03 باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب

وقول الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل.

 ولهما من حديث عتبان: فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله.

وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال: كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله.

رواه ابن حبان والحاكم وصححه.

وللترمذي وحسنه عن أنس : سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فيقول المؤلف رحمه الله وهو أبو عبد الله الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، يقول في كتاب التوحيد: باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، يعني: باب بيان فضله وبيان تكفيره للذنوب لمن مات عليه؛ فالتوحيد هو أصل الدين، وأساس الملة، وهو أعظم الأعمال وأفضلها، وهو أساسها، ولا تصح الأعمال كلها إلا بالتوحيد، كل عمل ليس معه توحيد فهو باطل: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] فشرط جميع الأعمال التي يتقرب بها الناس شرطها التوحيد، وهو توحيد الله والإخلاص له والإيمان بأنه مستحق العبادة دون كل من سواه، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله، ولا بدّ معها من الشهادة الثانية بأن محمدًا عبد الله ورسوله؛ هاتان الشهادتان هما أصل الدين وأساس الملة، فكل من يأتي بعمل ولم يأت بهاتين الشهادتين ولم يؤمن بمعناهما فإن أعماله باطلة، فشرط العمل أمران: إخلاص لله وموافقة للشريعة، فكل عمل لا يكون فيه إخلاص لله أو لا يكون فيه موافقة للشريعة يكون باطلًا، وكل عمل لا يكون معه توحيد الله والإيمان برسوله يكون باطلًا، فأساس الدين وأساس الملة شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، مع الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله مما كان وما يكون، هذا هو أصل الدين وأساس الملة، ثم بعد ذلك الأعمال من صلاة وغيرها، يقول جل وعلا: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ يعني: بشرك أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] وهذا من الترجمة باب فضل التوحيد وتكفيره للذنوب، فمن أتى بالتوحيد وسلم من الشرك كله فإن له الأمن وله الهداية المطلقة، لما سمع الصحابة هذه الآية جاؤوا إلى النبي ﷺ وجثوا عنده على الركب، وقالوا: يا رسول الله، نزلت هذه الآية ولا نطيقها: أينا لم يظلم، كل واحد منا خطاء من يسلم من ظلم نفسه، فقال ﷺ: ليس هو الذي تعنون ليس هو ظلم المعاصي، إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى القول العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] فمن أتى بالشرك بطل عمله، وليس له أمن ولا هداية الشرك الأكبر، أما من سلم من الشرك الأكبر والشرك الأصغر فإن له الأمن الكامل والهداية الكامل، فإن سلم من الشرك الأكبر ولكن عنده شيء من الشرك الأصغر أو المعاصي فإن عنده أصل الأمن وعنده أصل الهداية؛ لكن هدايته غير كاملة، وأمنه غير كامل، وهو على خطر من دخول النار بالمعاصي التي يموت عليها؛ لكن معه أصل الأمن وأصل الهداية، فمن مات على التوحيد الخالص لله والإيمان برسوله ﷺ فمعه أصل الأمن ومعه أصل الهداية، لكنهما ليسا كاملين إلا بترك المعاصي، فمن ترك المعاصي وأنواع الظلم كله صار له الأمن الكامل والهداية الكاملة، والظلم ثلاثة أنواع: ظلم الشرك وهو ظلم أكبر، والثاني: ظلم النفس بالمعاصي، الثالث: ظلم العباد بالقتل أو بالضرب أو بالمال أو بالعرض هذه أنوع الظلم، الظلم الأكبر الشرك، الظلم الثاني: ظلم النفس بالمعاصي كالزنا والخمر والعقوق ونحو ذلك، الظلم الثالث: ظلم العباد في أنفسهم أو في أموالهم أو بالغيبة والنميمة فمن وقاه الله أنواع الظلم كلها صارت له الجنة لأول وهلة، ودخل الجنة من أول وهلة، وصار له الأمن الكامل والهداية الكاملة، أما من مات على الظلم الأول وهو الشرك، فإنه من أهل النار ليس له هداية ولا الأمن، أما من سلم من الظلم الأكبر ولكن مات على شيء من ظلم المعاصي أو ظلم الناس فهو تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له، وأدى عنه الحقوق، وإن شاء عذبه على قدر جرائمه التي مات عليها، ثم بعد التطهير والتمحيص يخرجه الله من النار، كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48 و116] في آيتين من كتاب الله من سورة النساء، وجاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ أن كثيرًا من العصاة يدخلون النار بسبب معاصيهم ثم يشفع فيهم الشفعاء، ويشفع فيهم النبي ﷺ، ويشفع عدة شفاعات، في كل شفاعة يحُد الله له حدًا فيخرجهم من النار ثم يلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا تم خلقهم أدخلهم الله الجنة، وهذا قول أهل السنة والجماعة أن العاصي على خطر قد يدخل النار ويُعذب ثم يخرج منها إلى الجنة إذا محّص وطُهّر وقد لا يدخلها ويعفو الله عنه قبل ذلك، أما المشرك فإنه لا يخرج  من النار بل إلى النار من أول وهلة، الكافر كل من حُكم بكفره كفرًا أكبرًا فإنه إلى النار من أول وهلة، ولا يخرج منها أبدًا، قال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، قال تعالى: أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:39]، قال جل وعلا: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167] وقال فيهم أيضًا: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37] هذه حال الكفرة، ومن هذا حديث عبادة: أن من شهد ألا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل متفق عليه، هذا من الأحاديث المطلقة، من أحاديث الوعد، وأن من مات على التوحيد والإيمان فله الجنة؛ لكن إن كانت له ذنوب وسيئات فهو تحت مشيئة الله، وإن لم يكن له ذنوب ولا سيئات من مات على توبة دخلها من أول وهلة، فقوله: أدخله الجنة على ما كان من العمل يعني: من صلاح وفساد إذا تاب عن ذلك إذا تاب من الفساد، فإن كان معه فساد فالأحاديث الأخرى تقيده، تكون هذه الأحاديث المطلقة، وأحاديث المعاصي تقيد هذا المطلق، كما قال : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] قيده بالتوبة قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136] قيد بهذا بالذين ماتوا على التوبة من غير إصرار، أما من أصر على الذنوب ومات عليها فهو تحت مشيئة الله، فحديث عبادة وما جاء في معناه من الأحاديث المطلقة المقيدة للنصوص الأخرى، وهي نصوص التوبة والإقلاع والندم أو إذا مات على توبة صادقة فإنه يدخل الجنة من أول وهلة.

وهكذا حديث أبي سعيد: إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، فهو محرم على النار إذا قال: لا إله إلا الله ولم يصر على السيئة، مقيد بالنصوص الأخرى، فإن مات على الإصرار على السيئات فهو تحت مشيئة الله، أما إذا قال: لا إله إلا الله يبتغي بهذا وجه الله توبة صادقة وإقلاعًا من الذنوب فإنه يدخل الجنة من أول وهلة، ويحرم على النار، كما تقدم في حديث عبادة، كلها مقيدة بالسلامة من الشرك والمعاصي وعدم الإصرار.

وهكذا حديث أبي سعيد في قصة موسى: قال يا رب: علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا! قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله يعني رجحت بهن، إذا قالها عن صدق وعن إخلاص وتوحيد وإقلاع من الذنوب ترجح به جميع سيئاته، فهو حديث مطلق مقيد بالنصوص الأخرى كما تقدم، وفي هذا دلالة كما قال المؤلف أن الأنبياء قد يخفى عليهم بعض معنى لا إله إلا الله حتى يعلمهم الله وينبههم كما جرى لموسى.

وفي هذا الباب حديث البطاقة، وهو حديث صحيح، يقول فيه النبي ﷺ: إذا جاء يوم القيامة يؤتى برجل ينشر له تسعة وتسعون سجلًا فيها ذنوبه وسيئاته فيقال له: أتنكر من هذا شيئًا؟ فيهاب الرجل ويقول: لا، فيقول له: نعم إن لك عندنا حسنة، لا تجحد ولا تغبن ولا تظلم، ثم يؤتى ببطاقة فيها أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فتوضع البطاقة في كفة والتسعة والتسعون في كفة، قال: فرجحت البطاقة وطاشت السجلات. قال العلماء: معناه أن هذا قالها عن توبة وإخلاص وصدق فرجحت حسناته وتوحيده وإيمانه بالرسول بذنوبه وسيئاته لكونه قالها عند الموت تائبًا نادمًا، فصارت هذه البطاقة ترجح بجميع سيئاته؛ لأنها صارت عن إقرار صادق وتوبة صادقة فرجحت بجميع سيئاته.

وهكذا حديث أنس: يقول الله: لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة يعني: إذا بالتوحيد الخالص الذي ليس معه سيئات؛ لأن طاعة الهوى نوع من الشرك الأصغر، فإذا لقي الله بالسلامة من الشرك كله ومن المعاصي لقيه الله بالمغفرة الكاملة وأدخله الله الجنة، أما إن لقيه بالسلامة من الشرك، لكن عنده معاصي وعنده ذنوب فهو تحت مشيئة الله كما دلت عليه النصوص الأخرى من القرآن والسنة، قوله: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا [آل عمران:135] قوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ  [طه:82]، فهي تقيد مثل هذه النصوص، هذه النصوص عند العلماء مقيدة إطلاقها مقيد بالتوبة الصادقة وعدم الإصرار على المعاصي، فإذا أتى العبد ربه بتوبة صادقة وتوحيد خالص ليس معه إصرار على الذنوب فإنه يدخل الجنة من أول وهلة، أما إن كان معه إصرار ومعه ذنوب لم يتب منها فهو تحت مشيئة الله إن شاء الله عذبه على قدر معاصيه كما يجري لكثير من العصاة ثم يخرجه الله من النار بتوحيده وإسلامه، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلة لكونه مات على التوحيد والإيمان وعدم الظلم الأكبر. هذا مقام عظيم يغلط فيه كثير من الناس فينبغي أن يُعلم هذا الأمر على بصيرة، وأن هذه النصوص المطلقة في دخول الموحدين الجنة كلها مقيدة بالنصوص الأخرى التي فيها التقييد بالتوبة وعدم الإصرار على المعاصي.

وفق الله الجميع.