010 - ولاية الرجل على امرأته

المثال الثمانون: إذا ادعت عليه المرأة أنه لم ينفق عليها، ولم يكسها مدة مقامها معه أو سنين كثيرة، والحس والعرف يكذبها، لم يحل للحاكم أن يسمع دعواها، ولا يطالبه برد الجواب، فإن الدعوى إذا ردها الحس والعادة المعلومة كانت كاذبة.

وفى الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: مَنِ اُدَّعى دَعْوًى كَاذِبَةً لِيَتَكثَّرِ بهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلا قِلةً.

وفى الصحيح أيضًا عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: مَنِ اُدّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.

فلا يجوز لأحد، حاكم ولا غيره، أن يساعد من ادعى ما يشهد الحس والعرف والعادة أنه ليس له، وأن دعواه كاذبة، ففي سماع دعواه وإحضار المدعى عليه وإحلافه أعظم مساعدة ومعاونة على ما يكذبه الحس والعادة.

ثم كيف يسع الحاكم أن يقبل قول المرأة: أنها هي التي كانت تنفق على نفسها، وتكسو نفسها هذه المدة كلها، مع شهادة العرف والعادة المطردة بكذبها؟ ولا يقبل قول الزوج: أنه هو الذى كان ينفق عليها ويكسوها، مع شهادة العرف والعادة له، ومشاهدة الجيران وغيرهم له أنه كل وقت يدخل إلى بيته الطعام والشراب والفاكهة، وغير ذلك، فكيف يكذب من معه مثل هذه الشهادة، ويقبل قول من يكذب دعواه ذلك؟ وكيف يمكن الزوج أن يتخلص من مثل هذا البلاء الطويل، والخطب الجليل إلا بأن يشهد كل يوم بكرة وعشية شاهدي عدل على الإنفاق وعلى الكسوة. أو يفرض لها كل شهر دراهم معلومة يقبضها إياها بإشهاد؟ 

ثم إما أن يمكنها أن تخرج من بيته كل وقت تشتري لها ما يقوم بمصالحها، أو يتصدى هو لخدمتها، وشراء حوائجها، فيكون هو العاني الأسير المملوك، وهي المالكة الحاكمة عليه. وكل هذا ضد ما قصده الشارع من النكاح من الألفة والمودة، والمعاشرة بالمعروف. فإن هذه المعاشرة من أنكر المعاشرة، وأبعدها من المعروف.

ثم من العجب: أنها إذا ادعت الكسوة والنفقة لمدة مقامها عنده، فقال الزوج للحاكم: سلها: من أين كانت تأكل، وتشرب، وتلبس؟ فيقول الحاكم: لا يلزمها ذلك!!.

فيا لله العجب: إذا كانت غير معروفة بالدخول والخروج، ولا يمكن الزوج أحدًا يدخل عليها، وهي في منزله عدد سنين، تأكل، وتشرب، وتلبس، كيف لا يسألها الحاكم: من الذي كان يقوم لك بذلك؟ ومتى سأل الزوج سؤالها وجب عليه ذلك، ومتى تركه كان تاركًا للحق؟ فإن سمت أجنبيا غير الزوج كلفها الحاكم البينة على ذلك، وإن قالت: أنا الذي كنت أطعم نفسي وأكسوها في هذه المدة، كان كذبها معلومًا، ولم يقبل قولها، فإن النفقة والكسوة واجبان على الزوج، وهي تدعي أنها هي التي قامت عنه بهذا الواجب وأدته من مالها، وهو ويدعي أنه هو الذي فعل هذا الواجب، وقام به، وأسقطه عن نفسه، ومعه الظاهر والأصل.

أما الظاهر: فلا يمكن عاقلًا أن يكابر فيه، بل هو ظاهر ظهورًا قريبا من القطع، بل يقطع به في حق أكثر الناس.

وأما الأصل: فهو أيضًا من جانب الزوج. فإنهما قد اتفقا على القيام بواجب حقها، وهي تضيف ذلك إلى نفسها، أو إلى أجنبي، وهو يدعي أنه هو الذى قام بهذا الواجب، فقد اتفقا على وصول النفقة والكسوة إليها، وهي تقول: كان ذلك بطريق البدل والنيابة عنك، وهو يقول: لم يكن بطريق النيابة، بل بطريق الأصالة.

وهذا بخلاف ما إذا لم يعلم وصول الحق إلى مستحقه كالديون والأعيان المضمونة، فإن قبول قول المنكر متوجه ومعه الأصل.

ونظيره: أن يعترف بقضاء الدين ووصوله إليه، ثم ينكر أن يكون وصل إليه من جهة من عليه الدين. فيقول: وصل إلى الدين الذي لي، لكن ليس من جهتك، بل غيرك أداه عنك، فهل يقبل قوله هاهنا أحد؟ ويقال: الأصل بقاء الدين في ذمته؟.

وهذا نظير مسألة الإنفاق سواء بسواء، فإنها مقرة بوصول النفقة إليها، ولو أنكرتها لكذبها الحس، ومدعية أن وصول ذلك إلي لم يكن من جهتك، فدعواها تخالف الأصل والظاهر جميعًا؛ ولهذا لا يقبلها مالك، وفقهاء أهل المدينة، وقولهم هو الصواب والحق الذى ندين الله به، ولا نعتقد سواه.

وأي قبيح أعظم من دعوى امرأة على الزوج ترك النفقة والكسوة ستين سنة أو أكثر وهي لا تدخل ولا تخرج، ولا يمكنها أن تعيش عيش الملائكة، فيطالب الزوج بنفقة جميع المدة التي ادعت ترك الإنفاق فيها، وقد تستغرق جميع ماله وداره وثيابه ودوابه؛ فيؤخذ ذلك كله منه، ويحبس على الباقي، ويجعل دينا مستقرًا في ذمته، تطالبه به متى شاءت، وهى تعلم كذب دعواها، ووليها يعلم ذلك، وجيرانها والله وملائكته، والذي يساعدها ويخاصم عنها.

ولما علم فقهاء العراق، كأبي حنيفة وأصحابه، ما في ذلك من الشر والفساد، والضرر الذي لا تأتي به شريعة أسقطوا النفقة والكسوة عن الزوج بمضي الزمان. فلم يسمعوا دعوى المرأة بذلك كما يقوله منازعوهم في نفقة القريب، فنفسوا الخناق عن الأزواج بهذا القول، وأشموهم رائحة الحياة، ونفسوا عنهم بعض الكرب.

ولقد أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعد أن أرسله الله تعالى إلى الناس ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشرًا بالمدينة، فما ألزم زوجًا قط بنفقة وكسوة ماضية، ولا ادعتها عنده امرأة. وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، وكذلك عصر الصحابة جميعهم، وعصر التابعين، ولا حبس على عهده وعهد أصحابه وتابعيهم رجل واحد على ذلك. ولا على صداق امرأته، مع صيانة نسائهم، ولزومهن بيوتهن، وعدم تبرجهن وتزينهن وخروجهن في الأسواق والطرقات. والأزواج في الحبوس، وهن مسيبات يخرجن ويذهبن حيث أردن. فوالله لو رأى هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لشق عليه غاية المشقة ولعظم عليه وعز عليه، ولكان إلى دفعه وإنكاره أسرع منه إلى غيره. وبالجملة فالدعوى، إذا كانت مما تردها العادة والعرف والظاهر لم يجز سماعها.

ومن هاهنا قال أصحاب مالك: إذا كان رجل حائزًا لدار، متصرفا فيها مدة السنين الطويلة، بالبناء والهدم، والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه، ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقًا ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان، أو نحو ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، ولا شركة في ميراث، وما أشبه ذلك مما يتسامح به القرابات وذوو الصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عريًّا عن ذلك كله، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بذلك بينة. فدعواه غير مسموعة أصلا، فضلا عن بينة، وتقر الدار بيد حائزها.

قالوا: لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة، غير مسموعة قال تعالى: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف:199].

وأوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوى وغيرها.

قلت: ومما يدل على ذلك: أن الظن المستفاد من هذا الظاهر أقوى بكثير من الظن المستفاد من شاهدين، أو شاهد ويمين، أو مجرد النكول، أو الرد.

وأيضًا، فإن البينة على المدعي، والبينة هي كل ما يبين الحق، والعرف والعادة والظاهر القوي الذي إن لم يقطع به فهو أقرب إلى القطع، يدل على صدق الزوج، وكذب المرأة في إمساكها

الشيخ: لعله إمساكه هو يعني امتناعه.

في إمساكه عن كسوتها والإنفاق عليها مدة سنين متطاولة.

الشيخ: على كل حال هذه المسألة تختلف بحسب الأحوال، والقضاة يجب عليهم أن يتحروا لأنه قد يكون بعض الأزواج ما يبالي ولا يعتني به ويهجرها ولاسيما إذا كان عند زوجات أخريات، المقصود أن هذا محل، يعني مثل ما قال المؤلف رحمه الله العرف، والظاهر يجب أن يحكمان في هذا، لكن تختلف الأحوال بحسب أحوال الناس لكل زمان ولكل مكان، والقضاة عليهم التبصر وعليهم النظر والتأمل وأن لا يسارعوا في طاعة المرأة في دعواها أو الزوج في دعواه، كثير من الأزواج فيما علمنا الآن لا يبالون بالنساء ويظلمونهن ظلمًا كثيرًا، فالحاصل أن القضاة عليهم التثبت عليهم العناية والتبصر وعدم العجلة حتى يوصلوا الحق إلى مستحقه.

في إمساكه عن كسوتها والإنفاق عليها مدة سنين متطاولة، ولا يدخل عليها أحد، ولا هي ممن تخرج تشترى لها ما تأكل وتلبس.

فالشريعة جاءت بما يعرف لا بما ينكر، وقد أخبر الله سبحانه أن للزوجة مثل الذي عليها بالمعروف، وليس من المعروف إلزام الزوج بنفقة ستين سنة وكسوتها، واجتياح ماله كله، وسلبه نعمة الله عليه، وجعله مسكينا ذا متربة، وجعله أسيرًا لها، ينافي ما ادعت به، بل هذا من أنكر المنكر، ومما يراه المسلمون، بل وغير المسلمين، قبيحًا.

وأيضًا: فالرجل له ولاية الإنفاق على زوجته، كما له ولاية حبسها ومنعها من الخروج من بيته، فالشارع جعل إليه ذلك، وأمره أن يقوم على المرأة ولا يؤتها ماله بل يرزقها ويكسوها فيه، وجعلها الله سبحانه في ذلك بمنزلة الصغير والمجنون مع وليه، كما قال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ [النساء:5].

قال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذى خولك الله وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم. فالسفهاء هم النساء والصبيان وقد جعل الله سبحانه الأزواج قوامين عليهم، كما جعل ولى الطفل قوامًا عليه والقوام على غيره أمين عليه. ومن قبل قول الزوجة أو الطفل بعد البلوغ في عدم إيصال النفقة إليهما، فقد جعلهما قوامين على الأزواج والأولياء، ولو لم يقبل قول الزوج لم يكن قوامًا على المرأة. فإن المرأة إذا كانت غريما مقبول القول دون الزوج، كانت هي القوامة.

الشيخ: الله يعفو عنا وعنه وغفر الله لنا وله، تصوير هذه الصورة ستين سنة تطالب بالنفقة من هذه الأشياء الغريبة حتى عشر سنين، خمس سنين، الذي يقع في الغالب أشهر أو سنة سنتين بالنسبة إلى عرف الناس اليوم، أما أن يمضي عليها ستون سنة ثم تدعي أنه ما أنفق عليها من ستين سنة؟! مكابرة نسأل الله العافية!.

السؤال:...

الشيخ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] يعني بالشيء المعروف الذي لا تنكره الفطر ولا ينكره الواقع، والمعروف في آيات أخرى لهذا قال بعده وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].

وبالجملة فللرجل على امرأته ولاية، حتى في مالها، فإن له أن يمنعها من التبرُّع به؛ لأنه إنما بذل لها المهر لمالها ونفسها، فليس لها أن تتصرف في ذلك بما يمنع الزوج من كمال استمتاعه، وقد سَوّى النبي ﷺ بين نفقة الزوجات، ونفقة المماليك.

الشيخ: هذا حط عليه إشارة، هذا ليس بصحيح، ليس له أن يمنعها من التصرف في مالها، الحديث في هذا ضعيف، النبي ﷺ لما أتى النساء ووعظهن حثهن على الصدقة وجعلت المرأة تلقي أقراطها وغيرها ...، ولم يقل استأذن أزواجكن، أو لا تفعلن حتى تستأذن أزواجكن، أما حديث «لا يحل من امرأة عطية إلا بإذن زوجها» فهو حديث ضعيف، والصواب أنه محرف، والمعنى لا تحل عطية من ماله هو لا مالها هي، في صحيح مسلم أن ميمونة قالت: يا رسول الله أشعرت أن أعتقت فلانة، قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك لكان أعظم لأجرك ولم يقل: ليش أعتقتها وما استأذنتيني، فهي حرة في مالها إذا كانت رشيدة.

وقد سَوّى النبي ﷺ بين نفقة الزوجات، ونفقة المماليك، وجعل المرأة عانيةً عند الزوج، والعاني: هو الأسير، وهو نوعٌ من الرق.

الشيخ: أسيرات في غير هذا، أسيرة لا تخرج إلا بإذنه، وعليها السمع والطاعة في المعروف، لكن ليس له منعها من التصرف في مالها، ليس له منعها أن تتصدق وأن تحسن إلى أقاربها وإلى غيرهم.

فقال في المرأة: تُطْعمُها مما تأكلُ، وتكسوها مما تلبس، وكذلك قال: في الرقيق سواءً، فهو أمين على نفقة امرأته ورقيقه وأولاده، بحكم قيامه عليهم، ولم يوجب الله سبحانه على الأزواج تمليك النساء طعامًا وإدامًا، ولا دراهم أصلًا، وإنما أوجب إطعامهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وإيجاب التمليك مما لم يدل عليه كتابٌ، ولا سنة، ولا إجماع.

الشيخ: مثل ما في الصحيح قال ﷺ: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف في خطبته في عرفات عليه الصلاة والسلام.

وكذلك فرضُ النفقة وتقديرها بدراهم: لا أصل له من كتابٍ، ولا سُنة، ولا قول صحابي، ولا تابعٍ، ولا أحدٍ من الأئمة الأربعة.

فإن الناس لهم قولان: منهم مَن يرى تقديرها بالحَبّ كالشافعي، ومنهم من يردّها إلى العرف وهم الجمهور، ولا يُعرف عن أحدٍ من السلف والأئمة تقديرها بالدراهم البتّة.

الشيخ: وهذا عند الضرورة، إن قدر تنازعوا بعض الأزواج شحيح بخيل ولا يبالي بزوجته فإذا جاء النزاع وجب على القاضي أن يقدر لها الكفاية -كفايتها من الطعام والإدام والكسوة- عند النزاع، وإذا أصلحهم الله فالحمد لله، والتقدير يكون بالمعروف المتعارف في البلد أو القرية أو القبيلة.

ثم إنّ فيه إيجاب المعاوضة على الواجب لها بغير رضا الزوج، ومن غير اعتبار كون الدراهم قيمةَ الواجب لها من الحَبّ، أو الواجب بالعرف، ففرضُ الدراهم مخالفٌ لهذا وهذا، ولأقوال جميع السلف والأئمة، وفيه من الفساد ما لا يحصيه إلا الله؛ فإنه إن مَكّن المرأة تخرج كلّ وقتٍ تشتري لها طعامًا وإدامًا، دخل على الزوج والزوجة من الشرّ والفساد ما يشهدُ به العيان، وإن منعها من الخروج أضرّ بها وبالزوج، وجعله كالأجير والأسير معها.

وبالجملة، فمبنى الحكم في الدعاوَى على غَلبة الظنّ المستفاد من براءة الأصل تارة، ومن الإقرار تارة، ومن البينة تارة، ومن النكول مع يمين الطالب المردودة، أو بدونها، وهذا كلُّه مما يُبيِّن الحق ظاهرًا؛ فهو بَيِّنَةٍ، وتخصيص البَيِّنة بالشهود عرفٌ خاص، وإلا فالبينة اسمٌ لما يبيِّن الحقّ، فمن كان ظنُّ الصدق من جانبه أقوى كان بالحكم أولى، ولهذا قدّمنا جانب المدّعى عليه، حيث لا بينة، ولا إقرار، ولا نُكول، ولا شاهد حال، استنادًا إلى الظن المستفاد من البراءة الأصلية.

فإن كان في جانب المدّعي بَيّنةٌ شرعية قُدّم؛ لقوة الظن في جانبه بالبينة.

وكذلك إذا كان في جانبه قرينةٌ ظاهرةٌ كاللَّوْث قُدِّم جانبه.

وكذلك قُدِّم جانبه في اللِّعان إذا نكلت المرأة؛ فإنها تُرجَم بأيمانه، لقوّة الظن في جانبه بإقدامه على اللعان، مع نكول المرأة عن دفع الحدّ والعار عنها باليمين.

وقد أجمع الناس على جواز وطء المرأة التي تُزَفّ إلى الزوج ليلة العُرْس، وإن لم يكن رآها، ولا وُصفَتْ له، من غير اشتراط شاهدَيْ عدل يشهدان أنها هي امرأته التي وقع عليها العقد، اكتفاءً بالظن الغالب، بل بالقَطْع المستفاد من شاهد الحال.

وكذلك يجوز الأكلُ من الهدْي المنحور إذا كان بالفلاة، ولا أحدَ عنده، اكتفاءً بشاهدِ الحال.

وكذلك دَرَجَ السلفُ والخلف على جوازِ أكل الفقير مما يدفعه إليه الصبيّ ويخرجُهُ من البيت من كِسرةٍ ونحوها، اعتمادًا على شاهدِ الحال.

وكذلك يُكتفَى بشاهدِ الحال في بيع المحقَّرات بالمعاطاة، وهو عمل الأمة قديمًا وحديثًا.

واكتفى الشارع بسكوت البكر في الاستئذان، وجعله دليلًا على رضاها، اكتفاءً بشاهد الحال.

واكتفت الأمَّة في الاعتماد على المعاملات، والهدايا، والتبرعات، بكونها بيد الباذل؛ لأن دلالتها على ملكه تورثُ ظنًّا ظاهرًا.

واكتفتْ بمعاملة مجهول الحرية والرُّشد، وإقراره.

الشيخ: كل هذا الذي قاله المؤلف كله واضح ... العرف والأصول أصل في الشريعة، ولهذا إذا ادعى مدعى على أحد ولا بينة فالقول قول من ادعى عليه، وإذا دعت حاجة لليمين حلف اكتفاء بالأصل -أصل البراءة- فإذا كان في جانب المدعي بينة صار الظاهر معه والظن معه وقضي له ببينته، أو كان معه شاهد عرف ودلالة ترجح قوله، وهكذا ما يتعلق بالزوجة .... إذا قدمت إلى زوجها فالأصل أنها زوجته التي عقد عليها، إذا قدمها أهله فلا شك أنها هي زوجته ويكتفى بالظن الغالب والعرف ولا يحتاج شهودا أن هذه زوجته، وهكذا إذا قدم له الصبي كسرة من الطعام عند الباب وهو يسأل تمرة ريال أو ريالين أعطته المرأة هذه علامة أنهم سمحوا به.

السؤال: .....؟

السؤال: أحسن الله إليك الشهود في العقد إذا لم يكونوا رجال، أربع نساء هل يكتفي بذلك؟

الشيخ: لا، لا بدّ من شاهدين رجلين.

واكتفتْ بمعاملة مجهول الحرية والرُّشد، وإقراره، وأكل طعامه، وقبول هديته، وإباحة الدخول إلى منزله، اعتمادًا على شاهد الحال، والظن الغالب.

واكتفى الشارعُ بقول الخارص الواحد في مَحَلَّ الظن والخَرْصِ، نظرًا إلى الظن المستفاد من خَرْصه. واكتفت الأمّة بقول المقَؤَمين فيما دَق وجَلّ، اعتمادًا على الظنّ المستفاد من تقويمهم.

وقد اكتفى الشارعُ بتقويم اثنين في جزاء الصَّيد، واكتفى بواحد في الخرْص، واكتفى بواحد في رؤية هلال رمضان.

واكتفت الأمة بقول القاسم وحده، أو بقول اثنين، وكذلك القائف، أو القائفين، واكتفت بقول المؤذن الواحد.

وقد اكتفى كثير من الفقهاء بانتساب الصغير، ومَيْل طبعه إلى من ادّعاه من رجلين أو أكثر، اعتمادًا على الظن المستفاد من مَيْل طبعه، وهو من أضعف الظنون، ولذلك كان في آخر رُتب الإلحاق عندهم، عند عدم القائف.

وكذلك الاعتماد في وجوب دَفع اللُّقَطَةِ أو جوازه على الظنّ المستفاد من وَصفِ الواصف لها.

وكذلك الاعتماد على أمارات الطهارة، والنجاسة، والقبلة، والاعتماد على قول الكيّال والوزَّان، وقال كثير من الفقهاء بحبس المدعى عليه بشهادة المستورَيْن إلى أن يُعَدَّلا؛ إذ الغالب من المستورين العدالة.

فاستجازوا عقوبة الرجل المسلم بمثل هذا الظن.

وقالوا: تسمعُ الشهادة على المقرّ بالإقرار، من غير اشتراطِ ذكرِ الشاهدين أهْلِيّة المقرّ حال إقراره؛ اعتمادًا على ظن الرشد والاختيار.

وقالوا: إذا كان الجدار حائلًا بين الطريق وبين ملك المدّعي، أو بين ملكه وبين مواتٍ، اختَصَّ به المدعي؛ لأن الظاهرَ أن الطريق والموات لا يحاط عليهما.

وقالوا: لو كان بين الملكين جدار متصل بأبنية أحد المُلكين اتصالًا بدَواخل وترصيف، اختص به صاحب الترصيف؛ لقوة الظن من جانبه؛ إذ معه دلالتان، إحداهما: الاتصال، والثانية: التداخل والترصيف، فلو تداخل من أحد طرفيه في ملك أحدهما، ومن الطرف الآخر في الملك الأخر اشتركا فيه؛ لتساويهما في الدلالتين.

وقالوا: إن الأبواب المشرّعة في الدّروب غير النافذة دالَّة على الاشتراك في الدرب إلى حدّ كل باب منها، فيكون الأول شريكًا من أول الدرب إلى بابه، والثاني شريكًا إلى بابه، والذي في آخر الدرب شريك من أول الدرب إلى بابه، قولًا واحدًا، وإلى آخر الدرب على الصحيح وعلى كلٍّ؛ بناءً على الظنّ المستفاد من الاستطراق، وأنه بِحَقٍّ.

وقالوا: إن الأجنحة المطِلّة على مُلك الجار وعلى الدروب غير النافذة، أنها ملك لأصحّابها؛ اعتمادًا على غلبة الظن بذلك، وأنها وضعت باستحقاق.

وكذلك القنوات والجداولُ الجارية في ملك الغير دالَّةٌ على اختصاصها بأرباب المياه؛ بناءً على الظن المستفاد من ذلك، وأن صورها دالَّة على أنها وُضعت باستحقاق.

ومن ذلك: دلالة الأيدي على الاستحقاق، اعتمادًا على الظن الغالب، مع القطع بكثرة وَضْع الأيدي عدوانًا وظلمًا، ولا سيَّما ما اطَّردت العادة بإجارته وخروجه عن يد مالكه إلى يد مستأجره، كالأراضي، والدوابّ، والحوانيت، والرّباع، والحمامات، وأن الغالب فيها الخروج عن يد مالكها، وقد اعتبرتُم اليد، وقد استشكل كثير من فُضلاء أصحابكم هذا، واعترف بأن جوابه مشكل جدًّا، ولما كان الظن المستفادُ من الشهود أقوى من الظن المستفاد من هذه الوجوه قُدِّم عليها.

ولما كان الظن المستفاد من الإقرار أقْوَى من الظن المستفاد من الشهود، قُدِّم الإقرار عليها.

ولذلك اكتفى كثيرٌ من الفقهاء بالمرّة الواحدة في الإقرار بالزنى والسرقة، لهذه القوة.

قالوا: لأن وازع المقرّ طَبْعيٌ، ووازع الشهود شرعي، والوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي.

وكذلك يُقبل الإقرار من المسلم، والكافر، والبر، والفاجر؛ لقيام الوازع الطبعي.

ولما كان الوازع عن الكذب على نفسه مخصوصًا بالمقرّ كان إقراره حجة قاصرة عليه وعلى من يتلقى عنه؛ لكونه فَرْعَهُ.

ولما كان الوازع الشرعي عامًّا بالنسبة إلى جميع الناس كان حجة عامة؛ فإن خوف الله يزعُ الشاهدَ عن الكذب في حقِّ كل أحد، وكان قوله حجةً عامة لكل أحدٍ.

ولما كان وازع الكذب مختصًّا بالمقرّ قُصِر عليه، فهو خاص قويّ، والشهادة عامّة ضعيفة بالنسبة إلى الإقرار، قوية بالنسبة إلى الأيدي، وإلى ما ذكرناه من الدلالات.

ومعلوم أن الظنون لا تقع إلا بالأسباب، تُثيرها وتحركها، فمن أسبابها: الاستصحابُ، واطّراد العادة، أو كثرةُ وقوعها، أو قول الشاهد، أو شاهد الحال. ولا يقعُ في الظنون تعارض، وإنما يقع في أسبابها وعلاماتها، فإذا تعارضت أسبابُ الظنون: فإن حصل الشكّ لم يحُكم بشيء، وإن وُجد الظن في أحد الطرفين حُكم به، والحكم للراجح؛ لأن مرجوحيّة مقابله تدُلّ على ضعفه.

فإذا تعارض سَبَبًا ظنٍّ وكان كل منهما مكذبًا للآخر تساقطا، كتعارُض البيّنتين والأمارتين. وإن لم يكن كلّ واحد منهما مكذبًا للآخر عُمل بهما على حسب الإمكان، كدابةٍ عليها راكبان، وعبدٍ مُمْسِكٍ بيديه اثنان، ودارٍ فيها ساكنان، وخَشَبةٍ لها حاملان، وجِدار متصل بملْكَين، ونظائر هذا.

فإن كان أحدُهما أرجح من الآخر عُمِل بالراجح، كالشاهد مع البراءة الأصلية ومع اليد، يُقدّم عليهما لرجحانه.

ولما كانت اليدُ لها مراتبُ في القوة والضعف، وكان اللّابس لثيابه، وعمامته، وخُفّه، ومِنْطَقته، ونعله، أقوى من يَدِ الجالس على البساط، والراكب على الدّابّة، ويدُ الراكب أقوى من يد السائق والقائد، ويدُ الساكن للدار أضعَفَ من تلك الأيدي، ويدُ مَنْ هو داخل الحمام والخانِ أضعف من هذا كلُّه، قُدّم أقوى الأيدي على أضعفها.

فلو كان في الدار اثنان، وتنازعا فيها، وفى لباسهما الذي عليهما، جُعلت الدار بينهما؛ لاستوائهما في اليد، وكان القولُ قولَ كل منهما في لباسه المختص به؛ لقوة يده بالقُرْب والاتصال.

ولو تنازع الراكب والسائق والقائد قدّمت يد الراكب، وكذلك قال الجمهور. ولو تنازع الزوجان في متاع البيت، أو الصانعان في حانوتٍ، كان القولُ قولَ مَنْ يدّعي منهما ما يَصلحُ له وَحدهُ؛ لغَلَبة الظنّ القريب من القطع باختصاصه به.

وكذلك لو رأينا رجلًا شريفًا حاسِرَ الرأس، وأمامَه داعِرٌ على رأسه عمامةٌ.

الشيخ: كلمة غريبة.

الطالب: راجعتها في القاموس ما وجدتها.

الشيخ: لعله خائف منحاش، العلامة واضحة أنه ناهبها.

الطالب: ........

الشيخ: محتمل.

وبيده عمامةٌ لا تليق به، وهو هاربٌ، فتقديمُ يدِه على الظن المستفاد من كَوْنها يدًا عاديةً مما يُقطعُ ببطلانه.

وكذلك فقيهٌ له كتبٌ في دارِه، وامرأتهُ غير معروفة بشيء من ذلك البتة، فتقديمُ يدها على شاهد حال الفقيه في غاية البعد.

وأين الظنّ المستفاد من هذا وأمثاله إلى الظن المستفاد من النكول، ومن الظن المستفاد من اليد؟ بل أين ذاك الظن من الظن المستفاد من الشاهد واليمين؟

ومن الممتنع أن يُرتّبَ الشارعُ الأحكام على هذه الظنون، ولا يرتبها على الظنون التي هي أقوى منها بمراتبَ كثيرة، بل تكاد تقرب من القطع، كما أنه من المحال أن يحُرِّم التأفيف للوالدين، ويُبيح شَتْمهما وضربهما.

وهل تقديم قولِ المدعي في القسامة إلا اعتمادًا على الظن الواجب باللَّوث؟ وقُدّم هذا الظن على ظنّ البراءة الأصلية لقوَّته.

وقد حكى الله سبحانه في كتابه عن الشاهد الذي شهد من أهل امرأة العزيز، وحكم بالقرائن الظاهرة على براءة يوسف عليه السلام، وكذَّب المرأة، بقوله: إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ۝ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ۝ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف:26-28]، وسمّى الله سبحانه ذلك آيةً، وهي أبلغُ من البينة، فقال: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف:35]، وحكى الله سبحانه ذلك مُقررًا له غير منكر، وذلك يدل على رضاه به.

ومن هذا: حكمُ نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام بالولد الذي تنازع فيه المرأتان، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا على سليمان، فقَصّتا عليه القصة، فقال سليمان عليه السلام: ائْتُونِي بالسّكين أشقَّه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل يا نبي الله، هو ابنُها، فقضى به للصغرى، ولم يكن سليمان ليفعل، ولكن أوهمهما ذلك، فطابت نفسُ الكبرى بذلك؛ استرواحًا منها إلى راحة التسليّ والتأسِّي بذهاب ابن الأخرى كما ذهب ابنها، ولم تطب نفس الصغرى بذلك، بل أدركتها شَفَقَةُ الأم ورحمتها، فناشدَتْه أن لا يفعل؛ استرواحًا إلى بقاء الولد، ومشاهدته حيًّا، وإن اتصل إلى الأخرى.

وتأمّلْ حكم سليمان به للصغرى وقد أقرّت به للكُبرى تَجِدْ تحته: أن الإقرار إذا ظهرت أماراتُ كذبه وبطلانه لم يُلتفَتْ إليه، ولم يحكم به على المقرّ، وكان وجودُه كعدمه. وهذا هو الحق الذي لا يجوز الحكم بغيره.

وكذلك إذا غلط المقرّ، أو أخطأ، أو نسي، أو أقرّ بما لا يعرف مضمونه، لم يُؤاخذ بذلك الإقرار، ولم يحكم به عليه، كما لو أقرّ مكرهًا.

والله تعالى رَفع المؤاخذة بلَغْوِ اليمين؛ لكون الحالف لم يقصد موجَبها، وأخبر أنه إنما يؤاخذ بكسب القلب، والغالط والمخطئُ والناسي والجاهل والمكره لم يكسب قلبه ما أقَرّ به أو حلف عليه، فلا يؤاخذ به.

والمقصود: أن الزوج المظلوم المدّعَى عليه دَعْوَى كاذبة ظالمة بأنه ترك النفقة والكسوة تلك السنين كلَّها، أو مدة مُقامها عنده، إذا تبيّن كذب المرأة في دعواها لم يجز للحاكم سماعها، فضلًا عن مطالبته بردِّ الجواب.

الشيخ: وهذا بحث من المؤلف بحث نفيس جيد رحمه الله، ولا يسع القضاة وأهل الحل والعقد والحسبة إلا هذا، مراعاة المقاصد ومراعاة الأسباب حتى لا يظلم أحدًا حتى يعطى المظلوم حقه وحتى ينصف من الظالم، وهذا يحتاج هذه القواعد، وهذه البحوث يحتاجها القضاة، ويحتاجها أولو الأمر، ويحتاجها الهيئات ليستعينوا بها على مهماتهم رحمه الله بحث مهم.

..... الدعارة الفساد والشر، ورجل داعر خبيث مفسد.

الشيخ: هذا يدخل في الباب هذا داعر خبيث، ويحتمل حتى لو كان إنسان معه عمامتان ويده واحدة وواحد يلحقه ويقول: أعطني عمامتي وليس من جنسه أن يخلع العمامة عن رأسه، يعني المقصود: أن هذا علامة ظاهرة عند القاضي وغير القاضي في مثل هذا، حتى ولو كان ما هو بداعر، حتى لو كان ما هو معروف بالدعارة، يعني صار ظاهر منه اللعب، وظاهر منه العدوان على صاحب العمامة، لكن مثل المؤلف بأشد الأمثال.

والمقصود: أن الزوج المظلوم المدّعَى عليه دَعْوَى كاذبة ظالمة بأنه ترك النفقة والكسوة تلك السنين كلَّها، أو مدة مُقامها عنده، إذا تبيّن كذب المرأة في دعواها لم يجز للحاكم سماعها، فضلًا عن مطالبته بردِّ الجواب.

فله طُرق في التخلص من هذه الدعوى:

أحدها هذا: أن يقول: كيف يَسُوغ سماع دعوى تُكذِّبها العادة والعرف ومشاهدة الجيران؟

الثاني: أن يقول للحاكم: سَلْها مَنْ كان يُنفِقُ عليها، ويكسوها في هذه المدة؟

فإن ادّعَتْ أن غيره كان يؤدي ذلك عنه لم يُسمع دعواها، وإن كانت الدعوى لذلك الغير، ولا يُقبل قولها على الزوج إن غيره قام بهذا الواجب عنه، وهذا مما لا خفاء به، ولا إشكال فيه.

وإن قالت: أنا كنت أنفق على نفسي، قال الزوج: سَلْها هل كانت هي التي كانت تدخل وتخرجُ تشتري الطعام والإدام؟

فإن قالت: نعم، ظهر كذبها، ولاسيَّما إن كانت من ذوات الشرف والأقدار.

وإن قالت: كنت أوكّل غيري في ذلك، أُلزمت ببيانه، وإلا ظهر كذبها وظلمها وعدوانها، وكانت معاونتها على ذلك معاونةً على الإثم والعدوان.

فإن أعوز الزوج حاكمٌ عالمٌ مُتَحَرٍّ للحق لا تأخذه فيه لومة لامْ، فلْيَعْدل إلى التحيُّل بالخلاص بما يُبطل دعواها الكاذبة، إما بأن يجحد استحقاقها لِمَا ادَّعَت به، ولا يعدل إلى الجواب المفصّل، فتحتاج هي إلى إقامة البينة على سبب الاستحقاق، وقد يتعذّر أو يتعسر عليها ذلك.

فإن أحضرت الصداق وأقامت البينة، فإن كانت لم تنتقل معه إلى داره جحد تسليمها إليه، والقول قوله إذا لم تكن معه في منزله.

فإن كانت قد انتقلت معه إلى منزله، وادّعَى نُشوزها تلك المدة، وأمكنه إقامة البينة بذلك، سقطت نفقتها في مدة النشوز، وإن لم يمكنه إقامة البينة، وادّعى عدم تمكينها له من الوطء، وادعت أنها مَكّنته فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم التمكين، وهذا غير دعواه النشوز؛ فإن النشوز هو العصيان، والأصل عدمه، وهذا إنكار لاستيفاء حقه، والأصل عدمه فتأمله.

فإن كان له منها ولد لم يمكنه هذا الإنكار.

ومتى أحس بالشر والمكر احتال بأن يخُبئ شاهديَ عَدْل، بحيث يسمعان كلامها، ولا تراهما، ثم يدفع إليها مالًا، أو ما ترضى به، ويتلطَّف بها، ثم يقول: أريد أن يجعل كل منا صاحبه في حِلٍّ حتى تطيب أنفسنا، ولعل الموت يأتي بغتةً، ونحو ذلك من الكلام.

وإن أمكنه أن يستنطقها بأنها لا تستحق عليه إلى ذلك الوقت نفقة، ولا كسوة، وأنه يرضيها من الآن، ويدفع إليها ما ترضى به، كان أقوى، ثم يأخذ خَطّ الشاهدين بذلك، ويكتمه منها، فإن أعجله الأمر عن ذلك، وأمكنه المبادرة برَفْعِها إلى حاكم مالكِيٍّ أو حَنفيٍّ، بادر إلى ذلك.

وبالجملة، فالحازم من يستعدُّ لحِيَلِهِنَّ، ويُعدّ لها حيلًا يتخلص بها منها، وهذا لا بأس به، ولا إثم فيه، ولا في تعليمه؛ فإن فيه تخليص المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإخزاء الظالم المعتدي، والله الموفق للصواب. وإنما أطَلْنا الكلام في هذا المثال لشدّة حاجة الناس إلى ذلك، ولعموم البلوى، وكثرة الفجور، وانتشار الضرر بتمكين المرأة من هذه الدعوى، أو سماعها، وجَعْلِ القول قولها، وفى ذلك كفاية، وإلا فهي تحتمل أكثر من ذلك.

فصل

والمقصود بهذه الأمثلة وأضعافها مما لم نذكره: أن الله سبحانه أغنانا بما شَرَعه لنا من الحنيفية السمحة، وما يسّرَه من الدين على لسان رسوله ﷺ، وسهَّله للأمة عن الدخول في الآصار والأغلال، وعن ارتكاب طُرق المكر والخداع والاحتيال، كما أغنانا عن كل باطل ومحرم وضارٍّ، بما هو أنفعُ لنا منه من الحق، والمباح النافع.

فأغنانا بأعياد الإسلام: عن أعياد الكفار والمشركين من أهل الكتاب، والمجوس، والصابئين، وعَبَدَة الأصنام.

وأغنانا بوجوه التجارات، والمكاسب الحلال: عن الربا والميْسر والقِمار.

وأغنانا بنكاح ما طاب لنا من النساء مَثْنى وثُلاث ورُباع، والتّسَرّي بما شئنا من الإماء: عن الزنى والفواحش.

وأغنانا بأنواع الأشربة اللذيذة، النافعة للقلب والبدن: عن الأشربة الخبيثة المسكرة، المُذْهبة للعقل والدِّين.

وأغنانا بأنواع الملابس الفاخرة من الكَتّان، والقُطن، والصوف: عن الملابس المحرّمة من الحرير، والذهب.

وأغنانا عن سماع الأبيات وقرآن الشيطان: بسماع الآيات وكلام الرحمن.

الشيخ: وهذا من فضله جل وعلا، أغنى عباده بما أحل لهم عما حرم عليهم في المآكل والمشارب والمناكح والتجارات وغير ذلك، فأغناهم عن المحرم بما شرع لهم جل وعلا في كل باب من الأبواب، فالواجب شكره سبحانه والاكتفاء بما أباح وأحل عما حرم جل وعلا.

وأغنانا عن الاستقسام بالأزلام طلبًا لما هو خيرٌ وأنفعُ لنا: باستخارته التي هي توحيد، وتفويض، واستعانة، وتوكُّل.

وأغنانا عن طلب التنافس في الدنيا وعاجلها: بما أحبّه لنا ونَدَبنا إليه من التنافس في الآخرة، وما أعدّ لنا فيها، وأباح الحسد في ذلك، وأغنانا به عن الحسد على الدنيا وشهواتها.

وأغنانا بالفَرَح بفضله ورحمته وهما القرآن والإيمان: عن الفرَح بما يجمعه أهل الدنيا من المتاع والعقار والأثمان، فقال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

وأغنانا بالتكبُّر على أعداء الله تعالى، وإظهار الفَخْر والخيلاء لهم: عن التكبُّر على أولياء الله تعالى، والفخر والخُيلاء عليهم، فقال ﷺ لمن رآه يتبختر بين الصَّفَّين: إنها لمِشْيَةٌ يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.

وأغنانا بالفروسية الإيمانية، والشجاعة الإسلامية التي تأثيرُها في الغضب على أعدائه ونصرة دينه: عن الفروسية الشيطانية، التي يَبْعث عليها الهَوى والحَمِيَّة الجاهلية.

وأغنانا بالخلوَة الشرعية حال الاعتكاف: عن الخلوة البِدْعِيَّةِ التي يُترك لها الحج والجهاد والجمعة والجماعة.

وكذلك أغنانا بالطرق الشرعية: عن طُرق أهل المكر والاحتيال.

فلا تشتد حاجة الأمة إلى شيء إلا وفيما جاء به الرسول ﷺ ما يقتضي إباحته وتَوسعته، بحيث لا يحوِجهم فيه إلى مكر واحتيال، ولا يُلزمهم الآصار والأغلال، فلا هذا من دينه ولا هذا.

كما أغنانا بالبراهين والآيات التي أرشد إليها القرآن: عن الطرق المتكلَّفة المتعَسَّفة المعقَّدة، التي باطلها أضعاف حقِّها، من الطرق الكلامية التي الصحيحُ منها: «كلحم جملٍ غَثٍّ، على رأس جبل وَعْرٍ، لا سهل فيُرتقى، ولا سمين فيُنتقَل».

الشيخ: وهذا من فضله جل وعلا، كل هذا من فضله، فإن الله أغنى عباده بكل خير عما يضرهم في معاملاتهم، في طعامهم، في شرابهم، في اختلاطهم، في جهاد أعدائهم، وفي جميع شؤونهم، فالواجب عليهم أن يكتفوا بما أحل الله عما حرم الله، كما أغناهم بكتابه العظيم وسنة رسوله الأمين والقواعد التي دل عليها الكتاب عما ذهب إليه المبتدعة وعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة، فأغناهم بالكتاب والسنة عما ذهبت إليه المبتدعة من تحكيم العقول وإيثارها على النصوص حتى وقعوا في الباطل من التجهم والاعتزال والرفض وغير ذلك، نسأل الله العافية.

ونحن نعلم علمًا لا نشك فيه أن الحيل التي تتضمّن تحليل ما حرّمه الله تعالى، وإسقاط ما أوجبه، لو كانت جائزة لسَنّها الله سبحانه، وندب إليها؛ لما فيها من التَّوْسِعَةِ والفَرَجَ للمكروب، والإغاثة للملهوف، كما ندب إلى الإصلاح بين الخصمين.

وقد قال المبعوث بالحنيفية السمحة ﷺ: ما تركتُ من شيء يُقَرّبكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا تركتُ من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به، تركتكم على البيضاء، ليلُها كنهارها، لا يَزيغ عنها بعدي إلا هالك.

الشيخ: ومن هذا الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، ونبينا ﷺ هو أولاهم وأفضلهم وأنصحهم وأكملهم بيانًا، وقد دل أمته على كل خير يعلمه لهم، وحذرهم من كل شر يعلمه لهم، وتركهم على البيضاء طريقة واضحة ليلها كنهارها.

فهلّا ندبَ النبي ﷺ إلى الحِيَل، وحَضّ عليها، كما حضّ على إصلاح ذات البَيْنِ؟

بل لم يزل يُحذّر من الخداع، والمكر، والنفاق، ومشابهة أهل الكتاب باستحلال محارمه بأدنى الحيل.

ولو كان مقصود الشارع إباحة تلك المحرمات، التي رَتَّب عليها أنواع الذم والعقوبات، وسدّ الذرائع الموصّلة إليها، لم يحرمها ابتداء، ولا رتَّب عليها العقوبة، ولا سدَّ الذرائع إليها، ولكان تركُ أبوابها مُفَتَّحةً أسهل من المبالغة في غلقها وسدِّها، ثم يفتح لها أنواع الحيل، حتى يُنقّب المحتال عليها من كل ناحية، فهذا مما يُصان عنه الشرائع، فضلًا عن أكملها شريعة وأفضلها دينًا.

وقد قدّمنا أن الضرر والمفاسد الحاصلة من تلك المحرمات لا يزول بالاحتيال والتنَّقْبِ عليها، بل تقوى وتشتدُّ مفاسدها.

فصل

إذا عُرِفَ هذا فالطرقُ التي تتضمن نفعَ المسلمين، والذَّبَّ عن الدِّين، ونصرَ المظلومين، وإغاثةَ الملهوفين، ومعارضةَ المحتالين بالباطل ليُدحِضوا به الحق من أنفع الطرق، وأجلّها علمًا وعملًا وتعليمًا.

فيجوز للرجل أن يُظهر قولًا أو فعلًا مقصودُه به مقصود صالح، وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به، إذا كان فيه مصلحة دينية، مثل دفع ظلم عن نفسه، أو عن مسلم، أو معاهد، أو نصرة حق، أو إبطال باطل من حيلة محرمة أو غيرها، أو دفع الكفار عن المسلمين، أو التوصُّل إلى تنفيذ أمر الله تعالى ورسوله، فكل هذه طرق جائزة، أو مستحبة، أو واجبة.

وإنما المحرَّم أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شُرِعَت له، فيصير مخادعًا لله، فهذا مخادع لله ورسوله، وذاك مخادع للكفار والفجار والظلمة، وأرباب المكر والاحتيال، فبين هذا الخداع وذاك الخداع من الفرق كما بين البِرّ والإثم، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية.

فأين مَنْ قَصْدُهُ إظهارُ دين الله تعالى، ونصر المظلوم، وكسر الظالم، إلى من قصده ضد ذلك؟

إذا عُرف هذا فنقول: الحِيَل أقسام:

أحدها: الطرق الخفيَّة التي يتوصل بها إلى ما هو محرَّم في نفسه، فمتى كان المقصود بها محرَّمًا في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين.

الشيخ: ومن هذا الباب أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، ومن هذا الباب قصة سليمان بن دواد في قصة المرأتين لما قال: ائتوني بسكين أشقه بينهما نصفين للمصلحة، وكان النبي ﷺ إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فالأمر سهل حتى يهجم على العدو على غرة، المقصود إن إظهار الشيء يفهم منه خلاف المقصود للمصلحة الظاهرة والدفاع عن المسلمين فلا حرج فيه، إنما الحرج فيمن تعاطى ما يضر المسلمين ويسبب لهم الشر، أما من أظهر شيئًا يريد به المصلحة للمسلمين وإن ظن الناس خلاف ما أظهر فهذا على حسب قصده ونيته الصالحة ومراده الذي فيه مرضاة الله والتقرب إليه ونفع عباده.

السؤال: .....؟

الشيخ: هذا يتحرى فيه العالم، ومن دعا إلى الله يتحرى.

أحدها: الطرق الخفيَّة التي يتوصل بها إلى ما هو محرَّم في نفسه، فمتى كان المقصود بها محرَّمًا في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين، وصاحبها فاجر ظالم آثم.

وذلك كالتحيّل على هلاك النفوس، وأخذ الأموال المعصومة، وفسادِ ذات البَيْنِ، وحيل الشياطين على إغواء بني آدم، وحيل المخادعين بالباطل على إدحاض الحق، وإظهار الباطل في الخصومات الدينية والدنيوية، فكلُّ ما هو محرَّم في نفسه فالتوصل إليه محرَّم بالطرق الظاهرة والخفية، بل التوصل إليه بالطرق الخفية أعظم إثمًا، وأكبر عقوبة؛ فإن أذَى المخادع وشَرَّه يصل إلى المظلوم من حيثُ لا يشعر، ولا يمكنه الاحتراز عنه، ولهذا قُطع السارق دون المنتهب والمختلس.

ومن هذا: رأى مالك ومَنْ وافقه أن القاتل غِيلةً يُقتل، وإن قَتل مَنْ لا يكافئه؛ لمفسدة فعله، وعدم إمكان التحرز منه.

الشيخ: هذا سدًا لذريعة الشر، فإن الاغتيال شره عظيم، ولهذا ذهب مالك وجماعة إلى أن قاتل الغيلة يقتل صاحبه ولا يشاور فيه الأولياء، بل يقتل من غير مشاورة من هذا، قصة الذي قتل الجارية على أوضاح اليهودي الذي قتلها على أوضاح أخذه النبي ﷺ وقتله، رض رأسه بالحجر ولم يشاور الورثة، ولم يقل ترغبون بالدية أو تعفون، بل رض رأسه بالحجر كما رض رأسها سدًا لذريعة الاحتيال والمكر بالناس واغتيالهم، ومن هذا قصة عمر المرأة التي هي وصاحبها الذي زنا بها لما اغتالوا الولد أمر عمر بقتلهم وقال: (لو اجتمع أهل صنعاء لقتلتهم به) لأنها غيلة، فالحاصل: أن قتل الغيلة يقول له اتفضل قهوة أو اتفضل غداء ثم يقتله يغتاله، هذا لا يشاور فيه الورثة يقتل لأن هذا شره عظيم.

ومن هذا: رأى عبدالله بن الزبير رضي الله عنه قَطْعَ يد الزُّغلي؛

........

لعظم ضرره على الأموال، وعدم إمكان التحرز منه، فهو أولى بالقطع من السارق، وقولُه قويٌّ جدًّا.

ومن هذا: رأي الإمام أحمد قطعَ يد جاحد العاريَّة؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف جاحد الوديعة، فإنه هو الذي ائتمنه.

والعُمدة في ذلك: على السنة الصحيحة التي لا معارض لها.

والقصد: أن التوصل إلى الحرام حرام، سواءً توصل إليه بحيلة خفيَّة أو بأمر ظاهر، وهذا النوع من الحيل ينقسم قسمين:

أحدهما: ما يظهر فيه أن مقصود صاحبه الشر والظلم، كحيل اللصوص، والظلَمة، والخَوَنة.

والثاني: ما لا يظهر ذلك فيه، بل يُظهر المحتال أن قصده الخير، ومقصودُه الظلم والبغْيُ، مثل إقرار المريض لوارثٍ لا شيء له عنده، قصدًا لتخصيصه بالمقرِّ به، أو إقراره بوارث وهو غير وارث، إضرارًا بالورثة.

وهذا حرام باتفاق الأمة، وتعليمه لمن يفعله حرام.

الشيخ: يعني يتحيل على الباطل، كأن يقول لولدي فلان كذا في ذمتي، أو لأخي فلان كذا في ذمتي كذا وهو يكذب ليخصهم عن الورثة، فهذا من الظلم، كذلك يقول ترى فلان ولد لي تراه يرثني ... وهو يكذب ليخصه بشيء، كل هذا تحيل على الباطل، ولهذا يقول ﷺ: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل، والله جل وعلا عاقب أهل الحيلة الذين احتالوا على السبت على الصيد مسخهم قردة نسأل الله العافية، بسبب ظلمهم وحيلهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

السؤال: .....؟

الشيخ: نعم، جاحد الوديعة، الوديعة هو الذي أودع وهو الذي ائتمنه، والعارية هو الذي طلبها، قال: أعرنيها وأنا أردها عليك، فهو طالبها لحاجة ومصلحته، وأما المودع فهو متبرع محسن.

الطالب: ......

الشيخ: محتمل، منه مثل الزغل، الزغل التدليس كونه يدلس يغش العملة وأشباه هذا يقال زغل ما هو بعيد، ما هو ببعيد المراد به الغشاش، يغش في المعاملات، لكن على كل حال هذا الرأي محل نظر، الأصل تحريم دم الإنسان وأعضائه إلا بحجة شرعية فلا يجوز إلا ما أجازه الشرعي، فالسارق يقطع بشروطه، والقاتل يقتل بشروطه.

وهذا حرام باتفاق الأمة، وتعليمه لمن يفعله حرام، والشهادة عليه حرام، إذا علم الشاهد صورةَ الحال، والحكم بموجب ذلك حكم باطلٌ حرام، يأثمُ به الحاكم باتفاق المسلمين، إذا علم صورة الحال، فهذه الحيلة في نفسها محرَّمة لأنَّها كذبٌ وزور، والمقصود بها محرَّم لكونه ظلمًا وعدوانًا.

ولكن لمَّا أمكن أن يكون صدقًا اختلف العلماء في إقرار المريض لوارثٍ، هل هو باطل سدًّا للذريعة، وردًّا للإقرار الذي صادف حق الورثة فيما هو متهم فيه؛ لأنه شهادة على نفسه فيما تعلق به حقهم، فيردّ للتهمة، كالشهادة على غيره؟ أو هو مقبول إحسانًا للظن بالمقِرّ، ولا سيَّما عند الخاتمة؟

ومن هذا الباب: احتيال المرأة على فَسْخ نكاح الزوج، مع إمساكه بالمعروف، بإنكارها الإذن للوليّ، أو إساءة عِشرة الزوج، ونحو ذلك.

واحتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه كان محجورًا عليه.

واحتيال المشتري على الفسخ بأنه لم يَرَ المبيع.

واحتيال المؤجّر على المستأجر في فسخ الإجارة، أو احتيال المستأجر عليه بأنه استأجر ما لم يره.

واحتيال الراهن على المرتهن في فسخ الرهن بأن يُظهر أنه آجَرَه قبل الرهن، أو كان رَهنه عند زوجته، أو أمته  ونحو ذلك.

فهذا النوع لا يستريبُ أحدٌ أنه من كبائر الإثم، وهو من أقبح المحرَّمات، وهو بمنزلة لحم خنزير ميت حرام، وأنه في نفسه معصية؛ لتضمُّنه الكذب والزُّور، ومن جهة تضمُّنه إبطال الحق، وإثبات الباطل.

القسم الثالث: ما هو مباحٌ في نفسه، لكن بقصد المحرم صار حرامًا، كالسفر لقطع الطريق، ونحو ذلك، فهاهنا المقصود حرامٌ، والوسيلة في نفسها غير محرَّمة، لكن لما توسّل بها إلى الحرام صارت حرامًا.

القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حقٍّ، أو دفع باطل، لكن تكون الطريق إلى حصول ذلك محرّمة، مثل أن يكون له على رجل حقّ فيجحده، فيقيم شاهدين لا يعرفان غريمه ولم يرياه، يشهدان له بما ادّعاه، فهذا محرّم أيضًا، وهو عند الله تعالى عظيم.

الشيخ: وهذا يوقع كثيرًا في البادية، يقولون صاحبهم صدوق ويشهدون له وهم ما عندهم خبر، يقول فلان أطلبه كذا وكذا وجحدني، ويشهدون له أنه صادق، وأنه يطلب ألف ريال، ألفين ريال، وإذا حقق معهم قالوا نعرف أنه صدوق، هذا قد يقع في البادية، وقد يقع في الحاضرة إذا ضعفت الهمم وقل الإيمان، وهكذا مع الجهل الكثير، نسأل الله العافية.

السؤال: .....؟

الشيخ: التزكية فيها تفصيل، إن كان يعتمد على ثقات زكوه ما في بأس، التزكية غير.

فهذا محرّم أيضًا، وهو عند الله تعالى عظيم، لأن الشاهدين يشهدان بالزور، وشهادة الزور من الكبائر، وقد حملهما على ذلك.

الشيخ: العلماء زكاهم أمم كثيرة، زكاهم ابن معين، وزكاهم فلان وفلان، زكاهم أئمة العدل أئمة العلم، ولولا الله ثم العلماء ما استقامت الأحاديث ولا الروايات.

وكذلك لو كان له عند رجل دَين، فيجحده إياه، وله عنده وديعةٌ، فَجَحد الوديعة، وحلف أنه لم يودعه، أو كان له على رجل دَيْنٌ لا بيِّنة له به، ودين آخر به بينة، لكنه اقتضاه منه، فيدّعي هذا الدين، ويقيم به بينة، وينكر الاستيفاء.

أو يكون قد اشترى منه شيئًا، فظهر به عيب تَلِفَ المبيع به، فادّعى عليه بثمنه، فأنكر أصل العقد، وأنه لم يشترِ منه شيئًا.

أو تزوج امرأة، فأنفق عليها مدة طويلة، فادَّعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئًا، فجحد نكاحها بالكلِّية.

فهذا حرام أيضًا؛ لأنه كذب، ولاسيما إن حلف عليه، ولكن لو تأوَّل في يمينه لم يكن به بأس، فإنه مظلوم.

فإن قيل: فما تقولون لو عامله معاملة رِبًا، فقبض رأس ماله، ثم ادّعى عليه بالزيادة المحرَّمة، هل يسوغُ له أن ينكر المعاملة أو يحلفَ عليها؟

قيل: يَسُوغُ له الحَلِفُ على عدم استحقاقها، وأن دعواها دعَوَى باطلة، فلو لم يقبلْ منه الحاكمُ هذا الجوابَ ساغ له التأويل في اليمين؛ لأنه مظلوم، ولا يسوغُ له الإنكارُ والحلفُ من غير تأويل؛ لأنه كذب صريح، فليس له أن يُقابل الفجور بمثله، كما أنه ليس له أن يكذبَ على من كذب عليه، أو يقذف من قذفه، أو يَفجُر بزوجةِ مَنْ فَجَر بزوجته، أو بابنِ مَنْ فَجر بابْنِهِ.

فإن قيل: فما تقولون في مسألة الظَّفَرِ؟ هل هي من هذا الباب، أو من القصاص المباح؟

قيل: قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال:

أحدها: أنها من هذا الباب، وأنه ليس له أن يخون مَنْ خانه، ولا يجْحَد من جحده، ولا يغصب من غصبه، وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك.

والثاني: يجوز له أن يَسْتَوْفي قدر حقَّه إذا ظفر بجنسه أو غير جنسه، وفى غير الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه، ويستوفي ثمنه منه، وهذا قول أصحاب الشافعي.

والثالث: يجوز له أن يستوفي قدر حقّه إذا ظفر بجنس ماله، وليس له أن يأخذ من غير الجنس، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة.

والرابع: أنه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه دَينٌ فله الأخذ، وهذا إحدى الروايتين عن مالك.

والخامس: أنه إن كان سببُ الحق ظاهرًا كالنِّكَاح، والقرابة، وحق الضيف، جاز للمستحق الأخذ بقدر حقّه، كما أذن فيه النبي ﷺ لهندٍ أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها ويكفي بَنِيها، وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يُضيّفوه أن يُعْقِبَهم في مالهم بمثل قِراه، كما في "الصحيحين" عن عقْبة بن عامر، قال: قلت للنبي ﷺ: إنك تبعثنا، فننزلُ بقوم لا يَقْرونا، فما ترى؟ فقال لنا: إن نزلتم بقومٍ، فَأَمَرُوا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم.

 وفي "المسند" من حديث المِقْدام ابن أبي كَريمة، أنه سمع النبي ﷺ يقول: من نزل بقوم فعليهم أن يَقْروه، فإن لم يَقروه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه.

وفي "المسند" لأحمد أيضًا من حديث أبي هريرة ، قال: قال رسول الله ﷺ: أيُّما ضيفٍ نزل بقوم، فأصبح الضيف محرومًا، فله أن يأخذ بقدر قِراه، ولا حَرَج عليه.

وإن كان سبب الحق خفيًّا، بحيث يُتّهم بالأخذ، وينسب إلى الخيانة ظاهرًا، لم يكن له الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة، وإن كان في الباطن آخذًا حقَّه، كما أنه ليس له أن يتعرض للتهمة التي تُسلّط الناس على عِرْضه، وإن ادّعى أنه مُحِقٌّ غير مُتَّهم. وهذا القول أصح الأقوال وأسدُّها، وأوفقها لقواعد الشريعة وأُصولها، وبه تجتمع الأحاديث.

فإنه قد روى أبو داود في "سننه" من حديث يوسف بن ماهَك، قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتامٍ كان وَليَّهم، فغالطوه بألف درهم، فأدّاها إليهم، فأدركتُ له من أموالهم مثلها، فقلت: اقبض الألف الذي ذهبوا به منك، قال: لا، حدّثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أدِّ الأمانة إلى مَنِ ائتمنك، ولا تخنْ من خانك.

وهذا وإن كان في حكم المنقطع فإن له شاهدًا من وجه آخر، وهو حديث طَلْق بن غَنّام، أخبرنا شريك، وقيس، عن أبي حَصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ، أن النبي ﷺ يقال: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.

وقيس هو ابن الرّبيع، وشريكٌ ثقةٌ، وقد قوي حديثه بمتابعة قيس له، وإن كان فيه ضعف.

وله شاهد آخر من حديث أبي أيوب بن سُويد، عن ابن شَوْذَب عن أبي شوذب عن أبي التّياح، عن أنس ، عن النبي ﷺ نحوه.

وأيوب بن سُويد وإن كان فيه ضعف، فحديثه يصلح للاستشهاد به.

وله شاهد آخر وإن كان فيه ضعف، فهو يقوَى بانضمام هذه الأحاديث إليه: رواه يحيى بن أيوب، عن إسحاق بن أسيدٍ، عن أبي حفص الدمشقي، عن مكحول: أن رجلًا قال لأبي أمامة الباهليّ: الرجلُ أستودعه الوديعة، أو يكون لي عليه دَين، فيجحدني، ثم يستودعني، أو يكون له عندي الشيء، أفأجحده؟ فقال: لا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخنْ من خانك.

وله شاهد آخر مرسل: قال يحيى بن أيوب: عن ابن جُريج، عن الحسن، عن النبي ﷺ: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.

وله شاهد آخر، وهو ما رواه الترمذي من حديث مالك بن نَضْلة، قال: قلت: يا رسول الله، الرجل أمُرّ به، فلا يَقريني، ولا يضيُّفني، فيمرّ بي، أفأجزيه؟ قال: لا، اقْرِه.

قال الترمذي: "هذا الحديث حسن صحيح".

وله شاهد آخر، وهو ما رواه أبو داود، من حديث بشير بن الخصاصِيَةِ، قال: قلت: يا رسول الله! إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتُم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: «لا».

السؤال: .....؟

الشيخ: الصواب مثل ما قال رحمه الله إذا كان سببًا ظاهرًا فلا بأس، مثل الزوجة تأخذ من مال زوجها بغير علمه حاجتها وأولادها مثل الضيف يأخذ إذا استطاع يأخذ منهم ما يعتاده الضيف، ومثل إذا كان سبب الحق ظاهر لا يتهم، فأما إذا كان يتهم فلا، إذا كان عامل ولا أعطاه حقه ويقول: هذا حقي يخاصمه، أما أنه يحط عنده أمانة ويأخذها وإذا طالبها يقول إنك أخذتها مني ولا عنده بينة لا يتهم لا يفعل يعطيه حقه، أما إذا تراضوا ما في بأس، إذا تراضوا قال: إنك قد أخذت مني كذا وأنا هذا هو مقابل كذا فلا بأس «لا تخن من خانك».

.........

وله شاهد آخر من حديث بشير هذا أيضًا، قلت: يا رسول الله! إن لنا جيرانًا، لا يَدَعون لنا شاذّة ولا فاذّة إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟ فقال: أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنَك، ولا تخنْ من خانك. ذكره شيخنا رحمه الله في كتاب "إبطال التحليل".

فهذه الآثار مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها يَشُدّ بعضها بعضًا، ولا يشبه الأخذُ فيها الأخذَ في الموضعين اللَّذَين أباح رسول الله ﷺ فيهما الأخذ؛ لظهور سبب الحق، فلا يُنسب الآخذ إلى الخيانة.

الشيخ: والموضعان النكاح والضيف لأن السبب ظاهر، وما أشبههما يكون حكمه من حكمهما.

فلا يُنسب الآخذ إلى الخيانة، ولا يتطرق إليه تهمة، ولتعسُّر الشكوى في ذلك إلى الحاكم، وإثبات الحق والمطالبة به.

والذين جوَّزوه يقولون: إذا أخذ قدر حقِّه من غير زيادة لم يكن ذلك خيانة؛ فإن الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه.

وهذا ضعيف جدًّا؛ فإنه يُبطل فائدة الحديث فإنه قال: «ولا تخن من خانك»، فجعل مقابلته له خيانة، ونهاه عنها، فالحديث نص بعد صحته.

فإن قيل: فهلَّا جعلتموه مستوفيًا لحقه بنفسه إذ عَجَزَ عن استيفائه بالحاكم، كالمغصوب مالُه، إذا رآه في يد الغاصب، وقَدَر على أخذه منه قهرًا، فهل تقولون: إنه لا يحل له أخذ عين ماله، وهو يشاهده في يد الظالم المعتدي، ولا يحلّ له إخراجه من داره وأرضه.

وكذلك إذا غصب زوجته، وحال بينه وبينها، وعقد عليها ظاهرًا، بحيث لا يُتَّهم، فهل يحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه خشيةَ التهمة؟

وهذا لا تقولونه أنتم، ولا أحد من أهل العلم.

ولهذا قال الشافعي وقد ذكر حديث هِنْدٍ: "وإذا دلَّت السنة وإجماع كثير من أهل العلم على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سرًّا، فقد دل أن ذلك ليس بخيانة، إذ الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه".

فالجواب: أنا نقول: يجوز له أن يستوفي قدر حقِّه، لكن بطريق مباح، فأما بخيانة وطريق محرمة فلا.

وقولكم: ليس ذلك بخيانة، قلنا: بل هو خيانة حقيقة، ولغة، وشرعًا، وقد سمَّاه رسول الله ﷺ خيانة، وغايتها أنها خيانةُ مقابلةٍ ومُقاصّةٍ، لا خيانة ابتداء، فيكون كل واحد منهما مسيئًا إلى الآخر ظالمًا له، فإن تساوت الخيانتان قدرًا وصفة فقد يتساقط إثمهما والمطالبة في الآخرة، أو يكون لكل منهما على الآخر مثل ما للآخر عليه، وإن بقي لأحدهما فضل رجع به، فهذا في أحكام الثواب والعقاب.

وأما في أحكام الدنيا فليس كذلك؛ لأن الأحكام فيها مرتبة على الظواهر، وأما السرائر فإلى الله، ولهذا قال النبي ﷺ: إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بَشَرٌ، أقْضي بنحو مما أسمع، ولعلّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض، فمن قضيتُ له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعةَ من النار.

فأخبر ﷺ أنه يحكم بينهم بالظاهر، وأعلم المبطل في نفس الأمر: أن حكمه لا يُحِل له أخذ ما يُحكَم له به، وأنه مع حكمه له به فإنما يقطع له قطعة من النار.

الشيخ: يعني مادام يعلم أنه ظالم؛ فإن حكم الحاكم لا يحله له ولو أنه حكم النبي ﷺ فإنما أقطع له قطعة من النار، فإذا ادعى عليه بالشهود الزور والبينة الكاذبة والحاكم ..... عنده الشهود وهو يعلم أن الشهود زور لم يحل ولو حكم الحاكم، فالواجب على المؤمن أن يتقي الله وأن يراقب الله فلا يأكل ما ليس بحق له، ولا يخن من خانه، لكن إذا كان السبب ظاهرًا فالحجة قائمة يقول: هذا حقي، تقول الزوجة: هذا حقي، نفقتي أولادي وعيالي، والضيف كذلك العامل الذي يطالب وحقه ظاهر يعمل عنده ويستعمله ولا يعطيه حقه إذا أخذ حقه واحتج بالعمل وهو صادق فالسبب ظاهر.

السؤال: عموم قول الله : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194]؟

الشيخ: هذا هو إذا كان السبب ظاهرًا، أما إذا خفي ما يطاع يقول عندي حقه وهو ما عنده بينة ولا عنده شيء ما يطاع.

فإذا كان الحق مع هذا الخصم في الظاهر وجب على الحاكم أن يحكم له به، ويُقِرّه بيده، وإن كانت يدًا عادية ظالمة عند الله تعالى، فكيف يسوغ لخصمه أن يحكم لنفسه، ويستوفي لنفسه بطريق محرمة باطلة، لا يحكم بمثلها الحاكم، وإن كان محقًّا في نفس الأمر؟

الشيخ: ومثل هذا يجي إنسان ويأخذ من غنم فلان أو إبله ثم يدعي أن له حقًا عليه وهو ينكر ذلك، يقول: ما له حق عندي يكذب، قال: هات البينة، لو فتح هذا الباب صار بلاء ما له حد ولو كان صادقًا في نفس الأمر لأن ما عنده بينة.

السؤال: لكن هذه المسألة هل لها ضابط؟

الشيخ: ضابطها الحق الواضح، الزوجة تقول: ما أنفق عليّ أخذت من جيبه أو أخذت من صندوقه كذا مائة ريال اشتريت بها حاجات أطفالي، والضيف كذلك إذا كان قادرًا يقول نزلت عليهم ولا ضيفوني وذبحت واحدة من غنمهم واتعشينا.

السؤال: إذا كان العامل لم يعطه الرجل حقه فهل له أن يأخذ مقابل هذا المال بعض الأشياء؟

الشيخ: ما دام يعمل عنده نعم.

السؤال: يأخذ مقابل المال أجهزة؟

الشيخ: يأخذ أجرته فقط مقابل أجرته، وإذا خوصم يبين السبب إن خاصمه صاحبه وإن أقر فالحمد لله.

السؤال: ولا يكون من الخيانة هذا؟

الشيخ: لا، هذا حقه عمل ظاهر سبب ظاهر.

وليس هذا بمنزلة من رأى عين ماله أو أمَتِهِ أو زوجته بيد غاصب ظالم، فخلَّصها منه قهرًا، فإنه قد تعيَّن حقُّه في هذه العين، بخلاف صاحب الدَّين، فإن حقَّه لم يتعين في تلك العين التي يريد أن يستوفي منها، ولأنه لا يتكتّم بذلك، ولا يستخفي به، كما يفعل الخائن، بل يكابر صاحب اليد العادية ويغالبه، ويستعين عليه بالناس، فلا يُنسب إلى خيانة، والأول متكتِّم مُسْتخفٍ، متصورٌ بصورة خائن وسارق، فإلحاق أحدهما بالآخر باطل، والله أعلم.