وجوب الاهتمام بالعقيدة

السؤال:
المستمع (س. ع. م. ل) من الحبشة مقيم في مدينة جدة بعث برسالة يقول فيها: لقد تعلمت في بلدي الحبشة بعض العلوم الدينية ولكني لا أعلم صحتها خاصة فيما يتعلق بالعقيدة إذ تتخللها بعض التهويمات الصوفية، أدركت هذا بعد قدومي إلى هذا البلد، أرجو توجيهي، جزاكم الله خيرًا.

الجواب:
العقيدة أهم الأمور وهي أصل الدين وأساس الملة، وهي التي بدأ بها الرسل عليهم الصلاة والسلام أممهم، وبدأ بها نبينا ﷺ أمته فمكث في مكة بعد النبوة عشر سنين يدعو إلى توحيد الله، والإخلاص له، والإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه رب العالمين، وأنه الخلاق العليم، وأنه مستحق للعبادة، وكانت العرب تعرف أن الله رب العالمين وأنه خالقهم ولكنهم يتخذون معه الأنداد والآلهة من الشجر والحجر والأصنام وبني آدم والجن.. وغير ذلك، ... بيَّن لهم ﷺ أن العبادة حق الله وحده، وأن الواجب عليهم إخلاص العبادة لله وحده، وقال: يا قومي! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، فلما قال لهم هذا استنكروا ذلك وأنزل الله في حقهم قوله تعالى عنهم أنهم قالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ[ص:5].
فالعقيدة هي أهم الأمور وهي أساس الدين، فالواجب على طالب العلم أن يعتني بها حتى يتقنها على بصيرة وحتى يعلمها على بينة.
والخلاصة في ذلك أن الذي عليه أهل السنة والجماعة وهو الذي بعث الله به الرسل وبعث بهم خاتمهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو الإيمان بالله وحده، والإخلاص في عبادة الله جل وعلا، والإيمان بأنه مستحق للعبادة، فلا يدعى إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يتقرب بالذبائح والنذور إلا له .. إلى غير هذا من العبادات كما قال سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ[البينة:5]، قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ[الإسراء:23]، وقال سبحانه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة:5]، وقال : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ[الأنعام:162-163].
وهذه العبادة خلق الله من أجلها الثقلين كما قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[الذاريات:56] المعنى: ليخصوني بالعبادة بالدعاء والخوف والرجاء والتوكل والصلاة والصوم والذبح والنذر ونحو ذلك، وبعث الله الرسل بذلك قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[النحل:36]، والطاغوت: كل ما عبد من دون الله، قال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ[الأنبياء:25].
فالتقرب إلى أصحاب القبور بالذبائح أو بالنذور أو بالدعاء أو طلب الشفاء أو المدد هذا من الشرك بالله ، وهو يناقض قول: لا إله إلا الله، فالواجب على المسلمين أن يعبدوا الله وحده وأن يخصوه بدعائهم وخوفهم ورجائهم وذبحهم ونذرهم وصلاتهم وصومهم ونحو ذلك.
أما الأموات المسلمون يدعى لهم بالمغفرة والرحمة، تزار قبورهم للذكرى ذكر الآخرة.. ذكر الموت وللدعاء لهم: اللهم اغفر لهم اللهم ارحمهم، كان النبي يزور القبور عليه الصلاة والسلام ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة ويقول: زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة، وكان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، فعلم أصحابه أن يدعوا للأموات ويستغفرون لهم ويترحموا عليهم لا أن يُدْعَوا مع الله، ولا أن يستغاث بهم، ولا أن يطلب منهم مدد، لا، هم عاجزون عن ذلك، هذا بيد الله وفي حاجة إلى الدعاء لهم في حاجة إلى أن يدعو لهم أخوهم المسلم ويستغفر لهم.
كان يزور البقيع عليه الصلاة والسلام ويقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين غدًا مؤجلون وأتاكم ما توعدون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد يدعو لهم عليه الصلاة والسلام، هذا هو الواجب وهذا هو المشروع في زيارة الموتى الدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، أما أن يطلب منهم مدد المدد المدد يا فلان! هذا من الشرك الأكبر، أو يا سيدي اشف مريضي، يا سيدي البدوي يا سيدي الحسين أو يا فلان أو يا فلان، هذا.. أو اشف لنا مرضانا أو المدد المدد أو انصرنا أو ما أشبه به هذا لا يجوز، بل هذا من أنواع الشرك الأكبر، وهكذا إذا فعله مع الأصنام أو مع الأشجار أو مع الجن كله شرك بالله .
أما الحي فلا بأس أن يطلب منه ما يقدر عليه من الأمور العادية الحي الحاضر القادر، تقول: يا أخي! ساعدني على كذا أقرضني كذا، فكني من خادمك، تعال لخادمك، أو لزوجتك، انهاه عني لا تؤذي بكذا، خادمك آذى فلان آذى جيرانكم حتى يمنع منه الأذى، الشيء المعتاد لا بأس به بين الناس وليس من الشرك، إنما الشرك طلب الأموات والاستغاثة بالأموات أو بالغائبين يعتقد أن فيهم سرًا، وأنهم يسمعون من بعيد يدعوهم يطلبهم المدد، هذا هو الشرك الأكبر.
أما حي حاضر قادر تخاطبه في أمور يقدر عليها أو تكتب إليه أو بالهاتف بالتلفون تقول له: أقرضني كذا أو ساعدني في مزرعتي في كذا أو بعني كذا أو ماذا ترى في كذا تشاوره في كذا، هذه أمور عادية بين المسلمين وغير المسلمين، بين الأحياء سواء كان من طريق المشافهة أو من طريق المكاتبة أو من طريق الهاتف - التلفون - أو البرقية أو ما أشبه ذلك، هذه أمور عادية ليس فيها بأس، إنما المنكر والشرك أن تدعو الأموات أو الأصنام الأحجار أو الأشجار تدعوهم تسألهم الشفاعة تسألهم الغوث المدد، أو الغائبين عنك الذين يسمعونك تعتقد فيهم أنهم يسمعونك وأن لهم سرًا، أو تدعو الجن أو ما أشبه ذلك هذا هو المنكر وهذا هو الشرك الذي أنكرته الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنكره نبينا عليه الصلاة والسلام، وبعث الله الرسل بإنكاره والتحذير منه.
نسأل الله أن يوفق المسلمين لكل خير، وأن يبصر المسلمين بما فيه رضاه، وأن يهدي جميع المسلمين للفقه في الدين.
المقدم: اللهم آمين، جزاكم الله خيرًا.

فتاوى ذات صلة