عقيدة السلف في صفات الله والبعث والجزاء

السؤال:
هذا سائل يقول في هذا السؤال: سماحة الشيخ! بينوا لنا كيف كانت عقيدة أصحاب رسول الله ﷺ في صفات الله وفي توحيد الله وفي القرآن وفي البعث والجزاء جزاكم الله خيرًا.

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:
فهذا سؤال عظيم جدير بالعناية، عقيدة أصحاب النبي ﷺ في أسماء الله وصفاته وفي البعث والنشور وفي غير ذلك هي ما دل عليه القرآن العظيم والسنة المطهرة الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم تلقوا عن نبيهم العقيدة التي دل عليها القرآن العظيم وهي: الإيمان بالله وأنه ربهم ومعبودهم الحق الذي لا تجوز العبادة إلا له ، فهو الذي يصلى له ويدعى ويستغاث به وينذر له ويصلى له ويسجد ويذبح له.. إلى غير ذلك، العبادة حقه .
فعقيدتهم أن العبادة حق الله وحده، وأنه لا يصرف منها شيء لغير الله لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، وقد كانوا في الجاهلية يعبدون الأصنام ويدعونها ويستغيثون بها والأشجار والأحجار فلما بعث الله نبيه محمد ﷺ وهداهم الله للإسلام عرفوا أن ما هم عليه هو الباطل وأنه الشرك الأكبر، وأن العبادات كلها يجب أن تكون لله وحده.
وعقيدتهم في أسماء الله وصفاته الإيمان بها وإمرارها كما جاءت، وعدم التكييف والتمثيل، فهم يؤمنون بأن الله هو السميع البصير الحكيم العليم الرحمن الرحيم، وأنه على العرش استوى فوق جميع الخلق، وأنه العلي العظيم ، وأنه الحي القيوم، وأنه مصرف لعباده كيف يشاء، مدبر الأمور، وخالق الخلق، ورازق العباد، لا شبيه له، ولا مثل له، ولا كفء له، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، ويقول سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].
فهذه عقيدة أصحاب النبي ﷺ في أسماء الله وصفاته، يؤمنون بأنه سبحانه فوق العرش فوق جميع الخلق، وأنه العلي العظيم، وأن الأعمال ترفع إليه -الأعمال الصالحة- كما قال جل وعلا: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، وقال جل وعلا: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4]، والعروج: الصعود من أسفل إلى أعلى، وقال جل وعلا: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12]، قال: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255]، وقال في حق عيسى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55]، وقال: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158].
فهو فوق العرش فوق جميع الخلق، فهو العلي الأعلى، هو فوق العرش كما قال تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ[غافر:15]، فهو فوق العرش، فوق جميع الخلق، قد استوى عليه، والاستواء: هو العلو والارتفاع فوق العرش، استواءً يليق بجلال الله، لا يشابه خلقه في استوائهم ولا في كلامهم ولا في غير ذلك، فهو العلي الأعلى فوق العرش بلا كيف، أهل السنة والجماعة وهم أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم لا يكيفون، لا يقولون: استوى كيف استوى؟ بل يقولون: استوى على العرش بلا كيف، يعني: على الكيف الذي يعلمه سبحانه، لا نعلم كيفية صفاته جل وعلا، بل نقول: استوى بلا كيف، وهو الرحمن الرحيم، وهو العزيز الحكيم، وهو السميع البصير بلا كيف، لكن نعلم يقينًا أن صفاته كاملة، وأنه لا شبيه له ولا مثل له، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].
فلا يجوز لأحد أن يكيفها ولا أن يمثلها، فالمشبهة كفار، من شبه الله بخلقه فقد كفر وكذب قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، ومن عطل صفاته وأنكرها كـالجهمية كفر، أو عطل معانيها كـالمعتزلة كفر، فالواجب إثبات أسمائه وصفاته لفظها ومعناها، يجب إثبات الأسماء والصفات لفظًا ومعنى لله ، فهو موصوف بها وهو له معناها، فهو العلي وله العلو، رحمن له الرحمة، سميع يسمع، بصير يبصر.. إلى غير ذلك، كلها حق على الوجه اللائق بالله لا شبيه له في ذلك ولا كفء له ولا ند له .
وكلام الله منزل غير مخلوق، تكلم بالقرآن، وكلامه منزل غير مخلوق، وهكذا كلم موسى، كلم محمد ﷺ، يكلم الملائكة، كلامه حق يسمع ليس كمثله شيء، كلامه تقول فيه كسائر الصفات، كلام صحيح حقيقي لا يشبه كلام المخلوقين، صفة من صفاته، كالسمع والبصر والرضا والغضب والرحمة وغير ذلك من صفاته جل وعلا.
فالواجب على جميع المكلفين الإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ومن دون زيادة أو نقص بل يجب إثبات ما أثبته الله ورسوله، ونفي ما نفاه الله ورسوله، هذا هو عقيدة أهل السنة والجماعة وعقيدة الصحابة وأرضاهم.
وأما الذين غيروا وبدلوا فليسوا من الصواب في شيء، وليسوا من أهل السنة في شيء كـالجهمية، والمعتزلة، والرافضة.. وغيرهم، أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله سبحانه واحد لا شريك له، ويعتقدون معنى قول: لا إله إلا الله، وأن معناها: لا معبود حق إلا الله فهم يؤمنون بأنه سبحانه المعبود الحق، وأنه لا إله غيره لا شريك له، ويؤمنون بأنه سبحانه ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأن أسماءه كلها حسنى، وأن صفاته كلها علا لا يشبه شيئًا من خلقه في شيء من صفاته.
والواجب على جميع المكلفين الإيمان بذلك والسير على منهج الصحابة وأرضاهم وهو توحيد الله والإخلاص له، والإيمان بأنه يستحق العبادة، والإيمان بأسمائه وصفاته وأنها حق، وأنه سبحانه لا شبيه له ولا مثل له ولا كفء له، ولا يقاس بخلقه ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]، فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74]، هذا هو دين الله، هذا هو الحق الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، نعم.
المقدم: جزاكم الله خيرًا سماحة الشيخ. 

فتاوى ذات صلة