فصل
ومن كيده: أمرهم بلزوم زِيٍّ واحدٍ، ولبسةٍ واحدةٍ، وهيئةٍ ومشيةٍ معينةٍ، وشيخٍ معينٍ، وطريقةٍ مُخترعةٍ، ويفرض عليهم لزوم ذلك بحيث يلزمونه كلزوم الفرائض، فلا يخرجون عنه، ويقدحون فيمَن خرج عنه ويذمُّونه، وربما يلزم أحدُهم موضعًا مُعينًا للصلاة، لا يُصلي إلا فيه، وقد نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يُوَطِّن الرجلُ المكان للصلاة كما يُوَطِّن البعيرُ.
وكذلك ترى أحدهم لا يُصلي إلا على سجادةٍ، ولم يُصَلِّ عليه السلام على سجادةٍ قط، ولا كانت السّجادة تُفْرَش بين يديه، بل كان يُصلي على الأرض، وربما سجد في الطين، وكان يُصلي على الحصير، فيُصلي على ما اتّفق بسطه، فإن لم يكن ثَمَّة شيءٌ صلَّى على الأرض.
الشيخ: وهذا مما يدل على التَّسامح في هذه الأمور، وأنه ﷺ لا يتكلف شيئًا، صلَّى على الحصير، وصلَّى على الأرض، وصلَّى على أرضٍ فيها الطين عليه الصلاة والسلام، كل هذا مما يدل على التَّسامح في الأمور.
ومن كيد الشيطان: أن يُزين لأصحابه مشيةً خاصةً، ولبسةً خاصةً، ومواضع خاصةً للصلاة، وشيئًا لازمًا في الصلاة يكونون عليه، وشيخًا خاصًّا لا يخرجون عنه، ولا يسألون غيره، كل هذا مما زيَّنه للصوفية حتى شدَّدوا على أنفسهم، ووقعوا في هذا الباطل، وصارتْ لهم مشيةٌ خاصةٌ، وجِلسةٌ خاصةٌ، ومحلٌّ خاصٌّ يُصلون فيه، وشيخٌ خاصٌّ لا يسألون غيره، ويتبعون الطريقة التي يرسمها لهم، وما أشبه ذلك، كل هذا مما ابتدعوه وأحدثوه، والله المستعان.
القارئ:
وهؤلاء اشتغلوا بحفظ الرسوم عن الشريعة والحقيقة، فصاروا واقفين مع الرسوم المُبتدعة، ليسوا مع أهل الفقه، ولا مع أهل الحقائق، فصاحب الحقيقة أشدّ شيءٍ عليه التَّقيد بالرسوم الوضعية، وهي من أعظم الحُجُب بين قلبه وبين الله، فمتى تقيد بها حبس قلبه عن سيره، وكان أخسّ أحواله الوقوف معها، ولا وقوف في السَّير، بل إما تقدم، وإما تأخر.
الشيخ: أما التَّقيد بقيودٍ وفروضٍ ورسومٍ تُؤخره عن العمل الصالح، وتُضعفه عن العمل، وتُضعف سيره، هذا من كيد الشيطان.
القارئ:
ومَن تأمل هدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسيرته وجده مُناقضًا لهدي هؤلاء؛ فإنه كان يلبس القميص تارةً، والقباء تارةً، والجُبَّة تارةً، والإزار والرداء تارةً، ويركب البعير وحده، ومُرْدِفًا لغيره، ويركب الفرس مُسْرَجًا وعُريانًا، ويركب الحمار، ويأكل ما حضر، ويجلس على الأرض تارةً، وعلى الحصير تارةً، وعلى البساط تارةً، ويمشي وحده تارةً، ومع أصحابه تارةً، وهديه عدم التَّكلف والتَّقيد بغير ما أمره به ربُّه، فبين هديه وهدي هؤلاء بونٌ بعيدٌ.
الشيخ: اللهم صلِّ عليه.
القارئ:
الشيخ: كيده: كيد الشيطان، يعني: كيد الشيطان، الله أكبر.
القارئ:
الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند النية حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم عن اتِّباع سُنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وخيَّل إلى أحدهم أن ما جاءتْ به السُّنة لا يكفي حتى يُضمّ إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظنِّ الفاسد والتَّعب الحاضر، وبُطلان الأجر أو تنقيصه.
ولا ريب أن الشيطان هو الدَّاعي إلى الوسواس، فأهله قد أطاعوا الشيطان، ولَبُّوا دعوته، واتَّبعوا أمره، ورَغِبُوا عن اتِّباع سُنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وطريقته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو اغتسل كاغتساله لم يطهر، ولم يرتفع حَدَثُه!
ولولا العُذر بالجهل لكان هذا مُشَاقَّةً للرسول، فقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ بالمُدِّ، وهو قريبٌ من ثلث رَطْلٍ بالدّمشقي، ويغتسل بالصَّاع، وهو نحو رَطْلٍ وثلث، والمُوسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه!
وصحَّ عنه عليه السلام أنه توضأ مرةً، مرةً، ولم يزد على ثلاثٍ، بل أخبر أن مَن زاد عليها فقد أساء وتعدَّى وظلم.
فالمُوسوس مُسيءٌ، مُتَعَدٍّ، ظالمٌ بشهادة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
الشيخ: وللمُوسوسين الآن أخبارٌ عجيبةٌ مثلما أشار المؤلف، بلغنا عنهم -بل وصرَّحوا بأنفسهم في أسئلتهم- أن الواحد منهم قد يغسل عشرين مرةً أعضاءه ولا يرى أنه طهر! عشرين مرةً ولا يرى أنه طهر! ما تكفيه الثلاث، ولا الأربع، ولا الخمس، ويبقى في الحمام الساعات الطويلة ما فرغ من وضوئه، ولا من غُسْله! كله من لعب الشيطان، نعوذ بالله.
وهكذا في النية عند دخوله في الصلاة، وعند الوضوء يتعب، فعند دخوله في الصلاة قد يركع الإمام وهو ما فرغ من نيته يُرددها، كلما كبَّر يعود يُكبر، كلما كبَّر يعود يُكبر، يقول له الشيطان: ما كبَّرتَ، ما نويتَ الصلاة، أعد التَّكبير. وهكذا: الله أكبر، ثم يعود ويسكت: الله أكبر، ثم يعود ويسكت: الله أكبر، وفي نفسه أنه ما كبَّر ولا نوى الصلاة!
وهكذا في الوضوء لهم حالاتٌ عجيبةٌ، غريبةٌ، نسأل الله السلامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول بعضهم -فيما سألني عنه-: إني أتعب تعبًا كثيرًا، تعطلتْ يدي، وتعبتْ يدي من الغُسل، وأنا أرى أني ما طهرتُ!
يتعبون تعبًا كبيرًا -نسأل الله العافية- حتى آل بهم الحال إلى أن تركوا الصلاة، يقول: لم أعد أستطيع أن أُصلي؛ لأني ما أعرف الوضوء، ما أطهر! فيدع الصلاة اليوم واليومين والثلاث، كله من أجل الوضوء، من تعب الوضوء، ما عرف أن يتوضأ، يتعب ويغسل يديه، ويغسل وجهه ويتعب، ويقول: أنا ما طهرتُ! ما انتهى وضوئي! -نسأل الله العافية- يعني: يجعلهم كالمجانين، الوسواس -هذا الشيطان- يجعلهم كالمجانين، نسأل الله العافية، نعوذ بالله.
س: نُسِبَ لبعض طلبة العلم أنه كان ..... ابن دقيق العيد ..... كان عنده وسوسة في الوضوء؟
ج: ربما ..... الوسواس من قديم الزمان، نسأل الله السلامة.
س: ..... على طالب العلم؟
ج: قد يقع لطالب العلم، وقد يقع للعامِّي.
الأصل أن الشيطان إذا رأى عنده محبةً للخير، ورغبةً في العبادة وحرصًا ألقى عليه الوساوس: أنه ما طهر، ولا فعل الواجب، ولا نوى الصلاة، ولا .. ولا ..؛ حتى يشغله.
ما من عملٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى إفراطٍ وغلوٍّ، وإما إلى جفاءٍ وتقصيرٍ، فإذا رأى عند الإنسان عبادةً وفضلًا جرَّه إلى الغلو، وإذا رأى عنده جفاءً جرَّه إلى مزيدٍ من الجفاء والتَّقصير، نسأل الله العافية.
ولا طريق لدفع هذا إلا بالحذر، والتَّعوذ بالله من الشيطان، والاكتفاء بالشرع، وجهاد نفسه على هذا الشيء، وسؤال الله الإعانة .
القارئ:
فكيف يتقرب إلى الله بما هو مُسيءٌ به، مُتَعَدٍّ فيه لحدوده؟!
وصحَّ عنه ﷺ أنه كان يغتسل هو وعائشة رضي الله عنها من قصعةٍ بينهما فيها أثر العجين، ولو رأى المُوسوس مَن يفعل هذا لأنكر عليه غاية الإنكار، وقال: ما يكفي هذا القدر لغُسْل اثنين! فكيف والعجين يُحلله الماء فيُغيره؟ هذا والرشاش ينزل في الماء فيُنَجِّسه عند بعضهم، ويُفسده عند آخرين، فلا تصح به الطهارة.
الشيخ: هذا من الوسواس، والرشاش لا يضرُّ، ما طار من اليد أو غيرها إلى الماء ما يضرُّ.
القارئ:
وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك مع غير عائشة، مثل: ميمونة وأم سلمة، وهذا كله في الصحيح.
وثبت أيضًا في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: كان الرجال والنساء على عهد رسول الله ﷺ يتوضَّؤون من إناءٍ واحدٍ.
الشيخ: يعني: الرجال مع أزواجهم، كما قال جماعةٌ من أهل العلم، أو كان هذا قبل الحجاب.
القارئ:
والآنية التي كان رسول الله عليه السلام وأزواجه وأصحابه ونساؤهم يغتسلون منها لم تكن من كبار الآنية، ولا كانت لها مادةٌ تمدّها: كأنبوب الحمام ونحوه، ولم يكونوا يُراعون فيضانها حتى يجري الماء من حافاتها، كما يُراعيه جُهَّال الناس ممن بُلِيَ بالوسواس في جُرْن الحمام.
فهدي رسول الله ﷺ الذي مَن رَغِبَ عنه فقد رَغِبَ عن سُنته: جواز الاغتسال من الحياض والآنية وإن كانت ناقصةً، غير فائضةٍ، ومَن انتظر الحوض حتى يفيض، ثم استعمله وحده، ولم يُمَكِّن أحدًا أن يُشاركه في استعماله؛ فهو مُبْتَدِعٌ، مُخالفٌ للشريعة.
قال شيخنا: "ويستحق التَّعزير البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، ويعبدوا الله بالبدع، لا بالاتِّباع".
ودَلَّتْ هذه السُّنن الصحيحة على أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يُكثرون صبَّ الماء، ومضى على هذا التابعون لهم بإحسانٍ.
قال سعيد بن المسيب: إني لأستنجي من كوز الحبِّ وأتوضأ، وأُفْضِل منه لأهلي.
وقال الإمام أحمد: من فقه الرجل: قِلة ولوعه بالماء.
وقال المروزي ..
الشيخ: المروذي.
القارئ:
وقال المروذي: وَضَّأْتُ أبا عبدالله بالعسكر، فسترتُه من الناس؛ لئلا يقولوا: إنه لا يُحْسِن الوضوء؛ لقِلة صبِّه الماء.
وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يَبُلّ الثَّرى.
س: كان أحمد -أحسن الله إليك- يكتفي بالمسح؟
ج: لا، ولكن ما يُكثر الماء، ما يُبالغ في الوضوء، والنبي ﷺ كان يتوضأ بالمُدِّ ..... ما يُكثر صبَّ الماء .....
القارئ:
وثبت عنه ﷺ في الصحيح: أنه توضَّأ من إناءٍ، فأدخل يده فيه، ثم تمضمض واستنشق.
وكذلك كان في غُسْلِه يُدخل يده في الإناء ويتناول الماء منه، والموسوس لا يُجَوِّز ذلك، ولعله أن يحكم بنجاسة الماء ويسلبه طهوريته بذلك!
وبالجملة: فلا تُطاوعه نفسه لاتِّباع رسول الله ﷺ، وأن يأتي بمثل ما أتى به أبدًا.
وكيف يُطاوع المُوسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناءٍ واحدٍ قدر الفَرَق؟! قريبًا من خمسة أرطال.
الشيخ: قف على: وبالجملة.
اللهم اغفر له.
س: موضوع السجادة إذا كان ..... أو المحل الذي فيه من أشياء الحيوان الطاهر بوله، يُؤْكَل، مثل: الأرنب أو الغنم؟
ج: أيش فيه؟
س: إذا وضع السّجادة احترازًا من القذر؟
ج: ما في بأس، إذا وضعها للنظافة ما يضرّ.
المقصود أن المُوسوس ما يرضى إلا بسجادةٍ معه دائمًا، ما يُصلي مع الناس على سجاداتهم، ولا على فُرُشهم، ولا على حصبائهم، ولا على رملهم؛ لأنه يرى أنه لا بد من هذا الشيء، سبحان الله!
أما إنسانٌ يُصلي على سجادةٍ، أو على بساطٍ، أو على .....، أو على الحصباء؛ على ما تيسر، أو مثلًا: محلّ فيه غبار وجعل السّجادة بين الغبار ..... ما فيه شيء.