القول الفصل في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء والمعراج

السؤال:
السؤال الثاني لأخينا يقول: هل رأى رسول الله ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج، علمًا أني سمعت رجلًا يقول في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ۝ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ۝ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم:14-15]، أن جبريل عليه السلام لا يستطيع الوصول إلى هذا المكان إنما هو الله سبحانه؟ أرشدوني جزاكم الله خيرًا.

الجواب:
الصواب أن نبينا ﷺ لم ير ربه ليلة الإسراء والمعراج، وإنما رأى جبرائيل، هذا هو الصواب، كما قال الله سبحانه: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ۝ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ۝ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ۝ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:1-5]، هذا جبرائيل عليه الصلاة والسلام، ذُو مِرَّةٍ [النجم: 6]، يعني: ذو قوة فَاسْتَوَى ۝ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ۝ ثُمَّ دَنَا [النجم:1-8]، يعني: جبرائيل فَتَدَلَّى ۝ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:8-9]، يعني: من محمد عليه الصلاة والسلام.
فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ [النجم: 10]، يعني: أوحى جبرائيل إلى عبده، يعني: إلى عبد الله، الضمير يعود على الله لأنه معروف من السياق، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ۝ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ۝ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ۝ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ۝ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:10-14]، كل هذا في جبرائيل، هذا هو الصواب.
المقام كله في جبرائيل لا في الله ، هذا هو الحق، وقد وقع في رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بعض الأغلاط، وذكر ما يدل على أنه هو الله ، ولكنهم.. ولكن أهل الحق من أئمة الحديث غلطوا شريكًا في ذلك، فالصواب أن الآية في جبرائيل وأنه هو الذي رآه محمد عليه الصلاة والسلام، رآه نزلة أخرى ۝ عند سدرة المنتهى هذا هو جبرائيل عليه الصلاة والسلام، وكان رآه مرتين في صورته التي خلقه الله عليها، رآه في الأفق، ورآه عند السدرة، وله ستمائة جناح، كل جناح منها مد البصر، وهذه من آيات الله العظيمة .
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت النبي ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: رأيت نورًا، وفي اللفظ الآخر قال: نور أنى أراه!، فبين ﷺ أنه لم ير ربه، وإنما رأى نورًا، وسئلت عائشة عن ذلك، فأفادت أنه لم ير ربه، وتلت قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام: 103]، يعني: في الدنيا.
وأما في الآخرة فيراه النبي ﷺ والمؤمنون، يرونه يوم القيامة ويرونه في الجنة كما يشاء ، هذا بإجماع أهل السنة والجماعة، أن المؤمنين يرونه يوم القيامة في عرصات القيامة، ويراه المؤمنون أيضًا في الجنة، كما تواترت به الأخبار عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال للصحابة: هل تضارون في رؤية الشمس صحوًا ليس دونها سحاب ؟ قالوا: لا ، قال: هل تضارون رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم سترون ربكم كذلك، يعني: ترونه كما ترون هذه الشمس وهذا القمر، يعني: رؤية حقيقة، فهذا واضح في إثبات الرؤية وأن المؤمنين يرون ربهم جل وعلا يوم القيامة وفي دار الكرامة كما ترى الشمس وكما يرى القمر.
وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا بالمرئي، ليست تشبيه المرئي بالمرئي، ربنا لا شبيه له ، ليس كمثله شيء ، ولكن الرسول ﷺ شبه الرؤية في وضوحها وأنها يقين كرؤية الشمس والقمر، يعني: أنها رؤية واضحة ثابتة يقينية لا شبهة فيها، أما المرئي سبحانه فليس له شبيه ولا نظير جل وعلا، وهذا هو قول أهل الحق، هذا قول أهل السنة والجماعة.
وقد ثبت هذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث جرير بن عبد الله البجلي ومن أحاديث أخرى كثيرة متواترة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في إثبات رؤية الله جل وعلا يوم القيامة يراه المؤمنون، ويراه المؤمنون أيضًا في الجنة.
أما الكفار فإنهم محجوبون عن الله ، كما أخبر بهذا سبحانه في قوله: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ۝ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:14-15]، فهم محجوبون عن رؤية الله ، لا يرونه، أما أهل الإيمان فيرونه، وهذا معنى قوله سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة: 22]، يعني: من البهاء والحسن، ناضرة من النضارة، وهي البهاء والحسن والجمال، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 23]، إليه سبحانه، تنظر إليه ، كما يشاء فضلاً منه وإحساناً ، وكما قال : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: 26]، المعنى: للذين أحسنوا في الدنيا الحسنى في الآخرة وهي الجنة، وزيادة: وهي النظر إلى وجه الله .
فالواجب على كل مؤمن وعلى كل مؤمنة أن يعتقد ذلك، وأن يؤمن بذلك وأن يبرأ إلى الله من طريقة أهل البدع، الذين أنكروا الرؤية ونفوها كـالجهمية والمعتزلة ومن سار في ركابهم، هذا القول من أبطل الباطل وأضل الضلال، وجحد لما بينه الله في كتابه وما بينه رسوله عليه الصلاة والسلام، نسأل الله أن لا يحجبنا من رؤيته، وأن يوفقنا وجميع إخواننا المؤمنين لرؤيته والتنعم بذلك في القيامة وفي دار الكرامة ..... هذه الكتب وأشباهها من الكتب الطيبة المؤلفة في العقيدة ..... لأن المقصود أن لا يجلس ......

فتاوى ذات صلة