الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "إعلام المُوقعين عن ربِّ العالمين":
فصلٌ
ومما قيل: إنه من أبعد الأحاديث عن القياس حديث الحسن، عن قَبِيصَة بن حُرَيْثٍ، عن سلمة بن المُحَبِّقِ: أن رسول الله ﷺ قضى في رجلٍ وقع على جارية امرأته: إنْ كان اسْتَكْرَهَها فهي حُرَّةٌ، وعليه لسيدتها مثلها، وإنْ كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلها.
وفي روايةٍ أخرى: وإنْ كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها.
رواه أهل السُّنن، وضعَّفه بعضُهم من قِبَل إسناده، وهو حديثٌ حسنٌ يحتجُّون بما هو دونه في القوة، ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه، مع لينٍ في سنده.
قال شيخ الإسلام: وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصولٍ صحيحةٍ، كلٌّ منها قول طائفةٍ من الفقهاء:
أحدها: أن مَن غَيَّرَ مالَ غيره بحيث فَوَّتَ مقصودَه عليه فله أن يَضْمَنَه بمثله، وهذا كما لو تصرَّف في المغصوب بما أزال اسمه، ففيه ثلاثة أقوالٍ في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: أنه باقٍ على مِلْك صاحبه، وعلى الغاصب ضمان النَّقْص، ولا شيء عليه في الزيادة، كقول الشافعي.
والثاني: يملكه الغاصب بذلك، ويضمنه لصاحبه، كقول أبي حنيفة.
والثالث: يُخَيَّر المالك بين أخذه وتَضْمِين النَّقْص، وبين المُطالبة بالبدل، وهذا أعدل الأقوال وأقواها.
فإن فَوَّتَ صفاته المعنوية –مثل: أنْ يُنْسِيَه صناعته، أو يُضْعِف قوته، أو يُفْسِد عقله أو دينه- فهذا أيضًا يُخَيَّر المالك فيه بين تضمين النَّقْص، وبين المُطالبة بالبدل.
ولو قطع ذَنَبَ بغلة القاضي، فعند مالكٍ يضمنها بالبدل ويملكها؛ لِتَعَذُّر مقصودها على المالك في العادة، أو يُخَيَّر المالك.
فصلٌ
الأصل الثاني: أنَّ جميع المُتْلَفَات تُضْمَن بالجنس بحسب الإمكان مع مُراعاة القيمة، حتى الحيوان؛ فإنَّه إذا اقْتَرَضَه رَدَّ مثله، كما اقترض النبي ﷺ بَكْرًا ورَدَّ خيرًا منه، وكذلك المَغْرُور يَضْمَن ولده بمثلهم، كما قَضَتْ به الصحابة.
وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره.
وقصة داود وسليمان عليهما السلام من هذا الباب؛ فإنَّ الماشية كانت قد أتلفتْ حَرْثَ القوم، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحَرْث، كأنَّه ضَمَّنَهم ذلك بالقيمة، ولم يكن لهم مالٌ إلا الغنم، فأعطاهم الغنم بالقيمة.
وأمَّا سليمان فحكم بأنَّ أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان، فَضَمَّنَهم إياه بالمثل، وأعطاهم الماشية يأخذون منفعَتَها عِوَضًا عن المنفعة التي فاتتْ من غَلَّة الحرث إلى أن يعود.
وبذلك أفتى الزهريُّ لعمر بن عبدالعزيز فيمَن أُتْلِفَ له شجرٌ، فقال الزهريُّ: يغرسه حتى يعود كما كان.
وقال ربيعة وأبو الزِّناد: عليه القيمة.
فَغَلَّظَ الزهريُّ القولَ فيهما.
وقول الزهري وحكم سليمان هو مُوجَب الأدلة؛ فإنَّ الواجب ضمان المُتْلَف بالمثل بحسب الإمكان، كما قال تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، وقال: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194]، وقال: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [البقرة:194]، وقال: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126].
وإن كان مثل الحيوان والآنية والثياب من كلِّ وجهٍ مُتَعَذِّرًا فقد دار الأمر بين شيئين: الضَّمان بالدراهم المُخالِفَة للمِثْل في الجنس والصفة والمقصود والانتفاع -وإنْ ساوت المضمون في المالية- والضمان بالمِثْل بحسب الإمكان المُساوي للمُتْلَف في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع، ولا ريب أن هذا أقرب إلى النصوص والقياس والعدل.
ونظير هذا ما ثبت بالسُّنة واتِّفاق الصحابة من القصاص في اللَّطْمَة والضربة، وهو منصوص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيدٍ، وقد تقدَّم تقرير ذلك.
وإذا كانت المُمَاثلة من كل وجهٍ مُتَعَذِّرةً حتى في المَكِيل والموزون؛ فما كان أقرب إلى المُماثلة فهو أولى بالصواب، ولا ريب أنَّ الجنس إلى الجنس أقرب مُماثلةً من الجنس إلى القيمة.
فهذا هو القياس ومُوجَب النصوص، وبالله التوفيق.
والأصل الثالث: أنَّ مَن مَثَّلَ بعبده عَتَقَ عليه، وهذا مذهب فقهاء الحديث، وقد جاءت بذلك آثارٌ مرفوعةٌ عن النبي ﷺ وأصحابه؛ كعمر بن الخطاب وغيره.
فهذا الحديث مُوافِقٌ لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة المُوافقة للقياس العادل.
فإذا طاوعتْه الجاريةُ فقد أفسدها على سيدتها، فإنها مع المُطاوعة تنقص قيمتها؛ إذ تصير زانيةً، ولا تُمَكِّن سيدتَها من استخدامها حقَّ الخدمة؛ لغيرتها منها، وطمعها في السيد، واستشراف السيد إليها، وتتشامخ على سيدتها فلا تُطِيعها كما كانت تُطِيعها قبل ذلك.
والجاني إذا تصرَّف في المال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المُطالبة بالمِثْل، فقضى الشارع لسيدتها بالمِثْل، ومَلَّكَه الجارية؛ إذ لا يجمع لها بين العِوَض والمُعَوَّض.
وأيضًا فلو رضيتْ سيدتُها أن تبقى الجارية على مِلْكِها، وتُغَرِّمه ما نقص من قيمتها؛ كان لها ذلك، فإذا لم تَرْضَ، وعلمتْ أنَّ الأَمَة قد فسدتْ عليها، ولم تنتفع بخدمتها كما كانت قبل ذلك؛ كان من أحسن القضاء أن يَغْرَم السيدُ مِثْلَها ويَمْلِكُها.
فإنْ قيل: فَاطْرُدُوا هذا القياس، وقولوا: إنَّ الأجنبي إذا زنى بجارية قومٍ حتى أفسدها عليهم أنَّ لهم القيمة، أو يُطالبوه ببدلها.
قيل: نعم، هذا مُوجَب القياس إنْ لم يكن بين الصورتين فرقٌ مُؤَثِّرٌ، وإن كان بينهما فرقٌ انقطع الإلحاق؛ فإنَّ الإفساد الذي في وَطْء الزوج بجارية امرأته بالنسبة إليها أعظم من الإفساد الذي في وَطْء الأجنبي.
وبالجملة فجواب هذا السؤال جوابٌ مُرَكَّبٌ؛ إذ لا نصَّ فيه ولا إجماع.
فصلٌ
وأما إذا اسْتَكْرَهَها فإنَّ هذا من باب المُثْلَة، فإنَّ الإكراه على الوطء مُثْلَةٌ، فإنَّ الوطء يجري مجرى الجناية؛ ولهذا لا يخلو عن عُقْرٍ أو عقوبةٍ، ولا يجري مجرى منفعة الخدمة، فهي لمَّا صارتْ له بإفسادها على سيدتها أوجب عليه مثلها، كما في المُطاوعة، وأعتقها عليه؛ لكونه مَثَّل بها.
قال شيخنا: ولو استَكْرَهَ عبدَه على الفاحشة عَتَقَ عليه، ولو استَكْرَهَ أَمَةَ الغير على الفاحشة عَتَقَتْ عليه، وضَمِنَها بمِثْلِها إلا أنْ يُفَرّق بين أَمَة امرأته وبين غيرها، فإنْ كان بينهما فرقٌ شرعيٌّ وإلا فمُوجَب القياس التَّسوية.
وأما قوله تعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور:33]، فهذا نهيٌ عن إكراههنَّ على كسب المال بالبِغَاء، كما قيل: إن عبدالله بن أُبَيٍّ -رأس المنافقين- كان له إماء يُكْرِهُهُنَّ على البِغَاء، وليس هذا استِكْرَاهًا للأَمَة على أن يَزْنِي بها هو، فإن هذا بمنزلة التَّمثيل بها، وذاك إلزامٌ لها بأن تذهب هي فَتَزْنِي، مع أنَّه يمكن أن يُقال: العِتْق بالمُثْلَة لم يكن مشروعًا عند نزول الآية، ثم شُرِعَ بعد ذلك.
قال شيخنا: والكلام على هذا الحديث من أدقِّ الأمور، فإن كان ثابتًا فهذا الذي ظهر في توجيهه، وإن لم يكن ثابتًا فلا يحتاج إلى الكلام عليه.
قال: وما عرفتُ حديثًا صحيحًا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة.
قال: وقد تَدَبَّرْتُ ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيتُ قياسًا صحيحًا يُخالف حديثًا صحيحًا، كما أنَّ المعقول الصحيح لا يُخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياسًا يُخالف أثرًا فلا بد من ضعف أحدهما، لكنَّ التَّمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثيرٌ منه على أفاضل العلماء، فضلًا عمَّن هو دونهم.
الشيخ: والمعنى: أن الشرع لا يأتي بما يُخالف القياس الصحيح والعقل الصحيح، فإنه من حكيمٍ عليمٍ، فلا يأتي إلا بما يُوافق العقول الصحيحة والأقيسة الصحيحة التي فيها الخير والصلاح، ومتى خفي ذلك، أو ظُنَّ خلاف ذلك، فذلك من فساد العقول والتَّصورات، وإلا فما شرعه الله هو المُوافق للعقول الصحيحة، والمعاني الصحيحة، والعواقب الحميدة، لا في الواجبات، ولا في العقوبات.
القارئ:
فإنَّ إدراك الصفة المُؤَثِّرة في الأحكام على وجهها ومعرفة المعاني التي عُلِّقَتْ بها الأحكام من أشرف العلوم، فمنه الجَلِيُّ الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدَّقيق الذي لا يعرفه إلا خواصُّهم؛ فلهذا صارت أقيسة كثيرٍ من العلماء تَجِيءُ مخالفةً للنصوص؛ لخفاء القياس الصحيح، كما يخفى على كثيرٍ من الناس ما في النصوص من الدَّلائل الدَّقيقة التي تدل على الأحكام. انتهى.
فإن قيل: فَهَبْ أنكم خرَّجتُم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحَدِّ عنه وقد وَطِئَ فرجًا لا مِلْك له فيه ولا شبهة مِلْكٍ؟
قيل: الحديث لم يتعرَّض بنَفْيٍ ولا إثباتٍ، وإنما دلَّ على الضمان وكيفيته.
فإن قيل: فكيف تُخَرِّجون حديث النعمان بن بشيرٍ في ذلك: أنَّها إنْ كانت أَحَلَّتْها له جُلِدَ مئة جلدةٍ، وإنْ لم تكن أَحَلَّتْها له رُجِمَ بالحجارة على القياس.
قيل: هو -بحمد الله- مُوافقٌ للقياس، مُطابقٌ لأصول الشريعة وقواعدها؛ فإنَّ إحلالها له شبهةٌ كافيةٌ في سقوط الحدِّ عنه، ولكن لمَّا لم يملكها بالإحلال كان الفرج مُحَرَّمًا عليه، وكانت المئة تعزيرًا له وعقوبةً على ارتكاب فرجٍ حرامٍ عليه، وكان إحلال الزوجة له وَطْأَها شبهةً دارئةً للحدِّ عنه عن التَّعزير.
فإن قيل: فكيف تُخَرِّجون التَّعزير بالمئة على القياس؟
قيل: هذا من أسهل الأمور؛ فإنَّ التَّعزير لا يتقدَّر بقَدْرٍ معلومٍ، بل هو بحسب الجريمة في جنسه وصفتها وكِبَرها وصغرها.
وعمر بن الخطاب قد تَنَوَّعَ تعزيره في الخمر: فتارةً بحلق الرأس، وتارةً بالنَّفي، وتارةً بزيادة أربعين سوطًا على الحدِّ الذي ضربه رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ، وتارةً بتحريق حانوت الخمَّار.
وكذلك تعزير الغَالِّ، وقد جاءت السُّنة بتحريق متاعه، وتعزير مانع الصدقة بأخذها وأخذ شطر ماله معها، وتعزير كاتم الضَّالَّة المُلْتَقَطَة بإضعاف الغُرْم عليه، وكذلك عقوبة سارق ما لا قطع فيه يُضَعّف عليه الغُرْم، وكذلك قاتل الذِّمِّي عمدًا أضعف عليه عمرُ وعثمانُ دِيَتَه، وذهب إليه أحمد وغيره.
فإن قيل: فما تصنعون بقول النبي ﷺ: لا يُضْرَب فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله؟
قيل: نتلقَّاه بالقبول والسمع والطاعة، ولا مُنافاة بينه وبين شيءٍ مما ذكرنا، فإنَّ الحدَّ في لسان الشارع أعمُّ منه في اصطلاح الفقهاء؛ فإنَّهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المُقَدَّرة بالشرع خاصةً، والحدُّ في لسان الشارع أعمُّ من ذلك؛ فإنَّه يُراد به هذه العقوبة تارةً، ويُراد به نفس الجناية تارةً، كقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [البقرة:187]، وقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229]، فالأول حدود الحرام، والثاني حدود الحلال.
الشيخ: والمعنى: أن الله جلَّ وعلا يُطلق الحدود على الواجبات، وعلى المُحرمات، كما تُطلق على العقوبات: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا يعني: المعاصي، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا يعني: الفرائض لا تتجاوزها.
"أخفّ الحدود" كذا في الخمر، هذا المراد به العقوبات، "أخفُّ الحدود ثمانون" يعني: حدَّ القذف، وجعل حدَّ الخمر كذلك، هذا من باب العقوبات.
فالحدود تُطلق على العقوبات: كحدِّ الزنا، وحدِّ السرقة، ونحو ذلك، وتُطلق على المعاصي: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا، وعلى الحدود التي هي الفرائض: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا أن يُؤدِّي الفرض كما شرعه الله.
وقوله ﷺ: لا يُجْلَد فوق عشرٍ إلا في حدٍّ من حدود الله يعني: إلا في معصيةٍ من معاصي الله، المراد هنا: معاصي الله، أما حقّ المخلوقين فيكون عشرةً فأقلّ.
القارئ:
وقال النبي ﷺ: إنَّ الله حدَّ حدودًا فلا تعتدوها.
وفي حديث النَّوَّاس بن سمعان الذي تقدم في أول الكتاب: والسُّوران حدود الله، ويُراد به تارةً جنس العقوبة وإنْ لم تكن مُقَدَّرةً.
فقوله ﷺ: لا يُضْرَب فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله يريد به الجناية التي هي حقٌّ لله.
فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذ كان المراد بالحدِّ الجناية؟
قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره للتَّأديب ونحوه، فإنَّه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواطٍ.
فهذا أحسن ما خُرِّجَ عليه الحديث، وبالله التوفيق.
الشيخ: والأمر كما قال: إلا في حدٍّ من حدود الله يعني: معصيةً من معاصيه، أما كون إنسانٍ يُؤَدِّب زوجته أو ولده أو خادمه فيكون بعشرة أسواطٍ فأقلّ؛ حتى لا يُصيب جنايةً عليه، وحتى لا يُخاطر تكون عشرةً فأقلّ؛ لأن هذا أقرب إلى السلامة، وأقرب للمطلوب، ولو سُمِحَ له بأكثر لربما هلك ولده أو زوجته أو نحو ذلك بشدته وبِغُلُوِّه، فحدَّه الشارعُ وقيَّده الشارع بعشرةٍ فأقلّ في تأديب زوجته إذا دعت الحاجة، أو خادمه –عبده- أو ولده؛ ولهذا في الحديث: فاضربوهنَّ ضربًا غير مُبرِّحٍ يعني: غير شديدٍ، عشرةً فأقلّ.
القارئ: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى:
فصلٌ
وأما المُضِيُّ في الحجِّ الفاسد فليس مُخالفًا للقياس؛ فإنَّ الله سبحانه أمر بإتمام الحجِّ والعمرة، فعلى مَن شرع فيهما أن يمضي فيهما، وإن كان مُتَطَوِّعًا بالدخول باتِّفاق الأئمة.
وإن تنازعوا فيما سواه من التَّطوُّعات: هل تلزم بالشُّروع أم لا؟
فقد وجب عليه بالإحرام أن يمضي فيه إلى حين يَتَحَلَّل، ووجب عليه الإمساك عن الوطء، فإذا وَطِئَ فيه لم يُسقط وَطْؤُه ما وجب عليه من إتمام النُّسُك، فيكون ارتكابه ما حرَّمه الله عليه سببًا لإسقاط الواجب عليه.
ونظير هذا الصائم إذا أفطر عمدًا لم يُسقط عنه فطرُه ما وجب عليه من إتمام الإمساك، ولا يُقال له: قد بَطَلَ صومك، فإنْ شئتَ أن تأكل فَكُلْ، بل يجب عليه المُضِيُّ فيه وقضاؤه؛ لأنَّ الصائم له حدٌّ محدودٌ، وهو غروب الشمس.
الشيخ: وهذا هو الواجب، فإن مَن دخل في الحجِّ لزمه إتمامه، وهكذا العمرة؛ لقوله جلَّ وعلا: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] إلا أن يشترط ..... وهكذا الصوم يجب عليه إتمامه، فلو عصى وأكل لا يُقال: يُباح له الأكل، بل يجب الإمساك، مثل: لو ظهرت البينة أثناء النهار أن اليوم من رمضان؛ فإنه يجب الإمساك، ولو كانوا قد أكلوا وتغدّوا يجب الإمساك؛ لأنه صار من رمضان مُحترم، فوجب الإمساك، وهكذا إذا قدم المسافر إلى بلدٍ في أثناء النهار، أو طهرت الحائض أو النُّفساء وجب عليهم الصوم؛ لحُرمة الزمن، وإن كان لا يُجزئ، عليهم الإمساك، وعليهم القضاء.
القارئ:
فإن قيل: فَهَلَّا طردتم ذلك في الصلاة إذا أفسدها وقلتم: يَمْضِي فيها ثم يُعِيدُها؟
قيل: من هاهنا ظنَّ مَن ظنَّ أنَّ المُضِيَّ في الحجِّ الفاسد على خلاف القياس، والفرق بينهما: أنَّ الحجَّ له وقتٌ محدودٌ، وهو يوم عرفة، كما للصيام وقتٌ محدودٌ، وهو الغروب، وللحجِّ مكانٌ مخصوصٌ لا يمكن إحلال المُحْرِم قبل وصوله إليه، كما لا يمكن فطرُ الصائم قبل وصوله إلى وقت الفطر، فلا يُمكنه فعله، ولا فِعْل الحجِّ ثانيًا في وقته، بخلاف الصلاة؛ فإنَّه يُمكنه فعلها ثانيًا في وقتها.
وسِرُّ الفرق: أنَّ وقت الصيام والحجِّ بقدر فِعْله، لا يَسَعُ غيره، ووقت الصلاة أوسع منها؛ فَيَسَعُ غيرها، فيُمكنه تدارك فعلها إذا فسدتْ في أثناء الوقت، ولا يُمكن تدارك الصيام والحجِّ إذا فسدا إلا في وقتٍ آخر نظير الوقت الذي أفسدهما فيه، والله أعلم.
الشيخ: وهذا واضحٌ في أن الصلاة إذا فسدتْ أمكنه إعادتها في الحال، أما الصوم فلا خلاف فيه، وقته محدودٌ إلى غروب الشمس، والحجُّ وقته محدودٌ من السَّنة إلى السَّنة، ومن رحمة الله أن أمر بالإمساك والإتمام، أما الصلاة فلو أفسدها أعادها في الحال، إن قطعها أو تكلم فيها أعادها في الحال، أو أحدث أعاد الوضوء وأعادها في الحال، هذا من رحمة الله وتيسيره.
القارئ:
فصلٌ
وأما مَن أكل في صومه ناسيًا فمَن قال: عدم فطره ومُضِيّه في صومه على خلاف القياس، ظَنَّ أنَّه من باب ترك المأمور ناسيًا، والقياس: أنه يلزمه الإتيان بما تركه، كما لو أحدث ونسي حتى صلَّى.
والذين قالوا: بل هو على وَفْق القياس، حجتهم أقوى؛ لأنَّ قاعدة الشريعة: أنَّ مَن فعل محظورًا ناسيًا فلا إثم عليه، كما دلَّ عليه قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، وثبت عن النبي ﷺ: أنَّ الله سبحانه استجاب هذا الدعاء، وقال: قد فعلتُ.
وإذا ثبت أنَّه غير آثمٍ فلم يفعل في صومه مُحَرَّمًا، فلم يبطل صومه، وهذا مَحْض القياس، فإن العبادة إنما تبطل بفعل محظورٍ أو ترك مأمورٍ.
الشيخ: وهذا من فضل الله، فإن الصائم ما تعمد مُخالفة الشرع، فإذا أكل ناسيًا، أو شرب ناسيًا، فصومه صحيحٌ؛ لأنه لم يتعمد الباطل، مثل: لو زاد ركعةً في الصلاة ناسيًا، أو زاد سجدةً، فصلاته صحيحةٌ، ويسجد للسَّهو، وهذا من لُطْفِ الله ورحمته؛ لأنه لم يتعمد الإثم؛ ولهذا قال تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286].
بخلاف ترك الواجبات، فإذا نسي الواجب يأتي به؛ نسي الصلاة ثم ذكر يأتي بها، كما قال ﷺ: مَن نام عن صلاةٍ أو نسيها فَلْيُصلها إذا ذكرها، إن نسي الواجب فلا إثم عليه، لكن متى ذكر أتى بالواجب.
فاته أول يومٍ من رمضان، ما درى عن دخول رمضان، أو نسي دخول رمضان، ثم نُبِّه أنه دخل، وأنه ثبت الشهر؛ صام ما فاته.
كذلك الحجّ؛ نسي واجبًا من واجباته يستدركه بما جاء الله به من الفدية، ولا إثم عليه: كالمبيت في منى، وطواف الوداع، ورمي الجِمَار.
بخلاف الأركان فلا بد منها، فلو نسي الطواف وجب أن يرجع حتى يطوف، نسي السَّعي وجب أن يرجع حتى يسعى، نسي الوقوف فاته الحج؛ لأن الوقت مُحدَّدٌ، متى نسي الوقوف فات، متى تُرِكَ فات إلى حجةٍ أخرى.
القارئ:
الشيخ: وهذا هو الصواب، لو تكلم في الصلاة ناسيًا لم تبطل صلاته، وقد ثبت في حديث معاوية بن الحكم أنه شمَّت عاطسًا وهو في الصلاة، فأنكر عليه الصحابة ذلك، وكان يجهل الحكم، فأتى النبيَّ ﷺ فعلَّمه، وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، ولم يأمره بقضاء الصلاة، عذره بالجهل، وهكذا ذو اليدين تكلم في الصلاة لما سها النبي ﷺ، ولم يأمره بقضاء الصلاة.
القارئ:
وطَرْدُه أيضًا أنَّ مَن جامع في إحرامه أو صيامه ناسيًا لم يبطل صيامه ولا إحرامه.
وكذلك مَن تَطَيَّب، أو لبس، أو غطَّى رأسه، أو حلق رأسه، أو قَلَّمَ ظفره ناسيًا، فلا فدية عليه، بخلاف قتل الصَّيد.
الشيخ: لأن الرسول ﷺ لما سأله صاحب الجُبَّة الذي أحرم في الجُبَّة جاهلًا أمره بخلع الجُبَّة، ولم يأمره بفديةٍ لجهله؛ ولأنه مَن نسي في صومه فأكل وشرب أتمَّ صومه، فهكذا لو غطَّى رأسه في الإحرام ناسيًا أو جاهلًا، أو قصَّ ظفره، أو قصَّ شيئًا من شعره، أو تطيب جاهلًا أو ناسيًا؛ يُنَبَّه ولا شيء عليه.
القارئ:
وكذلك مَن تَطَيَّب أو لبس ..... وهو سبحانه إنما يأمر في المُعاوضات المُطْلَقَة بالعدل، فحكم أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل.
والقول بوقف العقود عند الحاجة مُتَّفقٌ عليه بين الصحابة، ثبت ذلك عنهم في قضايا مُتعددةٍ، ولم يُعلم أنَّ أحدًا منهم أنكر ذلك، مثل: قضية ابن مسعودٍ في تصدُّقه عن سيد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذِّمَّة لمَّا تعذَّرتْ عليه معرفتُه، وكتصدُّق الغَالِّ بالمال المغلول من الغنيمة لمَّا تعذَّر قَسْمُه بين الجيش، وإقرار معاوية له على ذلك وتصويبه له، وغير ذلك من القضايا.
مع أنَّ القول بوقف العقود مطلقًا هو الأظهر في الحُجَّة، وهو قول الجمهور، وليس في ذلك ضررٌ أصلًا، بل هو إصلاحٌ بلا إفسادٍ، فإنَّ الرجل قد يرى أن يشتري لغيره، أو يبيع له، أو يُؤَجِّر له، أو يستأجر له، ثم يُشاوره، فإنْ رضي وإلا لم يحصل له ما يضرُّه، وكذلك في تزويج وَلِيَّته، ونحو ذلك، وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه.
فمسألة المفقود هي مما يُوقَف فيها تفريق الإمام على إذن الزوج إذا جاء، كما يقف تصرُّف المُلْتَقِط على إذن المالك إذا جاء، والقول بِرَدِّ المهر إلى الزوج بخروج بُضْع امرأته عن ملكه، ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجع به: هل هو ما أعطاها هو أو ما أعطاها الثاني؟
وفيه روايتان عن أحمد:
إحداهما: يرجع بما مهرها الثاني؛ لأنها هي التي أخذتْه.
والصواب: أنَّه إنما يرجع بما مهرها هو؛ فإنَّه الذي يستحقه، وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حقَّ له فيه.
وإذا ضمن الثاني للأول المهر فهل يرجع به عليها؟
فيه روايتان عن أحمد:
إحداهما: يرجع؛ لأنَّها هي التي أخذتْه، والثاني قد أعطاها المهر الذي عليه، فلا يضمن مهرين، بخلاف المرأة؛ فإنها لمَّا اختارتْ فراق الزوج الأول ونكاح الثاني، فعليها أن تردَّ المهر؛ لأنَّ الفُرقة جاءت من جهتها.
والثانية: لا يرجع؛ لأنَّ المرأة تستحقُّ المهر بما استحلَّ من فرجها، والأول يستحقُّ المهر بخروج البُضْع عن مِلْكِه، فكان على الثاني.
وهذا المأثور عن عمر في مسألة المفقود، وهو عند طائفةٍ من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس، حتى قال بعض الأئمة: لو حكم به حاكمٌ نُقِضَ حكمه، وهو مع هذا أصحُّ الأقوال وأحراها في القياس، وكل قولٍ قيل سواه فهو خطأٌ.
فمَن قال: إنها تُعاد إلى الأول بكل حالٍ، أو تكون مع الثاني بكل حالٍ، فكلا القولين خطأٌ؛ إذ كيف تُعاد إلى الأول وهو لا يختارها ولا يريدها؟! وقد فرَّق بينه وبينها تفريقًا سائغًا في الشرع، وأجاز هو ذلك التفريق.
فإنه وإن تبيَّن للإمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده، فالحق في ذلك للزوج، فإذا أجاز ما فعله الإمام زال المحذور.
وأما كونها زوجة الثاني بكل حالٍ مع ظهور زوجها، وتبين أنَّ الأمر بخلاف ما فعل الإمام، فهو خطأٌ أيضًا؛ فإنه مسلمٌ لم يُفارق امرأته، وإنَّما فرّق بينهما بسببٍ ظهر أنَّه لم يكن كذلك، وهو يطلب امرأته، فكيف يُحال بينه وبينها؟! وهو لو طلب ماله أو بدله رُدَّ إليه، فكيف لا تُرَدُّ إليه امرأته؟! وأهله أعزُّ عليه من ماله.
وإن قيل: حقُّ الثاني تعلَّق بها.
قيل: حقُّه سابقٌ على حقِّ الثاني، وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحقَّ الثاني أن تكون زوجةً له.
وأما المُوجِب لمراعاة حقِّ الثاني دون الأول فالصواب ما قضى به أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب ؛ ولهذا تعجَّب أحمدُ ممن خالفه.
فإذا ظهر صحة ما قاله الصحابة وصوابه في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها مثل: أبي حنيفة ومالكٍ والشافعي، فَلَأَنْ يكون الصواب معهم فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى.
قال شيخنا: وقد تأمَّلتُ من هذا الباب ما شاء الله، فرأيتُ الصحابة -أفقه الأُمَّة وأعلمها- اعتبروا هذا بمسائل الأيمان والنُّذور والعِتْق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط، فالمنقول فيها عن الصحابة هو أصحُّ الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسُّنَّة والقياس الجَلِيُّ، وكل قولٍ سوى ذلك فمُخالفٌ للنصوص، مُناقضٌ للقياس.
وكذلك في مسائل غير هذه -مثل: مسألة ابن المُلاعَنَة، ومسألة ميراث المُرْتَد، وما شاء الله من المسائل- لم أجد أجود الأقوال فيها إلا أقوال الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمتُ قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكنَّ العلم بصحيح القياس وفاسده من أجلِّ المعلوم.
الشيخ: العلوم، من أجلِّ العلوم.
القارئ:
من أجلِّ العلوم.
وإنما يعرف ذلك مَن كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملتْ عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التَّعداد، وما تضمَّنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة، والنِّعمة السَّابغة، والعدل التامِّ، والله أعلم.
الشيخ: رحمه الله.
القارئ:
فصلٌ
ومما أشكل على كثيرٍ من الفقهاء من قضايا الصحابة، وجعلوه من أبعد الأشياء عن القياس: مسألة التَّزَاحُم، وسقوط المُتَزَاحِمِين في البئر، وتُسَمَّى: مسألة الزُّبْيَة، وأصلها: أنَّ قومًا من أهل اليمن حفروا زُبْيَةً للأسد، فاجتمع الناس على رأسها، فهوى فيها واحدٌ، فجذب ثانيًا، فجذب الثاني ثالثًا، فجذب الثالث رابعًا، فقتلهم الأسدُ، فرُفِعَ ذلك إلى أمير المؤمنين عليٍّ -كرَّم الله وجهه في الجنة- وهو على اليمن، فقضى للأول بربع الدِّية، وللثاني بثلثها، وللثالث بنصفها، وللرابع بكمالها، وقال: "أجعل الدِّية على مَن حضر رأس البئر"، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ، فقال: هو كما قال.
رواه سعيد بن منصورٍ في "سُننه": حدثنا أبو عوانة وأبو الأحوص، عن سِمَاك بن حربٍ، عن حَنَشٍ الصَّنعاني، عن عليٍّ.
فقال أبو الخطاب وغيره: ذهب أحمد إلى هذا توقيفًا على خلاف القياس.
والصواب: أنَّه مُقتضى القياس والعدل، وهذا يتبين بأصلٍ وهو: أنَّ الجناية إذا حصلتْ من فعلٍ مضمونٍ ومُهْدَرٍ سقط ما يُقابل المُهْدَر، واعتُبِرَ ما يُقابل المضمون، كما لو قَتَلَ عبدًا مُشتركًا بينه وبين غيره، أو أتلف مالًا مُشتركًا أو حيوانًا؛ سقط ما يُقابل حقَّه، ووجب عليه ما يُقابل حقَّ شريكه.
وكذلك لو اشترك اثنان في إتلاف مال أحدهما، أو قتل عبده، أو حيوانه؛ سقط عن المُشارك ما يُقابل فعله، ووجب على الآخر من الضمان بقسطه.
وكذلك لو اشترك هو وأجنبيٌّ في قتل نفسه؛ كان على الأجنبي نصف الضَّمان.
وكذلك لو رمى ثلاثةٌ بالمَنْجَنِيق، فأصاب الحجرُ أحدَهم فقتله، فالصحيح أنَّ ما قابل فِعْل المقتول ساقطٌ، ويجب ثُلُثَا دِيَتِه على عاقلة الآخرين.
هذا مذهب الشافعي، واختيار صاحب "المُغني"، والقاضي أبي يَعْلَى في "المُجَرَّد"، وهو الذي قضى به عليٌّ عليه السلام في مسألة ..
الشيخ: "رضي الله عنه" أحسن، مثل هذا من المطابع، كلها اجعلها "رضي الله عنه"؛ لأنه لا يُخَصّ بـ"عليه السلام" مثل: الصديق وعمر وعثمان، كلها "رضي الله عنه"، نعم، و"كرَّم الله وجهه" كذلك "رضي الله عنه"، وهذا مما أحدثه الشيعة.
القارئ:
وهو الذي قضى به عليٌّ في مسألة القارصة والقامصة والواقصة.
قال الشعبي: وذلك أنَّ ثلاث جوارٍ اجتمعنَ، فَرَكِبَتْ إحداهنَّ على عنق الأخرى، فَقَرَصَت الثالثةُ المركوبةَ؛ فَقَمَصَتْ؛ فسقطت الرَّاكبةُ فَوَقَصَتْ –أي: كسرتْ عُنُقَها- فماتتْ، فَرُفِعَ ذلك إلى عليٍّ ، فقضى بالدِّية أثلاثًا على عواقلهنَّ، وأَلْغَى الثُّلُثَ الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنَّها أعانتْ على قتل نفسها.
وإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعضٍ كان الأول قد هلك بسببٍ مُرَكَّبٍ من أربعة أشياء: سقوطه، وسقوط الثاني، والثالث، والرابع.
وسقوط الثلاثة فوقه من فعله وجنايته على نفسه، فسقط ما يُقابله وهو ثلاثة أرباع الدِّية، وبقي الربع الآخر لم يتولَّد من فعله، وإنَّما تولَّد من التَّزاحم فلم يُهْدَر.
وأما الثاني فلأنَّ هلاكه كان من ثلاثة أشياء: جذب مَن قبله له، وجذبه هو لثالثٍ ورابعٍ؛ فسقط ما يُقابل جذبه وهو ثُلُثا الدِّية، واعتُبِرَ ما لا صُنْع له فيه، وهو الثُّلث الباقي.
وأما الثالث فحصل تَلَفُه بشيئين: جذب مَن قبله له، وجذبه هو للرابع؛ فسقط فعله دون السبب الآخر، فكان لورثته النصف.
وأما الرابع فليس منه فِعْلٌ البتَّة، وإنَّما هو مجذوبٌ مَحْضٌ، فكان لورثته كمال الدِّية، وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر؛ لتدافعهم وتزاحمهم.
فإن قيل: على هذا سؤالان:
أحدهما: أنَّكم لم تُوجِبوا على عاقلة الجاذب شيئًا، مع أنه مُبَاشِرٌ، وأوجبتم على عاقلة مَن حضر البئر ولم يُبَاشِر، وهذا خلاف القياس.
الثاني: أنَّ هذا هَبْ أنه يتأتَّى لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على بعضٍ، فكيف يتأتَّى لكم في مسألة الزُّبْيَة، وإنما ماتوا بقتل الأسد؟ فهو كما لو تَجَاذَبوا فغرقوا في البئر.
قيل: هذان سؤالان قويَّان.
وجواب الأول: أنَّ الجاذب لم يُبَاشِر الإهلاك، وإنَّما تسبَّب إليه، والحاضرون تسبَّبوا بالتَّزاحم، وكان تسبُّبهم أقوى من تسبُّب الجاذب؛ لأنَّه أُلْجِئَ إلى الجذب، فهو كما لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر فنَفَضَه عنه؛ لِئَلَّا يقتله، فمات، فالقاتل هو المُلْقِي.
وأما السؤال الثاني فجوابه: أنَّ المُباشِر للتَّلَف -كالأسد والماء والنار- لمَّا لم يُمكن الإحالة عليه ألغى فِعْله، وصار الحكم للسبب.
ففي مسألة الزُّبْيَة ليس للرابع فِعْلٌ البَتَّة، وإنما هو مفعولٌ به محضٌ، فله كمال الدِّية.
والثالث فاعلٌ ومفعولٌ به؛ فألغى ما يُقابل فِعْله، واعتَبَرَ فِعْل الغير به، فكان قسطه نصف الدِّية.
والثاني كذلك إلا أنَّه جاذبٌ لواحدٍ، والمجذوب جاذبٌ لآخر، فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلث السبب؛ لجذب الأول له، فله ثلث الدِّية.
وأما الأول فثلاثة أرباع السبب من فِعْله، وهو سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مُباشرةً وتَسَبُّبًا، وربعه من وقوعه بتزاحم الحاضرين؛ فكان حظُّه ربع الدِّية.
وهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يُقابل فِعْله، ويكون لورثته، وهذا هو خلاف القياس؛ لأنَّ الدِّية شُرِعَتْ مُواساةً وجَبْرًا، فإذا كان الرجل هو القاتل لنفسه أو مُشاركًا في قتله لم يكن فِعْلُه بنفسه مضمونًا، كما لو قطع طرف نفسه، أو أتلف مال نفسه.
فقضاء عليٍّ أقرب إلى القياس من هذا بكثيرٍ، وهو أولى أيضًا من أن يُحمل فعل المقتول على عواقل الآخرين، كما قاله أبو الخطاب في مسألة المَنْجَنِيق: أنَّه يُلْغِي فعل المقتول في نفسه، وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين، وهذا أبعد عن القياس مما قبله؛ إذ كيف تتحمَّل العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه؟ ولو تحمَّلتها العاقلة لكانت عاقلته أولى بتحمُّلها، وكلا القولين يُخالف القياس، فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين .
وهو أيضًا أحسن من تحميل دية الرابع لعاقلة الثالث، وتحميل دية الثالث لعاقلة الثاني، وتحميل دية الثاني لعاقلة الأول، وإهدار دية الأول بالكُلية، فإنَّ هذا القول وإن كان له حظٌّ من القياس، فإنَّ الأول لم يَجْنِ عليه أحدٌ، وهو الجاني على الثاني؛ فديته على عاقلته، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع، والرابع لم يَجْنِ على أحدٍ؛ فلا شيء عليه.
فهذا قد توهم أنَّه في ظاهر القياس أصحُّ من قضاء أمير المؤمنين؛ ولهذا ذهب إليه كثيرٌ من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم إلا أنَّ ما قضى به عليٌّ أفقه، فإنَّ الحاضرين أَلْجَؤُوا الواقفين بمُزاحمتهم لهم؛ فعواقلهم أولى بحمل الدِّية من عواقل الهالكين، وأقرب إلى العدل من أن يجمع عليهم بين هلاك أوليائهم وحمل دياتهم؛ فتتضاعف عليهم المصيبة، ويُكْسَروا من حيث ينبغي جبرهم، ومحاسن الشريعة تأبى ذلك، وقد جعل الله سبحانه لكل مُصابٍ حظًّا من الجبر.
الشيخ: وهذا الذي قاله المؤلف واضحٌ جدًّا، فإن المزحومين ما في أيديهم شيءٌ، فصارت الدِّية على عواقل الزَّاحمين؛ لأنهم هم سبب سقوطهم بالزُّبْيَة ونحوها، فتتحمل الدية العصبة -دية المقتولين- وهم على هذا الترتيب: فالأول جرَّهم -جرَّ الثلاثة- فلا يكون له إلا الربع؛ لأنه قتل الثلاثة بجرِّهم، والثاني له الثلث، والثالث له النصف، والرابع له الدية كاملة؛ لأنه مجذوبٌ، ما فعل شيئًا.
القارئ:
وقد جعل الله سبحانه لكل مُصابٍ حظًّا من الجبر، وهذا أصل شرع حمل العاقلة الدِّية؛ جبرًا للمُصاب وإعانةً له.
وأيضًا فالثاني والثالث كما هما مجنيٌّ عليهما، فهما جانيان على أنفسهما، وعلى مَن جذباه، فحصل هلاكهم بفعل بعضهم ببعضٍ، فأَلْغَى ما قابل فِعْل كل واحدٍ بنفسه، واعتَبَرَ جناية الغير عليه.
وهو أيضًا أحسن من تحميل دية الرابع لعواقل الثلاثة، ودية الثالث لعاقلة الثاني والأول، ودية الثاني لعاقلة الأول خاصةً، وإن كان له أيضًا حظٌّ من قياسٍ؛ تنزيلًا لسبب السبب منزلة السبب، وقد اشترك في هلاك الرابع الثلاثة الذين قبله، وفي هلاك الثالث الاثنان، وانفرد بهلاك الثاني الأول، ولكنَّ قول عليٍّ أدقُّ وأَفْقَه.