25 باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين

وقول الله يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]

وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23] قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت".

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".

وعن عمر : أن رسول الله ﷺ قال: لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله أخرجاه.

قال: قال رسول الله ﷺ: إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو

ولمسلم عن ابن مسعود : أن رسول الله ﷺ قال: هلك المتنطعون - قالها ثلاثا".

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

يقول المؤلف رحمه الله، هو أبو عبد الله شيخ زمانه، والمجدد لما اندرس من معالم الإسلام في وقته، في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجرة، وهو الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، المتوفى سنة ست ومئتان وألف للهجرة النبوية، يقول رحمه الله: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين" يعني: فاحذروا أيها الناس من الغلو الذي هلك به من قبلكم، فالغلو هو تجاوز الحد في المحبة، يقال: غلت القدر إذا ارتفع الماء بسبب النار التي تحتها فالغالي زاد في الحب حتى عبد محبوبه من دون الله، قال الله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171] يعني لا تجاوزوا الحدود، الزموا الحد الشرعي في المحبة: محبة الأنبياء والصالحين بالتأسي بهم والسير على منهاجهم والعمل بما أمروا به، لا بالغلو فيهم ولا بعبادتهم من دون الله، ولكن محبة الصالحين بسلوك مسلكهم الطيب، ومحبة الأنبياء بامتثال أوامرهم وترك نواهيهم، أما العبادة فحق الله وحده، ليس لأحد أن يصرفها لغيره كائنًا من كان، قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:62]، قال تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]، قال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، قال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ  [البينة:5]، والنهي لأهل الكتاب نهي لنا أيضًا من باب أولى، إذا كان أهل الكتاب ينهون عن ذلك فكذلك نحن ننهى عن الغلو في ديننا وهو تجاوز الحد فيما شرعه الله، فالغلو في محبة الأنبياء يفضي إلى عبادتهم من دون الله، والغلو في محبة الصالحين كذلك يفضي إلى عبادتهم في دين الله، والغلو في الأوامر يفضي إلى الزيادة والبدعة.

في الصحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله جل وعلا في سورة نوح: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم يعني أوقع في قلوبهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم لما أسفوا عليهم وعظم عليهم فراقهم دس عليهم الشيطان هذه الدسيسة قال: حطوا صورهم في مجالسهم كأنهم عندكم تتأسوا بهم، تذكرون أعمالهم كأنكم تشاهدونهم، وهو يريد بهذا أن يصيدهم حتى يقع الشرك، فصوروا وأطاعوا الشيطان، وصوروا صورهم ونصبوها في مجالسهم: هذا ود، وهذا سواع، وهذا إلى آخره، فلما هلكوا ونسخ العلم الذي من أجله حصلت الصور عبدت هذه الأصنام من دون الله.

قال بعض السلف: فلما طال عليهم الأمد عبدوهم من دون الله، قال: ما صور أولكم هذه الصور إلا لأنها تفعل كذا، تجيب الداعي، تسمع الداعي، يستغاث بها؛ حتى زين لهم الشيطان هذا الباطل فوقعوا في الشرك، كما قال ابن القيم رحمه الله: لما ماتوا صوروا تماثيلهم ثم عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.

فالواجب الحذر من نصب الصور في المجالس أو في المساجد أو في غير ذلك، الواجب إتلافها مثل ما قال ﷺ: لا تدع صورة إلا طمستها وقال: هلك المتنطعون يعني المتشدقون الغالون، وقال ﷺ: أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون فالواجب الحذر منها وإتلافها وعدم التصوير إلا للضرورة التي لا بدّ منها ويحفظها كالتابعية التي يضطر إلى الصورة لها.

وقال عمر عن النبي ﷺ أنه قال: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله هكذا روى البخاري في الصحيح عن عمر عن النبي ﷺ قال: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم يعني: لا تغلوا في كما غلت النصارى في عيسى، إنما أنا عبد يعني: من عباد الله فإياكم والغلو في، فقولوا: عبد الله ورسوله رسول الله، عبد الله، نبي الله، حذر أمته من وقوع الغلو فيه كما وقع فيمن قبله من اليهود والنصارى، فهو عبد الله، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام.

وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ: إياكم والغلو في الدين، إياكم والغلو في الدين، إياكم والغلو في الدين قالها ثلاثًا، رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والمؤلف بيض له وغاب عنه اسم الصحابي والمخرج، والصحابي ابن عباس والمخرج أحمد وجماعة بإسناد صحيح، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم، الغلو في الدين وقال ﷺ: هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون يعني المتشددون الغالون فهذا يوجب الحذر من الغلو في العبادات وفي المشايخ وفي كل شيء، الواجب لزوم القصد في كل أمر في المحبة وفي غير ذلك، يلزم القصد وعدم التكلف، فالغالي مبتدع، والمقصر جاف عاص، والواجب الوسط محبة المؤمنين والثناء عليهم بما هم أهله ومعاونتهم في الخير لكن من دون غلو، لا يُغلى فيهم بأن يعبدوا مع الله ولا يجفون بأن يذمون ويعابون، ولكن يشهد لهم بالخير على حسب أعمالهم الطيبة، ولا يغلى فيهم بل يجب الحذر من الغلو ولو كان أعبد الناس، لا يجوز الغلو حتى في أفضل الخلق وهو محمد ﷺ، يجب الإخلاص لله، والعمل بطاعته، والحذر مما نهى عنه، وعدم الاستجابة إلى دعوة عباد الشيطان من الغلو أو التنطع في القول أو تعاطي بعض الأسباب الأخرى من الاعتكاف على القبور والبناء عليها أو لأسباب أخرى، الواجب الحذر من جميع الأسباب التي تجر إلى الشرك، وكل الأسباب التي تجر تسمى تنطعًا وتسمى غلوًا.

وفق الله الجميع.

الأسئلة:

س: أحد آبائنا علمنا أن نبتدئ الخطاب بكلمة يا سيدي لمن أسدل معروفا أو علم وكذلك أن ينهى بقوله: خادكم فلان ابن فلان فهل هذا من الغلو؟

ج: الأولى في هذا ترك هذا، الأولى ترك هذا لأن النبي لما قيل له أنت سيدنا قال: السيد الله تبارك وتعالى، فخطاب الإنسان بيا سيدي قد يفضي إلى الغلو قد يفضي إلى التعاظم في نفسه تركها أولى، وإلا مثل ما قال ﷺ: وليقل سيدي ومولاي للعبد، يقول المملوك لسيده، فترك هذا أحوط، لا يقول عبدي وأمتي، وليقل سيدي ومولاي يعني العبد فيه جوازه للعبد فيه شيء من التسامح يدل على أن الأمر أسهل لكن ينبغي تركه؛ لأنه لما قيل له وهو أفضل الخلق أنت سيدنا قال: السيد الله تبارك وتعالى، قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان كما يأتي في آخر الكتاب إن شاء الل،ه المقصود أن المؤمن يخاطب يا أبا عبد الله يا أبا محمد يا فلان بالعبارات التي تناسبه يا حضرة الوزير، الشيء الذي يناسب ترك سيدي أحوط وأولى.

س: نهاية الخطاب بقول: خادكم فلان؟

ج: لا بأس، خادم سهل الخادم يخدم الأمير ويخدم القاضي في تنفيذ الأوامر.

س: تقبيل يد العالم هل هو من الغلو؟

ج: لا، ولكن تركه أحسن، وإلا قبلوا يد النبي ﷺ وقبلوا رجله في بعض الأحيان، لكن تركها أولى كان الهدي مع الصحابة ومع النبي ﷺ المصافحة وإذا دعت الحاجة تقبيل الرأس ما بين العينين. يقول أنس : كان أصحاب النبي إذا تقابلوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا.

س: بالنسبة للذين صوروا صور الصالحين قوم نوح هل في شريعتهم الصورة عندهم غير محرمة؟

ج: ما أدري عنهم لكن صارت سببا لوقوع الشرك، أما كونها في شريعتهم جائزة الله أعلم، لكن مقتضى ذم الناس لهم أنها غير جائزة؛ لأنه ذمهم على هذا يقتضي أنها ممنوعة في حقهم ولهذا ذموا عليها.

س: الصلاة في المكان الذي به صورة معلقة أو تلفاز مشغل؟

ج: عند الحاجة تصح، لكن تركها أولى، لكن إن كان ما هناك حاجة لا يصلي في المحل هذا، أما إذا كانت دعت الحاجة مثل ما رخص عمر في الصلاة في الكنائس عند الحاجة إذا دعت الحاجة إلى محل يصلي فيه لا بأس إن شاء الله، مثل إنسان حضرته الصلاة في محل فيه صورة ولا يمكن الخروج منه أو إنسان مريض في المحل الذي فيه صورة ما له حيلة يعني الشيء الذي تدعو له الضرورة وإلا الأولى والأفضل الخروج عن التشبه بالنصارى واليهود.

س: الذين يعتنقون التلفاز بعضهم يشغلونه ولا يبالون عنه إن كان إنسان في مثل هذه الحالة عنده قرابة معهم، هل يزورهم أم يقاطعهم إن كانوا ما يسمعون نصيحته؟

ج: التلفاز فيه تفصيل الذي ما يسمع إلا الطيب ولا يرى إلا الطيب فالأمر سهل إن كان عاقل وفاهم وإلا هو وسيلة إلى شر.

س: الذي يطلقه بدون ما يميز؟

ج: ينصح ينصح يوجه إلى الخير؛ لأن فيه بعض المشاهدات تضره.

س: وإذا رفض وعندك علاقة به علاقة رحم هل تزوره أم لا تزوره إلا رفض يسمع نصيحتك؟

ج: والله تركه أحوط إن كان يشاهد المعاصي يشاهد الشيء المنكر ينبغي النصيحة، إن لم يقبل يستحب الهجر.

س: المعانقة مع التقبيل أو بدون التقبيل؟

ج: المعانقة لي الرأس مع الرأس هذه المعانقة، والتقبيل شيء كانت فاطمة إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها وقبلها وأخذ بيدها، وكانت إذا دخل عليها أبوها دخلت إليه وقبلته وأخذ بيدها عليه الصلاة والسلام.

س: لكن في مثل هذه الحالة الرجل إذا كان عنده علم والإنسان يقدره ويحترمه؟

ج:الأمر سهل ولكن المصافحة أولى عدم التكلف أولى إلا إذا قدم من السفر كما كان يفعل الصحابة إذا كان قدوم من سفر وعانقه المعانقة لي الرأس مع الرأس أو تقبيل ما بين عينيه لا بأس، أما الحضر فعدم التكلف أولى المصافحة أولى.

س: حكم تقبيل اليد؟

ج: تركها أولى.

س: ما فعل مع النبي ﷺ؟

ج: قد فعله بعض الناس مع النبي ﷺ وبعض الأئمة يشدد فيه، ولكن على كل حال تركه أولى. بعض أهل العلم يسمي السجدة الصغرى لكن تركها أولى، لا ينبغي التشديد ولا ينبغي التساهل، تركه أولى وبس.

س: هل يجوز للإنسان يقبل قدم والديه؟

ج: لا، المصافحة تكفي أو تقبيل ما بين عينيه رأسه.

س: والذي يفعل هذا؟

ج: تركه أولى، تركه أولى.