إعلام الموقعين لابن القيم 4

لو إنسان خاف من الرياء وصلَّى في بيته، وما صلَّى في المسجد النَّافلة يخاف من الرياء، ما في شيء، لو صاروا مجتمعين وأراد أن يتطوع بصلاةٍ وقام خاف أن يُصلي وهم حاضرون يُبتلى بالرياء وراح لبيته يُصلي في بيته ما في بأس.

س: ...............؟

ج: ............

وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ الصَّرِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهُوَ كُلُّهُ لِلَّذِي أَشْرَكَ بِهِ.

وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].

الشيخ: يقول الله جلَّ وعلا: أنا أغنى الشُّركاء عن الشركِ، فمَن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه.

س: ...............؟

الشيخ: الذي يظهر لي أنَّ أساس الحجِّ لغير الله عليه الإتمام؛ لأنَّ الله قال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، لكن نيته لغير الله تُبطل ثوابه، ما يكون له ثواب الحجِّ، عليه وزر؛ وزر الشرك الأصغر.

س: هل يجب عليه الإتمام مع أنَّ أصل العبادة لغير الله؟

ج: ولو، مأخوذ بدخوله، دعواه أنه نوى كذا ما يُسلم له، يجب الإتمام، الله قال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ.

س: أليست الآيةُ مناطةً بمَن ابتدأ الحجَّ لله؟

ج: إذا ابتدأها لغير الله، تحتاج إلى تأملٍ.

س: الذي يُصلي رغمًا عن أنفه يموت كافرًا إذا مات على هذا؟

ج: المقصود أنه إذا كان ما هو لله، ما صلَّى لله، صلَّى من أجل المخلوقين ما تُقبل.

س: بالنسبة للضغط عليه وهو يُصلي غصبًا عنه؟

ج: وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، لا بد أن يكون العملُ لله وحده.

س: فائدة إلزام الأب ابنه ليُصلي؟

ج: تعاون، الله يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، فإذا صلَّى لله لما أمره أبوه ما صار رياءً، صلى لله لأنَّ أباه أمره بهذا، مثلما قال الله جلَّ وعلا: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71]، الإنسان يُجاهد على نفسه، يُعان على نفسه .....

فَصْلٌ

وَقَوْلُهُ: "فَمَا ظَنُّك بِثَوَابٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ" يُرِيدُ بِهِ تَعْظِيمَ جَزَاءِ الْمُخْلِصِ، وَأَنَّهُ رِزْقٌ عَاجِلٌ: إمَّا لِلْقَلْبِ أَوْ لِلْبَدَنِ أَوْ لَهُمَا. وَرَحْمَتُهُ مُدَّخَرَةٌ فِي خَزَائِنِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَجْزِي الْعَبْدَ عَلَى مَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَلَا بُدَّ، ثُمَّ فِي الْآخِرَةِ يُوفِيهِ أَجْرَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]، فَمَا يَحْصُلُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَيْسَ جَزَاء تَوْفِيَةٍ، وَإِنْ كَانَ نَوْعًا آخَرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ إبْرَاهِيمَ: وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت:27]، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى: وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [النحل:122]، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ آتَى خَلِيلَهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ وَحَيَاتِهِ الطَّيِّبَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ أَجْر تَوْفِيَةٍ.

الشيخ: المؤمن يجمع الله له بين الخيرين: خير الدنيا والآخرة، كما قال جلَّ وعلا: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، ويقول النبيُّ ﷺ: إنَّ المؤمن إذا عمل حسنةً بالدنيا أُجِرَ بها، مع ما يُدخر له في الآخرة، وأما الكافر فإنه يُطعم بها طعمة في الدنيا.

وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مَنْ عَمِلَ خَيْرًا أَجْرَيْنِ: عَمَلُهُ فِي الدُّنْيَا، وَيُكَمَّلُ لَهُ أَجْرُهُ فِي الْآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [النحل:30]، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [النحل:41]، وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، وَقَالَ فِيهَا عَنْ خَلِيلِهِ: وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [النحل:122].

فَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ دُونَ غَيْرِهَا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ لِسِرٍّ بَدِيعٍ، فَإِنَّهَا سُورَةُ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا أُصُولَ النِّعَمِ وَفُرُوعَهَا، فَعَرَّفَ عِبَادَهُ أَنَّ لَهُمْ عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ النِّعَمِ أَضْعَافَ هَذِهِ بِمَا لَا يُدْرَكُ تَفَاوُتُهُ، وَأَنَّ هَذِهِ مِنْ بَعْضِ نِعَمِهِ الْعَاجِلَةِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ إنْ أَطَاعُوهُ زَادَهُمْ إلَى هَذِهِ النِّعَمِ نِعَمًا أُخْرَى، ثُمَّ فِي الْآخِرَةِ يُوَفِّيهِمْ أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ تَمَامَ التَّوْفِيَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3]؛ فَلِهَذَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: "فَمَا ظَنُّك بِثَوَابٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وَخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ؟ وَالسَّلَامُ".

فَهَذَا بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْحِكَمِ وَالْفَوَائِدِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

قَدْ تَقَدَّمَ قَوْله تَعَالَى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:169]، وَأَنَّ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْقَوْلَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَشَرْعِهِ وَدِينِهِ.

وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعُ: مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا غَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ.

وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا يَتَمَارَوْنَ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا؛ ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَلَا يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَكِلُوهُ إلَى عَالِمِهِ، فَأَمَرَ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يَكِلَهُ إلَى عَالِمِهِ، وَلَا يَتَكَلَّفُ الْقَوْلَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ.

الشيخ: كما قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، الواجب على أهل العلم والمؤمنين البحث الهادئ الرفيق، مع القصد الحسن لمعرفة الحقِّ، فإن اتَّضح فالحمد لله، وإلا ردُّوه إلى عالمه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، أما الجدال الذي يُسبب البغضاء والعداوة والشَّحناء فالواجب تركه والحذر منه، ولكن يكون جدال هادف بالتي هي أحسن لطلب الحقِّ، فإن اتَّضح بالأدلة فهذا هو المطلوب، وإلا ردُّوه إلى عالمه وقالوا: الله أعلم.

وَرَوَى مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ عُذْرُهَا قَبَّلَ أَبُو بَكْرٍ رَأْسَهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَلَا عَذَرْتَنِي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ؟! فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي؟ وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إذَا قُلْتُ مَا لَا أَعْلَم؟

الشيخ: هذا من ورعه العظيم، وعلمه العظيم، وإيمانه العظيم، وأن ليس للإنسان أن يقول ما لا يعلم، لما قالوا ما قالوا لم يسعه إلا السكوت، وأن يقول: ما علمتُ إلا خيرًا.

وَرَوَى أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ آيَةٍ، فَقَالَ: أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي؟ وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي؟ وَأَيْنَ أَذْهَبُ؟ وَكَيْفَ أَصْنَعُ إذَا أَنَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَا؟

وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِم ابن أبي عمران الْبَطِينِ، عَنْ عَزَّةَ التَّمِيمِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي الْجَنَّةِ: "ما أَبْرَدَهَا عَلَى كَبِدِي".

الشيخ: ما أبردها!

"ما أبردها على كبدي" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: "أَنْ يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَمَّا لَا يَعْلَمُ فَيَقُولُ: اللَّهُ أَعْلَمُ".

الشيخ: وهذا هو العلم، هذا هو الورع، هذا هو الإيمان، ولا نقص فيه: أن يُسأل عمَّا لا يعلم فيقول: لا أدري، الله أعلم. هكذا المؤمن، وهكذا العالم، أما أن يتكلف ويقول بغير علمٍ فهذا هو الخطر العظيم، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]، الإنسان يقول: لا أدري، والحمد لله، يبحث ويتأمل وينظر في الأدلة.

وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: "خَمْسٌ إذَا سَافَرَ فِيهِنَّ رَجُلٌ إلَى الْيَمَنِ كُنَّ فِيهِ عِوَضًا مِنْ سَفَرِهِ: لَا يَخْشَى عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافُ إلَّا ذَنْبَهُ، وَلَا يَسْتَحِي مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَلَا يَسْتَحِي مَنْ يَعْلَمُ إذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، وَالصَّبْرُ مِنَ الدِّينِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ".

الشيخ: وهذه خمس عظيمة من أمير المؤمنين ، جدير بالمؤمن أن يتعقَّلها، لا يخاف إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي أن يتفقه ويتعلم.

والرابعة: لا يستحي إذا سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول: الله أعلم.

والخامسة أمرها عظيم: وهي الصبر، كما قال جلَّ وعلا: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وقال جلَّ وعلا: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، ويقول عليٌّ : "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد"، ثم يرفع .....، ويقول: ألا لا إيمانَ لمن لا صبرَ له.

فجديرٌ بالمؤمن أن يستفيد من هذه الخصال التي ذكرها رضي الله عنه: يخاف الله ويخشاه ويُراقبه، ويخشى ذنبه، ويحذر ذنوبه -المعاصي- وعليه أن يتفقَّه في الدِّين، ويتعلم، ولا يستحي أن يقول: الله أعلم، إذا سُئل عمَّا لا يعلم، وإذا أصابته المصائب يصبر، سواء مصيبة مرضٍ أو جوعٍ أو فقرٍ أو غير ذلك.

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ -وَهُوَ أَخُو زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ- خَرَجْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ نَمْشِي، فَلَحِقَنَا أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَنْتَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَأَلْتُ عَنْك فَدُلِلْتُ عَلَيْك، فَأَخْبِرْنِي أَتَرِثُ الْعَمَّةُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: أَنْتَ لَا تَدْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، اذْهَبْ إلَى الْعُلَمَاءِ بِالْمَدِينَةِ فَاسْأَلْهُمْ. فَلَمَّا أَدْبَرَ قَبَّلَ يَدَيْهِ، قَالَ: نِعَمًا.

قَالَ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ: سُئِلَ عَمَّا لَا يَدْرِي فَقَالَ: لَا أَدْرِي.

الشيخ: والعمَّة لا ترث، إنما يرث العمُّ؛ عاصب، أما العمَّة لا ترث، من ذوي الأرحام، إذا مات الإنسانُ عن عمَّةٍ أو خالةٍ لا ترث إلا على القول بتوريث ذوي الأرحام إذا كان ما وُجد ذو فرضٍ ولا ذو عصبةٍ عند جماعةٍ من أهل العلم، توريث ذوي الأرحام مقيد، المقصود أنَّ العمَّة والخالة ليستا من الورثة.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86].

وَصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ أَفْتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْأَلُونَهُ عَنْهُ فَهُوَ مَجْنُونٌ.

وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ شَدِيدَةٍ قَالَ: رُبَّ ذَاتِ وَبَرٍ لَا تَنْقَادُ وَلَا تَنْسَاقُ، وَلَوْ سُئِلَ عَنْهَا الصَّحَابَةُ لَعَضَلَتْ بِهِمْ.

وَقَالَ أَبُو حُصَيْنٍ الْأَسَدِيُّ: إنَّ أَحَدَهُمْ لِيُفْتِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَوْ وَرَدَتْ عَلَى عُمَرَ لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ.

الشيخ: يعني أنَّ الناس لما تأخَّر بهم العهد عن عصر النبوة ضعف العلمُ فيهم، وكثرت الجرأة فيهم على الفتوى بغير علمٍ، وأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لكمال علمهم وكمال تقواهم وخشيتهم لله يتوقَّفون في بعض المسائل حتى يتثبَّتوا، فالواجب على أهل العلم التَّثبت وعدم العجلة في الفتوى إلا على بصيرةٍ.

وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَأَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ جَاهِلًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ.

وَقَالَ الْقَاسِمُ: مِنْ إِكْرَامِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَقُولَ إلَّا مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ.

وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَاللَّهِ لَا نَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَسْأَلُونَنَا عَنْهُ، وَلَأَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلًا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا لَا يَعْلَمُ.

وَقَالَ مَالِكٌ: مِنْ فِقْهِ الْعَالِمِ أَنْ يَقُولَ: "لَا أَعْلَمُ"، فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُ الْخَيْرُ.

وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ هُرْمُزَ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُوَرِّثَ جُلَسَاءَهُ مِنْ بَعْدِهِ "لَا أَدْرِي"؛ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي أَيْدِيهِمْ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: "لَا أَدْرِي" نِصْفُ الْعِلْمِ.

وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وَيْلٌ لِمَنْ يَقُولُ لِمَا لَا يَعْلَمُ: إنِّي أَعْلَمُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَجْلَانَ يَقُولُ: إذَا أَغْفَلَ الْعَالِمُ "لَا أَدْرِي" أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَجْلَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى مَالِكٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَمَكَثَ أَيَّامًا مَا يُجِيبُهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَأَطْرَقَ طَوِيلًا وَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ، يَا هَذَا، إنِّي أَتَكَلَّمُ فِيمَا أَحْتَسِبُ فِيهِ الْخَيْرَ، وَلَسْتُ أُحْسِنُ مَسْأَلَتَك هَذِهِ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: الْعَجَلَةُ فِي الْفَتْوَى نَوْعٌ مِنَ الْجَهْلِ وَالْخَرْقِ.

قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ: التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ.

وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: الْعَالِمُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ لِي مَالِكٌ وَهُوَ يُنْكِرُ كَثْرَةَ الْجَوَابِ فِي الْمَسَائِلِ: يَا عَبْدَاللَّهِ، مَا عَلِمْتَ فَقُلْ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُقَلِّدَ النَّاسَ قِلَادَةَ سُوءٍ.

وَقَالَ مَالِكٌ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو خَلْدَةَ -وَكَانَ نِعْمَ الْقَاضِي- يَا رَبِيعَةُ، أَرَاك تُفْتِي النَّاسَ، فَإِذَا جَاءَك الرَّجُلُ يَسْأَلُك فَلَا يَكُنْ هَمُّك أَنْ تَتَخَلَّصَ مِمَّا سَأَلَك عَنْهُ.

وَكَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ لَا يَكَادُ يُفْتِي إلَّا قَالَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي وَسَلِّمْ مِنِّي.

وَقَالَ مَالِكٌ: مَا أَجَبْتُ فِي الْفَتْوَى حَتَّى سَأَلْتُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي: هَلْ تَرَانِي مَوْضِعًا لِذَلِكَ؟ سَأَلْتُ رَبِيعَةَ، وَسَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، فَأَمَرَانِي بِذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ، فَلَوْ نَهَوْكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَنْتَهِي.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمَوْلَاهُ عِكْرِمَةَ: اذْهَبْ فَأَفْتِ النَّاسَ وَأَنَا لَكَ عَوْنٌ، فَمَنْ سَأَلَك عَمَّا يَعْنِيهِ فَأَفْتِهِ، وَمَنْ سَأَلَك عَمَّا لَا يَعْنِيهِ فَلَا تُفْتِهِ، فَإِنَّك تَطْرَحُ عَنْ نَفْسِك ثُلُثَ مُؤْنَةِ النَّاسِ.

وَكَانَ أَيُّوبُ إذَا سَأَلَهُ السَّائِلُ قَالَ لَهُ: أَعِدْ، فَإِنْ أَعَادَ السُّؤَالَ كَمَا سَأَلَهُ عَنْهُ أَوَّلًا أَجَابَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُجِبْهُ، وَهَذَا مِنْ فَهْمِهِ وَفِطْنَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَفِي ذَلِكَ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ:

مِنْهَا: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَزْدَادُ وُضُوحًا وَبَيَانًا بِتَفَهُّمِ السُّؤَالِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ السَّائِلَ لَعَلَّهُ أَهْمَلَ فِيهَا أَمْرًا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحُكْمُ، فَإِذَا أَعَادَهَا رُبَّمَا بَيَّنَهُ لَهُ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَسْؤُولَ قَدْ يَكُونُ ذَاهِلًا عَنِ السُّؤَالِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَحْضُرُ ذِهْنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ رُبَّمَا بَانَ لَهُ تَعَنُّتُ السَّائِلِ، وَأَنَّهُ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ؛ فَإِذَا غَيَّرَ السُّؤَالَ وَزَادَ فِيهِ وَنَقَصَ فَرُبَّمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَأَنَّهَا مِنَ الْأُغْلُوطَاتِ أَوْ غَير الْوَاقِعَاتِ الَّتِي لَا يَجِبُ الْجَوَابُ عَنْهَا؛ فَإِنَّ الْجَوَابَ بِالظَّنِّ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْمَسْأَلَةُ صَارَتْ حَالَ ضَرُورَةٍ، فَيَكُونُ التَّوْفِيقُ إلَى الصَّوَابِ أَقْرَبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ذِكْرُ تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي التَّقْلِيدِ، وَانْقِسَامِهِ إلَى مَا يَحْرُمُ الْقَوْلُ فِيهِ وَالْإِفْتَاءُ بِهِ، وَإِلَى مَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَإِلَى مَا يَسُوغُ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ.

فَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:

أَحَدُهَا: الْإِعْرَاضُ عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ اكْتِفَاءً بِتَقْلِيدِ الْآبَاءِ.

الثَّانِي: تَقْلِيدُ مَنْ لَا يَعْلَمُ الْمُقَلِّدُ أَنَّهُ أَهْلٌ لأَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِهِ.

الثَّالِثُ: التَّقْلِيدُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ وَظُهُورِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْمُقَلَّدِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَوَّلَ قَلَّدَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ، وَهَذَا قَلَّدَ بَعْدَ ظُهُورِ الْحُجَّةِ لَهُ؛ فَهُوَ أَوْلَى بِالذَّمِّ وَمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ مِنَ التَّقْلِيدِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، كَمَا فِي قَوْلِه تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:170]، وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ۝ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ [الزخرف:23- 24]، وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة:104]، وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، يَذُمُّ فِيهِ مَنْ أَعْرَضَ عَمَّا أَنْزَلَهُ وَقَنَعَ بِتَقْلِيدِ الْآبَاءِ.

فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا ذَمَّ مَنْ قَلَّدَ الْكُفَّارَ وَآبَاءَهُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ، وَلَمْ يَذُمَّ مَنْ قَلَّدَ الْعُلَمَاءَ الْمُهْتَدِينَ، بَلْ قَدْ أَمَرَ بِسُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ تَقْلِيدُهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وَهَذَا أَمْرٌ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ بِتَقْلِيدِ مَنْ يَعْلَمُ.

فَالْجَوَابُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَمَّ مَنْ أَعْرَضَ عَمَّا أَنْزَلَهُ إلَى تَقْلِيدِ الْآبَاءِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ التَّقْلِيدِ هُوَ مِمَّا اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى ذَمِّهِ وَتَحْرِيمِهِ، وَأَمَّا تَقْلِيدُ مَنْ بَذَلَ جهْدَهُ فِي اتِّبَاعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُهُ فَقَلَّدَ فِيهِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَهَذَا مَحْمُودٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ، وَمَأْجُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّقْلِيدِ الْوَاجِبِ وَالسَّائِغِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَقَالَ تَعَالَى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36]، وَالتَّقْلِيدُ لَيْسَ بِعِلْمٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا سَيَأْتِي.

وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33].

وَقَالَ تَعَالَى: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3]، فَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ الْمُنَزَّلِ خَاصَّةً، وَالْمُقَلِّدُ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُنَزَّلُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الدَّلَالَةُ فِي خِلَافِ قَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ، فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ تَقْلِيدَهُ فِي خِلَافِهِ اتِّبَاعٌ لِغَيْرِ الْمُنَزَّلِ.

وَقَالَ تَعَالَى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا [النساء:59]، فَمَنَعَنَا سُبْحَانَهُ مِنَ الرَّدِّ إلَى غَيْرِهِ وَغَيْرِ رَسُولِهِ، وَهَذَا يُبْطِلُ التَّقْلِيدَ.

وَقَالَ تَعَالَى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً [التوبة:16]، وَلَا وَلِيجَةَ أَعْظَمُ مِمَّنْ جَعَلَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ مُخْتَارًا عَلَى كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ وَكَلَامِ سَائِرِ الْأُمَّةِ، يُقَدِّمُهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَعْرِضُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى قَوْلِهِ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا قَبِلَهُ لِمُوَافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ، وَمَا خَالَفَهُ مِنْهَا تَلَطَّفَ فِي رَدِّهِ وَتَطَلَّبَ لَهُ وُجُوهَ الْحِيَلِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ وَلِيجَةً فَلَا نَدْرِي مَا الْوَلِيجَةُ.

وَقَالَ تَعَالَى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا ۝ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:66- 67]، وَهَذَا نَصٌّ فِي بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ.

فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا فِيهِ ذَمُّ مَنْ قَلَّدَ مَنْ أَضَلَّهُ السَّبِيل، أَمَّا مَنْ هدَاهُ السَّبِيل فَأَيْنَ ذَمَّ اللَّهُ تَقْلِيدَهُ؟

قِيلَ: جَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ فِي نَفْسِ السُّؤَالِ، فَإِنَّه لَا يَكُون الْعَبْدُ مُهْتَدِيًا حَتَّى يَتَّبِعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، فَهَذَا الْمُقَلِّدُ إنْ كَانَ يَعْرِفُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَهُوَ مُهْتَدٍ، وَلَيْسَ بِمُقَلِّدٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَمِنْ أَيْنَ يَعْرِفُ أَنَّهُ عَلَى هُدًى فِي تَقْلِيدِهِ؟!

وَهَذَا جَوَابُ كُلِّ سُؤَالٍ يُورِدُونَهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَنَّهُمْ [إنْ كَانُوا] إنَّمَا يُقَلِّدُونَ أَهْلَ الْهُدَى فَهُمْ فِي تَقْلِيدِهِمْ عَلَى هُدًى.

فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْمُقَلَّدِينَ فِي الدِّينِ عَلَى هُدًى، فَمُقَلِّدُوهُمْ عَلَى هُدًى قَطْعًا؛ لِأَنَّهُمْ سَالِكُونَ خَلْفَهُمْ.

قِيلَ: سُلُوكُهُمْ خَلْفَهُمْ مُبْطِلٌ لِتَقْلِيدِهِمْ لَهُمْ قَطْعًا؛ فَإِنَّ طَرِيقَتَهُمْ كَانَتِ اتِّبَاعَ الْحُجَّةِ وَالنَّهْي عَنْ تَقْلِيدِهِمْ كَمَا سَنَذْكُرُهُ عَنْهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَمَنْ تَرَكَ الْحُجَّةَ وَارْتَكَبَ مَا نَهَوْا عَنْهُ وَنَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ قَبْلَهُمْ فَلَيْسَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ، وَهُوَ مِنَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ مَنِ اتَّبَعَ الْحُجَّةَ، وَانْقَادَ لِلدَّلِيلِ، وَلَمْ يَتَّخِذْ رَجُلًا بِعَيْنِهِ سِوَى الرَّسُولِ ﷺ يَجْعَلُهُ مُخْتَارًا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يَعْرِضُهُمَا عَلَى قَوْلِهِ.

وَبِهَذَا يَظْهَرُ بُطْلَانُ فَهْمِ مَنْ جَعَلَ التَّقْلِيدَ اتِّبَاعًا، وَإِيهَامهُ وَتَلْبِيسهُ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ للاتِّباعِ.

وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ بَيْنَهُمَا كَمَا فَرَّقَتِ الْحَقَائِقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الِاتِّبَاعَ سُلُوكُ طَرِيقِ الْمُتَّبَعِ، وَالْإِتْيَان بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي "الْجَامِعِ": بَابُ فَسَادِ التَّقْلِيدِ وَنَفْيِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاتِّبَاعِ.

قَال أَبُو عُمَرَ: قَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى التَّقْلِيدَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31].

رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَغَيْرِهِ قَالَ: لَمْ يَعْبُدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمْ وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ فَاتَّبَعُوهُمْ.

وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ، أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِك، وَانْتَهَيْتُ إلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ، حَتَّى أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا لَمْ نَتَّخِذْهُمْ أَرْبَابًا! قَالَ: بَلَى، أَلَيْسَ يُحِلُّونَ لَكُمْ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمْ مَا أُحِلَّ لَكُمْ فَتُحَرِّمُونَهُ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ.

قُلْتُ: الْحَدِيثُ فِي "الْمُسْنَدِ" وَالتِّرْمِذِيِّ مُطَوَّلًا.

وَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ فِي قَوْلِهِ : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]: أَمَا إنَّهُمْ لَوْ أَمَرُوهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا أَطَاعُوهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ أَمَرُوهُمْ فَجَعَلُوا حَلَالَ اللَّهِ حَرَامَهُ، وَحَرَامَهُ حَلَالَهُ فَأَطَاعُوهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ الرُّبُوبيَّة.

وَقَالَ وَكِيعٌ: حدَّثنا سُفْيَانُ وَالْأَعْمَشُ -جَمِيعًا- عَنْ حَبِيبِ ابْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: قِيلَ لِحُذَيْفَةَ فِي قَوْلِه تَعَالَى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]: أَكَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ كَانُوا يُحِلُّونَ لَهُمُ الْحَرَامَ فَيُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِم الْحَلَالَ فَيُحَرِّمُونَهُ.

وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ۝ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ [الزخرف:23- 24]، فَمَنَعَهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِآبَائِهِمْ مِنْ قَبُولِ الِاهْتِدَاءِ، فَقَالُوا: إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:24]، وَفِي هَؤُلَاءِ وَمِثْلِهِمْ قَالَ اللَّهُ : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ۝ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ [البقرة:166- 167].

وَقَالَ تَعَالَى مُعَاتِبًا لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَذَامًّا لَهُمْ: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ۝ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [الأنبياء:52- 53]، وَقَالَ: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:67].

وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ مِنْ ذَمِّ تَقْلِيدِ الْآبَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ، وَقَدِ احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ فِي إبْطَالِ التَّقْلِيدِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ كُفْرُ أُولَئِكَ مِن الِاحْتِجَاجِ بِهَا؛ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ لَمْ يَقَعْ مِنْ جِهَةِ كُفْرِ أَحَدِهِمَا وَإِيمَانِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ الْمُقَلِّدِينَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لِلْمُقَلَّدِ، كَمَا لَوْ قَلَّدَ رَجُلًا فَكَفَرَ، وَقَلَّدَ آخَرَ فَأَذْنَبَ، وَقَلَّدَ آخَرَ فِي مَسْأَلَةٍ فَأَخْطَأَ وَجْهَهَا، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مَلُومًا عَلَى التَّقْلِيدِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَقْلِيدٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْآثَامُ فِيهِ، وَقَالَ اللَّهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة:115].

س: ................؟

الشيخ: لا يُفتي العامَّة إلا بعلمٍ.

وَقَالَ اللَّهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ.

قَالَ: فَإِذَا بَطَلَ التَّقْلِيدُ بِكُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَجَبَ التَّسْلِيمُ لِلْأُصُولِ الَّتِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، وَهِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا بِدَلِيلٍ جَامِعٍ.

ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي إلَّا مِنْ أَعْمَالِ ثَلَاثَةٍ، قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَخَافُ عَلَيْهِمْ زَلَّةَ الْعَالِمِ، وَمِنْ حُكْمٍ جَائِرٍ، وَمِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ.

وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ.

قُلْتُ: وَالْمُصَنِّفُونَ فِي السُّنَّةِ جَمَعُوا بَيْنَ فَسَادِ التَّقْلِيدِ وَإِبْطَالِهِ وَبَيَانِ زَلَّةِ الْعَالِمِ؛ لِيُبَيِّنُوا بِذَلِكَ فَسَادَ التَّقْلِيدِ، وَأَنَّ الْعَالِمَ قَدْ يَزِلُّ وَلَا بُدَّ؛ إذْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، فَلَا يَجُوزُ قَبُولُ كُلِّ مَا يَقُولُهُ.

الشيخ: وفي هذا المعنى يقول عمر : "أخوف ما أخاف عليكم زلة العالم، وجدال المنافقين بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين"، لا شك أنَّ هذه أخطار: زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب والتَّشبيه على الناس، وحكم الأئمة المضلين. لا شك أنَّ هذا فيه خطر على المسلمين، فالواجب على المسلم وعلى طالب العلم أن يتثبَّت، وأن ينظر في الأمر، وألا يعجل، بل يتحرى السنة، ويتحرى الدليل، ولا يكتفي بقول فلانٍ أو فلانٍ من أول وهلةٍ.

فَلَا يَجُوزُ قَبُولُ كُلِّ مَا يَقُولُهُ، وَيُنَزَّلُ قَوْلُهُ مَنْزِلَة قَوْلِ الْمَعْصُومِ؛ فَهَذَا الَّذِي ذَمَّهُ كُلُّ عَالِمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَحَرَّمُوهُ، وَذَمُّوا أَهْلَهُ، وَهُوَ أَصْلُ بَلَاءِ الْمُقَلِّدِينَ وَفِتْنَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ الْعَالِمَ فِيمَا زَلَّ فِيهِ وَفِيمَا لَمْ يَزِلَّ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ تَمْيِيزٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَيَأْخُذُونَ الدِّينَ بِالْخَطَأ وَلَا بُدَّ، فَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَيُشَرِّعُونَ مَا لَمْ يُشَرِّعْ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ كَانَت الْعِصْمَةُ مُنْتَفِيَةً عَمَّنْ قَلَّدُوهُ، وَالْخَطَأُ وَاقِعٌ مِنْهُ وَلَا بُدَّ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ كَثِيرٍ هَذَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: اتَّقُوا زَلَّةَ الْعَالِمِ، وَانْتَظِرُوا فَيْئَتَهُ.

وَذُكِرَ مِنْ حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ ابْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَشَدُّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي ثَلَاثٌ: زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَدُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَخُوفَ فِي زَلَّةِ الْعَالِمِ تَقْلِيدُهُ فِيهَا؛ إذْ لَوْلَا التَّقْلِيدُ لَمْ يخَفْ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ عَلَى غَيْرِهِ.

فَإِذَا عَرَفَ أَنَّهَا زَلَّةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلْخَطَأ عَلَى عَمْدٍ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهَا زَلَّةٌ فَهُوَ أَعْذَرُ مِنْهُ، وَكِلَاهُمَا مُفرطٌ فِيمَا أُمِرَ بِهِ.

الشيخ: والواجب التَّثبت حتى يعلم أنَّ ما أفتى به العالم موافق للصواب، أما أن يُقلده فيما يُقال لأنه يحترمه، أو لكثرة علمه، أو ما أشبه ذلك، لا، قد يقع هو والمقلد في الباطل فيضرّ نفسه ويضرّ غيره، فالواجب البحث والعناية، يقول ﷺ: مَن يُرد الله به خيرًا يُفقهه في الدِّين، فالمقام مقام عنايةٍ وتعلمٍ وتبصرٍ ونظرٍ في الأدلة.

س: ...............؟

الشيخ: عليهم أن يسألوا أهلَ العلم الذين يعرفونهم بالبصيرة والعلم، هذه طاقتهم، ما عندهم علمٌ هم.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَ عُمَرُ: يُفْسِدُ الزَّمَانَ ثَلَاثَةٌ: أَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ حَقٌّ، وَزَلَّةُ الْعَالِمِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُعَاذًا كَانَ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ إلَّا قَالَ حِينَ يَجْلِسُ: اللَّهُ حَكَمُ قِسْطٍ، هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ الضَّلَالَةَ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ. قُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِينِي رَحِمَك اللَّهُ أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ قَالَ لِيَ: اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْبِهَاتِ الَّتِي يُقَالُ: مَا هَذِهِ، وَلَا يُثْنِيَك ذَلِكَ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ، وَتَلق الْحَقَّ إذَا سَمِعْتَه، فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا.

الشيخ: وهذه النَّصيحة: الحقّ عليه نور، بالتَّدبر والتَّأمل يتَّضح الحقّ من أدلته، والحكيم العالم قد يغلط ثم يرجع إلى الصواب، فما يُستغرب من كلامه يتوقف فيه حتى يتّضح أمره، والحكيم أو العالم قد يزل ثم يرجع، يتبصر ويرجع إلى الصواب.

وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْلٌ لِلْأَتْبَاعِ مِنْ عَثَرَاتِ الْعَالِمِ، قِيلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ؟ قَالَ: يَقُولُ الْعَالِمُ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ، ثُمَّ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَدَعُ مَا كَانَ عَلَيْهِ.

وَفِي لَفْظٍ: فَيَلْقَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ، فَيُخْبِرُهُ، فَيَرْجِعُ، وَيَقْضِي الْأَتْبَاعُ بِمَا حَكَمَ.

وَقَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ: اتَّقُوا زَلَّةَ الْعَالِمِ. فَسَأَلَهُ عُمَرُ: مَا زَلَّةُ الْعَالِمِ؟ قال: يَزِلُّ بِالنَّاسِ فَيُؤْخَذُ بِهِ، فَعَسَى أَنْ يَتُوبَ الْعَالِمُ وَالنَّاسُ يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ.

وَقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِثَلَاثٍ: دُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ، وَزَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ؟ فَسَكَتُوا، فَقَالَ: أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنِ اهْتَدَى فَلَا تُقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ، وَإِنِ افْتُتِنَ فَلَا تَقْطَعُوا مِنْهُ إيَاسَكُمْ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَفْتَتِنُ ثُمَّ يَتُوبُ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَلَهُ مَنَارٌ كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، فَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهُ، وَمَا شَكَكْتُمْ فَكِلُوهُ إلَى عَالِمِهِ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ الْغِنَى فِي قَلْبِهِ فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ لَا فَلَيْسَ بِنَافِعَتِهِ دُنْيَاهُ.

وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ: كَيْفَ أَنْتُمْ عِنْدَ ثَلَاثٍ: زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَدُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ؟ فَأَمَّا زَلَّةُ الْعَالِمِ فَإِنِ اهْتَدَى فَلَا تُقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ، وَأَمَّا مُجَادَلَةُ الْمُنَافِقِ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ لِلْقُرْآنِ مَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، فَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَخُذُوهُ، وَمَا لَمْ تَعْرِفُوهُ فَكِلُوهُ إلَى اللَّهِ، وَأَمَّا دُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ فَانْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ دُونَكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ.

الشيخ: يعني في الدنيا؛ لأنه إذا نظر إلى مَن فوقه في الدنيا تعب، وربما استحلَّ ما حرَّم الله، وأخذ بالشبهات، واجترأ على المحارم، ولكن ينظر إلى مَن دونه؛ حتى يعرف فضلَ الله عليه، أما في الدِّين فينظر مَن فوقه حتى يتأسَّى به في الخير.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَتُشَبَّهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ بِانْكِسَارِ السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا غَرِقَتْ غَرِقَ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَإِذَا صَحَّ وَثَبَتَ أَنَّ الْعَالِمَ يَزِلُّ وَيُخْطِئُ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ وَيَدِينَ بِقَوْلٍ لَا يَعْرِفُ وَجْهَهُ.

وَقَالَ غَيْرُ أَبِي عُمَرَ: كَمَا أَنَّ الْقُضَاةَ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، فَالْمُفْتُونَ ثَلَاثَةٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي كَوْنِ الْقَاضِي يُلْزِمُ بِمَا أَفْتَى بِهِ، وَالْمُفْتِي لَا يُلْزِمُ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، وَلَا تَغْدُ إمَّعَةً فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: فَسَأَلْتُ سُفْيَانَ عَنِ الْإِمَّعَةِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَدْعُوا الْإِمَّعَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي يُدْعَى إلَى الطَّعَامِ فَيَأْتِي مَعَهُ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ فِيكُم الْمُحْقِبُ دِينَهُ الرِّجَالَ.

الشيخ: المحقب يعني: المقلِّد.

وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو النَّصْرِيُّ: حدَّثنا أَبُو مُسْهِرٍ: حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ -ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ- أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إنَّ حَدِيثَكُمْ شَرُّ الْحَدِيثِ، إنَّ كَلَامَكُمْ شَرُّ الْكَلَامِ؛ فَإِنَّكُمْ قَدْ حَدَّثْتُمُ النَّاسَ حَتَّى قِيلَ: قَالَ فُلَانٌ، وَقَالَ فُلَانٌ، وَيُتْرَكُ كِتَابُ اللَّهِ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَائِمًا فَلْيَقُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَإِلَّا فَلْيَجْلِسْ.

فَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ لِأَفْضَلِ قَرْنٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ مَا أَصْبَحْنَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ لِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ؟! فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

الشيخ: وهذا فيه الحثّ على العناية بالقرآن وتدبر القرآن حتى يستفيد؛ لأنَّ الله يقول: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29]، فطالب العلم يتدبر ويتعقل، والعامي يقرأ ويتدبر ويسأل عمَّا أشكل عليه من كلام الله وكلام رسوله ﷺ حتى يستفيد، وحتى يحصل له العلم بما قاله الله ورسوله.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ -وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَسْتَغْنِي عَنِ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ- يَا كُمَيْلُ، إنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ، وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ صَائِحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَؤُوا إلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ.

ثُمَّ قَالَ: آهْ! إنَّ هَاهُنَا عِلْمًا -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى صَدْرِهِ- لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، بَلْ قَدْ أَصَبْتُ لَقِنًا غَيْرَ مَأْمُونٍ، يَسْتَعْمِلُ آلَةَ الدِّينِ للدُّنْيَا، وَيَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ اللَّهِ عَلَى كِتَابِهِ، وَبِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ. أَوْ حَامِل حَقٍّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي إحْيَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، لَا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ؟ إنْ قَالَ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ، مَشْغُوفٌ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ فُتِنَ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ دِينَهُ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ لَا يَعْرِفَ دِينَهُ.

وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إيَّاكُمْ وَالِاسْتِنَانَ بِالرِّجَالِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَبِالْأَمْوَاتِ لَا بِالْأَحْيَاءِ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا: إنْ آمَنَ آمَنَ، وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشَّرِّ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يَذْهَبُ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ يَتَّخِذُ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، يُسْأَلُونَ فَيفْتُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا كُلُّهُ نَفْيٌ لِلتَّقْلِيدِ، وَإِبْطَالٌ لَهُ لِمَنْ فَهِمَهُ وَهُدِيَ لِرُشْدِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِالْأَعْلَى: حدَّثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: اضْطَجَعَ رَبِيعَةُ مُقَنِّعًا رَأْسَهُ وَبَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيك؟ فَقَالَ: رِيَاءٌ ظَاهِرٌ، وَشَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ، وَالنَّاسُ عِنْدَ عُلَمَائِهِمْ كَالصِّبْيَانِ فِي إمَامِهِمْ: مَا نَهَوْهُمْ عَنْهُ انْتَهَوْا، وَمَا أُمِرُوا بِهِ ائْتَمَرُوا.

وَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِرِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ بَهِيمَةٍ تَنْقَادُ وَإِنْسَانٍ يُقَلِّدُ.

ثُمَّ سَاقَ مِنْ حَدِيثِ جَامِعِ بْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ أَبِي نُعَيْمَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنِ اسْتَشَارَ أَخَاهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدِهِ فَقَدْ خَانَهُ، وَمَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا بِغَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إثْمُهَا عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِفْتَاءِ بِالتَّقْلِيدِ، فَإِنَّهُ إفْتَاءٌ بِغَيْرِ ثَبْتٍ؛ فَإِنَّ الثَّبْتَ الْحُجَّةُ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْحُكْمُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ.

وَقَدِ احْتَجَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ النَّظَرِ عَلَى مَنْ أَجَازَ التَّقْلِيدَ بِحُجَجٍ نَظَرِيَّةٍ عَقْلِيَّةٍ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ، فَأَحْسَنُ مَا رَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، وَأَنَا أُورِدُهُ، قَالَ: يُقَالُ لِمَنْ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ: هَلْ لَك مِنْ حُجَّةٍ فِيمَا حَكَمْتَ بِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: "نَعَمْ" بَطَلَ التَّقْلِيدُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ، لَا التَّقْلِيدَ.

وَإِنْ قَالَ: "حَكَمْتُ بِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ"، قِيلَ لَهُ: فَلِمَ أَرَقْتَ الدِّمَاءَ، وَأَبَحْتَ الْفُرُوجَ، وَأَتْلَفْتَ الْأَمْوَالَ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ؟ قَالَ اللَّهُ : إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا [يونس:68] أَيْ: مِنْ حُجَّةٍ بِهَذَا.

فَإِنْ قَالَ: "أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أَصَبْتُ وَإِنْ لَمْ أَعْرِف الْحُجَّةَ؛ لِأَنِّي قَلَّدْتُ كَبِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ لَا يَقُولُ إلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ".

قِيلَ لَهُ: إذَا جَازَ تَقْلِيدُ مُعَلِّمِك لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَلَيْك فَتَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِك أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَلَى مُعَلِّمِك، كَمَا لَمْ يَقُلْ مُعَلِّمُك إلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَلَيْك.

فَإِنْ قَالَ: "نَعَمْ" تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِهِ إلَى تَقْلِيدِ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ أَعْلَى حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ نَقَضَ قَوْلَهُ، وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تُجَوِّزُ تَقْلِيدَ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَأَقَلُّ عِلْمًا، وَلَا تُجَوِّزُ تَقْلِيدَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ وَأَكْثَرُ عِلْمًا، وَهَذَا تَنَاقُضٌ؟!

فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ مُعَلِّمِي وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ فَقَدْ جَمَعَ عِلْمَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ إلَى عِلْمِهِ، فَهُوَ أَبْصَرُ بِمَا أخذَ، وَأَعْلَمُ بِمَا تركَ.

قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ مَنْ تَعَلَّمَ مِنْ مُعَلِّمِك فَقَدْ جَمَعَ عِلْمَ مُعَلِّمِك وَعِلْمَ مَنْ فَوْقَهُ إلَى عِلْمِهِ، فَيَلْزَمُك تَقْلِيدُهُ وَتَرْكُ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِك، وَكَذَلِكَ أَنْتَ أَوْلَى أَنْ تُقَلِّدَ نَفْسَك مِنْ مُعَلِّمِك؛ لِأَنَّك جَمَعْتَ عِلْمَ مُعَلِّمِك وَعِلْمَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ إلَى عِلْمِك. فَإِنْ قَلَّدَ قَوْلَهُ جَعَلَ الْأَصْغَرَ وَمَنْ يُحَدِّثُ مِنْ صِغَارِ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ الصَّاحِبُ عِنْدَهُ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ التَّابِعِ، وَالتَّابِعُ منْ دُونه فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ، وَالْأَعْلَى لِلْأَدْنَى أَبَدًا، وَكَفَى بِقَوْلٍ يَؤولُ إلَى هَذَا تَنَاقُضًا وَفَسَادًا.

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ ..