من حديث (أكثروا ذكر هادم اللذات الموت) 1

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت رواه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لابدّ متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي متفق عليه.
وعن بريدة أن النبي ﷺ قال: المؤمن يموت بعرق الجبين رواه الثلاثة، وصححه ابن حبان.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالجنائز يعني بالموت وما بعده، والجنائز جمع جنازة بكسر الجيم وفتحها يقال جِنازة وجَنازة يعني الميت، والموت لا بدّ منه كتبه الله على جميع العباد كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] ويشرع للمؤمن أن يكون على باله حتى يعد العدة، قال جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ [البقرة:223] فالمؤمن يعد العدة لهذا الموت لأجل ما بعده؛ لأنه يقطع العمل هادم اللذات، ولهذا أكثر سبحانه من ذكر الآخرة والجنة والنار والحث على العمل ليغنم ويستعد في تلك الدار يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ۝ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:5، 6].
معناه الحث على ذكر الموت وما بعده، وهكذا قوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33].
ولهذا في هذا الحديث: أكثروا ذكر هادم اللذات الموت يعني اجعلوه على بالكم كثيرًا حتى تعدوا العدة. والهادم القاطع؛ لأنه يقطع اللذات في الدنيا ولكنه يدني من لذات الآخرة ويقرب من لذات الآخرة، وأولها ما يحصل له في قبره ولروحه في الجنة هو يقطع ولكنه في حق المؤمن ينقله إلى لذات الآخرة، ولذات الجنة وما يحصل فيها من الخير العظيم، فإن روح المؤمن طائر يعلق بشجر المؤمن حتى يرده الله إلى جسمه كما جاء في الحديث الصحيح، فالغفلة عن الموت وعما بعد الموت من أسباب الطغيان والفساد والاستمرار في الشر، أما تذكر الموت وما بعده فهو من أسباب التوبة والإقلاع والاستعداد للآخرة.

والحديث الثاني يقول ﷺ: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بدّ متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي يعني إذا أصاب الإنسان ضر من مرض أو شدة فقر أو خوف أو ما أشبه ذلك فلا يقل: ليتني أموت أو اللهم أمتني! لا، لا يدري لعل الحياة خير له، ولكن يقول: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا يجعل الأمر إلى الله هو أعلم بالعواقب سبحانه وتعالى، ولا يقل: اللهم أمتني، اللهم اختر لي الموت، أو اللهم عجل موتي أو ما أشبه ذلك، لا يأتي بعبارة أحسن، اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي.
وخرج النسائي رحمه الله بإسناد صحيح عن عمار بن ياسر أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي هذا مثل حديث أنس.
هذا دعاء عظيم مختصر وكل... إلى الله وإلى علمه سبحانه وتعالى، وهذا هو الصواب إذا كان دعا يدعو بمثل هذا الدعاء، ولا يقل: اللهم عجل موتي أو اللهم أمتني أو ما أشبه ذلك.
والحديث الثاني يقول ﷺ: المؤمن يموت بعرق الجبين اختلف العلماء في المعنى وقال بعضهم: معناه أنه يموت وجبينه فيه عرق وهذا يحتاج إلى تدبر أحوال الناس هل هذا واقع أم لا؟!
 والمعنى الثاني وهو أظهر وأقرب أنه يموت بعرق الجبين يعني يعمل يكدح بطلب الرزق وطلب الحلال لا يتساهل ويخرج لسؤال الناس والحاجة إلى الناس بل يعمل ويطلب الرزق المؤمن هكذا إلى أن يموت في طلب الرزق، والعادة أن التعب يعرق به الجبين يحصل به العرق من آثار التعب. قد يأتي في أول البيع يقول المؤلف رحمه الله أن النبي ﷺ لما سئل: أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور وفي صحيح البخاري رحمه الله عن المقدام أن النبي ﷺ: ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده كان يعمل بالدروع.
فالمقصود أن العمل هو من طبيعة المؤمن نجار.. حداد.. بناء.. دراع مثلما فعل الأنصار، تاجر مثلما فعل المهاجرون ينظر حرفة يتعب فيها ويطلب فيها الرزق ويستغني عما في أيدي الناس، ومعلوم أن الحرفة والتعب يترتب عليه بعض التعب وعرق الجبين. وفق الله الجميع.

الأسئلة:

س: أحسن الله إليكم، ما يقال إن معناه أن المؤمن من شدة الخير يعرق جبينه؟
الشيخ: هذا يحتاج إلى نظر وتأمل قد يقع لهذا ولهذا، قد يكون يقع له ولغيره، فهذا يحتاج إلى عناية بالموتى وصفاتهم وأعمالهم وإيمانهم، وعدم إيمانهم حتى يتبين المراد، لكن الأقرب قول من قال بأنه أشار إلى العمل والجد والنشاط وعدم الرضوخ للكسل وترك العمل والحاجة إلى الناس.
س: أحسن الله إليكم، القول الأول ما يخالف حديث البراء بن عازب أن المؤمن تخرج روحه سهلة والكافر كأنه سفود؟
الشيخ: ما يلزم من عرق الجبين لو صح أن المراد به، قد يكون الأمر بإرادة الله من غير حاجة إلى تعب لو صح المعنى.
س: إيراد المؤلف له في هذا الباب يؤيد القول بأنه من علامات الموت؟
الشيخ: هذا يظهر نعم.
س: الصلاة على الجنازة بعد دفنها؟
الشيخ: سنة إذا ما صلى عليها مع الناس يصلي بعد الدفن، اللي ما حضر يصلي عليها بعد الدفن.
س: عفا الله عنك تكبيرات صلاة الجنائز تقضى إذا فاتت؟
الشيخ: يقضيها حالاً إذا أدرك واحدة يقرأ الفاتحة وإذا كبر الثانية يقرأ الصلاة على النبي، وإذا سلم الإمام يقول الله أكبر: اللهم اغفر له، ثم يكبر ويسلم.
س: وإذا أخذت الجنازة وذهبوا؟
الشيخ: لا، يكبر في الحال لا يطول، يعني الله أكبر اللهم اغفر له ويسلم قبل أن تحمل.
س: أحسن الله إليك، في حديث أنس: فإن كان لابدّ متمنيًا فليقل:.. لا يدل على الكراهة؟
الشيخ: لا، فعل النبي ﷺ يدل على أنه لا بأس حديث عمار يدل على أن الدعاء لا بأس به بل مستحب ولا سيما عند الفتن.
س: الوظيفة من عمل اليد؟
الشيخ: نعم، كتابة أو غيره.
س: يعني لا بدّ تكون حرفة؟
الشيخ: حرفة عمل يد، سواء حارس أو مزارع أو بياع أو كاتب أو نجار أو حداد كلها عمل يد.
 
وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله رواه مسلم والأربعة.
وعن معقل بن يسار أن النبي ﷺ قال: اقرؤوا على موتاكم يس رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغضمه ثم قال: إن الروح إذا قبض اتبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه  رواه مسلم.

الشيخ: الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فهذه الأحاديث الثلاثة فيما يتعلق بالموتى وتلقينهم والدعاء لهم، حديث أبي سعيد وأبي هريرة يدل على شرعية تلقين الميت يعني المحتضر الذي يظن أنه قد دنا أجله يلقن كلمة التوحيد لا إله إلا الله حتى يكون آخر كلامه النطق بها، فيشرع لمن حضر أن يقول عنده لا إله إلا الله حتى يقولها حتى يكون آخر كلامه هذه الكلمة فيرجا له بها الجنة والعاقبة الحميدة.
ويستحب للحاضرين عند الميت أن يجتهدوا بتذكيره بالتسبيح والتهليل والتحميد وقراءة القرآن والاستغفار والتوبة يكون الحاضرون فاتحة خير حتى يذكروه ما ينفعه ومن ذلك تلقينه هذه الكلمة لا إله إلا الله.
وهكذا قراءة يس عند المحتضر من أسباب تذكيره بالآخرة وتوبته وإقلاعه من الذنوب والرجوع إلى الله جل وعلا وتسهيل الموت عليه. والحديث رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان وأقر المؤلف بتصحيح ابن حبان ولم يعترض عليه دل على حسنه عنده، وقد تكلم بعض أهل العلم في إسناده وقال إنه مضطرب وبعضهم قال: إن أبا عثمان في إسناده مجهول، وبكل حال هو أحاديث الفضائل فإذا استعمل فهو أولى، ولهذا صححه ابن حبان وأبو دواد سكت عليه وأبو داود يسكت إذا رأى أنه صالح فاستعمال هذا عند المحتضر  قراءة يس ينفعه الله بها.
الحديث الثالث حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة زوجها ابن عبد الأسد المخزومي وقد شق بصره يعني ارتفع بصره إلى السماء فقال ﷺ: إن الروح إذا قبض تبعه البصر الروح يذكر قال: إذا قبض، ويقال: الروح قبضت ولكن الأكثر فيه التذكير، فضج ناس من أهله يعني ارتاعوا من أنه توفي فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون يعني لا تتكلمون إلا بكلام طيب ودعوات صالحة؛ لأن الملائكة تؤمن على دعائكم الآن فاحرصوا على الكلام الطيب الذي ينفع الميت ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وافسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه دعوات عظيمة من النبي ﷺ لأبي سلمة وهذا الدعاء العظيم تؤمن عليه الملائكة.
وأبو سلمة كان ممن حضر أحدًا وأصيب يوم أحد ولكنه لم يمت في وقت الواقعة بل تأخر ثم انفتق عليه جرحه وانتقض عليه الجرح فتوفي بعد ذلك في السنة الرابعة للهجرة، فلما خرجت من العدة خطبها النبي ﷺ وكانت تقول: من خير من أبي سلمة وقد كانت سمعت النبي ﷺ أنه قال: ما من عبد يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها إلا آجره الله بمصيبته وأخلفه خيرًا منها. فلما سمعت مثل هذا قالت: من هو خير من أبي سلمة، فخطبها النبي ﷺ وخلف الله عليها من هو خير من أبي سلمة فأجابت وتزوجها عليه الصلاة والسلام بعد أبي سلمة.
ففي هذا شرعية الدعاء بالخير لمن حضر الميت، وأن الحاضرين عنده يستحب له أن يدعوا بالخير وألا يدعوا بكلام غير صالح، وأن يصبروا ويحتسبوا ولا ينوحوا بل يتكلموا بالكلام الطيب والدعوات الطيبة مثل ما فعل النبي ﷺ قال: اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وافسح له في قبره ونور له فيه واخلفه في عقبه من حضره يدعو له بالمغفرة والرحمة ولا يقل إلا خيرًا كما فعل الرسول ﷺ حين حضر أبا سلمة. وفي اللفظ الآخر من الحديث أنه أغمضه فالسنة إغماض الميت إذا حضره المسلم وشق بصره يغمضه؛ لأن المنظر قد يكون غير مناسب وليس بجيد فيغمضه من حضر من أقارب وغيرهم. وفق الله الجميع.

الأسئلة:

س: تكرار قول لا إله إلا الله عند الميت؟
الجواب: إذا قالها كفى.