إعلام الموقعين لابن القيم 2

فصل

وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَقَطَعَ يَدَ السَّارِقِ الَّتِي بَاشَرَ بِهَا الْجِنَايَةَ، وَلَمْ يَقْطَعْ فَرْجَ الزَّانِي وَقَدْ بَاشَرَ بِهِ الْجِنَايَةَ، وَلَا لِسَانَ الْقَاذِفِ وَقَدْ بَاشَرَ بِهِ الْقَذْفَ"، فَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ.

وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَصْلًا نَافِعًا فِي الْحُدُودِ وَمَقَادِيرِهَا، وَكَمَالِ رُتَبِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا، وَاقْتِضَاءِ كُلِّ جِنَايَةٍ لِمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ لِلْعُقُولِ اقْتِرَاحٌ، وَنُورِدُ أَسْئِلَةً لَمْ يُورِدْهَا هَذَا السَّائِلُ، وَنَنْفَصِلُ عَنْهَا بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ أَحْسَنَ انْفِصَالٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

إنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ لَمَّا خَلَقَ الْعِبَادَ وَخَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ، وَجَعَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا؛ لِيَبْلُوَ عِبَادَهُ وَيَخْتَبِرَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، لَمْ يَكُنْ فِي حِكْمَتِهِ بُدٌّ مِنْ تَهْيِئَةِ أَسْبَابِ الِابْتِلَاءِ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَخَارِجًا عَنْهَا، فَجَعَلَ فِي أَنْفُسِهِم الْعُقُولَ الصَّحِيحَةَ، وَالْأَسْمَاعَ وَالْأَبْصَارَ، وَالْإِرَادَات وَالشَّهَوَاتِ، وَالْقُوَى وَالطَّبَائِعَ، وَالْحُبَّ وَالْبُغْضَ، وَالْمَيْلَ وَالنُّفُورَ، وَالْأَخْلَاقَ الْمُتَضَادَّةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِآثَارِهَا اقْتِضَاءَ السَّبَبِ لِمُسَبِّبِهِ، وَالَّتِي فِي الْخَارِجِ الْأَسْبَابُ الَّتِي تَطْلُبُ النُّفُوسُ حُصُولَهَا فَتُنَافِسُ فِيها، وَتَكْرَهُ حُصُولَهُ فَتَدْفَعُهُ عَنْهَا.

ثُمَّ أَكَّدَ أَسْبَابَ هَذَا الِابْتِلَاءِ بِأَنْ وَكَّلَ بِهَا قُرَنَاءَ مِنَ الْأَرْوَاحِ الشِّرِّيرَةِ الظَّالِمَةِ الْخَبِيثَةِ، وَقُرَنَاءَ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْخَيِّرَةِ الْعَادِلَةِ الطَّيِّبَةِ، وَجَعَلَ دَوَاعِيَ الْقَلْبِ وَمُيُولَهُ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَهُمَا؛ فَهُوَ إلَى دَاعِي الْخَيْرِ مَرَّةً، وَإِلَى دَاعِي الشَّرِّ مَرَّةً؛ لِيَتِمَّ الِابْتِلَاءُ فِي دَارِ الِامْتِحَانِ، وَتَظْهَرَ حِكْمَةُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي دَارِ الْجَزَاءِ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْحَقِّ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ، وَهُمَا مُقْتَضَى مُلْكِ الرَّبِّ وَحَمْدِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مُلْكُهُ وَحَمْدُهُ فِيهِمَا كَمَا ظَهَرَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَأَوْجَبَ ذَلِكَ فِي حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ بِحُكْمِ إيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ.

الشيخ: لأنه العالم بمصالح عباده، كما خلق السَّماوات والأرض وأحكم خلقهما، وخلق كل شيءٍ أحكمه، هو سبحانه شرع الشَّرائع وأحكمها؛ لما فيها من الدلائل على قُدرته العظيمة وحكمته، وأنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، فشرع الصلاةَ على غايةٍ من الحكمة، ويسَّر على عباده، وشرع الزكاةَ كذلك، والصوم كذلك، والحجَّ كذلك، والمعاملات كذلك، والحدود كذلك، كلها لحكمةٍ بالغةٍ، ورحمةٍ من الله عزَّ وجلَّ، فشرع لهم عبادات فيها راحتهم، وفيها صلاحهم وزكاتهم، وفيها سلامة قلوبهم، وفيها وعده لهم بالجنة والنَّجاة من النار، وحرَّم عليهم أشياء تضرُّهم، لو ترك الأمرَ بينهم وبين أنفسهم وأهوائهم لضرَّهم ذلك.

وحرَّم عليهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحرَّم عليهم الزنا، وحرّم عليهم شرب المسكر، وحرم عليهم اللواط، وحرم عليهم الشرك، وحرَّم عليهم العقوق، وحرَّم عليهم الغيبة؛ لأنها كلها مفاسد، كلها أضرار، فمن رحمة الله أن صانهم عنها، وحرَّمها عليهم، وجعل فيها عقوبات تردع عنها؛ رحمةً لعباده.

وَأَوْجَبَ ذَلِكَ فِي حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ بِحُكْمِ إيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، وَشَرَعَ شَرَائِعَهُ؛ لِيُتِمَّ مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، وَأَقَامَ سُوقَ الْجِهَادِ لِمَا حَصَلَ مِنَ الْمُعَادَاةِ وَالْمُنَافَرَةِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْإِرَادَاتِ، كَمَا حَصَلَ بَيْنَ مَنْ قَامَتْ بِهِ.

فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ حُصُولِ مُقْتَضَى الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ وَمَا قَارَنَهَا مِنَ الْأَسْبَابِ مِنَ التَّنَافُسِ وَالتَّحَاسُدِ وَالِانْقِيَادِ لِدَوَاعِي الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ وَتَعَدِّي مَا حُدَّ لَهُ، وَالتَّقْصِيرُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُعُبِّدَ بِهِ، وَسَهَّلَ ذَلِكَ عَلَيْهَا اغْتِرَارُهَا بِمَوَارِدِ الْمَعْصِيَةِ، مَعَ الْإِعْرَاضِ مِنْ مَصَادِرِهَا، وَإِيثَارِهَا مَا تَتَعَجَّلُهُ مِنْ يَسِيرِ اللَّذَّةِ فِي دُنْيَاهَا عَلَى مَا تَتَأَجَّلُهُ مِنْ عَظِيمِ اللَّذَّةِ فِي أُخْرَاهَا، وَنُزُولِهَا عَلَى الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ، وَتَجَافِيهَا عَنِ الْغَائِبِ الْمَوْعُودِ، وَذَلِكَ مُوجِبُ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ جَهْلِهَا وَظُلْمِهَا؛ فَاقْتَضَتْ أَسْمَاءُ الرَّبِّ الْحُسْنَى وَصِفَاتُهُ الْعُلْيَا وَحِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ وَنِعْمَتُهُ السَّابِغَةُ وَرَحْمَتُهُ الشَّامِلَةُ وَجُودُهُ الْوَاسِعُ أَنْ لَا يَضْرِبَ عَنْ عِبَادِهِ الذِّكْرَ صَفْحًا، وَأَنْ لَا يَتْرُكَهُمْ سُدًى، وَلَا يُخَلِّيَهُمْ وَدَوَاعِيَ أَنْفُسِهِمْ وَطَبَائِعِهِمْ، بَلْ رَكَّبَ فِي فِطَرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ مَعْرِفَةَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالنَّافِعِ وَالضَّارِّ، وَالْأَلَمِ وَاللَّذَّةِ، وَمَعْرِفَةِ أَسْبَابِهَا، وَلَمْ يَكْتَفِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتَّى عَرَّفَهُمْ بِهِ مُفَصَّلًا عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَقَطَعَ مَعَاذِيرَهُمْ بِأَنْ أَقَامَ عَلَى صِدْقِهِمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ مَا لَا يَبْقَى مَعَهُ لَهُمْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:42].

الشيخ: وكل مَن تأمل ما شرعه الله من ذوي العقول الصَّحيحة والفِطَر السليمة يعلم حُسن ذلك، وأنه سبحانه هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، حيث شرع لهم ما فيه صلاحهم، وحرَّم عليهم ما في تعاطيه هلاكهم؛ رحمةً منه وإحسانًا، وليعيشوا على غايةٍ من الاستقامة والهدى، والتَّحاب والتَّعاون على البرِّ والتَّقوى، فمَن خرج عن سبيله وعن طريقه هلك، وصار إلى الفوضى واتِّباع الهوى والشيطان، ثم إلى النار، نسأل الله العافية.

وَصَرَفَ لَهُمْ طُرُقَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَضَرَبَ لَهُم الْأَمْثَالَ، وَأَزَالَ عَنْهُمْ كُلَّ إشْكَالٍ، وَمَكَّنَهُمْ مِنَ الْقِيَامِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ غَايَةَ التَّمْكِينِ، وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ بِكُلِّ سَبَبٍ، وَسَلَّطَهُمْ عَلَى قَهْرِ طِبَاعِهِمْ بِمَا يَجُرُّهُمْ إلَى إيثَارِ الْعَوَاقِبِ عَلَى الْمبَادِي، وَرَفْضِ الْيَسِيرِ الْفَانِي مِن اللَّذَّةِ إلَى الْعَظِيمِ الْبَاقِي مِنْهَا، وَأَرْشَدَهُمْ إلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ وَإِيثَارِ مَا تَقْضِي بِهِ عُقُولُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، وَأَكْمَلَ لَهُمْ دِينَهُمْ، وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ بِمَا أَوْصَلَهُ إلَيْهِمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْعُقُوبَةِ وَالْمَثُوبَةِ، وَالْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَتَحْقِيقِ ذَلِكَ بِالتَّعْجِيلِ لِبَعْضِهِ فِي دَارِ الْمِحْنَةِ؛ لِيَكُونَ عَلَمًا وَأَمَارَةً لِتَحْقِيقِ مَا أَخَّرَهُ عَنْهُمْ فِي دَارِ الْجَزَاءِ وَالْمَثُوبَةِ، وَيَكُونُ الْعَاجِلُ مُذَكِّرًا بِالْآجِلِ، وَالْقَلِيلُ الْمُنْقَطِعُ بِالْكَثِيرِ الْمُتَّصِلِ، وَالْحَاضِرُ الْفَائِتُ مُؤْذِنًا بِالْغَائِبِ الدَّائِمِ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَظُنُّهُ بِهِ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ حقَّ قَدْرِه مِمَّنْ أَنْكَرَ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ، وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ، وَظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، فَأَرْدَاهُ ظَنُّهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

فَكَانَ مِنْ بَعْضِ حِكْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَرَحْمَتِهِ: أَنْ شَرَعَ الْعُقُوبَاتِ فِي الْجِنَايَاتِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فِي النُّفوسِ وَالْأَبْدَانِ، وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ: كَالْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ؛ فَأَحْكَمَ سُبْحَانَهُ وُجُوهَ الزَّجْرِ الرَّادِعَةَ عَنْ هَذِهِ الْجِنَايَاتِ غَايَةَ الْإِحْكَامِ، وَشَرَعَهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِمَصْلَحَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ، مَعَ عَدَمِ الْمُجَاوَزَةِ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الْجَانِي مِنَ الرَّدْعِ، فَلَمْ يَشْرَعْ فِي الْكَذِبِ قَطْعَ اللِّسَانِ، وَلَا الْقَتْلَ، وَلَا فِي الزِّنَا الْخِصَاءَ، وَلَا فِي السَّرِقَةِ إعْدَامَ النَّفْسِ.

وَإِنَّمَا شَرَعَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ مُوجِبُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مِنْ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ وَعَدْلِهِ؛ لِتَزُولَ النَّوَائِبُ، وَتَنْقَطِعَ الْأَطْمَاعُ عَنِ التَّظَالُمِ وَالْعُدْوَانِ، وَيَقْتَنِعَ كُلُّ إنْسَانٍ بِمَا آتَاهُ مَالِكُهُ وَخَالِقُهُ؛ فَلَا يَطْمَعُ فِي اسْتِلَابِ غَيْرِهِ حَقَّهُ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ لِهَذِهِ الْجِنَايَاتِ الْأَرْبَعِ مَرَاتِبَ مُتَبَايِنَةً فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةً فِي شِدَّةِ الضَّرَرِ وَخِفَّتِهِ، كَتَفَاوُتِ سَائِرِ الْمَعَاصِي فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّظْرَةَ الْمُحَرَّمَةَ لَا يَصْلُحُ إلْحَاقُهَا فِي الْعُقُوبَةِ بِعُقُوبَةِ مُرْتَكِبِ الْفَاحِشَةِ، وَلَا الْخَدْشَةَ بِالْعُودِ بِالضَّرْبَةِ بِالسَّيْفِ، وَلَا الشَّتْمَ الْخَفِيفَ بِالْقَذْفِ بِالزِّنَا وَالْقَدْحِ فِي الْأَنْسَابِ، وَلَا سَرِقَةَ اللُّقْمَةِ وَالْفَلْسِ بِسَرِقَةِ الْمَالِ الْخَطِيرِ الْعَظِيمِ.

فَلَمَّا تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُ الْجِنَايَاتِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الْعُقُوبَاتِ، وَكَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّاسَ لَوْ وُكِّلُوا إلَى عُقُولِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَتَرْتِيبِ كُلِّ عُقُوبَةٍ عَلَى مَا يُنَاسِبُهَا مِنَ الْجِنَايَةِ جِنْسًا وَوَصْفًا وَقَدْرًا؛ لَذَهَبَتْ بِهِم الْآرَاءُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وَتَشَعَّبَتْ بِهِم الطُّرُقُ كُلَّ مُشَعَّبٍ، وَلَعَظُمَ الِاخْتِلَافُ، وَاشْتَدَّ الْخَطْبُ، فَكَفَاهُمْ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ مُؤْنَةَ ذَلِكَ، وَأَزَالَ عَنْهُمْ كُلْفَتَهُ، وَتَوَلَّى بِحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ تَقْدِيرَهُ نَوْعًا وَقَدْرًا، وَرَتَّبَ عَلَى كُلِّ جِنَايَةٍ مَا يُنَاسِبُهَا مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَيَلِيقُ بِهَا مِنَ النَّكَالِ.

ثُمَّ بَلَغَ مِنْ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ أَنْ جَعَلَ تِلْكَ الْعُقُوبَاتِ كَفَّارَاتٍ لِأَهْلِهَا، وَطُهْرَةً تُزِيلُ عَنْهُم الْمُؤَاخَذَةَ بِالْجِنَايَاتِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَهَا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَالْإِنَابَةُ؛ فَرَحِمَهُمْ بِهَذِهِ الْعُقُوبَاتِ أَنْوَاعًا مِنَ الرَّحْمَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

الشيخ: تمام الحديث: مَن أدركه الله في الدنيا كان كفَّارةً له، فالعقوبات إذا وُجدت في الدنيا صارت كفَّارةً إذا مات عليها ولم يُجدد ذنبًا بعد ذلك، أو ختم عمله بالتوبة صار كفَّارةً له؛ رحمةً من ربنا ، وإن مات على معصيته ولم يتب ولم يُقام عليه الحدُّ صار أمره إلى الله: إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه على قدر الجريمة التي مات عليها، إذا كانت دون الشِّرك.

وَجَعَلَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ دَائِرَةً عَلَى سِتَّةِ أُصُولٍ: قَتْلٍ، وَقَطْعٍ، وَجَلْدٍ، وَنَفْيٍ، وَتَغْرِيمِ مَالٍ، وَتَعْزِيرٍ.

فَأَمَّا الْقَتْلُ فَجَعَلَهُ عُقُوبَةَ أَعْظَمِ الْجِنَايَاتِ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَنْفُسِ؛ فَكَانَتْ عُقُوبَتُهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَالْجِنَايَةِ عَلَى الدِّينِ بِالطَّعْنِ فِيهِ وَالِارْتِدَادِ عَنْهُ، وَهَذِهِ الْجِنَايَةُ أَوْلَى بِالْقَتْلِ وَكَفِّ عُدْوَانِ الْجَانِي عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ عُقُوبَةٍ؛ إذْ بَقَاؤُهُ بَيْنَ أَظْهُرِ عِبَادِهِ مَفْسَدَةٌ لَهُمْ، وَلَا خَيْرَ يُرْجَى فِي بَقَائِهِ وَلَا مَصْلَحَةَ، فَإِذَا حَبَسَ شَرَّهُ، وَأَمْسَكَ لِسَانَهُ، وَكَفَّ أَذَاهُ، وَالْتَزَمَ الذُّلَّ وَالصَّغَارَ وَجَرَيَانَ أَحْكَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَيْهِ، وَأَدَاءَ الْجِزْيَةِ؛ لَمْ يَكُنْ فِي بَقَائِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، وَالدُّنْيَا بَلَاغٌ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ، وَجَعَلَهُ أَيْضًا عُقُوبَةَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْفُرُوجِ الْمُحَرَّمَةِ؛ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ وَاخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ وَالْفَسَادِ الْعَامِّ.

وَأَمَّا الْقَطْعُ فَجَعَلَهُ عُقُوبَةَ مِثْلِهِ عَدْلًا، وَعُقُوبَةَ السَّارِقِ؛ فَكَانَتْ عُقُوبَتُهُ بِهِ أَبْلَغَ وَأَرْدَعَ مِنْ عُقُوبَتِهِ بِالْجَلْدِ، وَلَمْ تَبْلُغْ جِنَايَتُهُ حَدَّ الْعُقُوبَةِ بِالْقَتْلِ؛ فَكَانَ أَلْيَقَ الْعُقُوبَاتِ بِهِ إبَانَةَ الْعُضْوِ الَّذِي جَعَلَهُ وَسِيلَةً إلَى أَذَى النَّاسِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ ضَرَرُ الْمُحَارِبِ أَشَدَّ مِنْ ضَرَرِ السَّارِقِ وَعُدْوَانُهُ أَعْظَمَ؛ ضَمَّ إلَى قَطْعِ يَدِهِ قَطْعَ رِجْلِهِ؛ لِيَكُفَّ عُدْوَانَهُ، وَشَرَّ يَدِهِ الَّتِي بَطَشَ بِهَا، وَرِجْلِهِ الَّتِي سَعَى بِهَا، وَشَرَعَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ خِلَافٍ؛ لِئَلَّا يُفَوِّتَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الشِّقِّ بِكَمَالِهِ، فَكَفَّ ضَرَرَهُ وَعُدْوَانَهُ، وَرَحِمَهُ بِأَنْ أَبْقَى لَهُ يَدًا مِنْ شِقٍّ وَرِجْلًا مِنْ شِقٍّ.

وَأَمَّا الْجَلْدُ فَجَعَلَهُ عُقُوبَةَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْأَعْرَاضِ، وَعَلَى الْعُقُولِ، وَعَلَى الْأَبْضَاعِ، وَلَمْ تَبْلُغْ هَذِهِ الْجِنَايَاتُ مَبْلَغًا يُوجِبُ الْقَتْلَ، وَلَا إبَانَةَ طَرْفٍ، إلَّا الْجِنَايَةُ عَلَى الْأَبْضَاعِ؛ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهَا قَدِ انْتَهَضَتْ سَبَبًا لِأَشْنَعِ الْعُقوبَاتِ، وَلَكِنْ عَارَضَهَا فِي الْبِكْرِ شِدَّةُ الدَّاعِي وَعَدَمُ الْمُعَوِّضِ، فَانْتَهَضَ ذَلِكَ الْمُعَارِضُ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْقَتْلِ، وَلَمْ يَكُنِ الْجَلْدُ وَحْدَهُ كَافِيًا فِي الزَّجْرِ، فَغَلَّظَ بِالنَّفْيِ وَالتَّغْرِيبِ؛ لِيَذُوقَ مِنْ أَلَمِ الْغُرْبَةِ وَمُفَارَقَةِ الْوَطَنِ وَمُجَانَبَةِ الْأَهْلِ وَالْخُلَطَاءِ مَا يَزْجُرُهُ عَن الْمُعَاوَدَةِ.

وَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَى الْعُقُولِ بِالسُّكْرِ فَكَانَتْ مَفْسَدَتُهَا لَا تَتَعَدَّى السَّكْرَانَ غَالِبًا؛ وَلِهَذَا لَمْ يُحَرَّم السُّكْرُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ كَمَا حُرِّمَت الْفَوَاحِشُ وَالظُّلْمُ وَالْعُدْوَانُ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَعَلَى لِسَانِ كُلِّ نَبِيٍّ، وَكَانَتْ عُقُوبَةُ هَذِهِ الْجِنَايَةِ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ مِنَ الشَّارِعِ، بَلْ ضَرَبَ فِيهَا بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْجَرِيدِ، وَضَرَبَ فِيهَا أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا اسْتَخَفَّ النَّاسُ بِأَمْرِهَا وَتَتَابَعُوا فِي ارْتِكَابِهَا غَلَّظَهَا الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، الَّذِي أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَسُنَّتُهُ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَهَا ثَمَانِينَ بِالسَّوْطِ، وَنَفَى فِيهَا، وَحَلَقَ الرَّأْسَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ فِقْهِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الشَّارِبِ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، وَلَمْ يَنْسَخْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَدًّا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَهُوَ عُقُوبَةٌ تَرْجِعُ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي الْمَصْلَحَةِ، فَزِيَادَةُ أَرْبَعِينَ وَالنَّفْيُ وَالْحَلْقُ أَسْهَلُ مِنَ الْقَتْلِ.

فَصْلٌ

وَأَمَّا تَغْرِيمُ الْمَالِ -وَهُوَ الْعُقُوبَةُ الْمَالِيَّةُ- فَشَرَعَهَا فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا تَحْرِيقُ مَتَاعِ الْغَالِّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَمِنْهَا حِرْمَانُ سَهْمِهِ، وَمِنْهَا إضْعَافُ الْغُرْمِ عَلَى سَارِقِ الثِّمَارِ الْمُعَلَّقَةِ، وَمِنْهَا إضْعَافُهُ عَلَى كَاتِمِ الضَّالَّةِ الْمُلْتَقَطَةِ، وَمِنْهَا أَخْذُ شَطْرِ مَالِ مَانِعِ الزَّكَاةِ، وَمِنْهَا عَزْمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَحْرِيقِ دُورِ مَنْ لَا يُصَلِّي فِي الْجَمَاعَةِ، لَوْلَا مَا مَنَعَهُ مِنْ إنْفَاذِهِ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِ الذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءِ فِيهَا، فَتَتَعَدَّى الْعُقُوبَةُ إلَى غَيْرِ الْجَانِي، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ عُقُوبَةُ الْحَامِلِ.

الشيخ: لأنه يتعدَّى إلى الطفل؛ ولهذا أمر بإنظارها حتى تضع ثم يُقام عليها الحدُّ.

وَمِنْهَا عُقُوبَةُ مَنْ أَسَاءَ عَلَى الْأَمِيرِ فِي الْغَزْوِ بِحِرْمَانِ سَلَبِ الْقَتِيلِ لِمَنْ قَتَلَهُ، حَيْثُ شَفَعَ فِيهِ هَذَا الْمُسِيءُ، وَأَمَرَ الْأَمِيرُ بِإِعْطَائِهِ، فَحُرِمَ الْمَشْفُوعُ لَهُ عُقُوبَةً لِلشَّافِعِ الْآمِرِ.

وَهَذَا الْجِنْسُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ مَضْبُوطٌ، وَنَوْعٌ غَيْرُ مَضْبُوطٍ.

فَالْمَضْبُوطُ مَا قَابَلَ الْمُتْلَفَ: إمَّا لِحَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: كَإِتْلَافِ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ، أَوْ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ: كَإِتْلَافِ مَالِهِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنَّ تَضْمِينَ الصَّيْدِ مُتَضَمِّنٌ لِلْعُقُوبَةِ بِقَوْلِهِ: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ [المائدة:95]، وَمِنْهُ مُقَابَلَةُ الْجَانِي بِنَقِيضِ قَصْدِهِ مِنَ الْحِرْمَانِ: كَعُقُوبَةِ الْقَاتِلِ لِمُوَرِّثِهِ بِحِرْمَانِ مِيرَاثِهِ، وَعُقُوبَةِ الْمُدَبَّرِ إذَا قَتَلَ سَيِّدَهُ بِبُطْلَانِ تَدْبِيرِهِ، وَعُقُوبَةِ الْمُوصَى لَهُ بِبُطْلَانِ وَصِيَّتِهِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ عُقُوبَةُ الزَّوْجَةِ النَّاشِزَةِ بِسُقُوطِ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا.

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي غَيْرُ الْمُقَدَّرِ: فَهَذَا الَّذِي يَدْخُلُهُ اجْتِهَادُ الْأَئِمَّةِ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ تَأْتِ فِيهِ الشَّرِيعَةُ بِأَمْرٍ عَامٍّ، وَقَدْرٍ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ كَالْحُدُودِ؛ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ: هَلْ حُكْمُهُ مَنْسُوخٌ أَوْ ثَابِتٌ؟ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ.

الشيخ: يعني التَّعزيرات الشَّرعية التي لا حدَّ لها.

وَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ؛ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى النَّسْخِ، وَقَدْ فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ.

وَأَمَّا التَّعْزِيرُ فَفِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ؛ فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:

نَوْعٌ فِيهِ الْحَدُّ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَنَوْعٌ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا حَدَّ فِيهِ، وَنَوْعٌ لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ.

فَالْأَوَّلُ: كَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالزِّنَا وَالْقَذْفِ.

وَالثَّانِي: كَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ.

وَالثَّالِثُ: كَوَطْءِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَقُبْلَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَالْخَلْوَةِ بِهَا، وَدُخُولِ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَالْحَدُّ فِيهِ مُغْنٍ عَنِ التَّعْزِيرِ.

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: فَهَلْ يَجِبُ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِيهِ تَعْزِيرٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَكِنْ .....

أَيْسَرَ جَعَلَهُ ضِعْفَ ذَلِكَ، وَهُوَ الْعُشْرُ، وَاكْتَفَى فِيهِ بِزَكَاةٍ عَامَّةٍ خَاصَّةٍ، فَلَوْ أَقَامَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِدَّةَ أَحْوَالٍ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَكَاةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ نَمَاؤُهُ وَزِيَادَتُهُ، بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ أُعِدَّ لِلتِّجَارَةِ؛ فَإِنَّهُ عُرْضَةٌ لِلنَّمَاءِ.

ثُمَّ لَمَّا كَانَ الرِّكَازُ مَالًا مَجْمُوعًا مُحَصَّلًا، وَكُلْفَةُ تَحْصِيلِهِ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى أَكْثَر مِن اسْتِخْرَاجِهِ؛ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ ضِعْفَ ذَلِكَ، وَهُوَ الْخُمُسُ.

فَانْظُرْ إلَى تَنَاسُبِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ الَّتِي بَهَرَ الْعُقُولَ حُسْنُهَا وَكَمَالُهَا، وَشَهِدَتِ الْفِطَرُ بِحِكْمَتِهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَطْرُق الْعَالَمَ شَرِيعَةٌ أَفْضَل مِنْهَا.

وَلَوِ اجْتَمَعَتْ عُقُولُ الْعُقَلَاءِ وَفِطَرُ الْأَلِبَّاءِ وَاقْتَرَحَتْ شَيْئًا يَكُونُ أَحْسَنَ مُقْتَرَحٍ لَمْ يَصِل اقْتِرَاحُهَا إلَى مَا جَاءَتْ بِهِ.

وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كُلُّ مَالٍ يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ قَدَّرَ الشَّارِعُ لِمَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ نُصُبًا مُقَدَّرَةً لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ تِلْكَ النُّصُبُ تَنْقَسِمُ: إلَى مَا لَا يُجْحِفُ الْمُوَاسَاةَ بِبَعْضِهِ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ مِنْهَا، وَإِلَى مَا يُجْحِفُ الْمُوَاسَاةَ بِبَعْضِهِ؛ فَجَعَلَ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا دُونَ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ.

ثُمَّ لَمَّا كَانَتِ الْمُوَاسَاةُ لَا تُحْتَمَلُ كُلَّ يَوْمٍ، وَلَا كُلَّ شَهْرٍ؛ إذْ فِيهِ إجْحَافٌ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، جَعَلَهَا كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، كَمَا جَعَلَ الصِّيَامَ كَذَلِكَ.

وَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ لَا يَشُقُّ فِعْلُهَا كُلَّ يَوْمٍ وَظَّفَهَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَمَّا كَانَ الْحَجُّ يَشُقُّ تَكَرُّرُ وُجُوبِهِ كُلَّ عَامٍ جَعَلَهُ وَظِيفَةَ الْعُمْرِ.

وَإِذَا تَأَمَّلَ الْعَاقِلُ مِقْدَارَ مَا أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ فِي الزَّكَاةِ وَجَدَهُ مِمَّا لَا يَضُرُّ الْمُخْرِجَ فَقْدُهُ، وَيَنْفَعُ الْفَقِيرَ أَخْذُهُ، وَرَآهُ قَدْ رَاعَى فِي حَالِ صَاحِبِ الْمَالِ وَجَانِبِهِ حَقَّ الرِّعَايَةِ، وَنَفَعَ الْآخِذَ بِهِ، وَقَصَدَ إلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَمْوَالِ فَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي أَعْلَاهُ وَأَشْرَفِهِ؛ فَأَوْجَبَ زَكَاةَ الْعَيْنِ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ دُونَ الْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَنَحْوِهَا، وَأَوْجَبَ زَكَاةَ السَّائِمَةِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، دُونَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، دُونَ مَا يَقِلُّ اقْتِنَاؤُهُ: كَالصّيُودِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَدُونَ الطَّيْرِ كُلِّهِ، وَأَوْجَبَ زَكَاةَ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ فِي أَشْرَفِهِ وَهُوَ الْحُبُوبُ وَالثِّمَارُ، دُونَ الْبُقُولِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْمَقَاثِي وَالْمَبَاطِخِ وَالْأَنْوَارِ.

وَغَيْرُ خَافٍ تَمَيُّزُ مَا أَوْجَبَ فِيهِ الزَّكَاةَ عَمَّا لَمْ يُوجِبْهَا فِي جِنْسِهِ وَوَصْفِهِ وَنَفْعِهِ وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَكَثْرَةِ وُجُودِهِ، وَأَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْأَمْوَالِ لِمَا عَدَاهُ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَمْوَالِ، بِحَيْثُ لَوْ فُقِدَ لَأَضَرَّ فَقْدُهُ بِالنَّاسِ، وَتَعَطَّلَ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنْ مَصَالِحِهِمْ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يُوجِبْ فِيهِ الزَّكَاةَ؛ فَإِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْفَضَلَاتِ وَالتَّتِمَّاتِ الَّتِي لَوْ فُقِدَتْ لَمْ يَعْظُم الضَّرَرُ بِفَقْدِهَا، وَكَذَلِكَ رَاعَى فِي الْمُسْتَحَقِّينَ لَهَا أَمْرَيْنِ مُهِمَّيْنِ:

أَحَدَهُمَا: حَاجَةُ الْأَخْذِ.

وَالثَّانِي: نَفْعُهُ.

فَجَعَلَ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا نَوْعَيْنِ: نَوْعًا يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ.

الشيخ: كالفقير والمسكين والغارم.

وَنَوْعًا يَأْخُذُ لِنَفْعِهِ، وَحَرَّمَهَا عَلَى مَنْ عَدَاهُمَا.

الشيخ: المجاهد في سبيل الله والمؤلف.

فصل

وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَقَطَعَ يَدَ السَّارِقِ الَّتِي بَاشَرَ بِهَا الْجِنَايَةَ، وَلَمْ يَقْطَعْ فَرْجَ الزَّانِي وَقَدْ بَاشَرَ بِهِ الْجِنَايَةَ، وَلَا لِسَانَ الْقَاذِفِ وَقَدْ بَاشَرَ بِهِ الْقَذْفَ"، فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ.

وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَصْلًا نَافِعًا فِي الْحُدُودِ وَمَقَادِيرِهَا.

الشيخ: اللهم اغفر له.