57 بـاب قول الله تعالى: {فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما}

باب قول الله تعالى: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف:190]

قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك حاشى عبدالمطلب.

وعن ابن عباس في الآية: "قال لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما، سمياه عبدالحارث. فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، ثم حملت فأتاهما فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فأدركهما حب الولد فسمياه عبدالحارث، فذلك قوله جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف:190]" رواه ابن أبي حاتم.

وله بسند صحيح عن قتادة قال: "شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته".

وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا [الأعراف:189] قال: "أشفقا أن لا يكون إنسانا" وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما.

الشيخ: يقول رحمه الله تعالى باب ما جاء في قوله تعالى: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف:190] أراد المؤلف بهذه الترجمة بيان تحريم التعبيد بغير الله، وأنه لا يجوز أن يعبد أحد لغير الله، فلا يقال عبد النبي، ولا عبد الكعبة، ولا عبد الحسين، ولا عبد عمر، ولا شبه ذلك، بل التعبيد يكون لله وحده: عبدالله، عبدالرحمن، عبدالعزيز، عبدالكريم، عبدالقدوس، إلى غير ذلك، لأن الله ذم من فعل ذلك فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف:190] هذا ذم وعيب لمن فعل ذلك.

الآية سياقها في آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام، وهذه على ما قاله السلف زلة من آدم وحواء حيث أطاعا فيها الشيطان في عبدالحارث، وقال آخرون: إن المراد بالآية جنس من بني إسرائيل، وقع من بني إسرائيل وفعلوا هذا الفعل، ولكن ظاهر السياق يأبى ذلك، ظاهر السياق هو مثل ما قال ابن عباس وغيره من السلف: أن هذا وقع لآدم بسبب موت الأول والثاني من أولادهما، فلما أدركهما حب الولد زين لهما الشيطان هذه الوسوسة، وهذا الاسم عبدالحارث ظنا أنه يعيش بسبب ذلك ووقعا في المعصية.

وقال العلماء: والمعصية قد تقع من الأنبياء إذا كانت صغيرة، ويحتمل أنهما حين فعلا ذلك يعتقدان أنه جائز لهما ولهذا فعلاه، ولم يعلما أنه منكر، وإنما كرهاه أولا ثم خضعا لوسوسته، وما أراد ظانا منهما أنه جائز، بل خفي عليهما الحكم الشرعي فلهذا فعلا ذلك وبين فيما أنزل على رسوله محمد ﷺ أن هذا لا يجوز، وأنه لا يجوز التعبيد بغير الله، أما آدم وحواء فلم يعلما ذلك وأطاعا الشيطان في ذلك لوسوسته جهلا منهما بالحكم الشرعي، أو لأمر آخر، وهو أن الأمر الذي قاله الشيطان لآدم وحواء لم يثبت أنه قال لهما، وإنما وقع في بني إسرائيل كما قال بعض السلف، والأمر محتمل لكن السياق يقتضي ما قاله ابن عباس وجماعة، والله جل وعلا أعلم.

والحكم يناط بشريعة محمد ﷺ، فإنها الشريعة العامة، ومن كان من الذي قبلنا فله ما فيه من إباحة في بعض المسائل، ومنع في بعض المسائل التي في شرع من قبلنا، أما هذه المسألة فبين الله فيها الحكم، وأنه لا يجوز التشريك في الاسم لغير الله ، بل يجب أن يكون ذلك لله وحده؛ لأنه ذم من فعل ذلك، قال تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف:190] فعلم بذلك أنه لا يجوز التعبيد لغير الله، ولهذا قال ابن حزم: اتفق العلماء على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمر، وعبد الكعبة، ونحو ذلك حاشا عبدالمطلب لأن الرسول ﷺ أقر ذلك، فدل ذلك على أن عبدالمطلب مستثنى، ففي الصحابة عبدالمطلب بن ربيعة ولم يغير اسمه النبي عليه الصلاة والسلام فدل على استثنائه؛ لأن أصله تعبيد بالرق كان عبدالمطلب سمي بذلك لأنهم ظنوه عبد للمطلب، ظنوا شيبة وهو عبدالمطلب ظنوه عبدًا لعمه وهو المطلب بن عبد مناف فقالوا عبد المطلب من جهة الرق، وهو ليس كذلك، لكن لما رأوا وجهه تغير بسبب الشمس والسفر فظنوه عبدا له، ثم أقر في الإسلام عبدالمطلب.

أما بقية الأسماء المعبدة لغير الله فإنه يمنع كعبد عمر، وعبد الكعبة، وعبد النبي، ونحو ذلك، قال قتادة: الشرك في طاعته ولم يكن في عبادته، يعني أطاعوه في هذا الاسم عن غير علم فنبه على ذلك كما بينه الله في كتابه العظيمز

والحاصل من هذا كله أن القضية وقعت من آدم، أو من بعض بني إسرائيل، وبين الله في كتابه العظيم أنه لا يجوز، وأن الواجب التعبيد لغير الله، وأنه لا يقتدى بمن فعل ذلك لا من الأولين من بني إسرائيل، ولا ما وقع من آدم إن كان وقع من آدم كما هو ظاهر السياق، بل يجب أن تكون التسمية والتعبيد لله وحده لما وقع في بني إسرائيل، أو في عهد آدم وحواء، لا يفعل في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، بل الله منع من ذلك في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام.

وهذا كله من باب كمال التوحيد، وكمال الإيمان، وكمال العبادة لله وحده، وكمال الخضوع له ، وشريعة محمد ﷺ جاءت بغاية كمال التوحيد، وغاية الكمال في تعظيم الربوبية، وغاية الكمال في البعد عن وسائل الشرك، ووسائل التعبد لغير الله ، فهي أكمل الشرائع وأعظمها وأتمها وأبعدها عن كل شرك، هذه الشريعة المحمدية التي جاء بها نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

وفق الله الجميع.