05 من حديث: (إنَّمَا أَتَوَضَّأُ مِنْ أَثْوَارِ أَقِطٍ أَكَلْتهَا)

 

أَبْوَابُ مَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِأَجْلِهِ

بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ وَالرُّخْصَةُ فِي تَرْكِهِ

264- عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ قَارِظٍ: أَنَّهُ وَجَدَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ عَلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: إنَّمَا أَتَوَضَّأُ مِنْ أَثْوَارِ أَقِطٍ أَكَلْتُهَا؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.

265- وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.

266- وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. رَوَاهُنَّ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ.

267- وَعَنْ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ".

268- وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَدُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِّينَ، وَصَلَّى ولم يتوضَّأ". متَّفق عليهما.

269- وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: "أَكَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَصَلَّوْا وَلَمْ يتَوَضَّؤوا". رَوَاهُ أَحْمَدُ.

270- وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: "كَانَ آخِر الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.

وهذه النصوص إنما تنفي الإيجاب لا الاستحباب، ولهذا قال للذي سأله: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئتَ فتوضأ، وإن شئتَ فلا تتوضأ، ولولا أنَّ الوضوء من ذلك مُستحب لما أذن فيه؛ لأنه إسرافٌ وتضييعٌ للماء بغير فائدةٍ.

بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ

271- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ، وَمَعَ كُلِّ وُضُوءٍ بِسِوَاكٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

272- وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ"، قِيلَ لَهُ: فَأَنْتُمْ كَيْفَ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ نُحْدِثْ". رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا.

273- وَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إلَّا مِنْ حَدَثٍ، وَكَانَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، كَانَ يَفْعَلُهُ حَتَّى مَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.

274- وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ.

بَابُ اسْتِحْبَابِ الطَّهَارَةِ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالرُّخْصَةِ فِي تَرْكِهِ

275- عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ : أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْك إلَّا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ.

276- وَعَنْ أَبِي جُهَيْمِ ابْنِ الْحَارِثِ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عليه النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ومن الرخصة في ذلك حديث عبدالله بن سلمة، عن عليٍّ ، وحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "بِتُّ عند خالتي ميمونة رضي الله عنها"، وسنذكرهما.

277- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ النبيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِغَيْرِ إسْنَادٍ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

ذكر المؤلف رحمه الله هنا عدَّة أحاديث فيما يتعلق بالوضوء مما مسَّت النار وترك الوضوء من ذلك، منها حديث أبي هريرة، وعائشة، وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالوضوء مما مسَّت النار، وذكر بعد ذلك عدَّة أحاديث في هذا الموضوع ...... وحديث جابر وغيرهم في ترك الوضوء من ذلك.

وقد اختلف العلماءُ في ذلك: منهم مَن قال: إن الوضوء مما مسَّت النار قد نُسخ؛ لهذه الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي فيها أنه أكل ولم يتوضأ. وقال آخرون: ليس ذلك بنسخٍ، ولكنه لبيان عدم الوجوب؛ أن الأمر ليس للوجوب، بل للاستحباب، وهذا الذي جنح إليه المؤلفُ، وقال: إنه ﷺ قال لمن أكل لحم الغنم: إن شئتَ فتوضأ، وإن شئتَ فلا تتوضأ، هذا يدل على البقاء على الاستحباب.

وفي هذا نظر، فإن ظاهر السنة ومَن تأمَّلها تدل على النَّسخ، وأن الأوامر بالوضوء مما مسَّت النار أنها نُسخت، أمرهم الله بذلك لحكمةٍ بالغةٍ؛ ليعتادوا الوضوء، ويعتادوا الطَّهارة، ثم استقرت السنةُ في نفوسهم، وحبّ أهل الخير وفضله، خفَّف عنهم جلَّ وعلا ويسَّر لهم، ولهذا قال: توضؤوا من لحوم الإبل، ولا توضؤوا من لحوم الغنم، وقوله: لا توضؤوا من لحوم الغنم يدل على النسخ، يعني: النهي عن الوضوء يدل على أن الأمر منسوخ، وهذا بعدما نسخ الله الوضوء مما مسَّت النار، قال: توضؤوا من لحوم الإبل دلَّ على بقاء هذا الوضوء من لحوم الإبل، ودلَّ على نسخ الوضوء مما مسَّته النار بقوله: ولا توضؤوا من لحوم الغنم.

وقوله في حديث جابر: إن شئتَ يدل على الجواز، وأنه يتوضأ، فهي عبادة وزيادة خير، ولكن ليس بواجب، والاستحباب يُفهم من أدلةٍ أخرى، أما الأوامر فقد نُسخت، فإذا توضأ الإنسانُ من باب التَّعبد، أو من باب طلب فضل الوضوء؛ لما فيه من الخير العظيم، فله أجر ذلك، ولا يُسمَّى: عبثًا، ولا يكون إضاعةً للماء، بل فيه خير عظيم، ولكن لا يمنع من أن يكون ذلك الأمر قد نسخ الذي فيه الأوامر بالوضوء مما مسَّت النار، لكن مَن شاء فهو من باب المباح، من شاء [أن] يتوضأ فله أن يتوضأ، وإذا توضأ فهو أمر وارد من حيث الوضوء، ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة في بيان الوضوء من لحم الإبل، وعدم الوضوء من لحم الغنم، فعُلم بذلك أنَّ الوضوء من لحم الإبل بصفةٍ خاصَّةٍ واجب، وأنه ناقضٌ من نواقض الوضوء كما تقدَّم، وأما الغنم والبقر والصيود والطيور وغير ذلك فليس فيها وضوء، لكن مَن توضأ فله فضل ذلك.

وأما حديث: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ فهو حديثٌ ضعيفٌ كما ذكر المؤلف، رواه أبو داود والترمذي، وفي إسناده عبدالرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف عندهم، وفيها شخص آخر يُقال: عطينة ......

فالمقصود أنَّ فضل الوضوء على طهارةٍ يُؤخذ من أدلةٍ أخرى، أما الأوامر التي فيها الوضوء فهي منسوخة بأدلة ترك الوضوء مما مسَّت النار مثلما قال جابر، وأدلة النَّهي عن ذلك قوله: لا توضؤوا من لحوم الغنم.

ثم كونه يتوضأ لطلب الفضل أو الأجر أو النشاط فهذا يُعرف من أدلةٍ أخرى: منها كونه ﷺ يتوضأ لكل صلاةٍ، فهذا يدل على فضل الوضوء لكل صلاةٍ، الوضوء على طهارةٍ، فإذا أراد ذلك فهذا خيرٌ إلى خيرٍ.

وفي حديث أنسٍ وما جاء في معناه الدلالة على أنه ﷺ كان في الأغلب يتوضأ لكل صلاةٍ، هذا هو الأغلب، وربما صلَّى الصَّلوات بوضوءٍ واحدٍ كما في الجمع بين الصلاتين، وفي أسفاره كان يجمع بينهما بوضوءٍ واحدٍ، وهكذا يوم الفتح صلَّى الصَّلوات كلها بوضوءٍ واحدٍ، فسأله عمر عن ذلك فقال: عمدًا فعلتُ؛ ليعلم الناسُ أن الوضوء لا يجب لكل صلاةٍ، وأنه إذا كان على طهارةٍ فلا مانع أن يُصلي الصَّلوات بوضوءٍ واحدٍ، كما قال أنسٌ أن الصحابة كانوا يفعلون هذا ما لم يُحدثوا، وفعله النبيُّ ﷺ بالفتح ليعلم الناسُ ذلك، فمَن صلَّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوءٍ واحدٍ ولم يُحدث فلا شيء عليه، ولا بأس.

وفي بقية الأحاديث الدلالة على شرعية ذكر الله على كل حالٍ، وأنه إذا حصل على طهارةٍ كان أفضل؛ لكونه ﷺ لما سُلِّم عليه وهو يتوضأ صبر حتى كمل وضوءه، وفي اللفظ الآخر: "حتى توضأ ثم ردَّ عليه السلام، أحبَّ أن يذكر الله على طهارةٍ"، هذا يدل على أنه إذا تيسرت قراءةُ القرآن وذكرُ الله عزَّ وجل أن يكون دائمًا على طهارةٍ، هذا يكون أفضل، ولكن لا يجب ذلك، بل له أن يُسلِّم، وله أن يتكلم، وله أن يقرأ عن ظهر قلبٍ إن كان على غير طهارةٍ، ولهذا ثبت في حديث ابن عباس، وفي حديث عائشة رضي الله عنها، حديث عائشة أنه كان يذكر الله على كل أحيانه، هذا عام، حديث ابن عباس: لما استيقظ من نومه قرأ الآيات من آخر سورة آل عمران ثم قام فتوضأ، سلّم عليه فردَّ عليهم السلام، وقال لأبي هريرة وحذيفة وهما جنبان: إن المسلم لا ينجس، فدلَّ ذلك على أنه لا حرج في السلام وفي ذكر الله وإن كان على غير طهارةٍ.

وهكذا في حديث عبدالله بن سلمة، عن عليٍّ في الجنب قال: "لا يقرأ القرآن، ولا آية"، فدلَّ على أن غير الجنب يقرأ القرآن، ويذكر الله، وإن كان على غير طهارةٍ.

فالحاصل أن كون الإنسان على طهارةٍ في أوقاته هذا أفضل إذا تيسر ذلك، ولكن لا يلزم أن يكون على طهارةٍ دائمًا، ولا يُمنع من ذكر الله وقراءة القرآن إذا كان على غير طهارةٍ، إذا لم يكن جنبًا، وإذا تيسر له أن يكون على طهارةٍ عند ذكر الله وعند قراءة القرآن وعند مُخالطة إخوانه للسلام عليهم وردّ السلام عليهم فهذا أفضل كما قاله النبيُّ ﷺ، والله أعلم.

الأسئلة:

س: هل يُشرع التيمم لردِّ السلام ولو كان عنده الماء؟

ج: هذا محل نظر، قد يكون هذا التيمم ليس عنده ماء؛ لأنَّ الأصل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [النساء:43]، هذا هو الأصل، فيُحمل هذا على أنه تيمم لأنه في مكانٍ ليس عنده ماء، والمصلحة تفوت.

س: ..... أن الوضوء يحتاج إلى مدةٍ، والسلام يحتاج إلى إجابةٍ؟

ج: نعم هذا المقصود ..... يفوت، وتطلب الماء قد يكون بعيدًا .....: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً، يعني: في كل مقامٍ بحسبه.

س: الجنب يُجيب المُؤذن أو يُقال: يتيمم كل ....؟

ج: مثل بقية الأركان .....؛ لأنه من ذكر الله عز وجل، وليس من قراءة القرآن.

س: السواك عند الوضوء، عند الشروع عند الوضوء؟

ج: نعم، السواك عند البدء بالوضوء ..

س: عند تمضمضه أو قبل الشُّروع؟

ج: عند المضمضة أو قبل المضمضة، كلٌّ طيب، المقصود في أوله، نعم.

س: النبي ﷺ .........؟

ج: ..............

بَابُ اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ لِمَنْ أَرَادَ النَّوْمَ

278- عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ: إذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَك فَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّك الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْك، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَيْك، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إلَيْك، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْك، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْك، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْك إلَّا إلَيْك، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِك فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ من آخر مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِك، قَالَ: لَا، وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

بَابُ تَأْكِيدِ ذَلِكَ لِلْجُنُبِ، وَاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ لَهُ لِأَجْلِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُعَاوَدَةِ

279- عن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا تَوَضَّأَ.

280- وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ". رَوَاهُمَا الْجَمَاعَةُ.

281- وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وضوءَه للصلاةِ".

282- وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنَامَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

283- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ.

باب جواز ترك ذلك

284- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ وَهُوَ جُنُبٌ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.

285- وَعَنْهَا أَيْضًا رضي الله عنها أنَّها قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ إلَى أَهْلِهِ أَتَاهُمْ، ثُمَّ يَعُودُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً". رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْهَا: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ مَاءً".

وهذا لا يُناقض ما قبله، بل يُحمل على أنه كان يترك الوضوءَ لبيان الجواز، ويفعله غالبًا لطلب الفضيلة.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فهذه الأحاديث تدل على فوائد:

الفائدة الأولى: أنَّ السنة للمؤمن عند النوم -وهكذا المؤمنة- الوضوء، وأنه يُستحب للرجل والمرأة عند النوم الوضوء؛ حتى يناما على طهارةٍ، هكذا دلَّ حديثُ البراء بن عازب وما جاء في معناه، قوله ﷺ: إذا أردتَ النوم توضَّأ، ثم اضطجع على جنبك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمتُ نفسي إليك، وفوضتُ أمري إليك، ووجهتُ وجهي إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا إلا إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، وبنبيك الذي أرسلتَ، هذا يدل على شرعية هذه الكلمات، قال: واجعلهنَّ من آخر ما تقول، ودلَّ ذلك على استحباب أن يتوضأ عند النوم، وأن ينام على شقِّه الأيمن أول ما يضطجع، وأن يقول هذه الكلمات في آخر كلامه.

وجاء عنه ﷺ عند النوم أحاديث كلها تدل على أذكارٍ أخرى؛ منها أنه كان يقول إذا أوى إلى فراشه: اللهم باسمك أموت وأحيا.

ومنها: اللهم باسمك ربي وضعتُ جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكتَ نفسي فارحمها، وإن أرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصَّالحين.

ومنها: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك ثلاثًا، يُستحب هذا عند النوم، كما فعله النبي ﷺ: أنه إذا اضطجع يقول: باسمك اللهم أموت وأحيا، اللهم باسمك ربي وضعتُ جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكتَها فارحمها، وإن أرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصَّالحين، اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك.

ومنها قراءة آية الكرسي، وأنَّ مَن قرأها لم يزل عليه من الله حافظٌ، ولا يقربه شيطانٌ حتى يُصبح، هذا مما يُشرع للمؤمن عند النوم.

ومنها ما ذُكر في حديث البراء: أنه يضطجع على شقِّه الأيمن، ويتوضأ، ويقول: اللهم أسلمتُ نفسي إليك .. إلى آخره.

ومن ذلك الدلالة على شرعية الوضوء للمؤمن إذا أراد أن ينام وهو على جنابةٍ، أو يتوضأ قبل أن ينام، كان ﷺ إذا كان على جنابةٍ غسل فرجَه وتوضأ وضوءَه للصلاة ثم نام، وسأله عمرُ في ذلك فقال: يا رسول الله، أينام أحدُنا وهو جنب؟ قال: إذا توضأ أحدُكم فليرقد، هذا يدل على شرعية الوضوء لمن أراد النوم وهو على جنابةٍ، وهي من باب أولى أن يتوضأ ثم ينام؛ لأنَّ الوضوء يُخفف الحدث، أكبر وأصغر، فهذا الوضوء يُزيل الحدث الأصغر، وهذا هو الأفضل والسنة، وهو سنة مؤكدة كما دلَّ على ذلك حديثُ عمر، وحديث عائشة، وأحاديث أخرى، فإن نام ولم يفعل فلا حرج، ولهذا ربما غسل يديه ولم يتوضأ وأكل وشرب، فالأفضل أن يُعيد الوضوء، أن يتوضأ عند النوم، وعند إرادة الأكل والشرب، كما دلَّ عليه حديث عائشة وعمار، وعند إرادة العود، إذا أراد أن يُعاود الجماع استحبَّ له الوضوء كما في حديث أبي سعيدٍ؛ لأنه أنشط إلى العود.

ودلَّت أحاديث عائشة الأخرى والأحاديث الأخرى الواردة في هذا الباب على أنه ليس بواجبٍ، فله أن يأكل، وله أن يشرب، وله أن يتوضأ، وله أن ينام، ولكن الأفضل له والأولى به أن يتوضأ وضوءه للصلاة، وحديث عائشة: "كان ينام وهو جنب من غير أن يمسَّ ماءً"، وحديث أنه كان يغسل يديه ثم يأكل ويشرب، كله يدل على أنه ليس بواجبٍ.

وبعض أهل العلم حكم على حديث عائشة في قولها: "أنه كان ينام جنبًا ولا يمسّ ماء" أنه مُوهِم من أبي إسحاق السبيعي، وأن الروايات الأخرى تدل على أنه كان يتوضأ، ولكنه مثلما قال المؤلفُ: لا تنافي بين الروايات، فإنَّ الجماع ما هو مرة ولا مرتين، يتكرر في ليالٍ كثيرةٍ، وأقام في المدينة عشر سنوات عليه الصلاة والسلام، وعنده عدة من النساء.

فالمقصود أنه ﷺ في الغالب يتوضأ عند النوم، وربما ترك ذلك؛ ليعلم الناسُ الجواز، وأنه لا حرج في ذلك، وهذا الجمع لا محذورَ فيه، ولا حاجة إلى تغليط الرواة، وهذا أقرب وأولى من الحكم عليهم بغير حجَّةٍ؛ لأنه غلط.

فالأفضل للمؤمن أن يتوضأ عند النوم ولو كان غير جنبٍ، ولو كان ليس على جنابةٍ، فإذا كان على جنابةٍ تأكَّد ذلك، فيستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة، ثم ينام، وإن اغتسل كان أكمل وأفضل، كما جاء عنه ﷺ أنه ربما اغتسل، وربما أخَّره إلى آخر الليل -الغسل.

وهكذا عند الأكل والشرب إن توضأ فهو أفضل، وإن لم يتوضأ وأكل وشرب أو أعاد الجماع فلا حرج، لكن كونه يتوضأ عند النوم أو قبل الأكل وقبل الشرب وقبل الجماع يكون أفضل؛ جمعًا بين الروايات التي جاءت عنه عليه الصلاة والسلام مثلما قال المؤلفُ رحمه الله، وقاله آخرون من أهل العلم، والله أعلم.

الأسئلة:

س: ...... الأدعية وهو قاصد نوم الليل؟

ج: نعم؟

س: ..... نوم الليل الوضوء والأدعية؟

ج: هذا جاء في نوم الليل نعم ﷺ.

س: .............؟

ج: ما هو ببعيدٍ أن يقال: إن النوم إذا أراد أن ينام يتوضأ ولو في النهار، لكن الروايات جاءت في نومه ﷺ النوم في الليل؛ لأنه في الغالب يطول، بخلاف نوم النهار فقد يعرض قليلًا.

س: عندما ردَّ عليه الرسولُ ﷺ أدبر عندما قال: "ونبيّك"؟

ج: يُبين أنه ينبغي العناية بالألفاظ -ألفاظ النبي ﷺ- لأن "رسولك الذي أرسلتَ" فيه نوع تكرار، فإذا قال: "نبيك" فالنبي غير الرسول، ولهذا قال: نبيك الذي أرسلتَ حتى لا يكون هناك تكرار في الكلمات، واحتجَّ به بعضُ أهل العلم على أنه ينبغي العناية بألفاظ النبي ﷺ، وعدم الرواية بالمعنى إلا عند الحاجة.

س: الوضوء حتى ولو كان طاهرًا؟

ج: إذا كان طاهرًا ما في حاجةٍ.

س: هل الاستغفار عند النوم جاء في هذا شيء؟

ج: نعم، جاء في حديثٍ آخر: إذا أوى إلى فراشه يقول: اللهم فاطر السماوات والأرض، اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، هذا أيضًا مما يُشرع عند النوم.

س: ...........؟

ج: تقدم ذكره.

باب الغُسل من المني

286- عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: فِي الْمَذْيِ الْوُضُوءُ، وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

وَلِأَحْمَدَ فَقَالَ: إذَا حَذَفْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وإن لَمْ تَكُنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ.

وفيه تنبيهٌ على أنَّ ما خرج لغير شهوةٍ -إما لمرضٍ، أو بردٍ- فلا يُوجب الغسل.

287- وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ الْغُسْلُ إذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الْمَاءَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: تَرِبَتْ يَدَاكِ، فَبِمَا يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟!. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

بَابُ إيجَابِ الْغُسْلِ مِن الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَنَسْخِ الرُّخْصَةِ فِيهِ

288- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِمُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ: وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ.

289- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَلَفْظُهُ: إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ.

وهو يُفيد الوجوب وإن كان هناك حائل.

290- وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: "إنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ: "الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" رُخْصَةٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ بِهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَنَا بِالِاغْتِسَالِ بَعْدَهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد.

وَفِي لَفْظٍ: "إنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَة فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

291- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ، ثُمَّ يكْسلُ، وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

292- وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِي، فَقُمْتُ وَلَمْ أُنْزِلْ، فَاغْتَسَلْتُ وَخَرَجْتُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: لَا عَلَيْكَ، الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ رَافِعٌ: ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْغُسْلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

باب مَن ذكر احتلامًا ولم يجد بللًا أو بالعكس

293- عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ رضي الله عنها أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ حَتَّى يُنْزِلَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ: أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمَرْأَةِ تَحْتَلِمُ فِي مَنَامِهَا، فَقَالَ: إذَا رَأَتِ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ.

294- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا، قَالَ: يَغْتَسِلُ، وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنْ قَدِ احْتَلَمَ، وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ، فَقَالَ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ، عَلَيْهَا الْغُسْلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ.

بَابُ وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ

295- عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ : أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ.

296- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ ثُمَامَةَ أَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اذْهَبُوا بِهِ إلَى حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ، فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فهذه الأحاديث دلَّت على مسائل:

منها: أنَّ المذي لا يُوجب الغسل، وإنما يُوجب الوضوء، وأما المني فيُوجب الغسل إذا خرج بشهوةٍ، فلهذا لما سأله عن ذلك، لما سأل عليٌّ رسولَ الله عن ذلك قال: في المني الغسل، وفي المذي الوضوء، وقال: إذا حذفت ماءً فاغتسل، وإذا لم تحذف فلا تغتسل، فدلَّ ذلك على أنَّ الغُسل يكون من الماء، من إنزال المني، وأما المذي نفسه؛ وهو الماء اللَّزج الذي يخرج على طرف الذكر عند تحرك الشهوة، ثم إخناث الذكر، يكون هذا الماء لزجًا ضعيفًا، يُسمَّى: المذي. فأمر النبيُّ ﷺ فيه بالوضوء فقط، وكان بعضُ الناس يغتسل يظنّ أنه يلزمه الغسل، يُبين له ﷺ أنه لا يُوجب الغسل، وإنما فيه الوضوء.

وقد ثبت أنه ﷺ استفتاه المقداد في ذلك؛ لأنَّ عليًّا أوصى المقداد أن يسأله، فلعل عليًّا سأله بعض الأحيان بعدما سأله المقداد، أو قبل ذلك، أو أراد عليٌّ بذلك أنه سأله بواسطة المقداد، فالحاصل أنَّ حديث عليٍّ وما جاء في معناه، وهكذا حديث أم سلمة، وهكذا قصة أم سليم، وهكذا حديث عائشة، وما جاء في هذا المعنى كلها تدل على أن الماء يُوجب الغسل، إذا أنزل عن شهوةٍ أو في النوم فإنه يغتسل، أما إذا كان مذيًا فهذا يُوجب الوضوء، يغسل ذكره وأُنثييه كما تقدَّم، وكما جاء في حديث عليٍّ، وفي حديث عبدالله بن حرام، وغيرهما، فيغسل ذكره وأُنثييه ويتوضأ، وليس عليه غسل، فإذا استيقظ من نومه فوجد بللًا ولا يذكر احتلامًا فإنه يلزمه الغسل، إذا كان البللُ منيًّا فإنه يجب عليه الغسل وإن لم يذكر احتلامًا، فإن استيقظ كما ذكر الاحتلام ولكن ما وجد ماءً فلا غسلَ عليه، ولهذا لما سألته أمُّ سليم: "المرأة تغتسل ترى في منامها ما يرى الرجل؟" قال: تغتسل إذا رأت الماء، وهكذا في حديث عائشة: إن رأتِ الماء تغتسل وإلا فلا كالرجل سواء.

فمَن رأى الماء بعد نومه -ليلًا أو نهارًا- اغتسل، وهو ...... فإن لم يرَ شيئًا فلا غسلَ عليه وإن رأى أنه جامع، ما دام ما رأى ماءً فلا غسلَ عليه، أما إذا خرج الماء ولو لم يُجامع، إذا خرج الماء عن شهوةٍ -فكَّر فأنزل، رأى امرأةً فأنزل، جالس أهله فأنزل- فهذا يُوجب الغسل، يغتسل من الماء وإن لم يُجامع، وهذا معنى الحديث الصحيح: الماء من الماء، وكانوا قبل الإسلام إذا جامع الرجلُ ولم يُنزل ليس عليه إلا الوضوء، ثم نُسخ ذلك كما قال أُبَيٌّ وغيره، وهو ما دلَّ عليه حديث أبي هريرة، وحديث عائشة: إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، وهكذا نحوه حديث أبي هريرة في "الصحيحين": إذا جلس بين شُعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، زاد مسلم: وإن لم يُنزل، فاستقرَّت الشريعةُ على هذا، وقد أجمع العلماءُ على هذا، وأنه متى جامع وجب الغسل وإن لم يُنزل، ومتى أنزل وجب الغسل وإن لم يُجامع، فالغسل يجب بأحد أمرين: بالجماع، وبالإنزال باحتلامٍ أو عن شهوةٍ وهو يقظ.

وظاهر النص أنه يجب الغسل وإن كان من وراء حائل، فلو لفَّ على ذكره شيئًا وجامع وجب عليه الغسل وإن كان هناك حائل؛ لعموم قوله ﷺ: إذا حذفتَ فاغتسل، وقوله ﷺ: إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، إذا جلس بين شُعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، هذا يعمُّ مَن كان ذكره مجرَّدًا ومَن لفَّ عليه شيئًا، قد يتحيل بعضُ الناس ويظن أنه إذا لفَّ شيئًا يسلم من الغسل، وهذا باطل، بل متى جامع مطلقًا وجب عليه الغسل، أنزل أو لم يُنزل.

أما مَن وجد بللًا لكن ليس بمنيٍّ -كبولٍ أو مذيٍ- فهذا لا غسلَ عليه، إن كان بولًا وجب عليه غسل المحل، وإن كان مذيًا نضحه وكفاه، وإن كان منيًّا وجب عليه الغسل.

وأما حديث قيس بن عاصم فهو يدل على وجوب الغسل على مَن أسلم، وحديث ثمامة كذلك، وهذا عند المحققين من أهل العلم يدل على شرعية الغسل وتأكُّده، لا على وجوبه؛ لأنه ﷺ أسلم معه يوم الفتح أمم كثيرة، ولم يثبت أنه أمرهم بالغسل عليه الصلاة والسلام، فدلَّ ذلك على أن الغسل مُستحب وليس بفريضةٍ؛ لكونه ﷺ أمر به بعض الناس ولم يأمر به الجمَّ الغفير، فهذا يدل على أنه مشروعٌ، أنه متى اغتسل فهو أفضل؛ لحديث قيس وبعض روايات ثمامة، والله أعلم.

الأسئلة:

س: أمر قيس وأمر ثمامة ثابت في الأمر؟

ج: قيس لا بأس به، حديث قيس جيد لا بأس به، أما ما حُفظ في حديث ثمامة أنه فعله بنفسه في "الصحيحين": أنه قُيِّد، وكلما مرَّ عليه النبيُّ ﷺ غير مرةٍ وطلب منه أن يُطلق أساره ..... ﷺ ..... فأعرض عنه ﷺ، كان يقول: ما عندك؟ فيقول: إن تُنعم تُنعم على شاكرٍ، وإن تقتل تقتل ذا دمٍ، وإن ترد المالَ فسل تُعطه. فتركه النبيُّ ﷺ مرتين أو ثلاثًا، ثم أمر بإطلاقه، فذهب إلى بستانٍ هناك واغتسل، ثم تاب وشهد شهادة الحقِّ ، وعاهد النبيَّ ﷺ أنه لا يمد قريشًا بشيءٍ من حنطةٍ من اليمامة، وذهب مُعتمرًا ..... في الطريق، وذهب إلى عُمرته، وكمّل عمرته.

س: المذي سواء كان فيه كثرة أو غيره يكون حكمه النَّضح؟

ج: المذي؟

س: نعم.

ج: نعم.

س: عام؟

ج: نعم.

س: يقول رحمه الله في التَّنبيه هنا: أنَّ ما خرج لغير شهوةٍ -إما لمرضٍ أو بردٍ- فلا يجب الغسل؟

ج: نعم، إذا كان المني لمرضٍ -كمرض الصلب ونحوه- ما في غسل، الغُسل إذا كان عن شهوةٍ.

س: المرتدُّ إذا أسلم هل عليه غسل؟

ج: يُشرع له الغسل.

س: ولو كان الوقت قصيرًا عفا الله عنك؟

ج: ولو.

س: البرد أو نوع مرض؟

ج: أي مرض، المقصود دخل عن شهوةٍ، بعض الناس يُبتلى بالمني دائمًا يخرج منه، العلَّة تكون في الصلب، يكون فيه آثار ظهر، مرض يُصاب بهذا، ويكون المني .....

س: مرض أو برد؟

ج: بعض الناس قال: يخرج من شدة البرد.

س: المقصود من ملامسة ...... المُجامعة؟

ج: معنوية.

س: عليه غسل؟

ج: نعم؟

س: عليه غسل، الحديث الذي قال: مسّ الختانُ الختانَ؟

ج: إلا إذا جامعها ولو لم يُنزل، إذا أدخل فرجَه في فرجها، مسّ ختانُه ختانها، إذا جاوز الختانُ الختانَ وإن لم يُنزل يُوجب الغسل.

س: حديث رافع ..........؟

ج: في الباب عدة أحاديث كلها دالة على أنه نسخ، نسخ الغسل .....، والعمدة في هذا الحديث الذي رواه أبو هريرة، وحديث عائشة، وما جاء في معناهما.

س: وإن كان هناك حائل؟ إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل وإن كان هناك حائل؟ يعني: يكون الحائل؟

ج: إذا فعل في ذكره شيئًا، أدخل ذكره في خرقةٍ ثم جامع به.

الشيخ: علَّق على حديث رافع؟

الطالب: ..... قال: ناداني رسولُ الله ﷺ وأنا على حضن امرأتي، فقمتُ ولم أنزل، فاتَّصلتُ وخرجتُ فأخبرته، فقال: لا عليك، الماء من الماء ..... ثم بعد ذلك في الغُسل، رواه أحمد؟

الشيخ: ماذا قال عنه المحشي؟

الطالب: ورواه الطبراني في "الكبير"، وفيه مسكين بن سعد ضعيف لسوءِ حفظه، فقد روى الإمام أحمد ونحوه عن عتبان، أو ابن عتبان الأنصاري بإسنادٍ حسنٍ، كذا في "مجمع الزوائد".

ج: نعم ..... في حديث رافع ..... أحاديث أخرى صحيحة، نعم.

س: ..... أبي موسى الأشعري حينما سأل عائشةَ عن الجماع بدون إنزالٍ قالت: "لا عليك"؟

ج: ما سمعت، ما أذكره، ولو ..... يُحمل على أنه خفي عليها الأمر، أو نسيت إن صحَّ عنها.

بَابُ الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ

297- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

بَابُ تَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ

298- عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ وَلَا يَحْجُبُهُ -وَرُبَّمَا قَالَ: لَا يَحْجِزُهُ- مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، لَيْسَ الْجَنَابَة". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، لَكِنَّ لَفْظَ التِّرْمِذِيِّ مُخْتَصَرٌ: "كَانَ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا"، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

299- وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

300- وَعَنْ جَابِرٍ ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا النُّفَسَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

بَابُ الرُّخْصَةِ فِي اجْتِيَازِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ

وَمَنْعِهِ مِن اللُّبْثِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ

301- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: إنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِك. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ.

302- وَعَنْ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى إحْدَانَا وَهِيَ حَائِضٌ، فَيَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ، ثُمَّ تَقُومُ إحْدَانَا بِخُمْرَتِهِ فَتَضَعُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ حَائِضٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.

303- وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: "كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا مُجْتَازًا". رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي "سُنَنِهِ".

304- وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْشُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ جُنُبٌ". رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.

305- وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَصْنَع الْقَوْمُ شَيْئًا؛ رَجَاءَ أَنْ تنزل فِيهِمْ رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالَ: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَن الْمَسْجِدِ؛ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ، وَلَا لجُنُبٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

306- وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَرْحَةَ هَذَا الْمَسْجِدِ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: إنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَحِلُّ لِحَائِضٍ، وَلَا لِجُنُبٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

وهذا يمنع بعمومه دخوله مطلقًا، لكن خرج منه المُجتاز لما سبق، والمُتوضئ كما ذهب إليه أحمدُ وإسحاقُ؛ لما روى سعيدُ بن منصور بإسناده قال: حدثنا عبدالعزيز بن محمد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: "رأيتُ رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مُجنبون إذا توضَّؤوا وضوء الصلاة".

وروى حنبل بن إسحاق -صاحب أحمد- قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: "كان أصحابُ رسول الله ﷺ يتحدَّثون في المسجد وهم على غير وضوءٍ، وكان الرجلُ يكون جنبًا فيتوضَّأ ثم يدخل المسجد فيتحدَّث".

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

هذه الأحاديث تتعلق بعدَّة أحكام: منها غسل الحائض، وغسل الحائض أمرٌ مجمعٌ عليه، وقد دلَّ عليه كتابُ الله، ودلَّت عليه السنةُ، يقول سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222]، فعلى الحائض والنفساء الغسل إذا انتهى حيضُها ونفاسُها، ولهذا أمر النبيُّ ﷺ الحُيَّضَ بذلك، ومن جملتهنَّ فاطمة بنت أبي حبيش، قال لها: فإذا أدبر الدمُ فاغتسلي وصلِّي.

والمرأة الحائض كتب الله عليها جلَّ وعلا هذا الدم لحكمةٍ بالغةٍ، وجعله يأتيها كل شهرٍ، وجعله سبحانه غذاءً للولد إذا حملت، ولهذا يغلب عليها أنه لا يخرج منها حيض عند الحمل، فإذا جاء هذا الدمُ وجب عليها ترك الصلاة والصوم، ووجب على زوجها ترك إتيانها لحكمةٍ بالغةٍ، فإذا انقطع عنها الدمُ ورأت الطهارةَ وجب عليها الغسل، وتعود إلى الصلاة والصيام، ولكنها لا تقضي الصلاة، وتقضي الصوم بإجماع أهل العلم، فالصلاة لا تُقضى، والصوم يُقضى، والحكمة في ذلك والله أعلم أنَّ الصلاة تتكرر في اليوم خمس مرات، فلو أُمرت بالقضاء لكان في هذا شيء من المشقة الكبيرة، فكان من رحمة الله سبحانه وإحسانه إلى عباده أن أسقط عن الحائض والنفساء، وأوجب عليها الصوم؛ لأن الصوم مرة في السنة، وهو شهر رمضان، شهر واحد في السنة، فمن حكمة الله أنه شرع لها قضاءه؛ حتى لا يفوتها هذا الخير العظيم.

وعلى زوجها أن يجتنبها مدة الحيض والنفاس؛ لقوله جلَّ وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222]، وسُئلت عائشةُ رضي الله عنها عن هذا فقالت للسائلة: "أحرورية أنتِ؟!" يعني: أخارجية؛ لأن الخوارج يُشددون في الأمور، ولا يعبؤون بالسنة، فقالت لها: "أحرورية أنتِ؟!" قالت: لا، ولكني أسأل، قالت: "كنا نُؤمر بقضاء الصوم" يعني: في عهد النبي ﷺ، "نؤمر بقضاء الصوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة"، وهكذا جاء في النُّفساء مع ذلك.

وفي الأحاديث الأخيرة التي بعدها الدلالة على أنَّ الجنب والحائض لا يقرأ كلٌّ منهما القرآن، ولكن يذكروا الله كيف كان الذكرُ، يُطلق في الحائض والنفساء والجنب، كلٌّ منهم له ذكر الله قائمًا وقاعدًا ومُضطجعًا، على أي حالٍ، قالت عائشةُ رضي الله عنها كما تقدم: "كان النبيُّ ﷺ يذكر الله على كل أحيانه"، فالذكر مشروعٌ دائمًا: كالتسبيح، والتهليل، والتحميد، والتكبير، والاستغفار، والدعاء، لكن نفس القرآن الذي هو أعظم الذكر يُمنع منه الجنب، فلا يأتي به وقت الجنابة حتى يغتسل، والحجة في هذا ما ذكره المؤلفُ عن عليٍّ قال: "كان النبيُّ ﷺ إذا قضى حاجته يأكل معنا اللحم، ويقرأ القرآن، ما لم يكن جنبًا"، وفي اللفظ الآخر: "فأما الجنب فلا ولا آية"، كما رواه أحمد بإسنادٍ جيدٍ عن ..... عن عليٍّ، فهذا يدل على أنَّ الجنب لا يقرأ القرآن ما دام جنبًا، قد خرَّجه الخمسةُ بإسنادٍ جيدٍ من حديث عبدالله بن سلمة المرادي، قد أعلَّه بعضُهم بعبدالله، وأنه قد ساء حفظه بعد كبر سنه، ولكنها ليست العلة، والصحيح أنه معتمد، وأن روايته حسنة كما قال الترمذي رحمه الله: أنه حسن صحيح.

الطالب: مَن هو؟

الشيخ: عبدالله بن سلمة المرادي، راويه عن عليٍّ، وأُعلَّ بأن في حفظه شيئًا بعد كبر سنه، والصواب أن مثله حجَّة ما لم يَبِنْ خطأ منه برواية الثِّقات تُخالفه.

وقد رواه أحمد رحمه الله بإسنادٍ جيدٍ من غير طريقه أيضًا؛ من طريق أبي الغريف عن عليٍّ، ولا بأس به، وجاء حديثٌ من رواية أبي الغريف مؤيدة وشاهدة لرواية عبدالله، ومتابعة لرواية عبدالله بن سلمة، فالحديث جيد، وهو حجَّة في المقام، فلا يقرأ القرآنَ الجنبُ حتى يغتسل؛ ولأن مدَّته لا تطول، فإنه بإمكانه أن يغتسل في الحال بعد فراغه من حاجته.

واختلف العلماءُ في الحائض، أما الجنب فحجَّتهم ظاهرة، وهو الذي عليه جمهورُ أهل العلم، ويُروى عن سعيد بن المسيب وعكرمة المخالفة في ذلك، لكنَّهما محجوجان بالسنة، فالذي عليه جمهورُ أهل العلم منعه من قراءة القرآن، لا عن ظهر قلبٍ، ولا من مصحفٍ، أما غير الجنب كسائر المحدِثين فلهم قراءة القرآن عن ظهر قلبٍ من غير مسِّ المصحف.

واختلف الناس في الحائض هل تُلحق بالجنب فتُمنع، أو تُلحق بغير الجنب فيُباح لها أن تقرأ القرآن عن ظهر قلبٍ؟

حكى ....... رحمه الله عن الأكثرين منعها؛ إلحاقًا لها بالجنب، وقال آخرون من أهل العلم: أنها لا تُلحق بالجنب، فليست مثل الجنب؛ لأنَّ مدَّتها تطول، والنفساء كذلك مدَّتها تطول أكثر، فتُحرم من قراءة القرآن بغير حجةٍ واضحةٍ، وربما كانت حافظةً له فتنساه بسبب طول المدة، فلهذا قال جمعٌ من أهل العلم: إنه لا بأس عليها أن تقرأه عن ظهر قلبٍ، واحتجُّوا بأن الأصل إباحة قراءة القرآن، هذا هو الأصل، والقياس لا يصح قياسها على الجنب، لا يصح للفرق العظيم بينهما، والجنب مدَّته قصيرة، والحيض مدَّته طويلة، والنفاس أطول، فلا يجوز القياس.

أما الحديث الذي احتجَّ به الجمهورُ على منعها؛ وهو حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: لا يقرأ الجنبُ ولا الحائضُ شيئًا من القرآن، وكذلك حديث جابر الذي رواه الدارقطني، فهما حديثان ضعيفان عند أهل العلم، لا يصحَّان عن النبي ﷺ، والحديث الضعيف الذي لا يرتقي إلى درجة الحسن والصحة لا يُحتجُّ به.

والعلة في حديث ابن عمر أنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة، وإنما يُحتجُّ به إذا روى عن الشاميين.

ومما احتجَّ به مَن قال بذلك أيضًا: أن النبي ﷺ قال لعائشة: افعلي ما يفعله الحاجُّ، وهذا في "الصحيحين"، غير ألا تطوفي حتى تطهري، ولم يقل لها: لا تقرئ القرآنَ، بل أمرها أن تفعل ما يفعله الحجَّاج غير الطواف، فدلَّ ذلك على أنَّ قراءتها جائزة؛ لأنَّ الحاجَّ يقرأ القرآن، فهكذا عائشة وإن كانت حائضًا، وهكذا النُّفساء، أسماء كانت نفساء ولم ينهها عن قراءة القرآن -أسماء بنت عميس زوجة الصديق- فإنها ولدت محمد بن أبي بكر في الميقات، وقعت فيما وقعت به عائشة، ولم يقل لهما: لا تقرأ القرآن، ومعلوم أنَّ الحجاج يقرؤون القرآن، وليسوا ممنوعين من قراءة القرآن، فدلَّ ذلك على أن قراءة القرآن جائزة كلها، لكن من دون مسّ المصحف؛ لأنه إذا حرم مسّ المصحف على المحدِث الأصغر فصاحب الحدث هو من باب أولى، وهذا هو الأولى والأظهر؛ أنه يجوز لها أن تقرأ القرآنَ عن ظهر قلبٍ، ولا سيما عند الحاجة إلى ذلك: كخوف النسيان، أو كونها معلمة، أو طالبة علم يخشى عليها أن تفوتها للدراسة، أو ما أشبه ذلك من الحاجات؛ لأنها تتأكد في هذه الحال.

كذلك حديث الوضوء للجنب والحائض إذا مرَّ من المسجد، لا حرج أن يمرَّ الجنب وأن تمر الحائضُ من المسجد إذا كانا لا يخشيان التلويث، تتحفظ عند المرور ولا بأس أن تمر، والأصل في هذا قوله جلَّ وعلا: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43]، فدلَّ ذلك على أن عابر السبيل يجوز بنصِّ القرآن، وهكذا أمر النبي ﷺ عائشة أن تأتيه بخمرةٍ عند المسجد، قالت: يا رسول الله، إني حائض! قال: إن حيضتك ليست بيدك، وهكذا ميمونة.

فالمقصود أن هذا يدل على أن المرور من المسجد لحاجةٍ: كأن تأتي بحال المسجد، أو تضع المصلَّى في المسجد، أو تأخذ حاجةً من المسجد، أو تخرج من بابٍ إلى بابٍ للحاجة إلى ذلك، وهكذا الجنب، لا حرج في ذلك؛ لأنهما داخلان في قوله تعالى: إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ، وهكذا كان أصحابُ النبي يفعلون ذلك ؛ لعلمهم بهذا الاستثناء.

أما قوله ﷺ: لا أُحلّ المسجدَ لحائضٍ ولا جنبٍ فهذا في حقِّ مَن يجلس في المسجد، أما المارُّ فلا حرج عليه، وأما ما رواه زيد بن أسلم أنَّ بعض أصحاب النبي ﷺ كان إذا توضأ جلس، فهذا احتجَّ به مَن قال بجواز ذلك: كأحمد وإسحاق رحمهما الله، وجماعة.

والقول الثاني: أنه لا يجلس في المسجد ولو كان توضَّأ؛ لعموم الآية: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ، والوضوء لا يُخرجه عن كونه جنبًا، ولعموم حديث: لا أُحلُّ المسجد لحائضٍ ولا جنبٍ، هذا أظهر وأقوى، وفعل مَن فعل هذا من الصحابة يُحمل على أنه خفي عليه الدليلُ الدال على أنه يمنع من الجلوس فيه، هذا هو الأرجح.

ثم هشام مولى زيد الذي روى هذا فيه كلام، هشام بن سعد مولى زيد بن أسلم فيه كلام عند أهل العلم، وإن كان الأرجحُ أنه حُجَّة ومن رجال مسلم، لكن مثل هذا الانفراد في هذا الشيء يجعل في النفس منه شيئًا في هذه المسألة خاصةً، فالأصل المنع، هذا هو الأصل، إلا من المرور فقط، فإذا كان بعض الصحابة فعل ذلك لما توضأ يُحمل على أنه خفيت عليه السنة في هذا، وخفي الحكم الشرعي في هذا، فالأصل الأخذ بالحجَّة، والأخذ بالدليل، وإذا خالف ذلك بعضُ الصحابة فيُحمل فعلُ الصحابة على أنهم لم يبلغهم الدليل، ولم تتضح لهم الحجة، فلهذا فعلوا ما فعلوا ، والله أعلم.

الأسئلة:

س: الأصل الآية: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]؟

ج: نعم.

س: حديث جابر الذي رواه الدارقطني؟

ج: ضعيف أيضًا.

س: إذا كان دخولُ المسجد لأجل حاجةٍ: كأذانٍ أو غير ذلك؟

ج: لا بأس، لكن المؤذن يُقيم لمدةٍ طويلةٍ يُشبه الجلوس، فينبغي له ألا يأتي إلا وهو مُغتسل، إلا إذا كان الأذانُ في خارج المسجد، كما كان في المنارة خارج المسجد، أو في بيتٍ خارج المسجد، فالأمر سهل، لكن كونه يُؤذن في منارةٍ في داخل المسجد تابعة للمسجد فالأحوط ألا يفعل ذلك، وإن كان قائمًا وليس بجالس، لكن قيامه يُشبه الجلوس؛ لأنه قيام له قيمة، فالأحوط له أيضًا، ثم يُسنُّ له أن يكون على طهارةٍ، المؤذن يُستحب له أن يكون على طهارةٍ، فالأولى به أن يغتسل قبل ذلك، لكن لو ضاق الوقتُ عليه يُرجى ألا يكون عليه شيء؛ لأنه ليس بجلوسٍ، وقوف عارض، لكن الأحوط له أن يجتهد، وأن يتقدم بالغسل ويحتاط.

س: هل للجُنب أن يفتح القرآنَ بالمسجل ويستمع إليه؟

ج: لا بأس بذلك؛ لأنه سماع ما هو مصحفًا.

س: جلوس الحائض في الحرم للضَّرورة؟

ج: الضرورة لها أحكامها، إذا كانت مثلًا ضاعت عن أهلها وتخشى .....

س: إذا كان جماعة معهم حائض، ويأتون الحرم ويتركونها ...؟

ج: إذا كانت ضرورةً لا حرج إن شاء الله.

س: حديث زيد بن أسلم ما يُحتجُّ به على أنَّ تحية المسجد ليست واجبةً؟

ج: الجمهور على أنها غير واجبةٍ بغير هذا الدليل، في الحديث: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، والذي عليه حدث كيف يُصلي؟ معذور، أقول: المُحْدِث معذور، كيف يُصلي؟

س: قراءة النبي ﷺ الآيات عند النوم ..؟

ج: مَن قال: إنه يقرأ بدون وضوءٍ يحتاج إلى دليلٍ.

س: ما كان ...... على فراشه ..؟

ج: ..... ما تيسر: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين، وينفث على نفسه، لكن ما عندنا دليل أنه فعل هذا حال الجنابة.

س: البيوت ..... لتبع الخطبة لأحد الحرمين في مكة أو في المدينة؟

ج: لا، ما هو عذر ..... السماعات من خارج، وتكفي السماعات، الذي هو غائب قد يكون عنده السماع أحسن.

س: يُسمى: تحية المسجد، والأثر: التَّحيات لله؟

ج: تحية المسجد، يعني: يُصلي ركعةً لأول ما يجلس، يُسمَّى: تحية من أول شيءٍ، والتحيات لله معناها: التعظيمات والتَّقديسات لله سبحانه وتعالى، هذا شيء، وهذا شيء.

س: الجنب إذا توضَّأ ما يسمع المُحاضرة في المسجد ..؟

ج: لا، يغتسل ويأتي.

بَابُ طَوَافِ الْجُنُبِ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَبِأَغْسَالٍ

307- عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ.

وَلِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيّ: فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ.

308- وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ، فَاغْتَسَلَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُسْلًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَو اغْتَسَلْتَ غُسْلًا وَاحِدًا؟ فَقَالَ: هَذَا أَطْيَبُ وأَطْهَرُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد.

أَبْوَابُ الاغتسالات الْمُسْتَحَبَّةِ

بَابُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ

309- عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذَا جَاءَ أَحَدُكُم الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

وَلِمُسْلِمٍ: إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ.

310- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكُ، وَأَنْ يَمَسَّ مِنَ الطِّيبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وهذا يدل على أنه أراد بلفظ الوجوب تأكيد استحبابه، كما تقول: "حقك عليَّ واجب"، "والعدة دين"، بدليل أنه قُرن بما ليس بواجبٍ بالإجماع، وهو السواك والطِّيب.

311- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

312- وَعَنِ ابْن عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ عُمَرَ بَيْنَا هُوَ قَائِمٌ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فَنَادَاهُ عُمَرُ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إنِّي شُغِلْتُ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، فقَالَ: وَالْوُضُوءَ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ؟! مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

313- وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ : أَنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ يوم الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَذَلِكَ أَفْضَلُ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْن مَاجَهْ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.

314- وَعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَمِن الْعَوَالِي، فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ، فَيُصِيبُهُم الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُم الرِّيحُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ إنْسَانٌ مِنْهُمْ -وَهُوَ عِنْدِي- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

315- وَعَنْ أَوْسِ بْن أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِن الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ، أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَمْ يَذْكُر التِّرْمِذِيُّ: وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلّم على رسول الله.

هذه الأحاديث فيها فوائد:

الحديث الأول والثاني -حديث أنس، وحديث أبي رافع- فيهما الدلالة على أنه لا بأس أن يُجامع الإنسانُ زوجاته بغسلٍ واحدٍ، قال بعضُهم: إنَّ هذا خاصٌّ به ﷺ، وليس بجيدٍ، والأصل عدم التَّخصيص، فإذا خصَّ ساعة يطوف فيها عليهن ويجعلها مُشتركةً فلا بأس، كما فعله النبيُّ ﷺ، فإذا جامع كلَّ واحدةٍ شُرع له الوضوء، أما الغسل فهو بين أمرين: إن قدَّمه فهو أفضل، وإن أخَّره فلا بأس، ولهذا في حديث أنس: "طاف عليهن بغسلٍ واحدٍ"، رواه الشيخان في "الصحيحين" وغيرهما أيضًا.

وفي حديث أبي رافع أنه اغتسل عند كلِّ واحدةٍ، فراجعه أبو رافع، فقال: هذا أزكى وأطيب وأطهر كما في الرواية الأخرى.

وحديث أبي رافع رواه أحمد وأبو داود، وهكذا رواه النسائي أيضًا، فإسناده عندهم لا بأس به في الجملة، فإنهم رووه من طريق عبدالرحمن بن أبي رافع، عن عمَّته سلمى، عن أخيها أبي رافع، وعبدالرحمن هذا ليس بمشهورٍ، لكن وثَّقه ابنُ معين، وسلمى وثَّقها ابنُ حبان، وقال فيهما صاحبُ "التقريب" -الحافظ: "إنهما مقبولان"، فهو حديثٌ مقاربٌ.

وقد يُستنكر ويُستغرب من جهة ضيق الوقت، فإن الوقت قد يضيق على ذلك الغسل، سواء كان الليل ليل صيف، أو ليل شتاء، لكن ليل الصيف أكثر إشكالًا، كيف يتسع وعنده تسع نسوة عليه الصلاة والسلام؟! وقد يكون ذلك في ثمانٍ؛ لأنَّ سودة وهبت يومها لعائشة.

والحاصل أن إسناده مقارب، وهو يدل على أن الغسل أفضل، وإن اكتفى بالوضوء كما في حديث أبي سعيد: "كان يتوضأ بينهما وضوءًا" كفى ذلك، وليس بخاصٍّ به ﷺ، بل يجوز إذا جعل الزوجُ ساعةً مُشتركةً في الليل أو في النهار فلا بأس.

والأحاديث الأخيرة كلها تتعلق بغُسل الجمعة، وهي تدل على شرعية غسل الجمعة، وأنه يتأكَّد غسل الجمعة؛ لحديث أبي سعيدٍ، وهو أقوى ما جاء في ذلك، حديث أبي سعيدٍ أقوى سندًا، وأقوى لفظًا، يقول ﷺ: غسل الجمعة واجبٌ على كل محتلمٍ، وقد رواه الشيخان في "الصحيحين"، فهو صحيح الإسناد، ومتنه عظيم واجب، فدلَّ على تأكُّد ذلك.

وذهب الجمهورُ إلى أن معنى الواجب متأكّد يعني وأنه مُستحبّ، وليس معناه أنه يأثم بتركه، لكنه يتأكَّد عليه فعله، قالوا: ويدل على أنه أراد عدم الوجوب، وأنه التأكد؛ لأنَّ بعده هو السواك، وأن يمسّه الطيب، فالسواك والطيب ليسا بواجبين عند أهل العلم، فقرانهما مع الغسل يدل على تأكّد الغسل وشرعيته.

وهكذا في حديث ابن عمر: مَن أراد أن يأتي الجمعة فليغتسل، هذا يدل على تأكد الغسل أيضًا لأنه يُفيد الأمر، وهكذا حديث أبي هريرة: على كل مسلمٍ في سبعة أيام أن يغتسل، هذا كله يدل على تأكد الغسل، وأنه ينبغي للمؤمن ألا يُفرط فيه.

وذهب بعضُ أهل العلم إلى وجوبه؛ لظاهر حديث أبي سعيدٍ، وللأوامر، وهو قول قوي.

وذهب آخرون إلى قولٍ ثالثٍ وهو التفصيل: فمَن كان من أهل الحرف والأعمال التي يظهر فيها الروائح الكريهة فعليه الغُسل واجب، ومَن كان من أهل الرفاهية والنظافة فلا يجب عليه.

وهذا التفصيل ليس بجيدٍ، ولا دليلَ عليه، والقول الصواب أنهما قولان فقط، هذا الصواب: إما الوجوب مطلقًا، وإما السنة مطلقًا، وأما التفصيل فليس عليه دليل.

أما حديث عائشة فيه المشروع، قال: لو تطهرتم، هذا يدل على شرعيته، وهو يُؤيد قول الجمهور أنه ليس للوجوب.

ويؤيد قول الجمهور أيضًا حديث سمرة: مَن توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومَن اغتسل فالغسل أفضل، قالوا: وهذا يدل على أنَّ الغُسل ليس بفريضةٍ، ولكنه أفضل من تركه، ولكن أُعلَّ حديث سمرة بأنه من رواية الحسن، والحسن البصري قد اختلف في سماعه من سمرة، ورجَّح جماعةٌ منهم البخاري أنه لم يسمع إلا حديث العقيقة، وقال آخرون: سمع منه، أن رواياته كلها مسموعة، فعلى هذا يكون مؤيِّدًا لقول الجمهور في أنه مستحب فقط.

وهكذا رواية ابن ماجه عن جابر بن سمرة تؤيد رواية الحسن عن سمرة، وهكذا ما رواه مسلم ولم يذكره المؤلف، ما رواه مسلم في الصحيح: أن النبي ﷺ قال: مَن توضأ يوم الجمعة ثم مشى وصلَّى ما قُدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خُطبته، فإنه يفرغ له .. إلى آخره، فاقتصر على مَن توضأ، وذكر له هذا الفضل، فدلَّ على أن الغسل ليس بواجبٍ، ولكنه سنة مؤكدة، وهذا هو الأظهر من أقوال أهل العلم، وهو قول الجماهير، لكن ينبغي للمؤمن أن يحتاط بهذا، وأن يغتسل، وأن يأخذ بالعزيمة في هذا؛ حتى لا يُفرط في هذا الخير، وحتى يخرج من خلاف مَن قال بوجوبه مُطلقًا.

وهكذا يُسن السواك في كل صلاةٍ، والطِّيب كذلك مشروع دائمًا الطيب، ولا سيما في الجمعة يُشرع له الطيب؛ لأنه وقت يجتمع فيه الناس، وتكثر فيه الروائح وزحمة الناس، فينبغي مع الغسل أن يعتاد الطيبَ، وأن يجتهد في الطيب؛ حتى لا يتأذَّى به أحدٌ من الناس، وحتى تكثر في الناس الرائحةُ الطيبة.

والله ولي التوفيق.

الأسئلة:

س: حديث عائشة ما فيه دليل لمَن قال بالتَّحسين؟

ج: لو تطهرت ما في أمر.

س: ..... من أفراد مسلم الحديث؟

ج: ماذا؟

س: كان يطوف على نسائه في وقتٍ واحدٍ؟

ج: رواه الشيخان.

س: رواه الجماعةُ إلا البُخاري؟

ج: الذي يظهر لي أنه رواه الشيخان جميعًا .. يُراجع.

س: رواه البخاري، ذكره الشارحُ هنا؟

ج: ..... وذلك الذي أحفظه عند الشيخين جميعًا.

كذلك حديث أوس .. حديث أوس الثقفي: مَن غسَّل واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام ولم يلغ، كُتب له عمل سنةٍ، أجر صيامها وقيامها، وهذا عمل عظيم، وفضل كبير، والحديث له أسانيد جيدة كما ذكره المؤلف، وهذا يُرغب المؤمن في الحرص على المبادرة في التَّوجه إلى محلِّ الجمعة للحرص على هذا الفضل العظيم.

وجاء في روايةٍ: غسل رأسه واغتسل، وقال بعضُهم في روايةٍ: غسَّل واغتسل معناه: يعني غسل أهله، يعني: تسبَّب في غسل أهله وذلك بالجماع، يكون الغسل عن جماعٍ، يكون أكمل.

وبكل حالٍ فهو مبالغة: غسَّل واغتسل مبالغة، وبكَّر وابتكر مبالغة، ومشى ولم يركب مبالغة، وهو يدل على أنه ينبغي له أن يغتسل، وأن يُبَكِّر، فإن بكَّر وابتكر هو مبالغة، وهكذا مشى ولم يركب، وهكذا دنا من الإمام ولم يلغ يدل على أنه ينبغي أن يفعل كلَّ ما شرعه الله للمؤمن في هذا: من العناية بالتبكير، والغسل، والمشي، والمشي أفضل في الذهاب إلى الجمعة إلا عند الحاجة، ثم الدنو من الإمام، يعني: إذا بكَّر ودنا من الإمام، ثم البعد عن اللغو بالكلام والفعال، ويكون حافظًا نفسه عن لغو الفعل، وعن لغو القول، لغو الفعل: العبث وقت الخطبة، ولغو القول: الكلام، فينبغي للمؤمن أن يتحرى هذه الأشياء حتى يحصل له هذا الخير العظيم، وهذا الخير الكثير، والله المستعان.

س: ذهاب الراكب إلى الجمعة أو إلى الجماعة تُحسب له الخطوات؟ الحديث فيه المشي؟

ج: الظاهر والله أعلم أنه يُكتب له عمل المشي -عمل الخطوات- وإن كان راكبًا، وهو في السيارة يُكتب له عمل الماشين؛ لأنه أتى بالمطلوب، وحصل له المطلوب، والركوب قد تدعو له الحاجة: إما لبُعدٍ، وإما لضعف المصلِّي، فيُرجى له الأجر العظيم في خطوات السَّاعين.

س: ..... رحمه الله يقول: النبي ﷺ كان ..... وهو أمر مؤكد ..؟

ج: هذا كلام ابن القيم، ما زاد شيئًا فيه، القول بالوجوب قول قوي ..... من أشياء كثيرة قال بها بعضُ العلماء.

س: مَن قال بالوجوب بماذا حمل قوله: السواك؟

ج: ما أذكر شيئًا.

مُداخلة: ذكر في "نيل الأوطار" تخريج حديث أنس هذا، وقال: أخرجه البخاري، وأيضًا من حديث كهلان، عن أنسٍ.

ج: هذا الذي أحفظ، الذي أحفظه أنه في البخاري، ولكن يُراجع صحة ما قاله الشوكاني، الذي أعرفه أنه أخرجه الشيخان، لكن المؤلف إمام رحمه الله –المجد- لكن قد يسهو الإنسانُ، قد ..... عند التَّخريج، وهذا كثير كثير ..... بالمخرجين، ولا سيما الشيخان، قد يفضل عند التَّخريج.

بَابُ غُسْلِ الْعِيدَيْنِ

316- عَنِ الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ -وَكَانَ لَهُ صُحْبَةٌ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَكَانَ الْفَاكِهُ بْنُ سَعْدٍ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالْغُسْلِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ. رَوَاهُ عَبْدُاللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي "الْمُسْنَدِ"، وَابْنُ مَاجَهْ وَلَمْ يَذْكُر الْجُمُعَةَ.

بَابُ الْغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ

317- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَمْ يَذْكُر ابْنُ مَاجَةَ الْوُضُوءَ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا مَنْسُوخٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مَنْ أَرَادَ حَمْلَهُ وَمُتَابَعَتَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.

318- وَعَنْ مُصْعَبِ بْن شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِن الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغَسْلِ الْمَيِّتِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، ورَوَاهُ وَأَبُو دَاوُد وَلَفْظُهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ.

وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلَا بِالْحَافِظِ.

319- وَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْن أَبِي بَكْرٍ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ- أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ -امْرَأَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما- غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ حِينَ تُوُفِّيَ، ثُمَّ خَرَجَتْ فَسَأَلَتْ مَنْ حَضَرَهَا مِن الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَتْ: إنَّ هَذَا يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ، وَأَنَا صَائِمَةٌ، فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ غُسْلٍ؟ قَالُوا: لَا. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي "الْمُوَطَّأ" عَنْهُ.

بَابُ الْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَدُخُولِ مَكَّةَ

320- عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّهُ رَأَى رسول الله ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

321- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِخَطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ، وَدَهَنَهُ بِشَيْءٍ مِنْ زَيْتٍ غَيْرِ كَثِيرٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.

322- وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُد.

323- وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.

324- وَعَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيُذْكَرُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ.

وَلِمَالِكٍ فِي "الْمُوَطَّأ" عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِدُخُولِ مَكَّةَ، وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ وسلّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

هذه الأحاديث جاءت فيما يتعلق بغسل العيد، والغسل للإحرام، والغسل لتغسيل الميت، والغسل أيضًا من الحجامة.

أما الجمعة: فتقدم الكلامُ في غسل الجمعة، والأحاديث فيها صحيحة، كثيرة، دالة على شرعية غسل الجمعة كما تقدَّم.

أما العيدان: فقال أحمدُ رحمه الله وابنُ المديني وابنُ المنذر وجماعةٌ: أنه لم يثبت في غسل العيد شيءٌ من الأحاديث الصحيحة، ليس فيها حديثٌ ثابتٌ يدل على غسل العيد، ولعلَّ السبب في ذلك والله أعلم أنه يكون في أول الصباح قبل أن تشتدَّ الحرارة، قبل أن يكون العرقُ والروائح، فلهذا لم يرد فيه شيء، وإنما جاء في الجمعة، أما العيد فيكون في أول النهار، فالعرق فيه والروائح أقل.

أما حديث الفاكه بن سعد: أن النبي ﷺ اغتسل يوم الجمعة، ويوم العيد: يوم النحر، ويوم الفطر، فهذا سنده ضعيف كما قال الحافظُ، سنده واهٍ، وبمراجعة "مسند أحمد" اتَّضح أنه من طريق عبدالرحمن بن عقبة بن الفاكه بن سعد الأنصاري، قال في "التقريب": وعبدالرحمن هذا لا يُعرف، وهو مجهول؛ ولهذا كان حديثه ضعيفًا، قال: وليس للفاكه إلا هذا الحديث.

أما حديث عائشة في الغسل يوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت؛ هذا لا بأس به، قد جاء بالقول: يُغْتَسَل، وجاء بالفعل: "كان يَغتَسِل يوم الجمعة، ولغسل الميت، ومن الحجامة، ومن الجنابة"، هذا يدل على شرعية هذه الأغسال، أما الغسل من الجنابة: فهو غسلٌ مُتحتِّم مفترض لنصِّ القرآن الكريم، وأما غسل الجمعة: فتقدم البحث فيه، وأنه سنة مُؤكدة، وأما غسل الميت: فكذلك سنة، وجاء في حديث عائشة هذا الغسل من غسل الميت، وجاء في حديث أسماء لما غسلت الصديقَ خرجت إلى الناس تسأل أصحابَ النبي ﷺ عن غسلها، وهو يوم شديد البرد، دلَّ على أنه مُستقر عندهم غسل الميت، وأنه معروف، ولهذا استفتت في الوجوب، وأفتوها أنه لا شيء عليها؛ لأنَّ أصل الغسل مُستحب، ولأن شدة البرد ذلك اليوم، وقد أصبحت صائمةً قد يضرُّها الغسل معه.

المقصود أنَّ هذا يدل على أن أصل الغسل معروف.

وأما حديث أبي هريرة: مَن غسَّل ميتًا فليغتسل، ومَن حمله فليتوضأ فهو حديث ضعَّفه الأئمةُ وقالوا: إنه لا يثبت عن النبي ﷺ، كما قال أحمد، وعلي بن المديني، وغيره، وتأوَّل بعضُهم قوله: ومَن حمله فليتوضأ، معناه: مَن أراد حمله فليتوضأ ليستعدَّ للصلاة عليه، ولكن المحفوظ عند أهل العلم أنه ليس بثابتٍ عن النبي ﷺ، قال أبو داود: هو منسوخٌ، ولا يُعرف وجه الناسخ له لو ثبت ..... أنه ليس بثابت.

ولكن يُستحب للمؤمن إذا غسَّل الميت أن يغتسل، هذا هو المستحب، وهذا هو الأفضل، وقال بعضُ أهل العلم: إن غسله ينقض الوضوء. ولم يتعرض له في هذا الحديث، وإنما تعرض للحمل، فإذا توضأ من غسله واغتسل كان ذلك أفضل، وفيه العمل بهدي السنة، وهذا بما رآه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

وأما الغسل للإحرام فهو سنة ثابتة، أمر به النبيُّ ﷺ أسماء بنت عميس، وأمر به عائشة، وفعله ﷺ كما في حديث زيد، وإن كان فيه ضعف، لكنه تأيَّد برواية ابن عمر الموقوفة: أنه قال: "من السنة الغسل للمُحرم"، ذكره في "مجمع الزوائد" بإسنادٍ لا بأس به، وهو يُؤيد رواية زيد بن ثابت في شرعية الغسل للمُحرم، مع أمره ﷺ بذلك لعائشة وأسماء، مع أنهما بهما حدث أكبر، فإذا شُرع لهما فغيرهما من باب أولى.

كذلك الغُسل عند دخول مكة يُستحب، كما فعله النبيُّ ﷺ حين اغتسل بذي طوى عند دخول مكة عليه الصلاة والسلام، فيُشرع لمن تيسر له ذلك أن يغتسل؛ لينشط على الطواف والسعي، ويُزيل ما هناك من رائحةٍ؛ لأنَّ الإحرام قد يطول، ولا سيما من جاء من المدينة تطول المدةُ عليه، فالحاصل أنه سنة -الغسل في دخول مكة- لثبوت الأحاديث في ذلك عن النبي ﷺ.

وأما الغسل يوم العيد ويوم عرفة فلم يثبت فيه شيء.

والله ولي التوفيق.

س: غَسَلَ رَأْسَهُ بِخَطْمِيٍّ وَأُشْنَان؟

ج: الأُشنان .....، لكن في إسناده نظر، حديث عائشة هذا في سنده نظر.