي المحلّ ويزول الأذى.

ثم السنة أن يقف على وترٍ؛ للحديث الصحيح: مَن استجمر فليُوتر، فإذا أنقى بأربعةٍ استحبّ له أن يزيد خامسًا حتى يقطع على وترٍ، وهكذا إذا أنقى بستةٍ استحب أن يزيد سابعًا حتى يقطع على وترٍ.

ومن المسائل أيضًا: أن الاستنجاء يُقدَّم على الوضوء، وأنه شرطٌ لصحة الوضوء أن يُقدّم عليه الاستنجاء، وهذا هو الصواب؛ لما جاء في الأحاديث الصَّحيحة في ذلك، لحديث عليٍّ في المذي: أنه كان رجلًا مذَّاءً، فأمره النبيُّ ﷺ أن يغسل ذكره ويتوضأ من المذي، وفي بعض الروايات: اغسل ذكرك، ثم توضأ، فدلَّ على أن الوضوء يكون بعد الغُسل.

وهكذا كانوا في أول الأمر؛ إذا جامع الرجلُ ولم يُنزل اكتفى بالوضوء، يغسل مذاكيره ثم يتوضأ، ثم نسخ اللهُ ذلك وأوجب الغسل وإن لم يُنزل، والغسل يجب بأحد أمرين: إما الإنزال، وإما الجماع، فإذا جامع ومسَّ الختانُ الختانَ وجب الغسلُ، ومتى أنزل وجب الغُسل.

فقوله ﷺ: يغسل ذكره ثم يتوضأ يدل على أن الوضوء يتأخَّر عن الاستنجاء، ونسخ الحكم -حكم الغسل- لا ينسخ بقية الحكم المذكور في الحديث، وهو أنه يستنجي ثم يتوضأ.

وفي الأحاديث الأخرى الدلالة على فضل السواك، وأن السنة للمؤمن أن يستاك عند وضوئه، وعند صلاته، وعند دخوله المنزل، وعند استيقاظه من النوم، كما جاءت به السنة عن النبي ﷺ.

ومن هذا حديث عائشة -وهو من أجمعها وأعمّها: السواك مطهرةٌ للفم، مرضاة للرب، وهو حديث صحيح، رواه الإمامُ أحمد والنَّسائي، وعلَّقه البخاريُّ رحمه الله، وهو حديثٌ صحيحٌ، ويدل على فضل السواك، وأنه مطهرة للفم، مرضاة للرب، ويدل على أنه مستحبٌّ مطلقًا في جميع الأوقات؛ لأنَّ الطهارة ..... أمرٌ مطلوبٌ دائمًا، ولكنه يتأكَّد في مواضع منها:

الصلاة؛ لقوله ﷺ: لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواك مع كل صلاةٍ، وفي اللفظ الآخر: عند كل صلاةٍ، رواه الشيخان وغيرهما.

وعند الوضوء: كما في اللفظ الآخر: لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتم بالسواك مع كل وضوءٍ، رواه أحمد والنَّسائي وابن خزيمة وغيرهم بأسانيد صحيحةٍ، فهو يدل على شرعيته عند الوضوء.

وهكذا ما رواه مسلم وجماعةٌ في شرعيته عند دخول المنزل: كان يبدأ إذا دخل المنزلَ بالسواك عليه الصلاة والسلام، ولأن السواك معروفٌ ما فيه من تطييب الفم، وتطييب النَّكهة، وتنظيف الأسنان، فمصلحته ظاهرة، وشدّ اللثة.

وهكذا عند النوم: كان النبيُّ ﷺ إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك، كما في حديث حذيفة، ويدل على شرعية السواك في هذه المواضع.

وأحسن ما يُستاك به هو الأراك، وأي عودٍ حصل به المطلوب من شدّ اللثة، وإنقاء الأسنان، وتطييب النكهة؛ حصل به المقصود، لكن فيما ذكره أهلُ العلم أنَّ أحسن ما يُستاك به هو الأراك؛ لطيب رائحته، ولكونه يحصل به المقصود من غير أذى للأسنان ولا اللّثة، خاصة بعض أعواد الأراك، فإنه يختلف؛ ففي بعضه طيب، رائحة واضحة مع راحته في الاستياك به؛ لأنَّ رأسه طوله به سعة، يحصل به المقصود من دون أذى ...... تؤدى، وأي عود حصل به المقصود كفى، حتى الأصابع، إذا دعت الحاجةُ إلى ذلك ولم يتيسر له السواك ودلك أسنانه بإصبعه -كما جاء في رواية علي- حصل بذلك المقصود، لكن السواك يكون أفضل بالعود الذي يُناسب المقام، من أراكٍ أو غيره، كفعل النبي ﷺ، والله أعلم.

الأسئلة:

س: ثابت حديث عليٍّ؟

ج: ما أذكر عن سنده شيئًا، ما علَّق عليه عندكم؟

الطالب: قال الحافظ في "التلخيص" بعد أن ساق السواكَ بالأصابع عن أنسٍ عند ابن عدي والدَّارقطني: وفي إسناده نظر، وعن عائشة رواه أبو نُعيم والطَّبراني وابن عدي، وفيه مثنى بن الصباح، وأصح من ذلك ما رواه الإمامُ أحمد في مسنده من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ، وصحح الحديثَ المذكور هنا.

الشيخ: نعم، ما أعلم فيه شيئًا.

س: حديث حُذيفة: "كنا نُؤْمَر"؟

ج: فيه نظر .....، لكن على العموم: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب يشمل ذلك كله، والمعنى: لأنَّ النوم يحصل به شيء من تغير الفم، ولا سيما إذا طال، فإنَّ نوم الليل يطول أكثر من نوم النّهار، فالمعنى واضح في شرعية السواك.

كذلك سواك الصائم صوابه أنه مشروعٌ مطلقًا: أول النهار وآخره، هذا هو الصواب؛ لعموم السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، ولقوله ﷺ: لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوءٍ، فهذا يشمل وضوء الصائم وغير الصائم، ويشمل الظهر والعصر وأول النَّهار.

وحديث عامر بن ربيعة: "رأيتُه يستاك بعد العصر وهو صائم"، وإن كان في سنده بعض الضَّعف، لكنه يعتضد بالأدلة الأخرى، كذلك حديث ..... وإن كان فيه ضعف، لكن يعتضد بالأدلة الأخرى.

أما حديث: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ومَن تعلَّق به مَن كرهه آخر النهار، فلا حُجَّة لهم فيه؛ لأنَّ الخلوف ما يصعد من الجوف، وهذا لا يمنعه السواك؛ لأنه يصعد من الجوف، لا سيما آخر النهار عند خلو المعدة، فهذا محبوبٌ لله ، ولكن لا يمنع من الاستياك كما شرع الله، كما أننا نتمضمض للظهر والعصر، وإن كانت المضمضة تُخفف أيضًا، فهي مشروعة وإن خفَّفت، كذلك السواك من جنس ذلك.

المقصود أنَّ شرعية السواك وشرعية المضمضة في العصر والظهر لا تُنافي الخلوف.

والخلوف بالضم أصحّ، ورواه بعضُهم بالفتح، ولكن المشروع عند أئمَّة اللغة ضم الخاء: خُلُوف فم الصائم.

س: مثنى بن الصبّاح؟

ج: ضعيف؛ لسوء حفظه.

س: الصبّاح بالتَّشديد؟

ج: بالتشديد نعم، ولكنه ساء حفظه رحمه الله.

س: الرجلُ إذا ..... ذكره ولم يُنزل .....؟

ج: إذا جامع ولم يُنزل عليه الغُسل، استقرَّت السنةُ على هذا، وأجمع .....

س: هذا يقول: ليس عليه إلا الوضوء؟

ج: كان في أول الإسلام ثم نُسخ.