25- من حديث (الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة)

بَابُ الْوَصَايَا

965- عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

966- وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

967- وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فهذه الأحاديث تتعلق بالوصية، والوصية مشروعة للمؤمن، إذا كان له شيء فيُوصي فيه، دَيْنٌ عليه ليس عليه بينةٌ يجب عليه أن يُوصي فيه، يُحبُّ أن يُوصي بالثلث أو بالربع أو بالخمس يُستحبّ له أن يُبادر بذلك، حتى لا يعرضَ له عارضٌ يحول بينه وبين ذلك؛ ولهذا في حديث ابن عمر يقول ﷺ: ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيء يُريد أن يُوصي فيه يبيتُ ليلتين إلا ووصيتُه مكتوبة عنده، هذا هو السنة إذا كان له شيءٌ يُريد أن يُوصي فيه، وهذا فيه تفصيلٌ: إن كان دَيْنًا أو حقوقًا عليه ليس عليها بينات يجب عليه أن يُوصي بها: بالدَّين لأهله، والحقوق التي عليه لأهلها، أما إذا كان شيئًا مُستحبًّا: كالوصية بالثلث أو بالربع، أو بصدقةٍ لأحد، فهذا يُستحب له أن يُبادر به؛ حتى لا يهجم عليه الأجلُ وهو لم يفعل هذا الخير، فالسنة له أن يُبادر بكتابة الوصية قبل هجوم الأجل، وهذا يختلف: فتارةً تكون المبادرة واجبةً، وتارةً تكون مستحبَّةً، على حسب الحال.

وفي حديث سعد بن أبي وقَّاص -وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو سعد بن مالك بن أبي وقاص الزهري - أصابه مرضٌ في حجة الوداع، فقال: يا رسول الله، قد بلغني من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ، وليس لي إلا ابنة واحدة... قال: لا، قال: الثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً –يعني: فقراء- يتكفَّفون الناس يعني: يسألون الناس، الحديث طويلٌ، لكن هذا المقصود منه، هذا يدل على أنه ليس للشخص أن يُوصي بأكثر من الثلث، وإذا كان ولا بد فالثلث، والثلث كثير، هذا أكثر ما يُباح له: الثلث، عند الموت يُوصي به بعد الموت: الثلث، أو الربع، أو الخمس، وقد أوصى الصديقُ بالخمس وقال: "رضيتُ بما رضي الله به، وهو خمس الغنيمة"، وقال ابنُ عباسٍ: "لو أنَّ الناس غضُّوا من الثلث إلى الربع؛ لأنَّ الرسول قال: الثلث، والثلث كثيرٌ".

فإذا أوصى بالربع أو بالخمس إن كان له مالٌ كثيرٌ، فكونه ينزل عن الثلث أولى، في وجوه البرِّ وأعمال الخير: كالصدقة على الفقراء والمحتاجين من الذرية، وتعمير المساجد والربط، والإنفاق في سبيل الله، إلى غير هذا من وجوه البرِّ، أما إن أوصى بالزيادة على الثلث فلا، لا تنفذ إلا برضا الورثة؛ لأنَّ الحقَّ لهم، فإذا رضوا وهم مُكلَّفون مرشدون فلا بأس بالزيادة؛ لقوله كما جاء في روايةٍ: إلا أن يشاء الورثةُ.

والحديث الثالث حديث عائشة: أنَّ رجلًا قال: "يا رسول الله، إنَّ أمي افتلتت نفسها"، نفس: يحتمل الرفع؛ لأنها نائب فاعل، ويحتمل المفعول، وأنها افتلتت، يعني: المرأة، أمه، افتلتت هي، يعني: سبقها الموت وافتلتت نفسها، ومعنى "افتلتت نفسها" يعني: أُخذت بسرعة، ما أمكنها أن تُوصي، والحاصل أنها ماتت ولم تُوصِ، هذا المقصود، تُوفيت ولم تُوصِ، "أفلها أجرٌ إن تصدَّقْتُ عنها؟" قال النبيُّ: نعم، هذا يُفيد أنَّ الصدقة على الميت تنفعه، سواء كانت أمًا أو أبًا أو غيرهما.

ومن هذا الباب ما تقدَّم في الحديث: قوله ﷺ: إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية... الحديث.

فالسنة للمؤمن أن يتصدَّق لوالديه، يدعو لوالديه؛ لأنَّ لهما حقًّا عظيمًا، فالسنة أن يدعو لهما، ويتصدَّق عنهما؛ لأنَّ في ذلك مصلحةً لهما، ولهذا قال ﷺ لما قال له رجلٌ: يا رسول الله، هل بقي من برِّ أبوي شيءٌ أبرُّهما به؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما –يعني: الوصية- وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا تُوصل إلا بهما، كل هذا مما ينفعهما بعد الموت، ومن برِّهما أيضًا.

 

الأسئلة:

س: صدقة تصدّقها، يقول: هذه عني وعن والدتي وعن والدي؟

ج: النية تكفي.

س: ماذا؟

ج: ما يحتاج كلامًا، النية.

س: لأنه يعمّها الأموات والأحياء؟

ج: النية كافية، إذا تبرع بشيءٍ وأعطاه الفقراء ناويًا عنه، وعن أبيه وأمه، وعن زوجته، وعن أولاده، عمَّهم فضل الله.

س: كل صدقةٍ يفعلها؟

ج: له الأجر إن شاء الله.

س: يعني: لا بأس بالتِّعداد؟

ج: نعم.

س: أليس ابنُ عمر يسأل على الوصية ..؟

ج: لا، عام، عام: وله شيء يريد أن يُوصي به، سواء تبرُّعًا أو واجبًا، ليس من حقِّه التَّساهل، بل من حقِّه أن يُبادر قبل أن يهجم عليه الأجلُ، وليس صريحًا بالوجوب، ولكن فيه التَّحريض.

س: ...........؟

ج: ..... من حقِّه أن يتساهل، من حقِّه أن يأخذ بالحزم.

س: مَن كان لديه دَيْنٌ عند أناسٍ، هل يجب أن يكتب الوصيةَ أو يُستحبّ؟

ج: هو بالخيار: إن أراد أن يُوفي الدَّين يُوفيه، وإن أراد أن يُوصي يُوصي؛ حتى لا يضيع الحقُّ، حتى يحفظها للورثة، إلا إذا أحبَّ أن يهديهم يكتب براءتهم من الثلث، أو يهديهم وهو حيٌّ صحيحٌ سليمٌ، أما إن كانت وصيةً تكون من الثلث، أما إذا كان لا، هو صحيحٌ، وأحبَّ أن يبرأهم لهم خير من باب الإحسان.

س: هل يُشهد على الوصية؟

ج: لا بدَّ أن يُشهد اثنين على الوصية حتى تجمع، إلا إذا كان يعرف قلمه، يحتجّ بقلمه، إذا كان قلمه وختمه يحتجّ به، لكن كونه يُشهد أحوط له؛ حتى لا ..... قلمه ويقول: ما يُعرف.

س: دليل على العموم؟

ج: ماذا؟

س: الشَّهادة على الوصية: العموم؟

ج: نعم.

س: في الآيات آية الدَّين؟

ج: الآية، والأدلة الكثيرة؛ لأنَّ الناس ما يُعطون بدعواهم، لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادَّعى أناسٌ دماء أناسٍ وأموالهم، لو قال واحدٌ من الورثة: إن أبي أوصى لي بكذا، ما يُقبل، أو قال: .....، ما يُقبل إلا ببينةٍ.

س: الصلاة للميت، ثواب الصلاة للميت؟

ج: الصلاة ما ورد فيها شيء، الصوم إذا كان عليه صوم، مات وعليه صيامٌ يصوم عنه وليُّه، لا بأس، أو دَين، أو حجّ، الحج عنه، أو العمرة، أما الصلاة فما وردت فيها النِّيابة.

س: وقراءة القرآن؟

ج: كذلك القراءة ما فيها نيابة.

س: الذي حجَّ عن والده أو والدته ...؟

ج: إن شاء الله يُرجى له أجر الصلة والبِرِّ، يُرْجَى له أن يكون له مثل أجرهم، مثل مَن دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله.

س: ............؟

ج: لا بد من نيةٍ.

س: لو نوى أن يتصدَّق عن عشرةٍ؟

ج: نعم؟

س: نوى أن يتصدَّق عن والده ووالدته وزوجته؟

ج: له الأجر على ذلك.

س: على قدر النية؟

ج: نعم.

س: أفضل الصَّدقة عن الميت؟

ج: ما تيسَّر: دراهم، أو طعام، أو ملابس، الذي تيسَّر، ولو شقّ تمرةٍ: اتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ.

س: ما ذُكر أنَّ أفضل الصَّدقة سقي الماء؟

ج: محلُّ نظرٍ، يُروى أنه قال له في قصة سعد بن عُبادة لما أوصى لأمِّه، أوصاه بسقي الماء، ولكن ما أعرف صحَّة اللفظ، هذا أفضل الصدقة: سقي الماء، لكنه من أفضل الصَّدقات، من أفضل الصَّدقة سقي الماء.

س: ..... المقصود به عند الموت، ولكن لو كان الرجلُ مثلًا عنده مالٌ، فتصدَّق بالثلث، وبعد فترةٍ جمع ماله وتصدَّق بثلثه، وبعد فترةٍ تصدَّق بثلثه؟

ج: ما دام حيًّا يتصدَّق ولو بالجميع ما يُخالف، لكن كونه ..... بعض ماله أفضل له ما دام حيًّا صحيحًا، ما هو بمريضٍ، الصديقُ أنفق ماله كله في سبيل الله، إنما هذا في المريض، أو في الوصية خاصَّة.

س: ...........؟

ج: جاءه أولاد كثيرون ﷺ بعد النبي ﷺ، جاءه أولاد: مصعب، وعمر، وعامر، ومحمد، وإبراهيم، جماعة، رزقه الله أولادًا كثيرين .

س: هل يلزم تجديد الوصية كل فترةٍ؟

ج: ما هو بلازمٍ، إذا كان ما رجع عنها ما هو بلزومٍ أن يُجدد، أما إذا أراد أن يُغيِّر يُجدد.

س: إذا تغيرت مثلًا .....؟

ج: الديون لا، يُبين، إذا كانت ديونه عند الناس يُبين؛ حتى لا يُطالبهم الورثةُ، يُبين ..... من كذا، وباقي عند فلان كذا، وفلان أوفى، ما يوصي بالورثة، يجب عليه أن يُبين.

س: ماذا يحمل إنفاق جميع ماله: أبو بكر؟

ج: في سبيل الله؛ لأنه صاحب عملٍ، صاحب تجارةٍ، يُنفق وعنده كسبٌ والحمد لله، أما الإنسان الذي ما عنده كسبٌ فالسنة أن يُمْسِكَ بعض ماله، كما قال النبيُّ لكعب بن مالك: أمسك عليك بعضَ مالك فهو خيرٌ لك، وقال لأبي لُبابة: يكفيك الثلث، لا يجعل نفسه فقيرًا.

س: مَن كان مُقترضًا مالًا ومات قبل ليلتين، هل يأثم إذا لم يكتب الوصيَّة؟

ج: ماذا؟

س: يعني: مات قبل ليلتين، استدان من شخصٍ وتُوفي في نفس اليوم، هل يأثم؟

ج: ولم يكتب الدَّين؟ ما عليه بينة؟

س: لا، فقط ما كتبها، تُوفي وما كتبها.

ج: إذا كانت عليه بينة ما يُخالف، إذا كان مضبوطًا أنه يُؤدّى جميع القرض، وعليه شهود أو كتابة فالحمد لله يكفي، يأثم إذا تساهل والقرض أو الدَّين ما عليه بينة ولا شهود، يأثم لأنه ضيَّع حقَّ أخيه.

س: لكن الليلتين في الحديث ما لها علاقة في الإثم؟

ج: لا بأس، إذا كان الدَّينُ مضبوطًا ما عليه شيء، الذي يُوصى به الشيء الذي يُخشى منه، أما الدين المضبوط بالبينة أو بالكتابة فالحمد لله.

س: وإذا كان في سفرٍ؟

ج: ولو في سفرٍ، أو في حضرٍ، كله إذا كان مضبوطًا ما في خطر، وإذا كانت عند صاحبه وثيقة ما عليه خطر.

س: بعض الناس يُوصي بأشياء تشقّ على الورثة؟

ج: القاعدة: الثلث فأقلّ، هذه القاعدة: الوصية بالثلث فأقلّ، وإذا رأى أن يُخفف بالخمس أو بالسدس أو بالسبع يُخفف عنهم جزاه الله خيرًا، أما الحقُّ فله الثلث فأقلّ.

س: قد يكون عددهم كثيرًا؟

ج: الصَّدقة فيهم أحسن، إذا كانوا محتاجين والمال قليل فالصدقة فيهم أحسن، صدقة وصِلة.

س: الوصية بالثلث حتى ولو لم يكن في مرض الموت؟

ج: إيه، ولو، ولو صحيح، يُوصي بالثلث أو بالخمس أو بالربع ما يُخالف، سواء كان صحيحًا أو مريضًا.

س: وصايا بعض العوام بتسبيل بعض العقارات؟

ج: ما في بأس، إذا أوصى أن بيته وقف وهو قدر الثلث ما في بأس، أو أوصى بدكانٍ، أو أوصى بنخلٍ وهو قدر الثلث أو أقلّ ما يُخالف، أو أوصى بسيارةٍ أو بعيرٍ أو غنمٍ وهي أقلّ من الثلث أو قدر الثلث ما يُخالف، الناس يختلفون في البادية؛ عندهم الغنم والإبل.

س: إذا أوصى بما يُنْهَى عنه هل له أن ينفذ؟

ج: إذا أوصى بمعاصٍ لا، ما ينفذ، ما يُطاع، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أوصى بأنه يُشترى لفلانٍ خمرًا أو دخانًا أو آلات ملاهٍ؛ ما تُنفذ.

س: ولو أوصى بشيءٍ مباحٍ؟

ج: المباح ما يُخالف: أوصى لفلانٍ بأن يُعطى سيارةً، وهي من الثلث، ما فيه بأس، أو أوصى بأنه يُعطى الملابس الفلانية، أو الأواني الفلانية، أو السلاح الفلاني، وهو داخلٌ في الثلث.

 

968- وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله تعالى عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ

رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسَّنَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ.

969- وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

970- وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ; زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

971- وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ.

972- وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .

وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بعضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابُ الْوَدِيعَةِ

973- عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ.

أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفي إِسْنَادِه ضعفٌ.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فهذا الحديث -حديث أبي أُمامة الباهلي وما جاء في معناه- يدل على أنَّه ليس هناك وصية للوارث، لا يجوز أن يُوصى للوارث: إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وصيةَ لوارثٍ، وهو حديثٌ صحيحٌ، ولو شواهد من حديث ابن عباسٍ عند الدَّارقطني بإسنادٍ حسنٍ، وله شاهدٌ أيضًا من حديث عمرو بن خارجة عند الإمام أحمد بإسنادٍ حسنٍ، فليس لأحدٍ أن يُوصي للورثة، الله أعطاهم حقَّهم: أعطى البنتَ حقَّها، أعطى الأم حقَّها، أعطى الأب حقَّه، أعطى الأولاد، فلا حاجةَ للوصية؛ لأنَّ الوصية لبعضهم ظلمٌ للآخرين، والله قد أعطاهم حقوقهم، الله سبحانه الحكم العدل، فليس له أن يُوصي لأحدٍ من الورثة، كلٌّ يُعطى حقَّه، فليس له أن يُوصي لأبيه، ولا لبنته، ولا لأخته، ولا لزوجته، كلٌّ يأخذ حقَّه الذي كتب الله له.

..... إلا أن يشاء الورثة هذا استثناء، معناه صحيح، إذا سمحوا فهذا لا بأس به، لو قال مثلًا للورثة: إنَّ فلانًا محتاجٌ .. تسمحون له أن نُعطيه كذا؟ فلا بأس إذا سمحوا، يحقّ لهم إذا كانوا مُرشدين وسمحوا فلا بأس، مثل: .. أمه، وعن أخواته، وعن أخٍ شقيقٍ، هذا المال للأم: لها السدس، والأخوات والشقيق لهم الباقي، وله أخ لأبٍ، قال: هذا أخي ضعيف .. أوصى للشَّقيق مع أخواته، خصَّه بشيءٍ لأنه ضعيفٌ، أو لإحدى أخواته لأنها ذات عيالٍ ونصيبها ضئيلٌ، فهل تسمحون لها بكذا؟ إذا سمحوا وهم مرشدون لا بأس، ولهذا قال: إلا أن يشاء الورثة؛ لأنَّ الحقَّ لهم، لا يعدوهم، إذا كانوا مرشدين، أما الصغار والمجانين والمعتوهين فلا، ليس لأحدٍ أن يأخذ من نصيبهم شيئًا، وليس للمُوصي إلا الثلث فأقلّ.

والحديث الآخر حديث معاذٍ: إنَّ الله تصدَّق عليكم بثلث أموالكم، وما جاء في معناه بيَّن المؤلفُ أنها أحاديث ضعيفة، ولكن يُغني عنها ما في "الصحيحين" من حديث سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله، ليس لي إلا ابنة واحدة، وأنا ذو مالٍ، أفأتصدَّق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: أتصدَّق بالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثيرٌ، هذا يُبين أنه لا بأس بالثلث، وما كان أقلّ منه فهو أولى؛ ولهذا قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: "لو أنَّ الناس غضّوا من الثلث إلى الربع" يعني: لأنَّ الرسول قال: الثلث كثير، وأوصى الصديقُ بالخمس وقال: "رضيتُ بما رضي الله به: الخمس"، فالثلث جائز، وإذا أوصى بأقلّ: كالربع أو الخمس أو أقلّ من ذلك فلا بأس، أما الزيادة على الثلث فليس له أن يُوصي بالزيادة على الثلث، وحديث سعدٍ في "الصحيحين" يُغني عن حديث معاذٍ وما جاء في معناه.

أما الورثة فليس لهم وصية، ليس لأحدٍ أن يُوصي للورثة؛ لأنَّ الله قد أعطاهم حقوقهم، إلا أن يشاء الورثةُ المرشدون أن يخصُّوا شيئًا بالعطية برضا منهم فلا بأس، حتى ولو بعد الموت، إذا تراضوا أن يُعطوا واحدًا زيادةً وهم مرشدون فلا بأس، ولو بعد الموت، ولو بعد موت المورث؛ لأنَّ الحقَّ لهم، لا يعدوهم، فإذا صاروا مرشدين مُكلَّفين ورضوا بأن يُعطوا بعض الورثة زيادةً لفقره وحاجته، أو لدينه، أو ما أشبه لا بأس، الحق لهم.

وحديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده في الوديعة: مَن أُودِعَ وديعةً فليس عليه ضمانٌ حديثٌ ضعيفٌ كما بيَّنه المؤلفُ رحمه الله، ولكن العمدة في هذا قوله جلَّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27]، وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8].

إذا أودع وديعةً فعليه تقوى الله، وأن يصونها ويحفظها من أسباب الهلاك، فإن تلفت من دون تفريطٍ منه ولا عدوانٍ فلا ضمانَ عليه؛ لأنه مُحْسِنٌ، والله يقول سبحانه: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91]، فإذا أودعك أخوك دراهم أو شاةً أو بعيرًا أو ما أشبه ذلك فعليك أن تحفظه وتصونه، فلو أصابه شيءٌ من دون تفريطٍ منك ولا عدوانٍ فلا ضمانَ عليك، أراد الله للشاة مرضت، البعير مرض، مات، الدراهم أُخذت من غير تفريطٍ، وأنت قد احتطتَ عليها، وأوثقت عليها، ولكن قُدِّر أنه سُطِيَ على بيتك، وأُخذت مع مالك، لا شيء.

المقصود أن المودَع مُؤتمن، فليس عليه ضمانٌ إذا كان لم يُفرِّط ولم يتعدَّ، أما إذا فرَّط -خلَّاها بدون حرزٍ، أو تعدَّى عليها هو وأتلفها بنفسه، وسعى في إتلافها- يضمن؛ لأنه حينئذٍ ظالم يضمن، وأما إذا كان لا احتاط لها وضبطها وحفظها، ولكن ..... أصابها شيءٌ، فلا يضمن؛ لأنه مُحْسِنٌ.

 

الأسئلة:

س: لكن صاحب الوديعة هل له أن يشترط الضمان على المُودع؟

ج: ولو شرط فالشرط باطلٌ، ما يضمن.

س: إذا أوصى الشخصُ بوصيةٍ لأقربائه، وكان ثلث الوصية لا يكفي للأقرباء، فهل يُخصص؟

ج: إذا كانوا ما هم ورثة يُوصي بما شاء، أما الورثة فلا يوصي لهم، لكن إذا كان خاله أو جدَّة لا ترث، أو ابن عم، أو ابن خال ليس من الورثة، وأوصى له بشيءٍ دون الثلث أو بالثلث فلا بأس، الحمد لله، من باب الصَّدقة.

س: الأفضل في الوصية أن تكون أقلَّ من الثلث؟

ج: نعم، نعم، ولا سيما إذا كان الورثةُ محتاجين.

س:  إذا كان له أبناء عمٍّ كُثر، وأوصى لهم، فهل يستوعبهم؟

ج: ما هو بلازمٍ، يخصُّ مَن شاء، يخصُّ إذا كان رجلًا فقيرًا، أو إنسانًا طالب علم، أو إنسانًا مُتعفِّفًا، يخصُّ مَن يرى أنه أولى، يخصُّه، وإذا عمَّمهم .. فلا بأس.

س: قولك: أوصى الصديقُ بالخمس، هل الرسول أوصاه بأن يُوصي بالخمس؟

ج: لا، هو أوصى هو.

س: .............؟

ج: لا، ما هو بلازمٍ، إذا كان في بلاد المسلمين ما هو بلازمٍ.

س: ........ والوديعة بمعنى واحد؟

ج: بمعنى واحد، نعم.

س: مَن أوصى أن يُدفن في المدينة؟

ج: لا، يُدفن في البلد، بركة، يكفي، هذا ما له أصلٌ.

س: إذا تلفت الوديعةُ بغير قصدٍ هل يجب عليه إرجاعها له؟

ج: ما سمعتَ الكلام؟! إذا كان ما فرَّط ولا تعدَّى ما عليه ضمانٌ، نحن مَن نُحاكي؟! نحاكي جدرانًا أو نُحاكي رجالًا؟!

س: حتى لو طالب يا شيخ؟

ج: لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم اهدنا فيمَن هديتَ، اللهم اهدنا فيمَن هديتَ، اللهم اهدنا فيمَن هديتَ.

س: ورثة كثيرون يبلغون ثلاثين نفسًا، وأوصى الأب بثلث ماله أن يكون مسجدًا، وهذا المال قليل عليهم المُتبقي، فهل لهم أن يأخذوا من هذا الثلث شيئًا؟

ج: أوصى بالثلث لبناء المسجد؟

س: للمسجد.

ج: ما لهم حقٌّ فيه، خلاص ما لهم إلا الثلثين، والمسجد يُبنى من الثلث.

س: مع كثرتهم؟

ج: نعم، ولو هم مئة.

س: التَّسبيل: بعد ممات هذا الرجل سبَّل بيته لبعض أبنائه الفُقراء؟

ج: في حياته؟

س: في حياته نعم.

ج: سبَّله في صحَّته؟

س: نعم في وصيَّته.

ج: في صحَّته أو في وصيَّته؟

س: أوصى في صحَّته؟

ج: أوصى وصيةً؟

س: نعم.

ج: إذا كان من الثلث ما يُخالف، إذا كان قدر الثلث فأقلّ في البيت، أما إذا كان في صحَّته وقفه وقفًا مُنجزًا، وهو صحيحٌ، ولو هو أكثر من الثلث، إذا وقفه يُجزئ، يثبت، بيت أو نخل في صحَّته وقفه وقفًا مُنجزًا، ما هو بمريضٍ، ولا أوصى به يثبت.

س: ..... في هذه الدنيا إلا هذا البيت فقط، فقال: إنه سبالة يخرج ..؟

ج: إذا وقفه في صحَّته يمضي.

س: لو أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه من الورثة في حياته، وزَّعها عليهم؟

ج: لا بأس، لكن الأحسن ألا يُوزِّع، قد يحتاجون، الأحسن ألا يُوزِّع، وإن أعطاهم يُعطيهم بعض الشيء، لا يُعطيهم الكلَّ؛ حتى لا يبقى فقيرًا وعائلًا عليهم، حتى لا يبقى عالةً.

س: مَن أخرج الثلث في حياته؟

ج: هذا إليه، يُخرج الثلث أو أكثر.

س: لا، يعني الأفضل؟

ج: لا، المقصود صدقة جارية بعد وفاته، هذا المقصود: صدقة جارية بعد وفاته في وجوه الخير: في تعمير المساجد، في الصدقة على الفقراء والمساكين، في الإنفاق في سبيل الله، يُوضِّح يعني جهة البرِّ التي يُريدها؛ حتى تبقى له صدقة بعد وفاته.

س: أعطى واحدًا وديعةً خمسين ألفًا، فقال: ..... هذا الرجل فعل به المُرابحة، فقال: إن جاء الرجلُ بيني وبينه نصفين في المُرابحة، خسر هذه ..... هل يضمنها؟

ج: يضمنها بالتَّعدي، هو أعطاه وديعةً، ما أعطاه ليتصرَّف فيها، إذا تصرَّف فيها وتلفت يضمنها، إلا إذا كان أمره أن يجعلها مضاربةً بينه وبينه فلا يضمن، إذا كان قال له: تسبب فيها والربح بيننا، وتسبب فيها وتلفت من دون تفريطٍ ولا عدوانٍ، وهو في الحرز، فما يضمنها؛ لأنه مُحْسِنٌ.