47 باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات

باب (39) من جحد شيئا من الأسماء، والصفات

وقول الله تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30]، الآية.

وفي صحيح البخاري قال علي : "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذَّب اللهُ، ورسولهُ؟ ".

وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس "أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي ﷺ في الصفات -استنكارا لذلك– فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه" انتهى.

ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر "الرحمن" أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30]

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، أما بعد:

فهذا الباب عقده المؤلف الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه في بيان وجوب إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بالله، وأن الواجب على كل مسلم أن يثبت أسماء ربه وصفاته على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وألا يغتر بأقوال أهل التجهم والاعتزال، ومن سار في ركابهم من أهل الباطل والضلال؛ بل يجب أن يأخذ بما قاله أهل السنة والجماعة من الصحابة، ومن سلك سبيلهم رضي الله عن الجميع، وهو الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام فالرسل جميعًا من أولهم نوح إلى آخرهم محمد عليه الصلاة والسلام كلهم جاؤوا بإثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق به ، ودرج على هذا أصحاب النبي ﷺ ، وأتباعهم بإحسان فأمروا آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت، وأثبتوا ما دلت عليه من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بالله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل عملًا بقول الله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1 - 4]، وعملًا بقوله سبحانه: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:74]، وعملا بقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، ولقوله سبحانه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] يعني لا سمي له، ولا كفو له ، وأما الجهمية والمعتزلة فأنكروا صفات الله ، وزادت الجهمية وأنكرت الأسماء أيضًا، وتأولوها حتى صاروا معطلة، مقتضى قولهم نفي وجود الله بالكلية، نعوذ بالله، ولهذا حكم عليهم أهل السنة بالكفر والضلال، وأن الواجب قتلهم إذا لم يتوبوا لإنكارهم ما جاء به الكتاب العزيز والسنة المطهرة؛ فلهذا قال المؤلف رحمه الله: باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات أو باب.. يعني باب حكم من جحد شيئا من الأسماء والصفات أطلق المؤلف، وحكمه أنه كافر ما ذكر الجواب، والجواب أنه كافر، من جحد أسماء الرب وصفاته فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ورسوله، ومكذب لما أجمع عليه المسلمون؛ فيكون كافرًا؛ لذا يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وقول الله تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30] قال جل وعلا: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:30] بين أن الرحمن هو ربنا، وإلهنا ، وأن الكفر بالرحمن كفر بالله فعلى المؤمن أن يحذر صفات هؤلاء الضالين، وأن يبتعد عن أخلاقهم وسيرتهم، وأن يسلك مسلك أهل العلم والإيمان في إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق به ، وسمى إنكار الصفة كفرًا بالرحمن، فدل ذلك على أن من أنكر الصفات، فقد كفر بالرحمن، وروى البخاري في صحيحه عن علي قال: "حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله، ورسوله ؟!" لفظ البخاري: أتحب أن يكذب الله ورسوله؟! كأن المؤلف رواه بالمعنى، والمعنى في هذا أن الواجب على المذكر، والواعظ أن يذكر الناس بالألفاظ التي يعرفونها، والأساليب التي يعقلونها حتى يستفيدوا، وحتى يندفعوا، كل قوم لهم أساليب، فيحدث العجم بأساليبهم ولغاتهم، ويحدث العرب بأساليبهم ولغاتهم حتى يفهموا، حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! لأنك إذا حدثت قومًا بغير ما يفهمون قد يصدقونك على غير ما أردت، وقد يفهمون غير ما قصدت، فأنت عليك أن تحدثهم بما يعرفون عن أسماء الله، وعن صفاته، وعن أحكامه، إن كانوا ما يفهمون إلا .............. خبرهم بها، بالأردية بها، بالتركية بها، وهكذا، وتحدث العربي بأسلوبه حتى العرب يختلفون في فهمهم، ولغتهم تحدث كل بما يفهمون، وأسلوب مثلًا اليمنيين غير أسلوب الشماليين كل له أسلوب، ينبغي أن تحدث الناس بما يفهمون، وتجتهد في إيضاح الأمر باللغة التي يفهمونها، والعبارات التي يفهمونها، والألفاظ التي اعتادوها حتى يفهموا عنك ما قلت، وحتى لا يكذب الله ورسوله، فهؤلاء الذين كذبوا الله ورسوله بإنكار الصفات في الحقيقة أنهم وقعوا في خطر عظيم، وفي باطل كبير؛ لأنهم تأولوا الصفات على غير تأوليها، وتكلموا فيها بغير ما ينبغي حتى عطلوا صفات الله، وعطلوا أسماءه لضلالهم وجهلهم، وكثير منهم قد يكون فهم الأمر على غير ما هو عليه لعجمته كما قال بعض السلف لعمرو بن عبيد لما قال عن العصاة: أنهم مخلدون في النار، قال: لأن الله جل وعلا وعدهم بذلك، قال: إن الله يخلف إيعاده، ولا يخلف موعده؟

إخلاف الإيعاد كرم وجود، وأما إخلاف الوعد فلؤم، ولهذا يتنزه الله عن إخلاف الوعد ............ أما كونه يعفو، ويصفح هذا من كرمه، وجوده ، ولهذا قال بعض السلف لعمرو بن عبيد من عجمتك أتيت! حيث ظننت أن إخلاف الإيعاد أمر مستقبح، وليس الأمر كذلك.

وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف ميعادي ومنجز موعدي

فالإنسان يمدح إذا أنجز موعده، وإذا أخلف إيعاده إذا قال لك إنسان سوف أفعل بك، سوف أضربك، سوف أهينك، ثم عفا يمدح بذلك إذا عفا وصفح، أما إذا وعد كأن يكرمك، ويحسن إليك، ثم أخلف يذم على ذلك، فالإنسان يمدح بالوفاء بالوعد، ويمدح بإخلاف الوعيد إذا كان في محله، المقصود أن الإنسان قد يؤتى من جهة فهمه، وقد يغلط من جهة فهمه ما فهم النص ما عرف المراد، فيغلط، فينبغي أن يوضح له النص، ويبين له المعنى حتى يكون على بينة، وروى عبد الرزاق بن همام الصنعاني الإمام المشهور رحمه الله عن شيخه معمر بن راشد عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، وهذا سند عظيم أنه سمع قومًا أصابهم فرق لما سمعوا آيات الصفات فقال: ما فرق هؤلاء، فرقهم يعني خوفهم، فرق فرقًا يعني خاف، يعني ما فرق هؤلاء، وما جزع هؤلاء؟ ما فرق هؤلاء يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه، يعني ما جزعهم، وما الذي أوجب لهم هذا الخوف، وهذا الجزع؟ فإذا سمعوا الآيات المحكمات في القرآن والسنة يجدون رقة، ويجدون خشوعًا وخضوعًا، وإذا سمعوا آيات الصفات اشتبهت عليهم، وهلكوا عندها بالجزع، والإنكار هذا يدل على أن هذا من قديم، وأنه في عهد الصحابة، وجد شيء من هذا يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه يعني يجدون رقه عند الأشياء الواضحة، والمعاني الواضحة، وإذا جاءت الأحاديث التي تشتبه عليهم، أو الآيات هلكوا بإنكارها، أو الشك فيها، والريب فيها، فدل ذلك على أن إنكار الصفات، وإنكار ما بينه الله لعباده، أو الشك في ذلك هلاك، وإنما الحياة والحق والصواب الإيمان بما أخبر به الله ورسوله، إن كنت فهمته فالحمد لله، وإن كنت لم تفهم فكله إلى عالمه، وقل الله أعلم بمراده، واسأل أهل العلم، وانظر في الآيات، والأدلة الأخرى حتى تفهم، وإياك والإنكار، وإياك والجزع، وإياك والشك والريب، فإن هذا طريق المنافقين، وطريق الهالكين، أما أهل السنة والجماعة فهم يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة، ويرقون عنده، ويخضعون له، ويعملون به، وإذا اشتبهت عليهم أمور ردوها إلى المحكمات، وردوها إلى البينات، وفسروها بما اتضح من حكم الله في الآيات الأخرى، والأحاديث الأخرى، ولا يضربون كتاب الله، ولا سنة رسول الله بعضها ببعض، ولا يشكون، ولا يرتابون، بل يؤمنون بالمتشابه، وأنه لا يخالف المحكم بل هو من جنس المحكم، ويكلون ما جهلوا من ذلك إلى عالمه؛ كالكيفية فالله هو الذي يعلم كيفية صفاته، وأما معانيها فمعروفة للناس من طريق اللغة العربية التي خاطب الله بها الناس، فالرحمن معروف، والعزيز معروف، والكريم معروف، والعليم معروف، والحكيم معروف، وهكذا صفاته معروفة، وأسماء معروف معانيها، أما كيفية تلك صفاته إلى الله لا يعلم كيفيتها إلا هو ، ولما سئل مالك بن أنس إمام دار الهجرة في زمانه في القرن الثاني رحمه الله، لما سئل عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] قال السائل: كيف استوى؟ قال رحمه الله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، يعني الكيفية، فبين رحمه الله أن الاستواء الذي هو الارتفاع، والعلو معلوم، أما كيف استوى لا يعلمه إلا الله ، وفق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه.