فصل
ومن حِيَلِه ومكايده: الكلام الباطل، والآراء المُتهافتة، والخيالات المُتناقضة التي هي زُبالة الأذهان، ونُحاتة الأفكار، والزَّبَد الذي يَقْذِف به القلوبَ المُظلمةَ المُتحيرة التي تعدل الحقَّ بالباطل، والخطأ بالصواب.
الشيخ: هذا من مكائد الشيطان، ومن حِيَله الخبيثة، ومن صدِّه عن الحقِّ: أن يبتلي العبدَ بالكلام الباطل الذي يضرُّه ولا ينفعه، وأن يخوض فيما يضرُّه ولا ينفعه، ويبتليه بالآراء الفاسدة المُتهافتة المُخالفة للشرع؛ فيشغله بها، ويصدّه بها عن الحقِّ، وهكذا الخيالات المُتناقضة التي تُخيل إليه، يظنها صوابًا، وهي سرابٌ بقيعةٍ، لا حقيقة لها، ولو وُفِّق لتمسك بالنصوص، واشتغل بمعانيها، واستفاد كما استفاد أهل العلم والإيمان، ولكن الشيطان يصدُّ أولياءه ومَن مال إليه ومَن أطاعه في بعض الأمر يصدُّه عن الحقِّ في هذه الأشياء؛ من كلامٍ باطلٍ بُنِيَ على أُسُسٍ باطلةٍ، كما فعل في الكلام، وبآراء فاسدةٍ لا دليل لها، ولا أساس لها، وبخيالاتٍ يتخيلها الإنسان ويتوهمها تتناقض، ينقض بعضها بعضًا.
فينبغي للعاقل أن يحذر هذا كله، وأن يكون اشتغاله بما ينفعه، يشتغل من الكلام بما ينفعه، لا بالآراء الفاسدة، والخيالات المُتناقضة، والكلام الباطل، بل يُقبل على كلام ربِّه، وكلام رسوله ﷺ، وكلام أهل العلم المُوَفَّقين الذين يدعون إلى الحقِّ، ويشرحون النصوص بما يُوافق الحقَّ، ويدعون إلى الأخذ بها والتَّمسك بها، هؤلاء هم الذين يُستفاد منهم، وهم الذين يهدون إلى الحقِّ ويُرشدون إليه.
القارئ:
الشيخ: نسأل الله العافية.
القارئ:
ومن كيده بهم وتَحَيُّله على إخراجهم من العلم والدِّين: أن ألقى على ألسنتهم أن كلام الله ورسوله ظواهر لفظيةٌ لا تُفيد اليقين، وأوحى إليهم أن القواطع العقلية والبراهين اليقينية في المناهج الفلسفية والطرق الكلامية، فحال بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مِشْكَاة القرآن، وأحالهم على منطق يونان، وعلى ما عندهم من الدَّعاوى الكاذبة العَرِيَّة عن البرهان، وقال لهم: تلك علومٌ قديمةٌ صقلتها العقول والأذهان، ومرَّتْ عليها القرون والأزمان.
فانظر كيف تلطف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان والدين كإخراج الشَّعرة من العجين.
الشيخ: نسأل الله العافية.
القارئ:
الشيخ: وهذا جزاؤهم، لما أعرضوا عن الكتاب والسُّنة، وزهدوا –بزعمهم- في الدنيا، وأقبلوا على رياضة النفوس، والصيام، والخلوة، والذكر الذي لم يشرعه الله، وأعرضوا عن القرآن والسُّنة؛ تَبَدَّى لهم الشيطان فزين لهم الباطل، ونفث في قلوبهم أنواع الضَّلالات؛ حتى أفضى بهم هذا إلى أن تركوا القرآن والسُّنة بالكُلية، وقالوا بعد ذلك: حدثني قلبي عن ربي! فجعلوا الأوهام التي تأتيهم من الشياطين أحاديث عن الربِّ ، أخذوها وتمسكوا بها، وهجروا القرآن والسُّنة -نسأل الله العافية- حتى أفضى بهم هذا إلى وحدة الوجود، وإلى أن يقول بعضهم: ما في الجُبَّة إلا هو! يعني: إلا الله سبحانه، نسأل الله العافية.
المقصود أنه أفضى بهم هذا إلى أنواعٍ من الكفر والضَّلال والفساد والبدع، وطريق النَّجاة، وطريق العصمة، وطريق السَّلامة بالإقبال على القرآن العظيم: تلاوةً، وتدبرًا، وتعقلًا، وعملًا، وإيمانًا، وعلى السُّنة المُطهرة: بالعناية بها، وحفظ ما صحَّ منها، والعمل بها، واعتقاد ما دلَّتْ عليه، وهي الحُجَّة القائمة من النصوص التي فيها السعادة والخير لمَن تمسك بها وأخذ بها.
القارئ:
وخيَّله للنفس حتى جعله كالمشاهد كَشْفًا وعيانًا، فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل قالوا: لكم العلم الظاهر، ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة، وعندنا باطن الحقيقة، ولكم القشور، ولنا اللباب.
فلمَّا تمكن هذا من قلوبهم سَلَخَها من الكتاب والسُّنة والآثار كما ينسلخ الليل من النهار، ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات، وأوهمهم أنها من الآيات البَيِّنات، وأنها من قِبَل الله سبحانه إلهامات وتعريفات، فلا تُعرض على السُّنة والقرآن، ولا تُعامل إلا بالقبول والإذعان.
فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشّطحات وأنواع الهذيان، وكلما ازدادوا بُعْدًا وإعراضًا عن القرآن وما جاء به الرسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم.
ومن أنواع مكايده ومكره: أن يدعو العبد بحُسن خلقه وطلاقته وبِشْره إلى أنواعٍ من الآثام والفجور، فيلقاه مَن لا يُخَلِّصه من شرِّه إلا تَجَهُّمه، والتَّعبيس في وجهه، والإعراض عنه، فَيُحَسِّن له العدو أن يلقاه بِبِشْره، وطلاقة وجهه، وحُسن كلامه؛ فيتعلق به، فَيَرُوم التَّخلص منه فيعجز، فلا يزال العدو يسعى بينهما حتى يُصيب حاجته، فيدخل على العبد بكيده من باب حُسن الخُلُق وطلاقة الوجه.
ومن هاهنا وصَّى أطباء القلوب بالإعراض عن أهل البدع، وألا يُسَلّم عليهم، ولا يُريهم طلاقة وجهه، ولا يلقاهم إلا بالعبوس والإعراض.
وكذلك أوصوا عند لقاء مَن يخاف الفتنة بلقائه من النساء والمُرْدَان، وقالوا: متى كشفتَ للمرأة أو الصبي بياض أسنانك كَشَفَا لك عمَّا هنالك، ومتى لقيتَهما بوجهٍ عابسٍ وُقِيتَ شرّهما.
الشيخ: والمقصود من هذا الحذر من الانبساط والمُجالسة لأهل البدع، وحُسن الخُلُق معهم، والانبساط إليهم، والتَّحدث معهم، فإن هذا يجرك إلى بدعتهم وضلالهم، ويُطمعهم فيك.
هذا غير الدعوة إلى الله، هذا إذا لم تنفع فيهم الدعوة، ولم يجد فيهم التَّوجيه والإرشاد.
وهكذا الانبساط للمُرْدَان، وحُسن التَّحدث معهم، والانبساط إلى النساء، فإن هذا يجرُّ إلى الفساد والشرِّ والفواحش، بل يجب الحذر منها غاية الحذر، اللهم إلا من باب الدعوة فقط، ولإنكار المنكر.
والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
القارئ:
الشيخ: هذا من كيد الخبيث: أن تلقى الفقراء والمساكين وطلاب العلم ونحو ذلك بوجهٍ مُكْفَهِرٍّ، عَبُوسٍ؛ حتى لا يطمعوا فيك، وفي مُجالستك، وفي سؤالك، وفي كذا، وفي كذا، نسأل الله السلامة.
أما النساء والمُرْدَان فيرى أن تلقاهم بوجهٍ مُنْبَسِطٍ، ولسانٍ حلوٍ، والمُجالسة والاندماج معهم، ومع أهل البدع؛ حتى تُصاب من شرِّهم في الفواحش والبدع، نسأل الله العافية.
القارئ:
الشيخ: حُسن الخُلُق والبِشْر مع المُرْدَان والنِّساء وأهل البدع، وبالاكفهرار والعبوس مع الفقراء والمساكين وطلاب العلم ونحو ذلك -نسأل الله العافية- هذا كيد الشيطان، نسأل الله العافية.
القارئ:
ليفتح لك باب الشَّر، ويُغلق عنك باب الخير.
ومن مكايده: أنه يأمرك بإعزاز نفسك وصونها حيث يكون رضا الربِّ تعالى في إذلالها وابتذالها: كجهاد الكفار والمنافقين، وأمر الفُجَّار والظَّلمة بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، فيُخيل إليك أن ذلك تعريضٌ لنفسك إلى مواطن الذل، وتسليط الأعداء وطعنهم فيك، فيزول جاهك؛ فلا يُقبل منك بعد ذلك، ولا يُسمع منك.
ويأمرك بإذلالها وامتهانها حيث تكون مصلحتها في إعزازها وصيانتها، كما يأمرك بالتَّبذل لذوي الرئاسات، وإهانة نفسك لهم، ويُخيل إليك أنك تعزّها بهم، وترفع قدرها بالذل لهم، ويُذكرك قول الشَّاعر:
| أُهِينُ لهم نفسي لأَرْفَعَها بهم | ولن تُكْرَمَ النَّفسُ التي لا تُهِينُها |
وغلط هذا القائل، فإن ذلك لا يصلح إلا لله وحده، فإنه كلما أهان العبد نفسه له أكرمه وأعزَّه، بخلاف المخلوق، فإنك كلما أهنتَ نفسك له ذللتَ عند الله، وعند أوليائه، وهُنْتَ عليه.
فصل
ومن كيده وخداعه: أنه يأمر الرجل بانقطاعه في مسجدٍ، أو رباطٍ، أو زاويةٍ، أو تربةٍ.
الشيخ: قف على "ومن كيده"، غفر الله للمؤلف، غفر الله للمؤلف، لا حول ولا قوة إلا بالله.
س: الخلوة بالأَمْرَد؟
ج: لا تجوز، الخلوة بالأَمْرَد لا تجوز، اللهم إلا إذا كانت خلوةً ليس معها خطر الشرّ، خلوة عارضة لإنكار مُنكرٍ، أو لإرشاده إلى طريقٍ، أو ما أشبه، يعني: عارضة، ليس فيها استقرارٌ.
المقصود أن الأصل أنها لا تجوز، هذا الأصل: لا تجوز الخلوة بالأَمْرَد، هذا الأصل، وإذا أراد تعليمه لا يكون وحده، يكون معه آخر؛ حتى لا يطمع الشيطان فيه، نسأل الله العافية.