شرح كتاب العقيدة الحموية 2

واعلم أن ليس في العقل الصريح ولا في النَّقل الصحيح ما يُوجب مخالفة الطريقة السَّلفية [أصلًا]، لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحقِّ، فمَن كان في قلبه شبهة وأحبَّ حلَّها فذلك سهل يسير.

الشيخ: وقوله: "أنه سهل يسير" يعني: إذا تدبر القرآن وأراد الحقَّ فإنَّ شُبهه كلها تزول، يكفيه قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص]، تقضي على شُبههم كلها، هكذا قوله جلَّ وعلا: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل:74]، فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة:22]، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].

مَن تدبر القرآن ونظر فيه بعين البصيرة وقال بالحقِّ؛ هداه الله طريق الحقِّ، وإنما أُتي أولئك بإعراضهم عن القرآن، وبإعراضهم عن السنة، وبتحكيمهم عقولهم، وتقليدهم لأهل الضَّلالة؛ فهلكوا كما هلك مَن قلَّدوه.

ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأوّلين لهذا الباب في أمرٍ مريجٍ.

الشيخ: "في أمرٍ مريجٍ" يعني: في أمرٍ مختلطٍ مضطربٍ، لما خالفوا الكتاب والسنة وما عليه سلفُ الأمة اضطربوا واختلفوا وتنوعت آراؤهم، وهكذا أهل الباطل، كما قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5] يعني: مختلط مضطرب، عمي عليهم فيه الحق بسبب إعراضهم عن الأدلة الشرعية، وقعوا في الاختلاف والاضطراب.

فإنَّ مَن يُنكر الرؤية يزعم أنَّ العقل يُحيلها، وأنه مُضطر فيها إلى التأويل، ومَن يُحيل أنَّ لله علمًا وقُدرةً، وأن يكون كلامه غير مخلوقٍ ونحو ذلك يقول: إنَّ العقل أحال ذلك، فاضطر إلى التأويل، بل مَن يُنكر حقيقة حشر الأجساد، والأكل والشرب الحقيقي في الجنة، يزعم أنَّ العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل، ومَن زعم أنَّ الله ليس فوق العرش يزعم أنَّ العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التَّأويل.

الشيخ: يعني: اضطربت عقولهم، واضطربت أفهامهم لما أعرضوا عن الحقِّ، وكل طائفةٍ تزعم أنَّ العقل على الحقِّ .....، فصاروا بهذا ضالين مُضلين مجرمين؛ لأنهم عدلوا عن الحقِّ وعن الصراط المستقيم إلى آرائهم، وإلى عقولهم، وعلى أي عقلٍ يُوزن الكتاب والسنة؟! وبأي عقلٍ؟! فإنَّ العقول مضطربة ومختلفة: فيها السَّقيم، وفيها الصحيح، وفيها المختلط، فليست ميزانًا، وإنما الميزان ما قاله الله ورسوله، وهذا هو الميزان، فمَن حاد عن هذا الميزان اضطرب ووقع في الفساد.

ويكفيك دليلًا على فساد قول هؤلاء: أن ليس لواحدٍ منهم قاعدة مستمرة فيما يُحيله العقل، بل منهم مَن يزعم أنَّ العقل جوَّز أو أوجب ما يدَّعي الآخر أنَّ العقل أحاله.

فيا ليت شعري، بأي عقلٍ يُوزن الكتاب والسنة؟!

فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: "أوَكلما جاءنا رجلٌ أجدل من رجلٍ تركنا ما جاء به جبريلُ إلى محمدٍ ﷺ لجدل هؤلاء؟!".

الشيخ: والمعنى: أنَّ جدلهم لا ينتهي، فهذا يُجادل بكذا، وهذا يُجادل بكذا، وهذا يُجادل بكذا مما يُملي عليهم الشيطان، فليس لأحدٍ أن يميل إلى هؤلاء فيدع ما جاء به الرسولُ ﷺ مما تلقَّاه عن الله بواسطة جبرائيل عليه الصلاة والسلام، بل يجب التَّمسك بما جاء عن الله ورسوله، وما استقرت عليه الأسانيد الصَّحيحة، وما دلَّ عليه كتابُ الله، ولا يلتفت إلى جدال مَن جادل، وإلى تأويل مَن أوَّل، وإلى خصومة مَن خاصم، بل يرد عليهم بالكتاب والسنة، وتُزيف أقوالهم، ويُنهى عن سماع أقوالهم، ويُبين باطلهم؛ حتى يحذرهم الناس.

وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر، وهو من وجوهٍ.

الشيخ: وهذا قال الشَّافعي رحمه الله: حكمي في أهل العلم الذين يروجون الكلامَ ويحكمون العقول، قال: حكمي فيهم أن يُضربوا بالجريد والنِّعال، وأن يُطاف بهم في العشائر والقبائل. ويُقال: هذا جزاء مَن خرج عن الكتاب والسنة وحكم العقل. أو قال: وأخذ بالكلام.

وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر، وهو من وجوه:

أحدها: بيان أنَّ العقل لا يُحيل ذلك.

الثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التَّأويل.

الثالث: أنَّ عامة هذه الأمور قد عُلم أنَّ الرسول ﷺ جاء بها بالاضطرار، كما عُلم أنه جاء بالصَّلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يُحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به النُّبوات.

الرابع: أن يُبين أنَّ العقل الصريح يُوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقلُ عن درك تفصيله، وإنما عقله مجملًا.

إلى غير ذلك من الوجوه، على أنَّ الأساطين من هؤلاء والفحول مُعترفون بأنَّ العقل لا سبيلَ له إلى اليقين في عامَّة المطالب الإلهية. وإذا كان هكذا، فالواجب تلقّي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه.

الشيخ: المقصود من هذا كله أنَّ جميع المنحرفين عن الكتاب والسنة وقعوا في أمرٍ مريجٍ، فالذين أنكروا الصِّفات واختلفوا واضطربوا، على أي شيءٍ تُحال هذه الصِّفات؟! وعلى أي عقلٍ؟! وماذا يثبت؟ وماذا ينفى؟

وهكذا الذين أنكروا المعاد والجنة والنار اضطربوا، من الفلاسفة وغيرهم، فاختلفوا، فهذا يكذب هذا، وهذا يُزيف هذا، وهذا يثبت ما نفاه هذا، وهذا ينفي ما أثبته هذا؛ فصاروا في أمرٍ مريجٍ.

أما أهل الحق الذين تلقوا دينهم عن كتاب الله وعن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فهم الذين وفَّقهم الله للثبات والاستقامة حتى صاروا على كلمةٍ واحدةٍ، وعلى طريقٍ واحدٍ تلقوه عن نبيهم ﷺ، وعن كتاب ربهم، هم أهل السَّعادة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال سبحانه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، فالواجب الاعتصام بهذا الحبل، وهو دين الله، وهو ما جاء في الكتاب والسنة، والخروج عن هذا ضلال وشقاء.

ومن المعلوم للمؤمنين أنَّ الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأنه بيَّن للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث.

الشيخ: وهذا لا شكَّ أنَّ الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحقِّ، والهدى هو العلم النافع، والأخبار الصَّادقة، ودين الحق هو الأعمال الصالحة، والشرائع المستقيمة، فبعثه الله بالعلم والعمل، بعثه الله بالإخبار عمَّا مضى من الأمور العظيمة، وبعثه الله بأعمال شرعية، وشرائع عادلة، يسير عليها العباد، كما بعثه بالإيمان بالمبدأ والمعاد؛ الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالله هذا إيمان بالمبدأ: أنَّ الله هو ربّ الجميع، وإله الجميع، وهو المعبود بالحقِّ ، وما شرع له من العبادات، واليوم الآخر: الإيمان بالمعاد بالآخرة، وما يكون فيها من أهوال يوم القيامة، وما يُنتهى إليه بعد ذلك من الجنة والنار، فجمع بين هذا وهذا: بين المبدأ والمعاد، والإيمان بالله وما شُرع له من الدين، وما أخبر به عن الماضين، واليوم الآخر وما يكون فيه من الأمور العظيمة التي تنتهي بعد ذلك بدخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.

هذا كله جاء به عليه الصلاة والسلام، فعلى أتباعه الإيمان بهذا وهذا: الإيمان بالمبدأ والأخبار التي أخبر بها -الصادقة- وهو الهدى، والإيمان باليوم الآخر وما بعده من الأهوال، وما يكون هناك، إلى انتهاء أمر العالم بدخول الجنة أو النار، وبهذا ينتهي أمر العالم.

كما جمع بينهما في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8]، وقال تعالى: مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان:28].

الشيخ: يعني: في السهولة عليه ، فإنه : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، كل شيءٍ يسير عليه جلَّ وعلا: مَا خَلْقُكُمْ هذا المبدأ، وَلَا بَعْثُكُمْ هذه النهاية.

وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم:27].

وقد بَيَّن الله تعالى على لسان رسوله ﷺ من أَمْرِ الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده، وكشف به مُراده.

ومعلومٌ للمؤمنين أنَّ رسول الله ﷺ أعلم بذلك من غيره، وأنصح للأمة من غيره.

الشيخ: هذا معلوم عند جميع أهل العلم: أن الرسول أعلم بهذا، وأنصح الناس .....، والناس لا يعلمون ذلك، وليس عندهم خبر إلا بما وجدوه في الصحف التي فيها الصدق والكذب، أما هذا فهو يتلقى الأخبار عن أصدق الخلق؛ عن الرب ، وأما كونه أنصح الناس فلأنَّ الله جعله رحمةً للعالمين، وجبله على خير الأخلاق، وعلى خير الصِّفات، وجبله على الصدق، وأمره به، فكان أصدق الناس، وأنصح الناس.

وأفصح من غيره عبارةً وبيانًا.

الشيخ: كذلك جعله الله أفصح الناس عبارةً وبيانًا، وهو قادر على بيان ما بعثه الله به، يُبينه بأوضح عبارةٍ، وأبين عبارةٍ؛ حتى لا تخفى على المستمع.

بل هو أعلم الخلق بذلك، وأنصح الخلق للأمة، وأفصحهم، وقد اجتمع في حقِّه ﷺ كمال العلم والقُدرة والإرادة.

ومعلومٌ أنَّ المتكلم إذا كمل علمه وقُدرته وإرادته: كمل كلامه وفعله، وإنما يدخل النَّقص إما من نقص علمه، وإما من عجزه عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان.

والرسول ﷺ هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين، والغاية في القُدرة على البلاغ المبين، ومع وجود القُدرة التامّة والإرادة الجازمة: يجب وجود المراد، فعُلم قطعًا أنَّ ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مُراده من البيان، وما أراده من البيان هو مُطابق لعلمه، وعلمه بذلك هو أكمل العلوم.

الشيخ: وهذا كله ردٌّ على المتكلمين والفلاسفة وغيرهم ممن ساءت ظنونهم، وزعموا أنه لم يُبَلِّغ، وإنما خيل للناس، فهو ﷺ أفضل الناس علمًا، وأكملهم بيانًا، وأكملهم نصحًا، متى تضافرت هذه الأمور لا يتأخّر البيان؛ ولهذا بلَّغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، وجعله الله رحمةً للعالمين، وهذا كله مما بيَّنه للناس، وهداهم إليه، وأرشدهم إليه بما أعطاه من علمٍ وقُدرةٍ وبيانٍ، فمَن زعم خلاف ذلك فقد ساءت ظنونه بالله، وساءت ظنونه بالرسول عليه الصلاة والسلام، فيكون من أكفر الناس وأضلهم.

فكل مَن ظنَّ أن غير الرسول ﷺ أعلم بهذه منه، أو أكمل بيانًا منه، أو أحرص على هدي الخلق منه، فهو من الملحدين، لا من المؤمنين، والصحابة والتابعون [لهم بإحسانٍ] ومَن سلك سبيل السَّلف هم في هذا الباب على [سبيل] الاستقامة.

وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف: أهل التَّخييل، وأهل التَّأويل، وأهل التَّجهيل.

فأهل التَّخييل: هم المتفلسفة ومَن سلك سبيلهم من مُتكلم ومُتصوف ومُتفقه.

فإنهم يقولون: إنَّ ما ذكره الرسولُ ﷺ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق؛ لينتفع به الجمهور، لا أنه بَيَّنَ به الحقّ، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح الحقائق.

ثم هم على قسمين:

منهم مَن يقول: إنَّ الرسول ﷺ لم يعلم الحقائق على ما هي عليه.

ويقولون: إنَّ من الفلاسفة الإلهية مَن علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يُسمونهم: أولياء مَن علمها، ويزعمون أنَّ من الفلاسفة أو الأولياء مَن هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة، وباطنية الصوفية.

ومنهم مَن يقول: بل الرسول عَلِمَها، لكن لم يُبيِّنها، وإنما تكلم بما يُناقضها، وأراد من الخلق فَهْمَ ما يُناقضها؛ لأنَّ مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تُطابق الحقَّ.

ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التَّجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويُخبرهم بأنَّ أهل الجنة يأكلون ويشربون، مع أنَّ ذلك باطل؛ لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد.

فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر.

الشيخ: وهؤلاء هم أكفر الناس وأضلهم وأبعدهم عن الهدى؛ حيث نسبوا الرسل إلى التَّجهيل، وإلى التَّخييل، وأنهم أتوا بغير الحقيقة، وأنهم زعموا للناس أشياء لا حقيقةَ لها، وهذا من أكفر الكفر، وأضل الضّلال، نسأل الله العافية، وهذا قول الفلاسفة الملحدين الذين لا يعرفون ربًّا ولا إلهًا ولا دينًا، وهكذا مَن تبعهم من الملاحدة من الرَّافضة والصوفية وغيرهم، نسأل الله العافية.

وأما الأعمال: فمنهم مَن يقرّها، ومنهم مَن يُجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يُؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويُؤمر بها العامَّة دون الخاصَّة، وهذه طريقة الباطنية الملاحدة، والإسماعيلية، ونحوهم.

وأما أهل التَّأويل فيقولون: إنَّ النصوص الواردة في الصِّفات لم يقصد بها الرسولُ ﷺ أن يعتقد الناسُ الباطلَ، ولكن قصد بها معانٍ، ولم يُبين لهم تلك المعاني، ولا دَلَّهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحقَّ بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومُقتضاه، ويعرفوا الحقَّ من غير جهته، وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومَن دخل معهم في شيءٍ من ذلك.

والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء؛ إذ كان نفور الناس عن الأَوَّلين مشهورًا، بخلاف هؤلاء؛ فإنَّهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرةٍ، وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، ولكن أولئك الملاحدة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادَّعوه في نصوص الصِّفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أنَّ الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا الشُّبَه المانعة منه.

وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أنَّ الرسل جاءت بإثبات الصِّفات، ونصوص الصِّفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد.

ويقولون لهم: معلوم أنَّ مشركي العرب وغيرهم كانوا يُنكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول، وناظروه عليه، بخلاف الصِّفات، فإنه لم يُنكر شيئًا منها أحدٌ من العرب.

فعُلم أنَّ إقرار العقول بالصِّفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصِّفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصِّفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟!

الشيخ: وهذا كله واضح في الرد على الجهمية والمعتزلة، فإنَّ نصوص الصِّفات أوضح شيءٍ وأظهر شيءٍ، قد جاء بها الكتاب العزيز الذي هو أصدق الكلام، وجاءت بها السنة الصحيحة، فعُلم بذلك أنَّ صفات الرب وأسمائه أمر ثابت وحقّ، حتى جاهلية الجاهلية لم تُنكر ذلك.

فإثبات الصِّفات والأسماء أعظم وأكبر في الأدلة من إثبات المعاد والجنة والنار وغير ذلك، فإذا ساغ لهؤلاء المجرمين أن يتأوَّلوها فتحوا الباب للملاحدة في تأويل آيات المعاد وما يتعلق بنصوص المعاد من كتابٍ وسنةٍ؛ ولهذا أجمع أهلُ السنة والجماعة على الرد على هؤلاء وهؤلاء، وأن شبهات الفلاسفة باطلة، وهكذا شبهات أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة ومَن سلك سبيلهم من أبطل الباطل، وأضل الضَّلال، والنصوص واضحة بينة ثابتة في بيان ما أخبر الله به من معاد الأبدان، وما يكون نهاية أهل الجنة وأهل النار، وما أعدَّ لهؤلاء وهؤلاء، كل ذلك من أوضح النصوص، ومن أبين النصوص، وهي أمور قطعية، قطع بها المؤمنون والمسلمون، وكذلك الصِّفات سواء بسواءٍ من باب أولى.

وأيضًا فقد عُلم أنه ﷺ قد ذمَّ أهلَ الكتاب على ما حرَّفوه وبدَّلوه، ومعلوم أنَّ التوراة مملوءة من ذكر الصِّفات، فلو كان هذا مما حرّف وبدّل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصِّفات يضحك تعجبًا منهم وتصديقًا؟ ولم يَعِبْهُم قط بما تعيب النُّفاةُ لأهل الإثبات، مثل: لفظ التَّجسيم والتَّشبيه ونحو ذلك، بل عابهم بقولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64]، وقولهم: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]، وقولهم: استراح لما خلق السَّماوات والأرض، فقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق:38].

الشيخ: وهذا كله يدل على قلة أدب اليهود، وعدم إيمانهم، وقلة بصائرهم، وعدم الحياء؛ ولهذا قالوا هذه المقالات الشنيعة: يد الله مغلولة! إنَّ الله فقير ونحن أغنياء! استراح لما فرغ من السَّماوات والأرض! وجعلوا يوم السبت هو يوم الاستراحة. وكل هذا من أكاذيبهم وأباطيلهم الشَّنيعة التي قالوها عن غير حياءٍ، وعن غير أدبٍ، وعن غير مُبالاةٍ لفظاعة كفرهم وضلالهم، نسأل الله العافية.

والتَّوراة مملوءة من الصِّفات المطابقة للصِّفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا جاز أن نتأول الصِّفات التي اتَّفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يُعلم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه باطل، فالأول أولى بالبطلان.

الشيخ: قبَّحهم الله.

وأما الصنف الثالث: وهم أهل التَّجهيل، فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف، يقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصِّفات، ولا جبريل يعرف معاني [تلك] الآيات، ولا السَّابقون الأولون عرفوا ذلك.

وكذلك قولهم في أحاديث الصِّفات: إنَّ معناها لا يعلمه إلا الله، مع أنَّ الرسول تكلم بها ابتداءً، فعلى قولهم تكلم بكلامٍ لا يُعرف معناه.

وهؤلاء يظنون أنهم اتَّبعوا قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [آل عمران:7]، فإنه وقف كثيرٌ من السلف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وهو وقف صحيح، [لكن] لم يُفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التَّأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه، وظنوا أنَّ التأويل [المذكور] في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخّرين، وغلطوا في ذلك؛ فإن لفظ التَّأويل يُراد به ثلاث معانٍ:

  • فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح؛ لدليلٍ يقترن بذلك.

فلا يكون معنى اللَّفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلًا على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أنَّ مُراد الله بلفظ التأويل ذلك، وأنَّ للنصوص تأويلًا مخالفًا لمدلولها، لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه المتأوِّلون.

ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها، فظاهرها مراد. مع قولهم: إنَّ لها تأويلًا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله. وهذا تناقض وقع فيه كثيرٌ من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم.

  • والمعنى الثاني: [أن] التَّأويل هو تفسير الكلام، سواء وافق ظاهره أو لم يُوافقه.

وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم، وهذا التأويل يعلمه الرَّاسخون في العلم، وهو موافق لوقف مَن وقف من السلف على قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]، كما نُقل ذلك عن: ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق، وابن قتيبة، وغيرهم.

وكلا القولين حقٌّ باعتبار، كما قد بسطناه في مواضع أُخَر؛ ولهذا نُقل عن ابن عباسٍ هذا وهذا، وكلاهما حقّ.

  • والمعنى الثالث: أن التأويل: هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، وإن وافقت ظاهره، فتأويل ما أخبر به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك هو الحقائق الموجودة أنفسها، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان، ويُعبر عنه باللسان، وهذا هو التأويل في لغة القرآن، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام أنه قال: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا [يوسف:100].

الشيخ: يعني: هذا ما آلت إليه، هذه حقيقتها برزت، فسجد له أبواه، وسجد له إخوته: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4]، جاء تأويلها يعني: حقيقتها، بعدما تولى الأمر، فدخلوا عليه وسجدوا له، هذا تأويلها، وهكذا قوله جلَّ وعلا: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:53]، تأويله: ما يُشاهده الناس يوم القيامة من الجزاء والحساب ونصب الميزان، ونشر الصحف، ودخول الجنة، ودخول النار، هذا تأويل ما أخبر الله به جلَّ وعلا.

فالتأويل ثلاثة أقسام:

  • القسم الأول: ما ذكره المؤلفُ من اصطلاح المتكلمين، وهو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى المرجوح؛ لدليلٍ يقترن بذلك، وهذا أحدثه أهلُ الكلام، وليس هو التأويل المراد بشرع الله، وفي كلام رسوله عليه الصلاة والسلام، بل هذا أحدثوه، وجروا به الآيات والأحاديث إلى أهوائهم وإلى مُراداتهم.
  • القسم الثاني: تفسير الكلام بما دلَّ عليه السياق، ودلَّ عليه المعنى، ودلَّت عليه الأدلةُ، سواء كان وافق ظاهره أو لم يُوافق ظاهره من بعض الوجوه، لكنه دلَّت عليه الأدلة، فهذا هو تفسير الكلام، مثلما قال ابنُ جرير: القول بتأويل قوله تعالى كذا وكذا، وهو تفسير الكلام بما يتبين من سياق الكلام، أو من مجموع الأدلة.
  • والتأويل الثالث: الحقائق التي أخبر الله عنها، يعني: ما يؤول إليه الكلام من الحقائق، تأويل الرؤيا: ما يقع منها في الخارج، وتأويل ما أخبر الله به يوم القيامة: ما يقع يوم القيامة من الحساب والجزاء، وهكذا الجنة والنار، وغير ذلك.

س: ..............؟

ج: كان مشروعًا في زمانهم، من باب التَّحية، من باب الإكرام والتَّحية، وأما في شريعة محمدٍ نُسخ هذا.

وقال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:53]، وقال تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59].

وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله.

فتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلفُ -كمالك وغيره- : "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، فالاستواء معلوم، يُعلم معناه وتفسيره، ويُترجم بلغةٍ أخرى، وهو من التأويل الذي يعلمه الرَّاسخون في العلم. وأما كيفية ذلك الاستواء: فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

الشيخ: وهكذا بقية الصِّفات، الكيفية من التَّأويل الذي يعلمه الله وحده سبحانه، أما تفسير الآيات التي فيها الصِّفات فمعلوم للراسخين في العلم، معلوم لأهل الإيمان بلغة العرب: السميع معلوم تأويله، وأنه سماع الأصوات، والبصر: رؤية الأشياء، والعلم ..... بالأشياء، والإحاطة بها، والقُدرة ضد العجز، هذه معلومة، وهكذا اليد والوجه والقدم، كل هذه صفات معلومة، لكن لا يعلم كيفيتها إلا هو .

فصفات الله وأسماؤه معلومة المعاني، لكن لا يعلم كيفيتها إلا هو جلَّ وعلا؛ ولهذا قال مالك وربيعة وأم سلمة والسلف بعدهم: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

وهكذا يقال: السَّمع معلوم، والبصر معلوم، واليد معلومة، والوجه معلوم، والإيمان بذلك واجب، والكيف مجهول، وهكذا بقية الصِّفات: الضحك والرضا والغضب، فالغضب معروف، ضدّ الرضا، والرضا معروف أنه ضدّ الغضب، ولكن لا يعلم كيفية رضاه وكيفية غضبه إلا هو جلَّ وعلا، لكن معروف ما ينتج عن الغضب من العقوبات والنّقمات، وما ينتج عن الرضا من الرحمة والإحسان والإكرام، إلى غير ذلك.

س: "السؤال عنه بدعة" عن أي شيءٍ؟

ج: عن الكيفية يعني؛ لأنَّ الصحابة ما سألوا الرسولَ عن الكيفية؛ لأنه لا يعلمها إلا الله ، الصحابة سمعوا وأجابوا وآمنوا وصدَّقوا ولم يسألوا عن الكيفية؛ لأنَّ الكيفية أمرها مختص بالله، لا يعلمها إلا هو .

س: حديث الرسول ﷺ الذي يقول فيه: إنَّ الله خلق آدم على صورته؟

ج: صورة تليق بالله جلَّ وعلا، يعني: أن آدم سميع، بصير، يتكلم، وله وجه، والله سميع، بصير، يتكلم، وله وجه، ولكن ليس الوجه كالوجه، وليست الصورة كالصورة، وليس العلم كالعلم، وليس الكلام كالكلام، وهكذا.

س: ..............؟

ج: صورة تليق بالله، صورة المخلوق تليق به، وصورة الله تليق به ، مثلما قال في حديث يوم القيامة: إذا جاءهم سبحانه على صورته سجدوا له.

وقد رُوِي عن ابن عباسٍ ما ذكره عبدالرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: "تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العربُ من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ، مَن ادَّعى علمه فهو كاذب".

وهذا كما قال تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]، وقال النبي ﷺ: يقول الله: أعددتُ لعبادي الصَّالحين ما لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قَلْبِ بَشَرٍ.

وكذلك عِلْم السَّاعة ونحو ذلك، فهذا من التَّأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وإن كنا نفهم معاني ما خُوطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه، كما قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وقال تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون:68]، فأمر بتدبر القرآن كله، لا بتدبر بعضه.

وقال أبو عبدالرحمن السّلمي: حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان، وعبدالله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا.

الشيخ: وهكذا ينبغي، لولا أنه يُفهم وله معنًى يُفهم لما قالوا: فتعلمنا العلم والعمل جميعًا. المعاني التي أُمرنا بها، وأُمرنا بتدبرها والعمل بها معلومة، كما نعرف: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:189]، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، وما أشبه ذلك.

فأشياء -مثلما قال ابن عباسٍ- تُعرف من لغة العرب، وأشياء يعرفها الرَّاسخون في العلم، وأشياء لا عذرَ لأحدٍ بجهالتها: كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك. النوع الرابع: هو الذي لا يعلمه إلا الله ، وهو علم الغيب وكيفية الصِّفات.

وقال مجاهد: "عرضتُ المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته، أقف عند كل آيةٍ أسأله عنها".

وقال الشعبي: "ما ابتدع أحدٌ بدعةً إلا وفي كتاب الله بيانها".

وقال مسروق: "ما سُئل أصحابُ محمدٍ ﷺ عن شيءٍ إلا وعِلْمُه في القرآن، ولكن عِلْمُنا قَصُرَ عنه".

الشيخ: ويجوز النَّصب: "ولكن علمنا"، إن سكنت رفعت، وإن حرَّكت نصبت.

وهذا بابٌ واسعٌ قد بُسط في موضعه.

والمقصود هنا التَّنبيه على [أُصول] المقالات الفاسدة التي أوجبت الضَّلال في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وأنَّ مَن جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أُنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسّمعيات؛ لم يجعل القرآن هدًى ولا بيانًا للناس.

الشيخ: المقصود من هذا أصول المقالات الفاسدة التي قالها المتكلمون والزَّنادقة والفلاسفة، مثلما تقدم في قول أهل التَّخييل والتَّجهيل والتَّأويل وغيرهم ممن تكلم في أصول الدِّين بغير علمٍ، أراد المؤلفُ أن يُبين فساد مقالاتهم، وأن الذي عليه أهلُ الحق هو الصواب؛ من الإيمان بأنَّ الرسول ﷺ بلَّغ عن الله رسالاته، وأنه لا ينطق عن الهوى، وأنه أعلم الناس بما جاء عن ربه جلَّ وعلا، فهو أخبر عن ربه بما يعلم معناه، وبلَّغه الأمة من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

فالواجب على الأمة التَّصديق بذلك، والإيمان بذلك، والانقياد لذلك، واطراح هذه المقالات الفاسدة التي قالها الزَّنادقة والمتكلمون الضَّالون وأهل التَّصوف فيما أخطأوا فيه، وضلوا فيه عن السَّبيل، وألا يلتفت إلى مقالاتهم الضَّالة، فالله جلَّ وعلا قال: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ۝ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ۝ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1- 4]، فما قاله عن الله وثبت عنه فهو الحقّ، وإن جهله هؤلاء الضَّالون ولم يعرفوه، وكذلك ما أخبر من أسمائه وصفاته حقّ لائقة بالله ، وهي كمال تليق به جلَّ وعلا، لا يُشابه فيها خلقه ، وهكذا ما أخبر عن الجنة والنار: من نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وما في الجنة من أنواع الخيرات، وما في النار من أنواع العذاب، كله حق أخبر به النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وأخبر به القرآنُ، فوجب الأخذ بذلك، والتصديق بذلك، واطراح المقالات الضَّالة المخالفة لذلك.

ثم هؤلاء يُنكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول ﷺ وأمته في باب معرفة الله لا علومًا عقليةً ولا سمعية، وهم قد شاركوا [في هذا] الملاحدة من وجوهٍ متعددةٍ، وهم مخطئون فيما نسبوه إلى الرسول ﷺ وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهلُ التَّحريف والتَّأويلات الفاسدة، وسائر أصناف الملاحدة.

ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ مَن نقل مذهبهم، إلى غير ذلك من الوجوه -بحسب ما يحتمله هذا الموضع- ما يُعلم به مذهبهم.

الشيخ: ..... أنَّ أهل السنة والجماعة هم أولى الناس بالسّمعيات، وهم أولى الناس بالعقليات الصَّحيحة، وأولئك المنحرفون هم أبعد الناس عن السَّمع الصحيح، والعقل الصحيح، فقد باءوا بالخيبة والخسارة: لا في السماع، ولا في العقل. أما أهل السنة والجماعة فقد وُفِّقوا لقبول الحقِّ الذي جاء به السمع، وقد وُفِّقوا أيضًا لما دلَّ عليه العقلُ الصحيحُ والفطرةُ السليمة الموافقة لشريعة الله .

فأولئك الضَّالون لا أصابوا العقل، ولا أصابوا السمع، وأما هؤلاء المؤمنون السَّالكون مسلك النبي ﷺ فقد وُفِّقوا لما حصل لهم من الإيمان بالله ورسوله، وما صحَّ عن الله، وعن رسوله، وقد أصابوا الفطرة السَّليمة، والعقل الصحيح؛ فالقاعدة الشرعية: أن العقول الصحيحة والفِطر السليمة لا تُخالف النقول الصَّحيحة، بل هما مُتطابقان.

روى أبو بكر البيهقي في "الأسماء والصفات" بإسنادٍ صحيحٍ عن الأوزاعي قال: كنا والتَّابعون مُتوافرون نقول: إنَّ الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونُؤمن بما وردت به السنةُ من صفاته.

الشيخ: هذا الأوزاعي: أبو عمرو الأوزاعي، عبدالرحمن بن عمرو، الأوزاعي، أحد الأئمة الكبار، وهو عالم الشام، وإليه المرجع في زمانه، كان يقول رحمه الله: كنا نقول والتابعون مُتضافرون -يعني: لاقى جمعًا كبيرًا من التابعين- إنَّ الله جلَّ وعلا فوق عرشه، أي: نُؤمن بذلك، ونُقر بذلك: أنه فوق العرش، فوق جميع الخلق ، ومع هذا نُؤمن بما ثبت في السنة من صفاته سبحانه، كما نُؤمن بما جاء به القرآنُ من صفاته جلَّ وعلا، فما جاء في القرآن من علمه وحكمته ورحمته وعلوه واستوائه على عرشه كله حقّ، وهكذا ما جاءت به السنةُ في الأحاديث الصَّحيحة؛ لأنَّ الوحي الثاني كالوحي الأول: السنة هي الوحي الثاني، والوحي الأول هو القرآن، وهو الأصل، فما جاءت به السنةُ الصحيحةُ فهو من جنس ما جاء في القرآن؛ يجب الإيمانُ به، وإثباته، وإقراره، واعتقاده، والدَّعوة إليه، والذَّب عنه.

فقد حكى الأوزاعي؛ وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التَّابعين، الذين هم: مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق، حكى شهرةَ القول في زمن التَّابعين بالإيمان بأنَّ الله فوق العرش، وبصفاته السَّمعية.

وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنَّافي لصفاته؛ ليعرف الناسُ أنَّ مذهب السَّلف كان يُخالف هذا.

وروى أبو بكر الخلال في كتاب "السنة" عن الأوزاعي قال: سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمِرُّوها كما جاءت.

ورُوي أيضًا عن الوليد بن مسلم قال: سألتُ مالكَ بن أنس، وسفيان الثَّوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصِّفات، فقالوا: أمِرُّوها كما جاءت.

وفي روايةٍ: فقالوا: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيفٍ.

الشيخ: هؤلاء هم أئمة الدِّين في زمانهم: مالك في المدينة، والثوري في العراق -في الكوفة- والأوزاعي في الشام، والليث في مصر -ابن سعد- وهم أئمة زمانهم، وعلماء زمانهم في الثقة والرواية والفقه رحمهم الله، قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيفٍ"، يعني: آمنوا بها كما جاءت عن الله وعن رسوله من غير كيفٍ، لا يعلم كيفيتها إلا هو ؛ ولهذا قال مالك لما سُئل عن الاستواء قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وهكذا جاء عن ربيعة شيخه، وأم سلمة -أم المؤمنين- وهكذا قال الليثُ بن سعدٍ المصري، وسفيان الثوري رحمه الله، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه بعده، وأحمد بن حنبل، وسفيان بن عيينة، وغيرهم من أئمة الإسلام، كلهم على هذا الطريق؛ يجب أن تمر آيات الصِّفات وأحاديثها كما جاءت، من دون تأويلٍ ولا إلحادٍ، بل تُمر كما جاءت، مع الإيمان بأنها حقّ، وأنها صفات ثابتة لله تليق به سبحانه، لا يُشابه فيها خلقه جلَّ وعلا، كما قال سبحانه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص]، فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:74]، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

فقولهم : "أمِرُّوها كما جاءت" ردٌّ على المعطلة، وقولهم: "بلا كيفٍ" ردٌّ على الممثلة.

والزهري ومكحول هما أعلم التابعين [في زمانهم]، والأربعة الباقون هم أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين.

ومن طبقتهم: حماد بن زيد، [وحماد بن سلمة، وأمثالهما].

روى أبو القاسم الأزجي بإسناده: عن مُطرِّف بن عبدالله قال: سمعتُ مالك بن أنس [إذا ذُكر عنده] مَن يدفع أحاديث الصِّفات يقول: قال عمر بن عبدالعزيز: "سَنَّ رسولُ الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحدٍ من خلق الله تغييرها، ولا النَّظر في شيءٍ خالفها، مَن اهتدى بها فهو مُهتدٍ، ومَن استنصر بها فهو منصور، ومَن خالفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولَّى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيرًا".

الشيخ: مقصود عمر : أنَّ الواجب السير على منهج السَّلف الصالح الذين تابعوا نبيَّهم ﷺ، واستقاموا على طريقه، وهم الصحابة، الواجب الأخذ بما قالوا، والسير على منهجهم في جميع الشؤون: في إثبات الصفات، وتنزيه الله عن مُشابهة خلقه، وفي اتباع الشَّريعة، وتعظيم أمر الله ونهيه، وفي غير هذا من شؤون الدِّين؛ لأنهم كانوا على الهدى المستقيم، فمَن سار على نهجهم، واستقام على طريقهم، فهو المهتدي، ومَن حاد عن سبيلهم، واتَّبع غير سبيلهم من أصحاب البدع والأهواء؛ ولَّاه الله ما تولَّى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيرًا.

وروى الخلال بإسنادٍ كلهم أئمة [ثقات]، عن سفيان بن عيينة قال: سُئل ربيعة ابن أبي عبدالرحمن عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التَّصديق".

وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة ابن أبي عبدالرحمن من غير وجهٍ.

الشيخ: وهذا هو الواجب على أهل العلم والإيمان: أنَّ الله جلَّ وعلا بعث نبيَّه ﷺ بالرسالة، بالبلاغ، فالواجب على الأمة التَّصديق والقبول، فما فسَّره لهم رسولهم فسَّروه، وما كفَّ عنه كفُّوا عنه، وما جهلوه قالوا: الله أعلم، فلا يجوز له التَّعنت والتَّكلف في شيءٍ ما جاءت به السنة، ولا بلَّغه إياهم الرسولُ ﷺ؛ ولهذا قال ربيعة ابن أبي عبدالرحمن المدني التَّابعي الجليل -شيخ مالك رحمه الله-: "الاستواء غير مجهول" يعني: معروف، معناه: أنه العلو، فوق العرش، "والكيف غير معقول" لا نعرف كيف استوى؟ لا نعرف، علينا الصَّمت وكفى، "ومن الله الرسالة" الله أرسل الرسولَ، "وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التَّصديق"، هذا واجبنا؛ أن نُصدق ما جاء به الرسول، وأن ننقاد له ونتبعه، فإذا عرفنا معناه فالحمد لله، وإن لم نعرف وكلناه إلى الله، قلنا: الله أعلم.

وهكذا قول مالك كما يأتي: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب"، وهكذا يُروى عن أم سلمة -أم المؤمنين- رضي الله عنها هذا المعنى، مثلما قال ربيعة ومالك.

وهكذا القول في جميع الصِّفات: الرحمة والقُدرة والعلم والسَّمع والبصر والضَّحك والرضا، وغير ذلك، كلها معلومة، أما الكيف فغير معقول، لا نُكيف صفات ربنا، ليس عندنا علم من ذلك، ولكن نُؤمن بها، ونمرها كما جاءت، وأنها حقّ، وأنها ثابتة لله على الوجه اللائق به جلَّ وعلا، من غير تشبيهٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تمثيلٍ، كما قال : فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل:74]، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]، إلى غير ذلك.

هذا هو الواجب عند أهل السنة والجماعة، أما ما سلكه الجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل البدع من التأويل والتَّعطيل فهو باب عند أهل السنة والجماعة.

منها: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني، وأبو بكر البيهقي، عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجلٌ فقال: يا أبا عبدالله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُّحَضَاء، ثم قال: "الاستواء غير مجهولٍ، والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مُبتدعًا"، ثم أمر به أن يُخرج. اهـ.

فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهولٍ، والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجب" موافقٌ لقول الباقين: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيفٍ"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصِّفة.

ولو كان القوم قد آمنوا باللَّفظ المجرد من غير فهمٍ لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقولٍ"، ولما قالوا: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيفٍ"، فإن الاستواء حينئذٍ لا يكون معلومًا، بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.

وأيضًا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصِّفات.

وأيضًا فإنَّ مَن ينفي الصِّفات الخبرية أو الصِّفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول: بلا كيفٍ. فمَن قال: إنَّ الله ليس على العرش. لا يحتاج أن يقول: بلا كيفٍ. فلو كان من مذهب السَّلف نفي الصِّفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.

وأيضًا فقولهم: "أمِرُّوها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على [ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالَّة على معانٍ، فلو كانت] دلالتها مُنتفيةً لكان الواجبُ [أن يُقال: أمِرُّوا ألفاظها، مع اعتقاد أنَّ المفهوم منها غير مرادٍ، أو: أمِرُّوا ألفاظها مع] اعتقاد أنَّ الله لا يُوصَف بما دلَّت عليه حقيقة، وحينئذٍ فلا [تكون قد أُمِرَّت] كما جاءت، ولا يُقال حينئذٍ: بلا كيفٍ، إذ نفي الكيفية عمَّا ليس بثابتٍ لغوٌ من القول.

الشيخ: كل هذا واضح في المعنى، وأنَّ السلف إنما أرادوا إثبات المعنى، وأنه حقّ؛ ولهذا قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيفٍ"، وقالوا: "الاستواء غير مجهولٍ، والكيف غير معقولٍ"، فعُلم بذلك أنهم أرادوا أنها صفات حقّ، وأنها ثابتة، وأن الواجب إمرارها معنًى ولفظًا، من غير تكييفٍ، ولا تمثيلٍ.

وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج:75] هذا سمع حقيقة، وبصر حقيقة، لكن لا نُكيف، لا نعلم كيفيته، ولا نُمثله بصفات المخلوقين، كما قال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

فهكذا قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقوله: يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدُهما الآخر، وقوله: إنَّ الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها، إلى غير ذلك، وقوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119].

المقصود أنها صفات يجب إثباتها كما جاءت عن الله وعن رسوله على الوجه اللائق بالله، من غير تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تمثيلٍ، هذا قول أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسانٍ.

وروى [الأثرم في "السنة"]، وأبو عبدالله ابن بطة في "الإبانة"، [وأبو عمر الطلمنكي وغيرهم] بإسنادٍ صحيحٍ، عن عبدالعزيز بن عبدالله ابن أبي سلمة الماجشون -وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم: مالك بن أنس، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب- وقد سُئل فيما جحدت به الجهمية: "أما بعد: فقد فهمتُ ما سألت عنه فيما تتابعت الجهمية ومَن خالفها في صفة الرب [العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتَّقدير، وكَلَّت الألسن عن] تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره، ردّت عظمته العقول فلم تجد مساغًا، فرجعت خاسئةً وهي حسيرة، وإنما أُمِروا بالنظر والتَّفكر فيما خلق بالتَّقدير، وإنما يُقال "كيف؟" لمن لم يكن مرة ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول، ولم يَزَلْ، وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر مَن لم يبد، ومَن لم يمت، ولا يبلى، وكيف [يكون] لصفة شيءٍ منه حدٌّ أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف، على أنه الحق المبين، لا حقَّ أحق منه، ولا شيء أبين منه.

والدليل على عجز العقول في تحقيق صفته: عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغرًا يحول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر، لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14]، وخالقهم وسيد السَّادات وربهم: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

اعرف رحمك الله غناك عن تَكلُّف صفة ما لم يصف الربُّ من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف، هل تستدل بذلك على شيءٍ من طاعته، أو تنزجر به عن شيءٍ من معصيته؟

فأما الذي جحد ما وصف الربُّ من نفسه تعمقًا وتكلفًا، فقد اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ [الأنعام:71]، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الربُّ وسمَّى من نفسه بأن [قال]: لا بدَّ إن كان له كذا من أن يكون له كذا. فعمي عن البَيِّن بالخفي، وجحد ما سمَّى الرب من نفسه بصمت الرب عمَّا لم يُسمِّ منها، فلم يزل يُملي له الشيطان حتى جحد قول الرب : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22- 23]، فقال: لا يراه أحدٌ يوم القيامة. فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه، ونضرته إياهم: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر:55]، وقد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينظرون".

إلى أن قال: "وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحُجة الضَّالة المضلة؛ لأنَّه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحدًا.

وقال المسلمون: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟

فقال رسولُ الله ﷺ: هل تُضَارُّون في رؤية الشَّمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا. قال: فهل تُضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا. قال: فإنَّكم ترون ربَّكم كذلك.

وقال رسول الله ﷺ: لا تمتلئ النار حتى يضع الجبارُ فيها قدمه، فتقول: قط، قط، وينزوي بعضُها إلى بعضٍ.

وقال لثابت بن قيس : لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة.

وقال فيما بلغنا: إنَّ الله ليضحك من أزلِكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم، فقال له رجلٌ من العرب: إنَّ ربنا ليضحك؟ [قال: نعم، قال: لا نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا. في أشباهٍ لهذا مما لم نحصه.

وقال الله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48]، وقال تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، وقال: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وقال تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

فوالله ما دلَّهُم على عِظَم ما وصفه من نفسه وما تحيط به قبضته إلا صغر [نظيرها منهم عندهم، إنَّ ذلك الذي] ألقى في روعهم، وخلق على معرفة [قلوبهم].

الشيخ: على معرفته قلوبهم.

س: على روعهم وإلا روعهم؟

ج: رُوعهم، القلب، والروع: الوجل والخوف.

فما وصف الله من نفسه فسمَّاه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سمَّاه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه، لا هذا ولا هذا، لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفةَ ما لم يصف.

الشيخ: رحمه الله، كلام عظيم جيد، ابن الماجشون هذا كلامه طيب رحمه الله.

اعلم رحمك الله أنَّ العصمة في الدِّين أن تنتهي في الدِّين حيث انتهى بك، ولا تجاوز ما قد حدَّ لك، فإنَّ من قوام الدِّين: معرفة المعروف، وإنكار المنكر، فما بسطت عليه المعرفة، وسكنت إليه الأفئدة، وذكر أصله في الكتاب والسنة، وتوارث علمه الأمة؛ فلا تخافنَّ في ذكره وصفته من ربك ما وصفه من نفسه عيبًا، ولا تتكلفنّ لما وصف لك من ذلك قدرًا.

وما أنكرته نفسك، ولم تجد ذكره في كتاب ربِّك، ولا في الحديث عن نبيك من ذكر ربك؛ فلا تتكلفن علمه بعقلك، ولا تصفه بلسانك، واصمت عنه كما صمت الربُّ عنه من نفسه، فإن تكلفك [معرفة] ما لم يصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحده الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أعظم [تكلف] ما وصف الواصفون مما لم يصف منها.

الشيخ: وهذا هو الحق، الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن ..... ابن الماجشون من أئمة العلم والهدى، وأتباع التابعين رحمه الله، وهذا الذي قاله هو الصواب، وهو الحق الذي درج عليه أصحابُ النبي ﷺ وأتباعهم بإحسانٍ، وهو أنَّ الواجب على العالم إثبات ما أثبته الله ورسوله من صفات الله وأسمائه، على الوجه اللائق بالله جلَّ وعلا، والإمساك عمَّا لم يرد في الكتاب والسنة؛ فكما أنه يجب عليك إثبات ما أثبته الله ورسوله، يجب عليك الكفّ عمَّا لم ينطق الله به ورسوله، فالدين ليس بالآراء والاستحسانات، ولكنه بالنَّقل، فما جاء عن الله ورسوله وجب السَّمع والطاعة له، والإيمان به، وإمراره كما جاء من أسماء الله وصفاته وشرائع دينه، وما لم يأتِ في كتاب الله ولا في سنة رسوله فالواجب الإمساك عنه، وألا تقول في حقِّ ربِّك إلا بعلمٍ وبصيرةٍ عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام.

ولما وقعت الجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل الكلام في هذا الباب في الخلط والآراء والاستحسانات وقعوا في الباطل، وخرجوا عن الكتاب والسنة، وكفَّرهم أهلُ السنة والجماعة، وبدَّعوهم وضللوهم، وأنكروا عليهم وحاربوهم بسبب أنهم تكلَّفوا ما لم يُنزل الله به سلطانًا، وقالوا على الله بغير علمٍ، وعلى رسوله بغير علمٍ؛ فضلوا وأضلوا، فالواجب الاتِّباع وعدم الخروج عمَّا جاءت به الأدلة الشَّرعية.

فقد والله عَزَّ المسلمون الذين يعرفون المعروفَ، وبمعرفتهم يُعرَف، ويُنكرون المنكر، وبإنكارهم يُنكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما بلغهم مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلبُ مسلم، ولا تكلَّف صفة قُدرة ولا تسمية غيره من الرب مؤمن.

وما ذكر عن الرسول ﷺ أنه سمَّاه من صفة ربِّه فهو بمنزلة ما سمَّى وما وصف الرب من نفسه.

والراسخون في العلم، الواقفون حيث انتهى علمهم، الواصفون لربهم بما وصف من نفسه، التَّاركون لما ترك من ذكرها؛ لا يُنكرون صفة ما سمَّى منها جحدًا، ولا يتكلَّفون وصفه بما لم يُسمِّ تعمُّقًا؛ لأنَّ الحقَّ تركُ ما ترك، وتسميةُ ما سمَّى، ومن يتَّبع غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]، وَهَبَ اللهُ لنا ولكم حُكْمًا، وألحَقَنا بالصَّالحين". اهـ.

وهذا كله كلام ابن الماجشون الإمام فتدبره، وانظر كيف أثبت الصِّفات، ونفى علم الكيفية؛ مُوافقةً لغيره من الأئمة، وكيف أنكر على مَن نفى الصِّفات بأنه يلزم من إثباتها كذا وكذا، كما تقوله الجهمية: أنه يلزم أن يكون جسمًا أو [عَرَضًا فيكون].

وفي كتاب "الفقه الأكبر" المشهور عند أصحاب أبي حنيفة، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبدالله البلخي، قال: سألتُ أبا حنيفة عن الفقه الأكبر، فقال: لا تكفرنَّ أحدًا بذنبٍ، ولا تنفِ أحدًا به من الإيمان، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك. ولا [تتبرأ من] أحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا تُوالي أحدًا دون أحدٍ، وأن ترد أمر عثمان [وعليّ إلى الله ].

قال أبو حنيفة: الفقه الأكبر في الدِّين خيرٌ من الفقه في العلم، ولأن يفقه الرجلُ كيف يعبد ربَّه خير من أن يجمع العلم الكثير. اهـ.

قال أبو مطيع الحكم بن عبدالله: قلتُ: أخبرني عن أفضل الفقه، قال: تعلم الرجل الإيمان، والشَّرائع، والسنن، والحدود، واختلاف الأئمة. وذكر مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القدر والرد على القدرية بكلامٍ حسنٍ ليس هذا موضعه.

ثم قال: قلتُ: فما تقول فيمَن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة؟ هل ترى ذلك؟

قال: لا.

قلت: ولمَ وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟

قال: كذلك، ولكن ما يُفسدون أكثر مما يُصلحون: من سفك الدِّماء، واستحلال الحرام.

قال: وذكر الكلام في قتال الخوارج والبُغاة، إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمَّن قال: لا أعرف ربي في السَّماء أم في الأرض: فقد كفر؛ لأنَّ الله تعالى يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وعرشه فوق سبع سماوات.

قلت: فإن قال: إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري: العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السَّماء؛ لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يُدعى من أعلى، لا من أسفل.

وفي لفظٍ: سألتُ أبا حنيفة عمَّن يقول: لا أعرف ربي في السَّماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر؛ لأنَّ الله تعالى يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وعرشه فوق سبع سماوات، قال: فإنه يقول: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، ولكن لا يدري: العرش في الأرض أو في السَّماء.

قال: إذا أنكر أنه في السَّماء فقد كفر.

الشيخ: وهذا واضح في مذهبه رحمه الله، وأنه على طريق أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ لأنَّ إنكار كون العرش في السَّماء إنكار لوجود الله في السَّماء، الله يقول: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، فمَن أنكر أنَّ الله في السماء، أو أنَّ الله فوق العرش؛ فقد كفر كما قال الإمامُ أبو حنيفة رحمه الله، وهذا إجماع أهل السنة والجماعة: أنَّ الواجب على أهل الإسلام الإيمان بأنَّ الله في السَّماء فوق العرش، وعلمه في كل مكانٍ ، لا تخفى عليه خافية.

وكذلك قول: إنَّ الفقه الأكبر هو علوم العقائد؛ لأنَّ الفروع تابعة للعقيدة، فعلم البيع والشِّراء والإجارة والنِّكاح والطلاق هذه الفروع تابعة للعقيدة وللإيمان، فالفقه الأكبر هو العلوم المتعلقة بتوحيد الله والإيمان به ، والإيمان بما أخبر به عن نفسه من صفاته وأسمائه، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.

فالواجب على كل مؤمنٍ أن يعرف هذه الأمور، وأن يعتقدها كما قال السلفُ الصالحُ، وأن يسير عليها، مؤمنًا بأنَّ الله في السَّماء، وفوق العرش، وعلمه في كل مكانٍ، وأنه سبحانه ذو الأسماء الحسنى، والصِّفات العُلا، لا شبيه له، ولا كفء له، ولا ندَّ له، ولا يُقاس بخلقه .

وأنَّ الواجب إثبات أسمائه وصفاته على الوجه اللائق به، من غير تحريفٍ، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل؛ ولهذا أنكر أبو حنيفة على هؤلاء الذين يخرجون على السلطان، ويقولون: إنهم يُفسدون أكثر مما يُصلحون. فالواجب عليهم إنكار المنكر، والدَّعوة إلى الخير، لكن بغير السلاح، فأما الخروج بالسلاح لقتل المسلمين وقتال ولاة الأمور بزعمهم أنهم يُنكرون المنكر؛ فهذا عمل الخوارج، وعمل المعتزلة الذين أفسدوا فيه أكثر مما أصلحوا، وفعلوا خلاف ما أمر به النبيُّ ﷺ؛ لأنَّ الرسول قال: مَن رأى من أميره شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يدًا من طاعةٍ، وقال: يلي عليكم أُمراء تعرفون وتُنكرون، قالوا: أفلا نُقاتلهم؟ قال: لا، أدّوا إليهم حقَّهم، وسلوا الله الذي لكم، إلا أن تروا كفرًا بواحًا، وفي اللفظ الآخر: ما أقاموا فيكم الصلاة.

ولكن هؤلاء الذين أيضًا يُقاتلون لا يجوز الخروج عليهم إلا على بصيرةٍ، وعلى علمٍ، وعلى قدرةٍ أنهم يُزيلون المنكر، أما هؤلاء الجهلة الذين يُريدون الخروج بزعمهم، ويقتلون الناس، وُيؤذون الناس، ويقتلون المسلمين على غير بصيرةٍ؛ هؤلاء ليس لهم خروج، إنما الخروج على مَن قدر على ذلك ورأى كفرًا بواحًا على قومٍ ما أقاموا الصلاة، أو أظهروا كفرًا بواحًا وغير ذلك، بشرط أن يكون ذلك القيام يحصل به المقصود، ولا يحصل به ما هو أنكر منه.

س: الذين يقولون: إنَّ الله في كل مكانٍ، هل يكفرون بذلك؟

ج: نعم.

ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كَفَّر الواقفَ الذي يقول: لا أعرف ربي في السَّماء أم في الأرض؟ فكيف يكون الجاحدُ النَّافي الذي يقول: ليس في السَّماء، [أو ليس في الأرض ولا في السَّماء؟]، واحتجَّ على كفره بقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] قال: وعرشه فوق سبع سماوات.

وبَيَّنَ بهذا أنَّ قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى يُبين أنَّ الله فوق السَّماوات، فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دلَّ على أنَّ الله بنفسه فوق العرش، ثم أردف ذلك بتكفير مَن قال: إنه على العرش استوى، ولكن توقف في كون العرش في السَّماء أم في الأرض. قال: لأنه أنكر أنه في السَّماء؛ لأنَّ الله في أعلى عليين، وأنه يُدْعَى من أعلى، لا من أسفل، وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير مَن أنكر أن يكون الله في السَّماء، واحتجَّ على ذلك بأنَّ الله تعالى في أعلى عليين، وأنه يُدعى من أعلى، لا من أسفل، وكل من هاتين الحجَّتين فطرية عقلية، فإنَّ القلوب مفطورة على [الإقرار] بأنَّ الله في العلو، وعلى أنه يُدْعَى من أعلى، لا من أسفل، وقد جاء اللَّفظ الآخر صريحًا عنه بذلك، فقال: إذا أنكر أنه في السَّماء فقد كفر.

وروى هذا اللفظ عنه بالإسناد شيخُ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي بإسناده في كتاب "الفاروق".

وروى هو أيضًا وابنُ أبي حاتم: أن هشام بن عبيدالله الرازي -صاحب محمد بن الحسن، قاضي الرّي- حبس رجلًا في التَّجهم، فتاب، فجيء به إلى هشام ليُطلقه، فقال: الحمد لله على التوبة. فامتحنه هشام، فقال: أتشهد أنَّ الله على عرشه، بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أنَّ الله على عرشه، ولا أدري: ما بائن من خلقه. فقال: ردّوه إلى الحبس، فإنه لم يتب.

الشيخ: معنى "بائن" يعني: منفصل من خلقه، يعني: فوق العرش، فوق جميع الخلق.

وروى أيضًا عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إنَّ الله على العرش، بائن من الخلق، وقد [أحاط] بكلِّ شيءٍ علمًا، وأحصى كل شيءٍ عددًا، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضِلّيل، وهالك مرتاب [يمزج] الله بخلقه، ويخلط منه الذَّات بالأقذار والأنتان.

وروى أيضًا عن ابن المديني [لما سُئل: ما قول] أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام، وأنَّ الله فوق السَّماوات، على العرش استوى؛ [فسُئل عن قوله تعالى:] مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7]، فقال: اقرأ ما قبلها: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.

الشيخ: يعني: أنه معهم بعلمه واطِّلاعه عليهم، وهو فوق العرش ، لا تخفى عليه خافية جلَّ وعلا؛ ولهذا بدأ الآية بالعلم، وختمها بالعلم .

وروى أيضًا عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه، وعلمه وقُدرته وسلطانه في كل مكانٍ.

وروى عن أبي زُرْعَة الرازي أنه سُئل عن تفسير قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] فقال: تفسيره كما تقرأ، هو على العرش، وعلمه في كل مكانٍ، مَن قال غير هذا فعليه لعنة الله.

وروى أبو القاسم اللالكائي الحافظ الطبري -صاحب أبي حامد الإسفراييني- في "أصول السنة" بإسناده، عن محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- قال: اتَّفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثِّقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ، من غير تفسيرٍ، ولا وصفٍ، ولا تشبيهٍ، فمَن فسَّر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج عمَّا كان عليه النبي ﷺ، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يُفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة، ثم سكتوا، فمَن قال بقول جَهْمٍ فقد فارق الجماعة، فإنَّه قد وصفه بصفة لا شيء. اهـ.

محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكى على هذا الإجماع، وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السَّلبية غالبًا، أو دائمًا.

و[قوله: "من غير تفسيرٍ" أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصِّفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتَّابعون من الإثبات].

الشيخ: هذا الذي قاله محمد بن الحسن هو إجماع أهل السنة والجماعة، وهو إجماع أصحاب النبي ﷺ ومَن تبعهم بإحسانٍ، وهو إمرار آيات الصِّفات وأحاديثها كما جاءت، من غير تأويلٍ، بل يمرونها كما جاءت، مع الإيمان بها، واعتقاد أنها حقٌّ، ولا تُفسر بتفسير الجهمية، وهو التأويل لها، وسلبها، ونفيها، أو تكييفها، كل هذا باطل، بل تُمر كما جاءت، مع الإيمان بأنها حقّ، وأنها صفات لله، لائقة به، وأنها صفات كمال، ليس فيها نقص، وليس فيها تشبيه لله بخلقه، فيقرؤون: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156]، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، وأشباه ذلك: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:27]، يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدُهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، إنَّ الله ليرضى عن العبد .. إلى غير هذا، فيُمرونها كما جاءت: صفة الرحمة، وصفة الغضب، وصفة الرضا، اليد، والوجه، إلى غير هذا، ويعلمون أنها حقّ، وأنها صفات لائقة بالله، ثابتة لله على الوجه اللائق به ، كما يقول جلَّ وعلا: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]، فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل:74]، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

هكذا أهل السنة والجماعة يُمرونها مع الإيمان بها، وأنها حقّ، أما تأويل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم فهذا كله لا يصلح، كله باطل.