إعلام الموقعين لابن القيم 3

فَصْلٌ

وَكَانَ مِنْ تَمَامِ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذِ الْجُنَاةَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، كَمَا لَمْ يُعَذِّبْهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ الْحُجَّةَ الَّتِي يَأْخُذُهُمْ بِهَا إمَّا مِنْهُمْ -وَهِيَ الْإِقْرَارُ- أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ إقْرَارِ الْحَالِ.

الشيخ: بمعنى قرائن، يعني: القرائن الدالة على وقوع الشَّيء.

وَهُوَ أَبْلَغُ وَأَصْدَقُ مِنْ إقْرَارِ اللِّسَانِ، فَإِنَّ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ شَوَاهِدُ الْحَالِ بِالْجِنَايَةِ: كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ، وَقَيْئِهَا، وَحَبَلِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ، وَوُجُودِ الْمَسْرُوقِ فِي دَارِ السَّارِقِ، وَتَحْتَ ثِيَابِهِ أَوْلَى بِالْعُقُوبَةِ مِمَّنْ قَامَتْ عَلَيْهِ شَهَادَةُ إخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ.

الشيخ: يعني أنَّ هذه العلامات تكفي، وقد تكون أبلغ من إقراره، فإذا أقرَّ السَّارق أُقيم عليه حدُّ السرقة، وإذا أنكر ووُجدت السَّرقة عنده كفى: كأن يُنكر أنه أخذ هذا السلاح المعين، أو البشت المعين، أو الإناء، أو ما أشبه ذلك، ثم وجد عنده، أو بين ثيابه -تحت ثيابه- فهذا يُقام عليه الحدُّ كالذي أقرَّ؛ لأنه افتضح؛ لأنَّ وجوده تحت ثيابه أو في بيته فضيحة له أعظم من الإقرار، وهكذا حبل المرأة: إن كانت تحمل وهي ليست ذات زوجٍ ولا سيد هذا دليل على الزنا، إلا أن تدَّعي الإكراه بقرائن تشهد لدعواها الإكراه.

أَوْلَى بِالْعُقُوبَةِ مِمَّنْ قَامَتْ عَلَيْهِ شَهَادَةُ إخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ الَّتِي تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْحُجَّةُ مِنْ خَارِجٍ عَنْهُمْ، وَهِيَ الْبَيِّنَةُ، وَاشْتَرَطَ فِيهَا الْعَدَالَةَ وَعَدَمَ التُّهْمَةِ؛ فَلَا أَحْسَنَ فِي الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ مِنْ ذَلِكَ.

الشيخ: وهذا من حكمة الله وفضله: أنه لم يُؤاخذ الناس إلا بالأدلة، الدنيا بالأدلة، وفي الآخرة بأعمالهم، يُعاقبون في النار بأعمالهم، ويُجزون الجنة بأعمالهم، وفي الدنيا يُعاقبون على أعمالهم التي يعملونها مما نهى الله عنه، ويُؤجرون على ما فعلوا من الخير، فلا يُؤاخذهم إلا بأعمالهم، وباعتراف ألسنتهم، وقرائن الأحوال التي تدل على فعلهم، أو بالبينات الشَّرعية الخارجية.

وَلَوْ طُلِبَ مِنَّا الِاقْتِرَاحُ لَمْ نَقْتَرِحْ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أَوْفَقَ مِنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ.

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ لَاصِقَةٌ بِالْعُقُولِ وَمُوَافِقَةٌ لِلْمَصَالِحِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ بَعْدَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ أَفْظَعُ وَلَا أَقْبَحُ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ، فَكَيْفَ تَرْدَعُونَ عَنْ سَفْكِ الدَّمِ بِسَفْكِهِ؟! وَهَلْ مِثَالُ ذَلِكَ إلَّا إزَالَةُ نَجَاسَةٍ بِنَجَاسَةٍ؟!

ثُمَّ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنًا لَكَانَ أَوْلَى أَنْ يُحْرَقَ ثَوْبُ مَنْ حَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ، وَأَنْ يُذْبَحَ حَيَوَانُ مَنْ ذَبَحَ حَيَوَانَ غَيْرِهِ، وَأَنْ تُخَرَّبَ دَارُ مَنْ خَرَّبَ دَارَ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَجُوزَ لِمَنْ شُتِمَ أَنْ يَشْتُمَ شَاتِمَهُ، فما هو موافق، وَمَا الْفَرْقُ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَتْلِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَهُ، أَوْ قَطْعِ مَنْ قَطَعَهُ؟

وَإِذَا كَانَ إرَاقَةُ الدَّمِ الْأَوَّلِ مَفْسَدَةً وَقَطْعُ الطَّرَفِ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ زَالَتْ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ الثَّانِي وَقَطْعِ الطَّرَفِ الثَّانِي؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا مُضَاعَفَةٌ لِلْمَفْسَدَةِ وَتَكْثِيرٌ لَهَا؟

وَلَوْ كَانَتِ الْمَفْسَدَةُ الْأُولَى تَزُولُ بِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الثَّانِيَةِ لَكَانَ فِيهِ مَا فِيهِ؛ إذْ كَيْفَ تُزَالُ مَفْسَدَةٌ بِمَفْسَدَةِ نَظِيرِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؟! فَكَيْفَ وَالْأُولَى لَا سَبِيلَ إلَى إزَالَتِهَا؟! وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ إزَالَةِ مَفْسَدَةِ تَحْرِيقِ الثِّيَابِ وَذَبْحِ الْمَوَاشِي وَخَرَابِ الدُّورِ.

الشيخ: وهذا من جهل المعترضين، من جهل المعترضين؛ لأنَّ جزاء القصاص بالقصاص مما تستحسنه العقول، فإذا أفسد الأول بالقتل يُجازى بالقتل، ما من شيءٍ آخر إذا طلب القتل، هذا أعظم في المصلحة والردع، وهذا يدل على حكمة أحكم الحاكمين ، ورحمة أرحم الراحمين؛ لأنَّ المجني عليه لا يُشفى غليله ولا تطمئن نفسه إلا بأن يُصيب هذا القاتل مثلما أصاب صاحبه، وأن يُشتفى منه بقتله كما تعدَّى وقتل، وهكذا قطع اليد؛ كما قطع يده تُقطع يده، قطع رجله تُقطع رجله، قطع إصبعه تُقطع إصبعه، قلع سنَّه يُقلع سنُّه، فقأ عينه تُفقأ عينه، فيه راحة الضَّمائر، وراحة القلوب بأن يُعامل الجاني مثلما فعل بالمجني عليه عامدًا مُتعديًا.

أما الأمور الأخرى ففي حكمة الله الدلالة على ما هو أحسن للمجني عليه، فإذا حرق ثوبه وغرم أن يُعطى ثوبًا مثل ثوبه، أحسن من تحريق ثوبه، أيش ينفع تحريق ثوبه؟! لكن إذا غرم أن يُعطى ثوبًا مثل ثوبه، أو دابة مثل دابته، أو فراشًا مثل فراشه، هذا أنفع للمجني عليه.

س: ................؟

الشيخ: نعم.

وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ إزَالَةِ مَفْسَدَةِ تَحْرِيقِ الثِّيَابِ وَذَبْحِ الْمَوَاشِي وَخَرَابِ الدُّورِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ بِمِثْلِهَا، ثُمَّ كَيْفَ حَسُنَ أَنْ يُعَاقَبَ السَّارِقُ بِقَطْعِ يَدِهِ الَّتِي اكْتَسَبَ بِهَا السَّرِقَةَ، وَلَمْ تَحْسُنْ عُقُوبَةُ الزَّانِي بِقَطْعِ فَرْجِهِ الَّذِي اكْتَسَبَ بِهِ الزِّنَا، وَلَا الْقَاذِف بِقَطْعِ لِسَانِهِ الَّذِي اكْتَسَبَ بِهِ الْقَذْفَ، وَلَا الْمُزَوِّر عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ بِقَطْعِ أَنَامِلِهِ الَّتِي اكْتَسَبَ بِهَا التَّزْوِيرَ.

الشيخ: محل نظرٍ، كونه تقطع ...... محل نظرٍ، يحتاج إلى تأمُّلٍ: إذا كان السارقُ قد قُطعت يده في غير السَّرقة لأسبابٍ أخرى محل نظرٍ، وأما إذا كان قُطعت يده في السَّرقة هذا محل نظرٍ، يحتاج إلى تأمُّلٍ.

وَلَا الْقَاذِف بِقَطْعِ لِسَانِهِ الَّذِي اكْتَسَبَ بِهِ الْقَذْفَ، وَلَا الْمُزَوِّر ..... وَيَحْكُم مَا يُرِيدُ.

فَالْجَوَابُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالتَّأْيِيدُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: مُجْمَلٌ، وَمُفَصَّلٌ:

أَمَّا الْمُجْمَلُ: فَهُوَ أَنَّ مَنْ شَرَعَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ وَرَتَّبَهَا عَلَى أَسْبَابِهَا جِنْسًا وَقَدْرًا فَهُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَأَعْلَمُ الْعَالِمِينَ، وَمَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَعَلِمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ، وَأَحَاطَ عِلْمُهُ بِوُجُوهِ الْمَصَالِحِ: دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا، وَخَفِيِّهَا وَظَاهِرِهَا، مَا يُمْكِنُ اطِّلَاعُ الْبَشَرِ عَلَيْهِ، وَمَا لَا يُمْكِنُهُمْ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ التَّخْصِيصَاتُ وَالتَّقْدِيرَاتُ خَارِجَةً عَنْ وُجُوهِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ الْمَحْمُودَةِ، كَمَا أَنَّ التَّخْصِيصَاتِ وَالتَّقْدِيرَاتِ الْوَاقِعَةَ فِي خَلْقِهِ كَذَلِكَ، فَهَذَا فِي خَلْقِهِ وَذَاكَ فِي أَمْرِهِ، وَمَصْدَرُهُمَا جَمِيعًا عَنْ كَمَالِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَوَضْعِهِ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ سِوَاهُ، وَلَا يَتَقَاضَى إلَّا إيَّاهُ، كَمَا وَضَعَ قُوَّةَ الْبَصَرِ وَالنُّورِ لِلْبَاصِرِ فِي الْعَيْنِ، وَقُوَّةَ السَّمْعِ فِي الْأُذُنِ، وَقُوَّةَ الشَّمِّ فِي الْأَنْفِ، وَقُوَّةَ النُّطْقِ فِي اللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ، وَقُوَّةَ الْبَطْشِ فِي الْيَدِ، وَقُوَّةَ الْمَشْيِ فِي الرِّجْلِ، وَخَصَّ كُلَّ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ وَيَحْسُنُ أَنْ يُعْطَاهُ مِنْ أَعْضَائِهِ وَهَيْئَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَقَدْرِهِ، فَشَمَلَ إتْقَانُهُ وَإِحْكَامُهُ لِكُلِّ مَا شَمَلَهُ خَلْقُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل:88].

وَإِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَتْقَنَ خَلْقَهُ غَايَةَ الْإِتْقَانِ، وَأَحْكَمَهُ غَايَةَ الْإِحْكَامِ، فَلَأَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ وَالْإِحْكَامِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ مُفَصَّلًا لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُنْكِرَهُ مُجْمَلًا، وَلَا يَكُونَ جَهْلُهُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَإِتْقَانِهِ كَذَلِكَ وَصُدُورِهِ عَنْ مَحْضِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ مُسَوِّغًا لَهُ إنْكَارَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

وَسُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَعْظَمَ ظُلْمَ الْإِنْسَانِ وَجَهْلَهُ! فَإِنَّهُ لَوِ اعْتَرَضَ عَلَى أَيِّ صَاحِبِ صِنَاعَةٍ كَانَتْ مِمَّنْ تَقْصُرُ عَنْهَا مَعْرِفَتُهُ وَإِدْرَاكُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَسَأَلَهُ عَمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ صِنَاعَتُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَالْمَقَادِيرِ، وَكَيْفَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، لَا أَكْبَرَ، وَلَا أَصْغَرَ، وَلَا عَلَى شَكْلٍ غَيْرِ ذَلِكَ؟ يَسْخَرُ مِنْهُ، وَيَهْزَأُ بِهِ، وَعَجِبَ مِنْ سُخْفِ عَقْلِهِ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ.

هَذَا مَا تَهَيَّأَهُ بِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي صِنَاعَتِهِ، وَوُصُولِهِ فِيهَا إلَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِدْرَاكِ عَلَيْهِ فِيهَا، هَذَا مَعَ أَنَّ صَاحِبَ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عَنِ الْعَجْزِ وَالْقُصُورِ وَعَدَمِ الْإِحَاطَةِ وَالْجَهْلِ، بَلْ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَتِيدٌ حَاضِرٌ، ثُمَّ لَا يَسَعُهُ إلَّا التَّسْلِيمُ لَهُ، وَالِاعْتِرَافُ بِحِكْمَتِهِ، وَقَرَارُهُ بِجَهْلِهِ، وَعَجْزُهُ عَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَهَلَّا وَسِعَهُ ذَلِكَ مَعَ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، وَأَعْلَمِ الْعَالِمِينَ، وَمَنْ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ فَأَحْكَمَهُ وَأَوْقَعَهُ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ؟

وَقَدْ كَانَ هَذَا الْوَجْهُ وَحْدَهُ كَافِيًا فِي دَفْعِ كُلِّ شُبْهَةٍ، وَجَوَابِ كُلِّ سُؤَالٍ.

الشيخ: وهذا مثلما قال المؤلفُ؛ لأنَّ الناس الآن فيهم مَن هو بصير بصناعة السيارة، بصير بصناعة الساعات، بصير بصناعة الأدوات الأخرى، فإذا جاء آخرُ ما يفهم يعترض عليه ويقول: وأيش حكمة هذا؟ وأيش حكمة هذا؟ صار دليلًا على جهله وقلة بصيرته وسفاهته، فإنه كيف يعرف أسرار هذه الصنعة وهو لم يتعلمها ولم يعرف شأنها؟! فكيف بأحكم الحاكمين الذي هو العالم بكلِّ شيءٍ، والقادر على كل شيءٍ؟ ثم يجيء يعترض يقول: لماذا كان كذا؟ ولماذا كان كذا؟ والله سبحانه هو الأحكم والأعلم: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12].

فاعتراض الجاهل على أرباب الصناعات والمهندسين والأطباء وهو جاهل كل عاقلٍ يعرف أنه سفيه في هذا، وأنه قد تعدَّى الحدود التي عليه، وقد دخل فيما لا يعنيه، فكيف بأحكم الحاكمين وأعلم العالمين ؟!

وَهَذَا غَيْرُ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكَهَا نُفَاةُ الْحُكْمِ وَالتَّعْلِيلِ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا فَنَتَصَدَّى لِلْجَوَابِ الْمُفَصَّلِ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدَادِ وَمَا يُنَاسِبُ عُلُومَنَا النَّاقِصَةَ، وَأَفْهَامَنَا الْجَامِدَةَ، وَعُقُولَنَا الضَّعِيفَةَ، وَعِبَارَاتِنَا الْقَاصِرَةَ، فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الشيخ: يقول: مع إيماننا واعترافنا بأنه الحكيم العليم، وأنه لا اعتراضَ عليه، وأن المعترضين نادوا على أنفسهم بالجهالة، لكن مع هذا نُجيبهم على قدر عقولنا، وعلى قدر علومنا نجيبهم عن شُبههم.

فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: أَمَّا قَوْلُهُ: "كَيْفَ تَرْدَعُونَ عَنْ سَفْكِ الدَّمِ بِسَفْكِهِ؟ وَأَنَّ ذَلِكَ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالنَّجَاسَةِ" سُؤَالٌ فِي غَايَةِ الْوَهْنِ وَالْفَسَادِ، وَأَوَّلُ مَا يُقَالُ لِسَائِلِهِ: هَلْ تَرَى رَدْعَ الْمُفْسِدِينَ وَالْجُنَاةَ عَنْ فَسَادِهِمْ وَجِنَايَاتِهِمْ وَكَفَّ عُدْوَانِهِمْ مُسْتَحْسَنًا فِي الْعُقُولِ، مُوَافِقًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، أَوْ لَا تَرَاهُ كَذَلِكَ؟

فَإِنْ قَالَ: "لَا أَرَاهُ كَذَلِكَ" كَفَانَا مُؤْنَةُ جَوَابِهِ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمُخَالَفَةِ جَمِيعِ طَوَائِفِ بَنِي آدَمَ عَلَى اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ وَدِيَانَاتِهِمْ وَآرَائِهِمْ، وَلَوْلَا عُقُوبَةُ الْجُنَاةِ وَالْمُفْسِدِينَ لَأَهْلَكَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَفَسَدَ نِظَامُ الْعَالَمِ، وَصَارَتْ حَالُ الدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ وَالْوُحُوشِ أَحْسَنَ مِنْ حَالِ بَنِي آدَمَ.

وَإِنْ قَالَ: "بَلْ لَا تَتِمُّ الْمَصْلَحَةُ إلَّا بِذَلِكَ" قِيلَ لَهُ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ عُقُوبَةَ الْجُنَاةِ وَالْمُفْسِدِينَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمُؤْلِمٍ يَرْدَعُهُمْ، وَيَجْعَلُ الْجَانِيَ نَكَالًا وَعِظَةً لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، وَعِنْدَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ إفْسَادِ شَيْءٍ مِنْهُ بِحَسَبِ جَرِيمَتِهِ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِبَدَائِهِ الْعُقُولِ أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الْعُقُوبَاتِ مَعَ تَفَاوُتِ الْجَرَائِمِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ، بَلْ مُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنَّهُ إنْ سَاوَى بَيْنَهَا فِي أَدْنَى الْعُقُوبَاتِ لَمْ تَحْصُلْ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ، وَإِنْ سَاوَى بَيْنَهَا فِي أَعْظَمِهَا كَانَ خِلَافَ الرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ؛ إذْ لَا يَلِيقُ أَنْ يَقْتُلَ بِالنَّظْرَةِ وَالْقُبْلَةِ وَيَقْطَعَ بِسَرِقَةِ الْحَبَّةِ وَالدِّينَارِ.

وَكَذَلِكَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْعُقُوبَاتِ مَعَ اسْتِوَاءِ الْجَرَائِمِ قَبِيحٌ فِي الْفِطَرِ وَالْعُقُولِ، وَكِلَاهُمَا تَأْبَاهُ حِكْمَةُ الرَّبِّ تَعَالَى وَعَدْلُهُ وَإِحْسَانُهُ إلَى خَلْقِهِ، فَأَوْقَعَ الْعُقُوبَةَ تَارَةً بِإِتْلَافِ النَّفْسِ إذَا انْتَهَتِ الْجِنَايَةُ فِي عِظَمِهَا إلَى غَايَةِ الْقُبْحِ: كَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، أَو الدِّينِ، أَو الْجِنَايَةِ الَّتِي ضَرَرُهَا عَامٌّ؛ فَالْمَفْسَدَةُ الَّتِي فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ خَاصَّة، وَالْمَصْلَحَةُ الْحَاصِلَةُ بِهَا أَضْعَافَ أَضْعَافِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179]، فَلَوْلَا الْقِصَاصُ لَفَسَدَ الْعَالَمُ، وَأَهْلَكَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ابْتِدَاءً وَاسْتِيفَاءً، فَكَانَ فِي الْقِصَاصِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ التَّجَرُّؤِ عَلَى الدِّمَاءِ بِالْجِنَايَةِ وَبِالِاسْتِيفَاءِ.

وَقَدْ قَالَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا: "الْقَتْلُ أَنَفَى لِلْقَتْلِ".

وَبِسَفْكِ الدِّمَاءِ تُحْقَنُ الدِّمَاءُ؛ فَلَمْ تُغْسَل النَّجَاسَةُ بِالنَّجَاسَةِ، بَل الْجِنَايَةُ نَجَاسَةٌ، وَالْقِصَاصُ طُهْرَةٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مَوْتِ الْقَاتِلِ وَمَن اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ فَمَوْتُهُ بِالسَّيْفِ أَنْفَعُ لَهُ فِي عَاجِلَتِهِ وَآجِلَتِهِ، وَالْمَوْتُ بِهِ أَسْرَعُ الْمَوْتَاتِ وَأَوْحَاهَا وَأَقَلُّهَا أَلَمًا، فَمَوْتُهُ بِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ وَلِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ وَلِعُمُومِ النَّاسِ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى إتْلَافِ الْحَيَوَانِ بِذَبْحِهِ لِمَصْلَحَةِ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَبْحِهِ إضْرَارٌ بِالْحَيَوَانِ؛ فَالْمَصَالِحُ الْمُرَتَّبَةُ عَلَى ذَبْحِهِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَفْسَدَةِ إتْلَافِهِ.

ثُمَّ هَذَا السُّؤَالُ الْفَاسِدُ يَظْهَرُ فَسَادُهُ وَبُطْلَانُهُ بِالْمَوْتِ الَّذِي خَتَمَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَسَاوَى فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، وَلَوْلَاهُ لَمَا هَنَأَ الْعَيْشُ، وَلَا وَسِعَتْهُم الْأَرْزَاقُ، وَلَضَاقَتْ عَلَيْهِم الْمَسَاكِنُ وَالْمُدُنُ وَالْأَسْوَاقُ وَالطُّرُقَاتُ، وَفِي مُفَارَقَةِ الْبَغِيضِ مِنَ اللَّذَّةِ وَالرَّاحَةِ مَا فِي مُوَاصَلَةِ الْحَبِيبِ، وَالْمَوْتُ مُخَلِّصٌ لِلْحَيِّ، وَالْمَوْتُ مُرِيحٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَمُخْرِجٌ مِنْ دَارِ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ، وَبَابٌ لِلدُّخُولِ فِي دَارِ الْحَيَوَانِ.

جَزَى اللَّهُ عَنَّا الْمَوْتَ خَيْرًا فَإِنَّهُ أَبَرُّ بِنَا مِنْ كُلِّ بَرٍّ وَأَعْطَفُ
يُعَجِّلُ تَخْلِيصَ النُّفُوسِ مِنَ الْأَذَى وَيُدْنِي إلَى الدَّارِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ

فَكَمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ فِي الْمَوْتِ مِنْ نِعْمَةٍ لَا تُحْصَى، فَكَيْفَ إذَا كَانَ فِيهِ طُهْرَةٌ لِلْمَقْتُولِ، وَحَيَاةٌ لِلنَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ، وَتَشَفٍّ لِلْمَظْلُومِ، وَعَدْلٌ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ؟!

فَسُبْحَانَ مَنْ تَنَزَّهَتْ شَرِيعَتُهُ عَنْ خِلَافِ مَا شَرَعَهَا عَلَيْهِ مِن اقْتِرَاحِ الْعُقُولِ الْفَاسِدَةِ وَالْآرَاءِ الضَّالَّةِ الْجَائِرَةِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: "لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنًا فِي الْعُقُولِ لَاسْتُحْسِنَ فِي تَحْرِيقِ ثَوْبِهِ، وَتَخْرِيبِ دَارِهِ، وَذَبْحِ حَيَوَانِهِ.