ما يلزم من كان يسجد سجدة واحدة في كل ركعة جهلًا منه؟

السؤال:
هذه رسالة وردتنا من أحد السادة المستمعين، يقول في رسالته: السؤال الأول: كنت أصلي وما زلت والحمد لله، ولكن بداية صلاتي كنت أصلي نصف صلاة أي مثل صلاة الفجر سجدتين أتصور أني أصلي صلاة كاملة، وكذلك صلاة الظهر أربع ركعات كنت أصليها أربع سجدات، وكذلك الفرض...
الشيخ: أعد .. أعد.
المقدم: يقول: كنت أصلي وما زلت والحمد لله، ولكن بداية صلاتي كنت أصلي نصف صلاة أي مثل صلاة الفجر سجدتين أتصور أني أصلي صلاة كاملة، وكذلك صلاة الظهر أربع ركعات كنت أصليها أربع سجدات، وكذلك الفرض لصلوات أخرى، ويقول: استمريت على هذا المنهج حوالي أربع سنوات، والأمر الذي جعلني أستمر على هذا الخطأ هو الحياء، أستحي أن أسأل أحدًا حتى والدي الذي هو معي في البيت، وإني مقتنع إذا سألته سوف يجيبني بالحقيقة، لكن لم أسأله، وبعد هذه الفترة الطويلة - أي: أربع سنوات - أو أقل أو أكثر فإني سألت أحد الأشخاص وقال لي: إن صلاتك نصف الفرض، سؤالي: هل علي قضاء؟ وكيف أصليها قضاء؟ الله يوفقكم ويوفقنا لما فيه الخير.

الجواب:
هذه المسألة غريبة جدًا، رجل بين المسلمين تخفى عليه صفة الصلاة ويصلي في كل ركعة سجدة واحدة، لا حول ولا قوة إلا بالله! لا ريب أن هذا من ثمرات التخلف عن الصلاة في الجماعة، لو كان السائل يصلي في الجماعة لعرف كيف يصلي ولرأى الناس يصلون سجدتين في كل ركعة، ولكن بسبب صلاته في البيت وعدم السؤال وقع في هذا الغلط الكبير.
والعلم يطلب ويسأل عنه ولا يستحيا في طلبه، يقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا[البقرة:26]، ويقول سبحانه في آية الأحزاب: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ[الأحزاب:53]، فهو لا يستحي أن يقول الحق وأن يأمر بالحق جل وعلا، وتقول أم سليم لما سألت النبي ﷺ: «يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال النبي ﷺ: نعم، إذا هي رأت الماء.
فالحق ليس فيه حياء أن يسأل عنه ويتفقه فيه المسلم والمسلمة، وقال مجاهد بن جبر التابعي الجليل رحمه الله: "لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر"، فالمستحي لا يتعلم والمتكبر لا يتعلم، فلا يليق بالمؤمن أن يستحي في العلم، وهذا ليس بحياء في الحقيقة ولكنه ضعف وخور وتهاون وتكاسل وإلا فالحياء الصحيح الحياء المشروع يدعو إلى الخير ولا يمنع من الخير، مثلما قال النبي ﷺ: الحياء خير كله، الحياء لا يأتي إلا بخير، الحياء من الإيمان.
فالحياء كله خير، وهو خلق كريم، يدعو إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وينهى عن سفاسف الأخلاق، وسيىء الأعمال.
والذي يظهر من الشريعة أنك أيها السائل ليس عليك القضاء؛ لأنك في حكم المتعمد لعدم سؤالك مع تيسر السؤال، وعلى فرض أنك جاهل وأنك تظن أن هذا هو الصواب، فإن المدة قد طالت، والجهل بهذا عظيم، فعليك التوبة والإنابة إلى الله والاستغفار وعدم العود إلى مثل هذا العمل، وعليك أن تسأل أهل العلم عن كل شيء وأن تصلي مستقبلًا كما يصلي المسلمون، كل ركعة فيها ركوع وفيها سجدتان، كل ركعة في الفريضة والنافلة فيها ركوع في الهواء وفيها سجدتان في الأرض، لا بد من هذا.
فعليك أن تستقبل حياتك بهذه الصلاة؛ كل ركعة فيها ركوع وسجدتان، وعليك أن تصلي مع المسلمين في المساجد ولا تصلي في البيت، الصلاة في المساجد مع المسلمين أمر لازم وأمر مفترض، كما في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر، وسأله عليه الصلاة والسلام رجل أعمى فقال: «يا رسول الله! ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب، فأمره أن يجيب النداء ولم يرخص له مع أنه أعمى بعيد الدار، ليس له قائد يلائمه، ومع هذا أمره أن يصلي في المسجد ولم يرخص له في أن يصلي في بيته، فكيف بحال البصير والصحيح؟ حاله أقل عذرًا من ذلك، بل لا عذر له ما دام صحيحًا يسمع النداء بصيرًا، فهو أعظم من ذاك الذي ليس له قائد وهو أعمى، فالواجب عليه أعظم، فإذا كان الأعمى لا يعذر فالذي هو بصير قوي قادر لا يعذر من باب أولى.
والنبي ﷺ لما سأله الأعرابي الذي دخل المسجد فنقر الصلاة قال له النبي ﷺ: ارجع فصل فإنك لم تصل، صلاها ثلاث مرات ثم قال: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني. فقال له النبي ﷺ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها هكذا أمره عليه الصلاة والسلام بأن يصلي هكذا بالطمأنينة والاعتدال والخشوع وعدم العجلة، ولم يأمره بقضاء الماضي، ما أمره بقضاء الصلوات الماضية التي لم يكملها بل نقرها لجهله وقلة بصيرته فلهذا أمره أن يستقبل أمره ويصلي صلاة مستقيمة يطمئن فيها لربه ويخشع ولم يأمره بقضاء الماضي.
فهكذا أنت؛ لأنك تركت الصلاة في الحقيقة عن جهل وقلة بصيرة وتفريط فعليك التوبة إلى الله والإنابة إليه، ولا يلزمك القضاء للمدة الماضية فيما يظهر من قواعد الشرع ومن هذا الحديث الشريف، والله يتوب عليك، وعليك بالإكثار من الأعمال الصالحات والاستغفار، والاستكثار من ذكر الله فإن الحسنات يذهبن السيئات، والله المستعان. نعم.

فتاوى ذات صلة