26 باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟

باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟

في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: "أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله. فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.

ولهما، عنها، قالت: "لما نُزل برسول الله ﷺ، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال: -وهو كذلك- لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا"  أخرجاه.

ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد؛ ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك.

فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله.

والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قوله: "خشي أن يتخذ مسجدا"، فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، كما قال ﷺ: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا.

ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعا: إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد  ورواه أبو حاتم في صحيحه.

الشيخ: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

هذه الترجمة أراد بها المؤلف التأكيد لما تقدم، والمؤلف هو أبو عبد الله الإمام شيخ الإسلام في زمانه، الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الحنبلي رحمه الله، المجدد لما اندرس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة، في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري، يقول رحمه الله في هذا الباب مؤكدًا لما تقدم من التحذير من الغلو وأسباب الشرك يقول رحمه الله: "باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟!" يعني جاءت النصوص تدل على شدة الإثم، وعظم الإثم في التعبد عند القبور؛ لأنه وسيلة إلى الشرك فكيف إذا وقع الشرك كان الأمر أعظم! فكيف إذا عبدت من دون الله واتخذت آلهة؟ صار الأمر أعظم! صارت الغاية وقعت وهي الشرك، نسأل الله العافية، فالرسول ﷺ نهى وحذر من اتخاذ القبور مساجد؛ لأن هذا وسيلة إلى الشرك وذريعة فإذا وقع الشرك فذلك هو الغاية القصوى التي هي غاية الشر والفساد، قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] قال تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة ذكرت للنبي ﷺ كنيسة، الكنيسة: معبد النصارى، رأتها في أرض الحبشة، والحبشة من النصارى، غالبهم من النصارى، وقد أسلم كثير منهم، فقال: أولئكِ إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئكِ شرار الخلق عند الله!

الخطاب للمرأة أولئكِ بكسر الكاف خطاب للمرأة لأم حبيبة، وأم حبيبة: هي بنت أبي سفيان بن حرب زوجة النبي ﷺ أم المؤمنين كانت مع  زوجها في الحبشة ثم تزوجها النبي ﷺ.

فبين ﷺ أن المشركين كانوا يتعبدون عند القبور ويصورون الصور، فالواجب الحذر من أخلاقهم وسيرتهم.

أولئكِ إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور صور فلان وفلان.

أولئك شرار الخلق عند الله يعني: هؤلاء الذين يتخذون الصور على القبور ويعبدونها من دون الله هم شر الخلق، فنصب الصور وسيلة للشرك وبناء القبور وسيلة إلى الشرك، فكلاهما وسيلة بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور على القبور أو في بيوت المصورين أو في المساجد كلها وسيلة للشرك كما فعل قوم نوح في ود وسواع ويغوث ويعوق فوقع الشرك.

ثم بين ﷺ أن أولئكم هم شرار الخلق عند الله؛ لأن شرار الخلق هم الكفار، وخيار الخلق هم المؤمنون فالمؤمن بالله ورسوله هم خيار الخلق وعلى رأسهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وشرار الخلق هم عباد غير الله وعلى رأسهم أئمتهم كفرعون وأشباهه.

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها، قالت: لما نُزل برسول الله، يعني: لما نزل به ملك الموت عند قرب الأجل، جعل يطرح خميصة له على وجهه، الخميصة: كساء فإذا اغتمّ بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد يحذر الناس، وفي هذه الحالة حالة قرب الأجل من شدة نصحه وكمال نصحه لأمته عليه الصلاة والسلام، في هذه الحالة الخطيرة يقول ﷺ: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد قالت عائشة: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك، يعني لولا الخوف أن يتخذ قبره مسجدًا لأبرز مع الناس في البقيع، ولكنه خُشي: يعني خشى الصحابة أن يتخذ مسجدًا فدفنوه في بيت عائشة، حتى لا يتوصل الناس إلى اتخاذه مسجدًا، والمقصود من هذا التحذير من التعبد عند القبور وعبادة أهلها ودعائهم من دون الله والاستغاثة بهم ونحو ذلك.

فالتعبد عند القبور وسيلة للشرك، والعبادة لأهل القبور هو الشرك الأكبر.

روى مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي أنه سمع النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بخمس، يعني في مرض موته: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلاً؛ فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً قال في الرواية: ولكن أخوة الإسلام يعني: كافية، والخلّة معناها أعلا المحبة، فالله اتخذه خليلاً وهو المحبوب الذي قد أعطي أعلى المحبة، كما اتخذ إبراهيم خليلاً كما في قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125].

ولو كنتُ متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذتُ أبا بكر خليلاً فيه الشهادة لفضل أبي بكر وأنه أفضل الصحابة، ولو  كان يجوز له أن يتخذ خليلاً لاتخذه ، لكمال محبته له ولصدقه في اتباع الرسول ﷺ، ولكونه بذل أمواله وجاهه وبدنه وقوته في نصر دين الله رضي الله عنه وأرضاه.

ألا وإن من كان قبلكم هذا التحذير جاء التحذير ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد في رواية مسلم زيادة: وصالحيهم، والمؤلف كأنه نقل من اقتضاء الصراط المستقيم، واقتضاء الصراط المستقيم سقطت كلمة: وصالحيهم، وهو في مسلم.

ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك بالغ في النهي، فيجب على المؤمن وعلى أهل الإيمان أن يحذروا اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد؛ لأن هذا هو شرك، متى تعبد الناس حولها وقعوا في الشرك.

قال المؤلف رحمه الله: فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك في آخر حياته كما في حديث جندب، وأكد هذا عند خروج روحه كما في حديث عائشة، وكل موضع يصلى فيه يتخذ مسجداً، كل موضع يبنى فيه مسجدًا يسمى مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال النبي ﷺ: جعلت الأرض لي مسجدًا وطهورًا فالواجب أن يحذر المسلم اتخاذ القبور مساجد أو الصلاة عندها أو اتخاذها محلاً للعكوف والدعاء كل هذا من وسائل الشرك.

روى الإمام أحمد بسند جيد عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد يعني من شرار الناس فالذين يبقون حتى تقوم الساعة هم من شرار الناس لا تقوم الساعة إلا على الأشرار، فإن الله يبعث ريحًا طيبة في آخر الزمان تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ولا يبقى إلا الأشرار وهم الكفار فعليهم تقوم الساعة، وتقوم عليهم الساعة وهم يتهارجون كتهارج الحمر يعبدون غير الله ويشركون به سبحانه ولا يعرفون ربًا ولا إلهًا.

ومن تدركهم الساعة وهم أحياء هم من شرار الناس، وهكذا من يتخذ القبور مساجد؛ لأنهم بعملهم دعاة إلى الشرك.

نسأل الله للجميع الهداية، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصل الله وسلم على نبينا.

الأسئلة

س: قراءة القرآن في المقبرة؟

ج: لا تجوز، لا يجوز قراءة القرآن في المقبرة، قراءة القرآن تكون في البيوت وفي المساجد يقول ﷺ: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة  لأن القبور ما يقرأ عندها ولا يصلى عندها ولا تتخذ محلا للدعاء، إذا زار يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين والمستأخرين كما بين النبي ﷺ دعاء الزيارة.

س: يقولون: في قاعدة للوسائل أحكام الغايات فإذا قلنا مثلا أن عبادة القبر؟

ج: يعني في التحريم ما هو في كل شيء، يعني في التحريم وسائل الشرك محرمة لكن لا تكون الوسائل شرك، الشرك غير والوسائل غير فاتخاذ القبور مساجد والصلاة عندها من وسائل الشرك والشرك عبادتها من دون الله وهكذا الصلاة بعد العصر وبعد الفجر من وسائل الشرك، وليست شركا، فالشرك أن تعبد الشمس من دون الله أما كونك تصلي بعد العصر أو عند الغروب أو عند طلوع الشمس وأن تقصد الله هذا لا يجوز هذا من وسائل الشرك، والشرك أن تعبد الشمس مع الله جل وعلا وهكذا الصلاة عند القبور وسيلة، والشرك أن تعبد أصحاب القبور، نسأل الله العافية.

س: لا يقتضي إذا كانت الغاية كفر أن تكون الوسيلة كفر؟

ج: لا، الوسيلة لا، الوسيلة فيها تفصيل.

س: قول من قال في قصة أهل الكهف: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21] معناها؟

ج: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21] ظنوا أنها جائزة وأنها عبادة جهلا منهم، وجاءت الشريعة بأن هذا منكر، الشريعة الإسلامية قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21] هذا من جهلهم تدل السنة على أن هؤلاء قالوه من جهلهم.

س: يدل على هذا أن النبي ﷺ لعن اليهود والنصارى أنه ما كان من شريعة من قبلنا فعلهم ذلك؟

ج: نعم، نعم، لو كان من شريعتهم ما لعنهم.

س: قبر الرسول ﷺ ما هو بداخل المسجد؟

ج: في بيت عائشة، والبيت برمته  في المسجد.

س: يعني ما يسمى داخل المسجد؟

ج: لا ما يسمى؛ لأنه في البيت لكن لما وسع المسجد الوليد بن عبد الملك دخله، وقد أخطأ في هذا، ولكن ما يكون في المسجد، البيت الذي في المسجد، البيت مستقل.

س: والقبة؟

ج: هذه وضعها بعض الأتراك المتأخرين في القرن التاسع أو العاشر وهو غلط منهم.

س: قول شيخ الإسلام: ورواه أبو حاتم في صحيحه؟

ج: ابن حبان يعني أبو حاتم ابن حبان في صحيحه.

س: بالنسبة لمسألة قبر النبي ﷺ أغلب المشركين وعلمائهم يحتجون بهذا؟

ج: يبين لهم أنه في بيته ﷺ ما هو في المسجد، وحجتهم داحضة، ويبين لهم أن هذا غلط، وإلا هي شبهة لضعفاء البصيرة.

س: بعض الناس عندما يحضر إلى المقبرة يقومون بالتذكير على الحاضرين ؟

ج: ما في بأس التذكير ما يخالف النبي ﷺ نصح الناس وهو في المقبرة وهو ينتظر الدفن نصحهم بحديث علي في الصحيحين وفي حديث البراء بن عازب في السنن، نصح إذا جلسوا ينتظرون نصحهم طيب.

س: التذكير في المقابر هل هو سنة أو مستحب؟

ج: مستحب لفعل النبي ﷺ.

س: ما حكم الصلاة إذا كان القبر موجودا في وسط المسجد؟

ج: ما تصح الصلاة، الرسول قال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد جئت بلد مسجدها فيه قبور لا تصلي فيه حتى ينبش إلا إذا كان القبر هو الأول، والمسجد هو الذي بدأ فيه يهدم المسجد، على الدولة الإسلامية أن تهدم المسجد، أما إن كان القبر هو الجديد والمسجد قديم فالواجب نبش القبر ونقله إلى محل آخر.

س: وضع القبر النبي ﷺ في هذه الحالة هل فيه استثناء؟

ج: لا، هو ما هو في المسجد، هذا في بيت عائشة، الغلط من إدخال الوليد له لما أدخله في المسجد لما وسعوا المسجد صار شبهة لضعفاء البصيرة الذم على الذي أدخله.

س: الذي صلى في مسجد وفيه مقبر ولا يعلم هل يعيد الصلاة؟

ج: يعيدها نعم.

س: أنا صليت من كم سنة ما أدري عنها؟

ج: تعيدها.

س: ما أدري كم صلاة؟

ج: حسب ظنك.

س: كيف الترتيب؟

ج: الترتيب كل يوم لحاله على حسب ظنه.